تجربة ”الديمقراطية“ والحضور الجماهيري الفاعل

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الم ﴿١ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿٢ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّـهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿٣ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿٤ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّـهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّـهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٥ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴿٦

(سورة العنكبوت المباركة)

.
تجربة (الديمقراطية) والحضور الجماهيري الفاعل في الساحة السياسية

إعداد / بشير عباس

كثيراً من الاحيان تحجب رؤية شجرة واحدة في غابة كبيرة رؤية الغابة كاملة، فترى الانسان ينشغل بهذه الشجرة ويترك المساحات الشاسعة والواسعة من الاراضي الخضراء. كذلك حالنا اليوم عندما ننشغل بمشكلة صغيرة وثانوية ونترك دراسة الحالة العامة التي تحيط بنا. ولعل هذا هو السبب الرئيس في ان الناس في العراق وكذلك المسؤولين وكذلك اصحاب الرأي واصحاب القلم والبصيرة والعلم والمعرفة، كل هؤلاء جميعا يقفون حيارى إزاء ما يحيط بهم، ولم يحددوا الرؤية المناسبة لأوضاعهم، فلا يخرجون من حفرة الا ويقعون في اختها. يحاربون الارهاب ويطردونه من باب لكنه يعود اليهم من باب اخرى، او بطريقة ثانية، او انهم يحاربون الفقر فاذا بالتضخم يبتلع كل مكاسبهم.
هنا ينبغي ان ندرس القضية بنظرة شمولية واسعة. لا ان نفكر في علاجات مؤقتة من قبيل المسكنات فيهدأ الالم لكن يبقى

المرض والألم، واذا بالناس. ولسان حال الناس بيت الشعر: كل من تلقاه يشكو دهره ــ لست ادري هذه الدنيا لمن

التطبيق الخاطئ للديمقراطية

المشكلة الحادة والاساسية التي يعيشها العراق و ربما سائر البلاد الاسلامية، اننا نخرج من حفرة الدكتاتورية والحكم الشمولي فنقع في بئر عميقة وهي بئر الديمقراطية ومشاكلها. فلا استطعنا ان نرجع الى مشيتنا ولا تعلمنا من مشية الاخرين. فيكون حالنا حال الغراب الذي اراد ان يتعلم مشية الطاووس فنسي مشيته ولم يتعلم مشية الطاووس…!
عندما نريد الاستفادة من نظرية الديمقراطية المجربة في الغرب، علينا ان نعرف ان الغرب طبق هذه النظرية ضمن سياق تاريخي تكامل مع الزمن خلال ثلاثة قرون، فتكاملت الديمقراطية في الغرب في فترات زمنية تخللتها ازمات وحروب واخطاء فادحة، حتى عرفوا كيفية تطبيق هذه النظرية على واقعهم ويستفيدوا منها لعلاج مشاكلهم. أما نحن الذين نريد اليوم وبين عشية وضحاها ان نقلد الغرب في كلما جربوه، فانه يعد أمراً غير منطقي بالمرة، وذلك لأسباب:
أولاً: في الجانب السياسي؛ هنالك اجواء ديمقراطية مهيمنة على التجربة الانتخابية في بلاد الغرب تضمن الى حدٍ ما نزاهة هذه الانتخابات، ومن هذه الانتخابات تتشكل الحكومة، وبسبب تلكم الاجواء الديمقراطية فان علاقة الشعب بحكومته المنتخبة تكون قوية الى درجة كبيرة، ولذا نجد هنالك خشية ورهبة من السياسيين من أي زلل او خطأ يفضحهم امام الناس، ومثال ذلك ما نسمعه في الاعلام من فضيحة جنسية سقط فيها رئيس صندوق النقد الدولي، وهي من اكبر المؤسسات الاقتصادية العالمية، ثم انه يعد من قيادي الحزب الاشتراكي في فرنسا وكان مرشحاً قوياً لمنصب رئيس جمهورية فرنسا، لكن كل ذلك لم يشفع له أمام القضاء والعدالة التي تحميها الديمقراطية، وبات اليوم رهين المعتقل بعد ان جُرد من مناصبه ومكانته الاجتماعية والسياسية وسقطت سمعته عالمياً، وحُشر مع المجرمين واللصوص في احدى السجون الامريكية. بهذا الشكل نجد النظام السياسي يصلح نفسه بنفسه، وهذا بفضل استقلالية القضاء و وجود منظمات المجتمع المدني.

ثانياً:  الاعلام… في الغرب صحافة عريقة واعلام ذو مبادئ واهداف واضحة، فبالرغم من وجود بعض القيود من مؤسسات سياسية ومخابراتية، لكن الحقيقة تعد خطاً احمراً يخشاه الجميع في الغرب مهما كان منصبه، وهذه الحقيقة تظهر على صفحات الجرائد سابقاً واليوم على صفحات الانترنت وحتى في الكتب التي يؤلفها اعلاميون او سياسيون متنفذون. وقد شهد العالم كيف ان صحفياً واحداً تمكن من الاطاحة برئيس امريكي وسياسي مخضرم مثل ريتشارد نيكسون عام عام 1973 وكان هذا الرئيس قد حاز على ولاية ثانية في الحكم، وهو شخصية معروفة جداً محلياً ودولياً، لكن فضيحة (ووترغيت) جعلت منه شخصية منبوذة لأنها كشفت حقيقته بانه مجرد جاسوس يتلصص على خصومه في الحزب الديمقراطي.

وهذا لا يعني ان الديمقراطية في الغرب خالية من الشوائب والتناقضات، ونحن لدينا العديد من الملاحظات عليها، لكن المسألة هنا اننا نريد الاقتباس من هذه الديمقراطية الغربية في وقت بلادنا تخلو من صحافة مستقلة ومهنية، إنما الموجود هو ارتباط هذه الوسيلة الاعلامية بهذا النظام او ذاك. والمثال البارز لذلك قناة (الجزيرة)، فقد استبشر الناس في العالم العربي بهذه الفضائية كونها وضعت في منهجها تغطية مختلف القضايا في العالم لاسيما العالم الاسلامي، واليوم تتابع هذه الفضائية تجد انها تغطي الاحداث في المغرب العربي من تونس حتى مصر ثم سوريا والاحداث في اليمن لكن احداثاً جمّة وعظيمة تقع بالقرب منها وفي دولة البحرين نراها تغمض عينيها وتصم اذنيها! إذن، فالهمّ ليس اعلامياً إنما سياسياً، فالبحرين جارة لقطر وهما ضمن تحالف سياسي وعسكري في (مجلس التعاون الخليجي)، ولابد من تغطية سلبيات الاخر، ولابد من مراعاة مصالح البلد الآخر حتى وان كان يمارس الجريمة والابادة الجماعية.

ثالثاً : الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني.. ففي بلادنا لاسيما العراق، ما تزال الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني حديثة العهد بالعمل السياسي المعارض للنظام الحاكم، لأن المفترض من الاحزاب او المنظمات ان تكون بحيث اذا رأت مخالفة في الحكم او انحراف تنزل الى الشارع وتترك اثرها في القرار السياسي، وربما تكون عاملاً في استقالة الحكومة او تنظيم انتخابات مبكرة او تعديل دستوري وغير ذلك. أما عندنا فان النظام الحاكم لايمكنه العيش في ظل هكذا طريقة، لذا لانجد في الشارع الدائرة الرسمية والنظام الحاكم، اما الشعب فهو مغيب، ورب قائل بان هذه مسؤولية النظام، لكن الحقيقة هي انها مسؤولية الشعب الذي تعرض للتغييب، فهو لا يمتلك آلية للتحرك في البلد ولايفتقد آلية المساهمة في علمية صنع القرار لا ايجابيا ولا سلبيا، والسبب هو بعده عن السياسة منذ فترة طويلة.

الصالح يُصلح الحكومة

عندما نروم القيام بمشاريع ضخمة في العراق لا يجوز لنا ان نتحدث عن لون البيوت و لون الابواب ولوحات السيارات ونترك القوانين المصيرية. على الخطباء والعلماء والكتاب واهل البصائر ان يفكروا في مصير هذا البلد، فنحن لم نحصل على هذه الحرية ولم نحصل على هذا النظام والدستور بالمجان، انما بأنهر من الدماء والدموع وتلال من الاشلاء والاجسام والمقابر الجماعية، كلها وفرت لنا اليوم هذه المكاسب وهذا طبعاً بفضل الله تعالى، لذا ليس من الهيّن تضييعها بين عشية وضحاها. وليس من الصحيح ايضاً تقاذف المسؤولية بين هذا وذاك، كما لا تحل الامور بتظاهرة او اعتصام، لان الجرح أعمق من هذا بكثير. نحن بحاجة لرؤية واضحة للعلاج وقد يستمر الامر الى عقود من الزمان حتى نصلح الامور بشكل جذري، لكن لابد ان نعرف ماذا نصنع.

حسب ما نستوحيه من الآيات القرآنية، فان على الناس في الساحة ان يكونوا داعمين لأنظمتهم السياسية ان صلحت، ومصلحين لها ان فسدت، هذا هو الحل… فالمجتمع عليه ان يكون دائماً مستعداً لان يدفع ثمن الحرية والكرامة والعزة والتقدم، فالانتعاش الاقتصادي لا يأتي صدفة او عبثاً، إنما بالمثابرة والجدّ والعمل المتواصل، وكما ان قرص الخبز لا يُعطى مجاناً فان الحرية التي تُعد (اوكسجين) الكرامة و (اكسير الحياة) لن تعطى بالمجان ايضاً، لابد ان تدفع الثمن، لكن ما هو الثمن؟ انه الحضور في الساحة. وأعيد و أؤكد لا خوفا ولا طمعاً وانما اقول ما يرضي الله وانشاء يرضى الله عنّا، بان هذا لا يعني ان نسيّر التظاهرات ضد هذا أو ذاك، لان مجرد التظاهر لا يجد نفعاً، في الوقت نفسه لا يعني السكوت القبول بالواقع السيئ، إنما الحالة الوسطى اننا عندما نرى حاكما صالحا نؤيده واذا رأينا منه خطأ نسدده. نقول له أخطأت… ولعدة مرات. نحن ايام النظام السابق كنا نقول (النظام لابد ان يرحل). مرة بعث لي الطاغية المقبور رسالة باستعداده للتفاوض، قلت له: انت تعتقل المعارضة لديك في سجن (ابو غريب)، اذهب الى هناك اطلق سراحهم ثم تفاوض معهم.
هذا ما كان يتعلق بذلك النظام الديكتاتوري البائد، أما النظام القائم في العراق فهو يبقى بإذن الله ولابد من تسديده والانتصار له عند الحاجة. لكن السؤال؛ من هم افراد هذا الشعب القادر على الاصلاح والتغيير؟ وما هي القوة الدافعة التي تجعل هذا الانسان ينزل للساحة ويدافع عن الكرامة ويدافع عن الحرية والعزة والتقدم والاصلاح؟
حتى نقول الحقيقة والصراحة فان أول شرط هو (الايمان)، وقد جسدت (سورة العنكبوت) في مستهل آياتها الكريمة هذه الحقيقة، يقول تعالى: “ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ”، هذه السورة مخصصة لبيان مواصفات الانسان المجاهد والمناضل الذي يمتلك التأثير في الساحة، والانسان يجب أن لا ينسى انه مسؤول امام الله تعالى، ذلك انه تقبل الامانة الالهية، وهي امانة المسؤولية وامانة العقل وامانة الكرامة وامانة الحرية، علماً ان هذا الانسان قبل الامانة بملء ارادته، “انا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوماً جهولا”، فكل انسان يحمل هذه الامانة وهو في عالم الذر، ثم انه مسؤول غداً عن هذه الامانة، وقد امر الله تعالى ان تؤدى الامانات الى اهلها.

الى جانب الشعور بالمسؤولية، على الانسان ان يدرك انه دائماً يعيش حالة الاختبار والامتحان الذي يعبر عنه القرآن الكريم بـ (الفتنة)، وقد اوضحنا معنى هذه الكلمة لغوياً وانها تعني التمحيص والبلورة والصقل، ثم ان الخطاب الالهي يشير علينا بان نراجع الأمم الاخرى لنرى انها ايضاً خاضت الفتن والاختبارات، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ”، لماذا يشير القرآن الكريم الى الكذب؟ لان كل الناس تقول نحن على حق، هذا الادعاء تتضح صحته من عدمه من خلال الامتحان حيث (يكرم المرء او يهان). اذن؛ لا ينفعنا التباكي على الاطلال والماضي، إنما البكاء من قلب محترق.

الجهاد لمصلحة الانسان

من الشروط الاخرى لمن يريد تحدي الظروف والخروج من الفتن والاختبارات بنجاح، الايمان باليوم الآخر، وكما يقول البعض (يخاف الله). هذا الايمان والمخافة هي التي تجعل الانسان غير ملتصق بهذه الدنيا ومغرياتها من مناصب واموال وامتيازات وقصور، انما يفكر دائماً بالبيت الدائمي وهو القبر والموت، فالدنيا ممر والاخرة مقر، فطوبى لمن اخذ من ممره الى مقره.

يروى ان شاباً اراد الانتقاص من عجوز طاعن في السن لقاه في الطريق وكان محدودب الظهر، فسأله باستهزاء: من اين اشتريت هذا القوس على ظهرك…؟! فأجابه العجوز: لا تعجل، سيعطونك اياه قريباً وبالمجان! تقول الآيات الكريمة في (سورة العنكبوت): “مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ“. ان الله تعالى ليس بحاجة لجهاد هذا او ذاك، انما الجهاد يعود بالنفع على الانسان نفسه، وفي العراق المؤمنون ليسوا قلّة، ونراهم في الزيارات المليونية في كربلاء المقدسة لاسيما في زيارة الاربعين، كما نراهم في صلوات الجماعة والزيارات عند مراقد الأئمة الهداة الاطهار، لكن المشكلة عدم وجود القنوات التي تستوعب كل هذه الاعداد الهائلة من الزائرين للدخول في الاجواء السياسية، فقد حطم النظام الديكتاتوري البائد هذه القنوات والنظام الجديد منشغل بمهام ومسؤوليات البناء والمشاكل العديدة. إذن؛ فالمسؤولية تقع اليوم على العلماء والخطباء واصحاب الفكر والقلم بان يوجهوا المؤمنين نحو الساحة السياسية، لا من اجل مكاسب ومناصب ومصالح شخصية، انما لتحقيق مرضاة الله تعالى، هنالك فرصة للانضمام الى التنظيمات الاسلامية الموجودة بهدف الاصلاح، وان الله تعالى لا يعذب شعباً حاضراً وعاملاً في الساحة من اجل الاصلاح. فما دام المصلحون موجودين في البلد، فان الله لن ينزل العذاب، لا ان يقول كل شخص: (لا عليّ إنما هي مسؤولية الآخرين)، فهذا الكلام يحسب على الانسان غداً يوم القيامة، والكلام بلا عمل يحاسب عليه الله تعالى، اذا رأيت صخرة في الطريق او عثرة في طريق الناس، بمكانك ازالتها بدلاً من كيل السباب والشتيمة على الناس والحكومة كما تسب هذه العثرة والصخرة! ليقم كل انسان بدوره حتى يعمّ الاصلاح جميع اركان المجتمع.

قنوات لاستيعاب الزخم الجماهيري

يجب على المؤمنين في العراق ان يكونوا في الساحة ضمن قنوات ويقوموا بدورهم في الاصلاح وفي العمل الصالح، كما عليهم ان يكونوا ايجابيين ويتطلعوا الى الاصلاح وآفاق المستقبل والتخلّي عن النفس السلبي، طبعاً علمية الاصلاح ليست ايجابية دائماً، انما جزء منها ايجابي وجزء آخر سلبي، بمعنى جزء منها تأييد والاخر تسديد. واذا رأى الحاكم المؤمن شعبه حاضراً في الساحة ويتمتع باليقظة والنشاط والمتابعة فانه قطعاً سيجري التغييرات والتعديلات ويتحقق الاصلاح، واذا لم يكن مؤمناً – لا سامح الله- على الاقل سيكون امام حقيقة الجهاد “ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه”.
وكما اسلفنا فان ديمقراطيتنا ناقصة وغير ناضجة، فإننا بحاجة الى جماعات منظمة تراقب الاداء السياسي في البلاد، وتقوم بدور التأييد وفي مكان اخر تقوم بدور التسديد وتقوم بعملية الاصلاح بصورة مستمرة، وهذا ممكن من خلال تشكيل منظمات المجتمع المدني وايضاً من خلال المساجد والهيئات الحسينية والحسينيات، كلها يجب ان تتعاون للإيجاد مخرج للطريق المسدود امام الديمقراطية في العراق.

ولابد من التحذير من وجو مؤآمرات مبيتة على العراق من الخارج، فلابد من اليقظة والحذر من العمليات الاجرامية ومن الافراد المنحرفين والشاذين عن الطريق القويم والخارجين عن القانون، وهؤلاء يمكن ان يشكلوا تحديا اخرا لعملية الاصلاح .

.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 17/ جمادى الآخر/ 1432 هـ ، الموافق 19/ آيار– مايو/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

”الديــن“ مـنــهـاج ”الحيـــاة“

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّـهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّـهِ وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴿٧٩ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴿٨٠ وَإِذْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ﴿٨١

(سورة آل عمران المباركة)

.
كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 10/ جمادى الآخر/ 1432 هـ ، الموافق 12/ آيار– مايو/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

من يعارض السنّة الإلهية ويتمادى بظلمه لن يأمن انتقام ”االمظلومين“

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

 إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٧٩ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّـهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴿٨٠ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّـهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨١الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَـٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿٨٢

(سورة الأنعام المباركة)

.
إعداد / بشير عباس
يبقى الامن هاجس البشرية اليوم… ولان اسلحة الدمار قد تنوعت ولان العالم اصبح مندكاً ببعضه حتى لكأنه قرية صغيرة، فان الانسان لا يستطيع ان يحضى بالامن الشخصي او الاجتماعي بعيداً عما يجري في العالم كله. لان يد الجريمة باتت اليوم قادرة أن تمتد الى كل بيت، واساليب المكر والكيد والتآمر قد تطورت الى درجة لا يستطيع الانسان ان يحس بالاطمئنان والسكينة اينما كان، كما ان حوادث العالم تؤثر بعضها في بعض الآخر الى درجة عظيمة، ومن هنا بات الامن العالمي هاجس انسان اليوم.
إزاء كل ذلك، نجد المعنيين من زعماء ومسؤولين كبار في العالم مرة يتحدثون عن الامن امام حوادث الطبيعة فما يسمى في لغة القرآن الكريم بـ(الضراء)، كالزلازل والاعاصير والبراكين والفيضانات، وكل يوم نسمع اخباراً غير سارة من اطراف العالم بضحايا هذه الحوادث الطبيعية. او يتحدثون عن الامن أمام تهديد البشر انفسهم متمثلاً في عصابات الجريمة المنظمة او عصابات الاتجار بالمخدارت وغيرها. وبالتالي يحق لنا ان نطرح التساؤل التالي :
ما هي رؤية الدين الاسلامي فيما يتصل بالامن؟ وما هي بصيرة القرآن الكريم؟ وبالتالي ما هو امر الله سبحانه وتعالى الذي خلقنا رحمة بنا ويريد لنا الخير؟
التوحيد .. الحصن الآمن للإنسان
ربنا يبين ذلك في سورة الانعام وفي حوار جرى بين النبي ابراهيم (ع) وبين قومه ومعروف ان هذا الحوار ليس فقط بين هذين الاثنين وانما هو لكل يوم. قال لهم ابراهيم: لماذا تعبدون النجم و القمر والشمس؟ قالوا: نخشى من نحس الكواكب فنعبدها ونسجد لها! فقال لهم ابراهيم عليه السلام: الذي خلق الكواكب من شمسس وقمر ونجوم وهو الذي يدبرها أحق بالعبادة من هذه المخلوقات. لذا فانه عليه السلام قال: “إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”، بمعنى اني وجهت وجهي لمن هو الاكبر، فالشمس تجري لمستقر لها بامر الله والقمر يدور في فلكه باذن الله والكواكب تجري في مسارها بامر الله، فلماذا اتوجه الى الثانويات واترك الخالق الذي فطر السموات والارض حنيفاً طاهراً بعيداً عن الشرك وعن الشك. فقال له قومه: ألا تخاف من الحكومة ومن النظام الحاكم بعد ان حطمت الاصنام وتركت دين آبائك أي المجتمع السابق؟ “وحاجه قومه قال اتحاجوني في الله” بمعنى؛ انكم تحتجون على من يعبد الله، وتصوبون من يعبد القمر او الشمس او النجم؟!! ان الله هداني اليه: “ولا اخاف ما تشركون به الا ان يشاء ربي شيئاً”، حينما يريد ربي بيّ شيئا يتحقق، لكن ما تشركون به لا يغني عنكم شيئاً أمام قضاء الله وقدره، “وسع ربي كل شيء علما افلا تتذكرون” ثم قال عليه السلام: “وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً”.. يعني عبدتم شيئا ما امركم به الله في عبادته اطعتم شخصا ما امركم الله بطاعته، “فأيّ الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون”.
وهنا يحاجج النبي ابراهيم باسلوب عقلي ويحفّز في ابناء قومه الفطرة الالهية. فأي انسان عندما يداهمه الخطر في حلّه وسفره، الى من يلتجأ ليضمن نجاته؟ ولنتفرض انه على متن طائرة مع رئيس جمهورية وقائد أعلى للقوات المسلحة، ثم تتعرض الطائرة وهي في الجو لخلل فني ويكون هنالك احتمال للسقوط والانفجار، فهل يلجأ الركاب الى رئيس الجمهورية والقائد الاعلى؟ انه ربما يكون الاكثر خوفاً ورعباً من الحادث الطاريء ! في هذه الحالة ستزول كل المسميّات والالقاب ويتحول الجميع الى عبيد ضعاف لا يقوون على شيء امام رب العزّة والجلالة والقادر على كل شيء. كذلك الحال بالنسبة للعلاج من الامراض المستعصية وحتى البسيطة، فعندما يصف الطبيب الدواء او الارشاد الى مركز التحليل لمعرفة تفاصيل المرض، فهل يتشبث المريض بالطبيب لأن يضمن له الشفاء او يتوسل بالطبيب الجراح ان ينقذه من الموت خلال العملية الجراحية؟ ان جميع الجراحين في العالم يتجنبون التطمين واعطاء نسبة (100%) لنجاح العمليات الجراحية، بل يتركون هامشاً بسيطاً او نسبة معينة للفشل لأنهم بشر في كل الاحوال والخطأ وارد، كما ان صعوبة الحالة قد تعجزهم عن النجاح. لذا نجد المؤمنين يتوجهون المسجد او الجامع للتوسل الى الله تعالى، او من هو قريب من المراقد المقدسة يتوسل هناك بالمنزلة التي يحضى بها أهل البيت عند الله ليرفع عنهم المكاره ويحل الشدائد.
ثم يقول تعالى: “الذين امنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون”.
إن عبارة “ولم يلبسوا ايمانهم بظلم” بحاجة الى توقف وتأمل…
ربما يكون هنالك انسان نظيف وطاهر من الناحية الظاهرية، لكن يده ملوثة ببعض الاسواخ، لذا نجد الذباب يأتي ويركز على هذه البقعة المتسخة وليس غيرها. كذلك الحال من الناحية المعنوية والروحية للانسان المؤمن، فانه قد يكون مؤمناً وصالحاً وخلوقاً، لكنه يحمل قليلاً الشرك، وبهذا القدر والنسبة القليلة، سيترك الشرك أثره في نفس هذا الانسان. من هنا تأتي حاجتنا الدائمة والمستمرة للتذكير والتنبيه.
ذات مرة كان النبي عيسى (ع) يمر بارض كربلاء غير عارف بحقيقة الارض التي يمر خلالها، واذا بصخرة تعيق قدمه فيعثر وتدمى رجله، ينظر ويقول: (الهي…! هل صدر منّي خطأ أعاقب عليه)؟ لانه عليه السلام يعلم بان الانسان لايصاب بشيء الا من خلال غفلة يتعرض لها، او عمل مستحب يتركه. فيأتيه الجواب: كلا يا عيسى… انت اليوم نظيف ولا شيء عليك، لكنك الان على ارض كربلاء. فيقصّ تعالى لنبيه قصة هذه الارض وما يجري عليها من المكاره والفجائع على أهل بيت خاتم الانبياء، بمعنى ان من يمرّ بكربلاء لابد ان يعتصره الهمّ والغم او يصاب بمصيبة تأسياً بمصاب ابي عبد الله الحسين عليه السلام.
فالانسان اذا حصلت لديه ملابسات شركية في حياته وكان رجلاً مؤمناً، فان الله سيطهره فوراً من خلال التنبيه والتذكير، بان عندك اليوم غفلة وتركت بعض الواجبات… لذا يشعر الانسان المؤمن المواظب على الاعمال الصالحة بالنداء الخفيّ في حال تركه تلكم الاعمال او الغفلة عنها، وهذه بحد ذاتها تُعد رحمة للانسان منه تعالى ولذا يقول في الآية الكريمة: “ولم يلبسوا ايمانهم بظلم”، أي انهم لم يظلموا أحداً ولم يظلموا انفسهم كذلك، والمصحلة: “اولئك لهم الامن وهم مهتدون”
المعتقلات خرّجت الارهابيين
لقد خلق ربنا سبحانه وتعالى الكون ضمن نظام وسنن ثابتة لاتقبل التغيير او التحويل، ومن يخالف هذه السنن يصطدم بالفشل ويعاقب في هذه الدنيا قبل الاخرة. وليس بالضرورة ان يرى الانسان او يلمس هذه السنن بحواسه، لكنها موجودة وسائدة في الحياة. مثال ذلك نظام الجاذبية، أو معادلة الوقاية والعافية، وغيرها من الانظمة والمعادلات التي اكتشف بعضها الانسان وما يزال يجهل الكثير منها، وعليه ان ينتبه في ممارسة حياته أن لا يصطدم ويتواجه معها حتى لا يقع في الازمات والمشاكل.
ومثال ذلك في الوقت الحاضر (اسامة بن لادن)، هذا الانسان الذي قام بممارسات خاطئة لن له في الوقت نفسه امتدادات خاطئة ايضاً، فقد خلفت آثار تدميرية في مناطق كثيرة، حتى يمكن القول ان (الزرقاوي) في العراق كان يشكل احد اصابع بن لادن، وهذا الاصبع في رقبته عشرات الآلاف من الارواح التي ازهقت والدماء التي سفكت في العراق، هذا الى جانب ما حصل في افغانستان من قتل الناس الابرياء وما حصل في باكستان من هدم المساجد والحسينيات وقتل الابرياء وما حصل في مصر وفي كل مكان من العالم، كله تدمير وقتل، كلها من نتاج انسان واحد، وعليه ينطبق حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: (بشر القاتل بالقتل). وكان مصيره القتل حقاً.
لكن هنا يطرح السؤال الملحّ… هل العالم اصبح اكثر أمناً بعد مقتل هذا الرجل الذي كان يقود هذه المجاميع الارهابية؟ اقول بلى.. ولكن هل العالم اصبح الان آمناً ولن يحتاج الى شيء آخر، اقول كلا…
حسب الرؤية القرآنية، فانه ما دام الظلم سائداً، “الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ“، فان الامن يكون مفقوداً، وهذه سنّة الهية، فالذي يظلم احداً حتى وان كان بعيداً عنه، لن يتمكن من النوم براحة، فمادمت قد ظلمت احداً فاستعد لليوم والساعة التي ياتيك جواب ذلك الظلم، وقبل هذا الحديث الذي تنقله الصحف وتبثه الفضائيات، كتبت (35) سنة كتاباً تضمن هذه الفكرة؛ انه ليس باستطاعة احد ان يعيش مرتاح البال وقرير العين في بيته وهنالك أناس مظلومون ومحرومون ومستضعفون، وبالفعل حصل ما حصل في العراق. فيما نحن نطمح لعالم بلا ظلم، عالم بلا اضطرابات وبلا مشاكل وبلا اراقة دماء.
لاحظوا منشأ ومنبع قيادات تنظيم (القاعدة)، في أي بلد نشأ هؤلاء المجرمون؟ ان القيادة الحالية لهذا التنظيم من مصر وهو ايمن الظواهري، وهو طبيب مصري، تعرض للاعتقال والتعذيب في عهد النظام البائد، الى جانب عشرات من المعتقلين الذين ذاقوا اصناف التعذيب القاسي والانتهاك للاعراض والحرمات. إذن؛ السجون والظلم هو الذي خرج الارهابيين الى المجتمع. واكثر بلد عربي تعرض للعمليات الارهابية هو العراق، والسبب يعود الى وجود الحاكم الظالم، فالنظام البائد وبسبب ظلمه وعناده وتجبره أوجد حالة من التعطّش الى الدماء لدى البعض من المجرمين وشواذ المجتمع. احدهم بعد اعتقاله اعترف ان وراء موت (500) انسان في العراق، انه شخص واحد ويقتل هذا العدد الكبير! ان هذه الدموية لدى هذا الانسان امتداد لدموية النظام الصدامي البائد الذي أنتج أمثال هؤلاء. وعندما لا نفكر بطريقة التعامل فيما بين الحاكم وشعبه، او بين افارد الشعب انفسهم، فاننا نواجه هكذا مصيراً مظلماً ومآلاً مأساوياً.
من يقف مع آل خليفة زائل
ما يجري في البحرين مثال آخر عن السنّة الالهية في خلقه. فالدم يطلب الدم وهذه مسألة لا جدال فيها. وقد بلغت الحالة الوحشية ان يعتقل نائب منتخب في البرلمان البحريني وبعد ايام يعيدوه الى أهله جثة هامدة بعد ان مات تحت التعذيب. أو يعتقلون فتيات من مدارسهن ثم يسلمون جثامينهن الى اهلهن بعد ايام! أو يغلقون جمعية رسمية كجمعية العمل الاسلامي ويعتقلون رئيس الجمعية سماحة الخطيب الكبير حجة الاسلام الشيخ محمد علي المحفوظ هو و اولاده.
من هذا المنبر اقول استلهاماً من الآيات القرآنية ان هذا النوع من الظلم المضاعف والوحشية والهمجية، سينتج بالحقيقة دماء في المستقبل. والدم يتطلب دماً و(بشر القاتل بالقتل)، والناس حتى هذه اللحظة خيارهم هو التظاهر بشكل سلمي، ولم تدعي حكومة البحرين حتى الان أن الشعب حمل السلاح، لكنهم طالبوا باسقاط النظام الفاشل والجائر والفاسد، ولا يريدونه للحكم، بعد ان قضّى حوالي مئة سنة في سدة الحكم. وهنا احذر اولئك الذين يضعون يدهم في يد هذا النظام بانهم بهذه الطريقة يشتركون مع هذا النظام في جرائمه، لذا عليهم الانفصال عنه فهو زائل ومنهار، كما حصل لشاه ايران وما حصل لصدام وبن علي وحسني مبارك وهنالك اسماء تنتظر على حافة الهاوية. فلم تنفعهم الدبابات التي جاءت من هنا وهناك.
وإزاء هذه المعادلة على الجميع ان لا يكيل الامور بمكيالين، وان يكون منصفاً امام التاريخ والاجيال، لكن الغريب حقاً من بعض الفضائيات التي تتحدث عن الدبابات في بلد ما، ويقولون ان هذه الدبابات دخلت كذا مدينة…. لكن هذه الفضائيات تحجم او تتغافل عن التطرق الى دبابات اخرى وتدخل عسكري مشابه من بلد عربي الى بلد عربي آخر وتصطدم مع الجماهير المعترضة والمحتجة المطالبة بحقوقها. ومن شواهد الكيل بمكيالين، تصريح وزير الخارجية الفرنسي الذي قال مؤخراً: (ان الحاكم الذي يطلق الرصاص على شعبه يفقد شعبيته…)، ونحن نؤيده على ذلك، لكننا في نفس الوقت نطالبه بتطبيق هذه المقولة على حكّام البحرين الذين أمروا باطلاق الرصاص على المتظاهرين، وهنالك مشاهد مصورة بثها الاعلام، لكنه وغيره يحجم عن ابداء رأي معارض او مستنكر.
الشيعي لن يركع أمام الظلم
ان العالم برمته يلتزم الصمت إزاء المظالم والمشاهد الدموية لأن الذي يتعرض لها هم اتباع اهل البيت عليهم السلام، فلا تغطية اعلامية كافية لهم، ولا مواقف سياسية لصالحهم كما في سائر الاحداث التي تشهدها البلاد الاسلامية. وكلمتي للعالم؛ ان الشيعة لن يبقوا مظلومين طوال التاريخ، إن شعبنا لا يقبل الظلم والذل لانه تعلم من إمامه الحسين (ع) ان يقول كلمته الصاعقة (هيهات منّا الذلة)، وبهذا الشعار فان الشيعي وفي أي مكان في العالم لن يركع بل ويعلم غيره على عدم الركوع. نحن اولاد الحسين ونحن من تربى في مدرسة فاطمة الزهراء (ع). هذه السيدة العظيمة ورغم انها فجعت برحيل أبيها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وتعرضت لكل ذلك الظلم والتعسف والوحشية، إلا انها لم تتخلّ عن الدفاع عن الحق فتوجهت الى مسجد النبي وضربوا بينها وبين اهل المسجد حجاباً، فوقفت في لمّة من نسائها واخذت تخاطب بفم مليان وبقوة وتخاطب العالم بان المسلم لن يركع ولن يُذل ولن يسكت على الباطل.
نحن حينما نجلس في عزاء الزهراء (ع) انما نجلس اكراماً لها ولجلالها واستلهاماً منها، واذا درسنا التاريخ بأمانة ودقة نلاحظ اكثر الحركات الثورية الرسالية حماساً في التاريخ، تلك التي انتسبت الى الصديقة الزهراء (ع). فاطمة وما ادراك ما فاطمة….! لذا ادعو المؤمنين في كل مكان الاهتمام بالشعائر الفاطمية. ان حياة الامة الاسلامية مدينٌ لفاطمة وصرختها بوجه الباطل، فهي التي وقفت وطالبت بالحق المبين لأميرالمؤمنين عليه السلام، وهي التي رسمت طريق ابي عبد الله الحسين (ع)، لذا عندما نزور الامام الحسين عليه نقول: (السلام عليك يا ابن رسول الله السلام عليك يابن امير المؤمنين السلام عليك يا بن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين). ان انتساب الحسن والحسين و زينب للصديقة الزهراء ليس بالامر السهل، فعلى هذه الاسس قامت اركان الدين وقوي المسلمون.
من هنا اذا اراد العالم الامن لا بد ان يرفع ظلم الحكومات وظلم الشعوب لبعضها البعض وايضاً ظلم الانسان لنفسه، فكلما استطعنا ان نبعد شبح هذا الظلم كلما تمكنّا من توفير الامن لانفسنا وشعوبنا وبلداننا.
.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 03/ جمادى الآخر/ 1432 هـ ، الموافق 05/ آيار– مايو/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

في العراق الجميع مسؤول عن ”الاصلاح“ و ”التغيير“

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّـهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴿١٥ يَهْدِي بِهِ اللَّـهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿١٦

(سورة المائدة المباركة)

.

نعمة الحرية في العراق تضع الجميع امام مسؤولية الاصلاح والتغيير

إعداد / بشير عباس

لقد خلق الله الانسان مدني الطبع يأنس بالاخر ويتعاون معه بل لا يعيش الا اذا تعاون وتكامل مع الاخرين، ولا يستطيع أي انسان ان يعيش وحده ثم ينجح في تحقيق اهدافه، وهذه هي المدنية التي هي من سمات الانسان في الحياة منذ أن وطأت قدماه الارض، لكن هذه المدنية بحاجة الى نظام، لذا نجد الانسان دائماً يبحث عن نظام ينسق علاقاته مع نظيره الانسان، و كلما كان هذا النظام اقرب الى العدل والى القسط والى الحق، وكلما كان انسيابياً وعفوياً وفطرياً، وكان الانسان اكثر قدرة على العطاء واكثر سعادة في الحياة.
لقد وفر ربنا تعالى هذا النظام للانسان منذ اللحظة التي وطأت قدماه هذا الكوكب وهو النبي آدم (ع)، حيث جاءت معه الرسالة السماوية، وبما ان آدم هو ابو البشر وكانت الى جانبه حواء، كان لابد من ان يكون هو حجة عليها من قبل الله ومتصلا بالوحي، ومعروفٌ انه (لا تخلو الارض من حجة) و (لولا الحجة لساخت الارض باهلها). وعندما نقول؛ نظاماً الهياً، نعني انه النظام الدقيق والمتكامل الذي اودعه الله تعالى في كتابه الكريم (القرآن المجيد) كما اودعه في التوراة والزبور والانجيل وما أوحى به الى 124 الف نبي و رسول، ولابد ان لهذا النظام ان تكون فيه السمات التالية:

السمة الأولى: اعتماد الفطرة البشرية
لكن ما السبب وراء ذلك ؟
ان الانسان يملك في داخله عقلا وفطرة، وكل ما يحتاجه الانسان موجود ومتوفر في عقله وفي ضميره الا ان هذا العقل والضمير محجوب بالشهوات وتراكمات الافكار الخاطئة، فتاتي الرسالات الالهية وترفع هذه الحجب، ولذلك تجد انه ما من آية قرآنية، ولا من حديث عن المعصومين (ع) وما من حديث مروي، وما من آية نازلة ولا من حكم مبيّن، الا وهو يتوافق مع فطرة الانسان، ولك ان تأخذ أي حكم شرعي وتذهب به الى الذين لا يعرفون عن الاحكام الشرعية شيئاً، ستجدهم يتقبلونه، فمن الذي لا يقبل الوفاء والصدق؟ ومن الذي يكره الطهارة والنظافة؟ ومن الذي يتحدى القسط والعدل؟ هذه الحقائق نجدها في القرآن المجيد و روايات اهل البيت (ع) ولكن المشكلة في ان صورة هذه الحقائق في فطرتنا محجوبة بركام من التقاليد والعادات الخاطئة.

السمة الثانية: التوافق مع سنن الله في الارض
بمعنى ان الاحكام التي وضعها الله لنا لا تتعارض مع قوانين الحياة ونظامها، وعندما نقول (الحياة) بمعنى كل ما تحويه وتضمه من كائنات حيّة وبحار وجبال، مثالاً على ذلك؛ الآية الكريمة: “أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً” (الإسراء /78) هذه الاوقات الثلاثة من (دلوك الشمس) أي الظهيرة الى (غسق الليل) أي العشاء والى وقت الفجر، هي اوقات تتوافق وتتلاءم مع الطبيعية، بمعنى انه اضافة الى البشر الذي يعيش هذه الاوقات والظروف الزمانية، فان الحيوانات ايضاً تنسجم مع هذه الظروف الزمانية الثلاثة مثل الديكة والذئاب والكلاب والغربان والعصافير والماشية وغيرها. كذلك الحال مع حكم الزكاة أو الحج وسائر الاحكام الشرعية.

السمة الثالثة: التوافق مع طبيعة الانسان
وكما ان الاحكام الالهية تتوافق مع سنن الله في الحياة وفي الطبيعة، فانها ايضاً تتواصل مع الحالات الطبيعية للانسان وتتوافق مع سنن الله في الخليقة، وبالنتيجة؛ لابد ان يكون للانسان حكم وسطي، لا هو بالمائع ولا هو بالمتشدد. مثلاً ربنا تعالى يأمرنا بالصيام، ولكن في نفس الوقت يقول: “أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ” (البقرة /184). إذن؛ نجد ان الحكم الشرعي يتسم باليسر و يتوافق مع الطبيعة والظروف الانسانية، هذا في الصيام ، وكذلك الحال في الصلاة، فمن كان عاجزاً عن الصلاة قياماً يمكنه إقامة الصلاة من جلوس او وهو مضطجع وهكذا…

ان طبيعة الانسان تتباين بين الضعف والقوة، والاحكام الشرعية تاتي دائماً متوافقة مع هذه الطبيعة، وإذن؛ فهي طبيعة وسطية، فالله تعالى – مثلاً- يعرف ان الاربع ركعات من الصلاة لا تكلف الانسان، فقال: تصلي الظهر اربع ركعات، لكن في السفر تقصرها لتكون ركعتين، واذا ما كانت عندك همّة و روح قوية وعلاقة وثيقة برب العزة، لك ان تصلي الظهر والعصر اربع ركعات فريضة، وثمان ركعات نوافل، وكذلك الحال في الليل. “َومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً” (الإسراء /79)، بمعنى ان البعض ينام بالليل لكن يبقى قلبه يقظاً و روحه عالية تسعى للاتصال بعالم آخر حيث رب السموات والارض، ولا يحب ان يكون جيفة على الفراش…! ينام أول الليل ولا ينهض إلا بعد شروق الشمس، ثم بعدها لا يعلم أين تكون القبلة! هكذا انسان يخاطبه الرب بان قم بالليل وتهجد فيه نافلة لك… لانه اذا قمت بالليل وتوجهت الى الله و نظرت الى النجوم المنتشرة في وسط السماء، و نظرت الى هذا القمر الذي يشع وينير الدرب في ظلام الليل، ولاحظت هدوء الليل وسكونه، فان قلبك سيُفعم بالشوق الى ربك، حينها تقول: “الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ” (آل عمران /191).

عالم نافع وآخر يكتم علمه

في القرآن الكريم بصائر تشير الى وجود علماء السوء من اهل الكتاب كانوا يخفون علمهم الرباني ولا يظهرونه لعامة الناس، فالعالم الحقيقي لا يتكلم بما ينفعه فقط ويسكت عما يضره ويضر بمصالحه، وهذا ما نلاحظه في مسألة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. تقول الآية الكريمة: “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ” (المائدة /16)، وفي هذا السياق لا ينبغي التعريض بأحد، لكن احاديث أهل البيت عليهم السلام تدعو العلماء دائماً الى التكلّم وإظهار العلم بكل صراحة، بينما نجد البعض ممن يسمون انفسهم بالعلماء يخفون فضائل النبي الاكرم ولا يبينونها لانها تضر بمصالحهم، كما انهم لا يتحدثون عن المستضعفين والفقراء والمظلومين، انما يتحدثون بكلام ينفع الكبار والاغنياء والسلطات الحاكمة.
لماذا نبكي على الامام الحسين (ع) طيلة 1400؟ وماذا نقول في تعازينا؟ نقول: (يا ابا عبد الله…! نبكي على مظلوميتك)، كما نبكي على ظلامة الصديقة الزهراء وامير المؤمنين وعلى ظلامة الامام الحسن وعلى ظلامة الائمة المعصومين سلام الله عليهم اجمعين، واذا قلنا: (يا حسين)، لابد ان نقول (يا حسين يا مظلوم)، بمعنى اننا ضد الظلم وننصر المظلوم، ولذلك كانت الحكومات تفرض سيطرتها عليهم، فياتي المظلوم يقول لهم: (انا مظلوم) ياتيه الامر بالصمت!! أو يقال له: (اصبر… لك الجنة ان شاء الله)! وهكذا يتم تخدير المظلوم فيستعدي الظالم.

يمكنني الحديث عن أناس لهم قصور و مناصب وحسابات في البنوك لقاء الفتاوى التي باعوها للناس بان لا تخرجوا في التظاهرات الاحتجاجية ضد الحاكم الظالم! ثم يطالبون العلماء بان لا يتحدثوا، و ربنا يقول: “وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ” (المائدة / 16)، فقد كانت الاديان السابقة متشددة نوعاً ما، فالظروف كانت بالشكل الذي يستوجب ان يكون هناك نوع من الشدة، لكن جاء نبينا الاكرم رحمة للعالمين: “وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين”. وعندما ذهب النبي الاكرم الى المعراج، و اول نزوله التقى به موسى بن عمران (ع) فقال له: يا رسول الله، ويا خاتم النبيين… ماذا جلبت معك؟ قال: جلبت معي الصلاة قرة العين. قال: كم ركعة هي؟ قال: خمسون ركعة. قال: انها كثيرة على أمتك! لتطلب من الله ان تكون اقل من هذا، لذا توجه النبي بالدعاء الى البارئ عزّوجل لطلب التخفيض حتى اصبحت 17 ركعة، لكن نلاحظ اليوم مع هذا العدد البسيط من لا يتلزم بالصلاة، ولذلك يقول ربنا: “قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين”، بمعنى ان قلبك سيتنور فيه وكذلك حياتك، أما “الكتاب المبين” فهو بمنزلة (خارطة طريق) كاملة لحياتك.

العراق يعاني مشكلة في القانون

الآية التالية من (سورة المائدة) تقول: “يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ”، بمعنى ان الانسان لابد ان يبحث عن الطريق الآمن والسليم ليصل الى اهدافه في الحياة، فهو دائم البحث عن الامن الاجتماعي والصحي والنفسي، وهذا ما كان سائداً في العراق في سالف الزمان. اذا تسأل كبار السن في مجتمعنا: كيف كانت ايام شبابكم…؟ سيقولون: كانت اياما جميلة، نحب بعضنا البعض ولا وجود للمشاكل النفسية والاحقاد والضغائن، نخرج منتصف الليل ولا نخاف احداً، وانا شخصياً اتذكر حينما كنا نخرج في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل وقبل اذان الفجر نتجول في البساتين ولا نخاف شيئاً، لان الامن والاستقرار كان مستتباً، فقد كان الناس يعيشون الامان والوئام ، كما كانوا يعيشون الصدق والامانة ويعيشون الصحة والعافية ويعيشون التعاون والتفاهم. وهذا كان جزءاً بسيطاً من تلك الحقبة الطويلة حتى جاءت تلك الموجات المخربة وزعزعت استقرار الناس وهدوئهم، بينما نجد الدين يدل الانسان على سبل السلام: “وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” (المائدة /16). من هنا نتوقع وننتظر اليوم و بعد عشر سنوات تقريباً من التحول الذي حدث في العراق ان يتم تجديد النظر بشكل جدّي في الاحكام والقوانين واللوائح في هذا البلد. لان القانون كما القناة التي نشقها في الارض، فان مهمتها نقل المياه الى الناس، لذا فان الماء اذا انساب لا يذهب إلا في هذه القناة، ثم ان هذه القناة والقانون سيقولب المجتمع وامكاناته ومجمل حياته، وبالنتيجة هو الذي يسير المجتمع، فاذا كان القانون منحرفاً، فان المجتمع ايضا سيكون منحرفاً، ونحن صراحة ابتلينا في العراق بقوانين لها مشاكل عديدة وكثيرة منها:

المشكلة الأولى: كثير منها تخالف الفطرة الانسانية كما تخالف الشرع بل تخالف حتى مقومات الحضارة الحديثة. قوانين بعضها دكتاتورية وقمعية وبعضها مخالفة لحركة المجتمع وتقيد حركته وبعضها تسبب تعقيدات ومعوقات.

المشكلة الثانية: وجود التناقض في هذه القوانين، منها (العقوبات البغدادية) التي سنّها المفوض السامي البريطاني في العراق، ثم جاء تعديل عليه وتجديد في العهد الملكي، ثم تكرس في العهد الجمهوري، وهكذا بقت على حالها. وكذا ترى مجموعة من الاحكام المتناقضة، بحيث يحير القاضي ما يعمل بها.

المشكلة الثالثة: هذه القوانين غير قابلة للتطبيق، لانها غير متوافقة مع فطرة الانسان ولا مع العصر الحديث. فنحن في العراق نتحدث منذ فترة عن الاستثمارات وفتحنا المجال ودعونا الشركات والاشخاص والرساميل التي تبحث عن فرص استثمار وعمل في كل مكان، لكن كل أولئك لم يأتوا والسبب كما يقولون هم: أن القوانين عندهم لا تسمح بالعمل… فاذا كنت انوي بناء فندق على قطعة ارض يجب عليّ ان ادور على عشر وزارات لتنفيذ المشروع، وهكذا سائر المشاريع والاعمال، وقد تحدثت مع بعض المستثمرين كما تحدثت مع بعض المسؤولين، واعلم انه في ظل هذه التعقيدات ليس بيد المسؤول صلاحية تذكر، ففي الوقت الذي يكون القانون معقداً فمن الطبيعي يكون المسؤول مقيداً بالقانون، و اذا لم يعمل بالقانون يسحبونه الى النزاهة بتهمةمخالفة القانون…! وهذه هي الورطة!
مع هكذا حال، هل يجب علينا ان ننتظر عشر او عشرين او ثلاثين سنة ونتفرج على هذه القوانين يضرب بعضها بعضاً والناس في حيرة من أمرهم؟

التعقيد في الدستور

صحيح اننا وضعنا الدستور والشعب العراقي وافق عليه، لكن اذا نراجعه نجد فيه بعض التعقيدات:

أولاً: هنالك فقرة بعد كل بند في الدستور تقول: (ينظم بقانون)، ثم هذا القانون لم يسنّ حتى الان!

ثانياً: ديباجة الدستور التي هي عادة في كل مكان في العالم تكون المقدمة وتبين مبادئ الدستور، لكن في العراق عندنا ديباجة كتبوا تحتها انها (لا تشكل مبادئ الدستور)! فما الفرق بين الدستور وبين مبادئ الدستور؟!

ثالثاً: البند الثاني من الدستور العراقي يبين طبيعة الحكم في العراق ويقول: (العراق دولة عربية مسلمة ديمقراطية فيدرالية…)، ثم يقول: (أي حكم يخالف ثوابت الشريعة يعد لاغياً ، أي حكم يخالف روح الديمقراطية أيضاً يعد لاغياً…)! لكن لم يبين الدستور اذا ما حصل ان تعارض حكم في الشريعة الاسلامية مع الديمقراطية او بالعكس فماذا نعمل؟ هذا بمعنى ان حكمنا فيه رأسان: رأس ديمقراطية ورأس الشريعة الاسلامية! – مثلاً- محال بيع الخمور والملاهي مخالفة للشريعة الاسلامية لكنها موافقة للحرية، فهل نسمح للملاهي أم لا؟! وماذا هو موقف المشرع ؟ ثم من اين نعرف ان هذا القانون خلاف الشريعة أم لا؟ لنفترض ان قانوناً قُدم من قبل مجلس الوزراء الى البرلمان وهو وافق عليه بنسبة جيدة لكنه يخالف الشريعة، فمن يستيطع ان يحدد هذه المخالفة، إذن؛ لابد من وجود محكمة دستورية هي المفروض ان تشرف على القوانين الصادرة، وهذه المحكمة يجب ان تكون من جهة دستورية – ديمقراطية ومن جهة شرعية.

لقد دعوت منذ اقرار الدستور الى اشراك علماء الدين في عملية التقنين الى جانب علماء القانون حتى يفرزوا القانون المخالف للشريعة عن القانون الموافق لها، فالقانون الموجود متناقض مع القانون الجديد الذي نحن نتوقعه، فيجب ان يكون متوافقا مع الدين، ومتوافقا مع العصر وحاجات العراق ومتوافقا ايضا مع سائر القوانين المرعية، لكن نقر ان هذا عمل شاق وليس بسهل. لذلك اقول ما يلي :

اولا: لعلاج هذه المشكلة لابد ان تكون هناك لجان استشارية ضخمة جداً و واسعة تتواصل مع لجان البرلمان المختلفة حتى تنضج القوانين وتجعلها متوافقة مع روح العصر ومع روح الديمقراطية ومع الروح الاسلامية ومع حاجات العراق اليومية. وليس عندنا نقص في الميزانية لتشكيل هكذا لجان ولا نقص في الخبراء، ما شاء الله عندنا في العراق علماء في الشريعة نصدرهم للعالم وعلماء في القانون ايضا، يمكن جمعهم في هذه اللجان ، وليست ثمة حاجة للذهاب الى المنطقة الخضراء، ليكونوا في اماكنهم، لكن القانون يذهب لهم، و هم يعلقون على القانون وحتى لو افترضنا انه في موضوعة معينة ما نملك خبيرا قانونيا، فيمكن ان نستعين بخبراء قانونيين دوليين. لان هذه قضية خبروية مثل ما في الطب نرجع الى الاخرين، او في الهندسة كذلك، ففي القانون ايضا نرجع الى الاخرين.

ثانيا: دعوتي الى الشعب العراقي الكريم، فالقانون وضع لكم، ولابد ان تساهموا فيه، انها روح الديمقراطية و روح الشورى وهذا معنى قوله “وامرهم شورى بينهم”، لا تدعوا شخصاً واحداً تعتمدون عليهم مئة بالمئة بان يسنّ لكم قانوناً، بل فكروا واذهبوا هنا وهناك للسؤال والبحث عن صحته من عدمه، في كثير من انحاء العالم حينما يقترح قانون يعرض على الاستفتاء ويطرح في مؤتمرات وجلسات حتى يكون قانوناً، لان القانون مرتبط بالاستثمار وبالنفط وامور كثيرة ، فلابد من التفكير به، هناك عقلية أدينها وهي تعشعش في هذه البقعة المباركة كربلاء المقدسة، وهي عقلية الراعي والرعية، كما لو ان الحاكم مثل راعي الاغنام والرعية مثل قطيع الغنم. هذه العقلية فاسدة وكاسدة وأثبتت فشلها في العالم أجمع، وقد اثبتت فشلها في (الاتحاد السوفيتي) ايام ستالين ولا في في المانيا في عهد (هتلر) ولا هنا في العراق في ايام الطاغية البائد.

ان الحاكم الناجح الذي يكون من الناس وفي الناس يسمع حديثهم ويستشيرهم ، ثم هنالك مسألة وهي ان المسؤول لا يدوم في منصبه، إذن، يجب ان يتذكر المسؤول انه مغادر منصبه ان عاجلاً ام آجلاً، فلا يفعل الامر السيئ، لان في هذه الحالة ستلحق به اللعنات وسيحاكمونه كما يحاكمه الله ايضا يوم القيامة، ان الاسلام الغى عقلية الراعي والرعية، ولكم ان تدرسوا كتاب (القضاء في شرائع الاسلام) يقول: اذا دخل اثنان على الحاكم فان الحاكم لا يحق ان يقدم احد على الاخر في الدخول، بل عليه ان يقترع بينهما أيهما يدخل عليه! من هنا يتحدث الكثير من الناس عن اصحاب الابراج العاجية لماذا لا ينزلون الى المجتمع ولا نراهم لا بالمساجد ولا بالمراقد المقدسة ولا بين الناس؟ وهم يعلمون ان هؤلاء الناس هم الذين جاؤوا بهم الى المناصب الرفيعة بدمائهم وبتعبهم، إن الشعب ليس هو ذلك الشعب الذي كان عقودا من الزمن بل هو شعب يقظ، وهذا هو حال الشعوب العربية التي لاحظنا كيف انها ثارت وانتفضت على انظمتها الفاسدة واطاحت بزعمائها الطغاة.
نقل لي احد المقربين من زعيم في احد البلاد الاسلامية انه خرج في منتصف الليل وقال اريد الخروج بالسيارة خارج المدينة، فذهبت معه اصبحنا بالقرب من منطقة يسكنها اصحاب الاكواخ فتوقف هناك وطرق الباب، وكان الناس نيام، فتفاجأوا بوجود رئيس البلد عند الباب فضيفوه بالشاي و جلس عندهم نصف ساعة ثم قال: هل عندكم مشكلة؟ وما هي طموحاتكم؟ ثم غادر المكان، وقال بعدها : الان اشعر بالارتياح لاني عرفت ماذا يريد الشعب مني.

من هنا يجب على الشعب ان يساهم في سنّ القوانين وصياغة القرارات، والى جانب هذا ادعو الشعب ان يؤيد النظام ويسدد خطواته، فهو بالحقيقة بمنزلة الأب لهذا النظام القائم، وهذا النظام هو ابن البلد، و ابن البلد لا يكون أباه، فاذا رأى الناس ابنهم يعمل بشكل صحيح وجيد سيشجعونه، واذا اخطأ يسددونه. نحن لا نريد ثورات ولا نريد تظاهرات يومية نخرج في الشوراع ونكون سبباً في خراب البلد، انما نريد حالة طبيعية تتحقق فيها الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لامام المسلمين من الواجبات الشرعية، وامام الشعب وسائل اتصال واعلام متعددة مثل الانترنت والفيسبوك والفضائيات فمن خلالها يمكن قول كلمة الحق، وليس بالضرورة ان الكلمة عنيفة دائماً، ربنا تعالى يقول: “ادعوا الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة” ، و “بالتي هي احسن” ، ولا يعتقد احد ان الحياة تكون جنة بشكل تلقائي ، بل من الاستفادة من الفرص والاوضاع الموجودة، حيث الحرية والديمقراطية والامن، حتى يزيد الله النعمة علينا.

.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 25/ جمادى الأول/ 1432 هـ ، الموافق 27/ نيسان – أبريل/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

”سورة الفجر“ راية الامام الحسين (ع) لانتصار المظلوم على الظالم

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَالْفَجْرِ ﴿١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴿٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴿٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴿٤ هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ ﴿٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴿٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴿٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ﴿٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ﴿١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴿١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴿١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴿١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴿١٤ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴿١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴿١٦ كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴿١٧ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿١٨ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا ﴿١٩ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴿٢٠ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴿٢١ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴿٢٢ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ ﴿٢٣يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴿٢٤ فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ﴿٢٥ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴿٢٦ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴿٢٧ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴿٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ﴿٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴿٣٠

(سورة الفجر المباركة)

.

إعداد / بشير عباس

حينما يضع الانسان امامه هدفاً محدداً، يتمنهج كل انحاء حياته ضمن ذلك الهدف بصورة واعية او حتى غير واعية. ان الحظوة بلقاء الرب هو الهدف الاسمى لكل انسان متزن ذي لب، فالانسان الذي اكتملت فيه الانسانية، يسعى لأن يحضى بلقاء ربه. وان يكون كما قال ربنا في صفته “يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية”، فاذا كانت اللحظة الاخيرة من حياة الانسان في مستوى الخطاب الرباني؛ “يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي”، فطوبى لصاحب هذه النفس المؤمنة، أما اذا كانت كلمة اخرى مناقضة ومغايرة بحيث تخرج الروح بسفود من نار، فبئس المصير وسوءةً لصاحبها. نحن حينما نقرأ آيات القرآن الكريم نبدأ اولا بتذكير أنفسنا قبل ان يأتينا الخطاب، “يومئذً يتذكر الانسان” أي يفكر “وانى له الذكرى”، فلا مجال يومئذ للتفكير والتذكير، لذا يتمنى بعض الموتى من الله ان يؤخرهم ربع ساعة فقط لأجل الاستغفار والقيام بالعمل الصالح، فيأتيه الجواب: ألم تكن فترة الستين او السبعين عاماً كافية حتى تطلب ربع ساعة اخرى…؟! ثم كم شيعنا من الاموات وتذكرنا ولكن الذكرى كانت خاطفة سرعان ما تلاشت في زحمة الحياة.
والحقيقة؛ يستحب للانسان حينما يرى تشييعاً لجنازة أن يقول: (الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم)، أي لم يجعلني محروقاً، ثم يردد في نفسه وهو في عز وعيه: “ربي ارجعون….” بمعنى ان يصور نفسه مكان ذلك الانسان المتوفّى، ثم يسأل ربه ان يرجعه ليستأنف العمل، ولكن مشكلة الانسان ان قلبه محيط بشهوات و وساوس وضغوط الحياة مما يصعب عليه الانطلاق والعروج، لذا يكون بحاجة الى صعقة داخلية عنيفة حتى يستخرج نفسه من هذا الركام المحيط بقلبه.

(سورة الفجر) تجسيد ليوم الطف
لقد نزلت (سورة الفجر) المباركة على قلب نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله، و أُولت في نهضة ابي عبد الله الحسين عليه السلام. فاذا سُؤلت؛ أي سورة في القرآن الكريم نزلت في كربلاء يوم عاشوراء، وفي هذه النهضة الكبرى؟ سيقول لك الائمة الاطهار عليهم السلام: انها سورة الفجر. لان الامام الحسين عليه السلام هو فجر الانتصار والتحول في الامة وثورته المعطاء، وهي التي تحولت الى ثورات والى مسيرة ثورية مستمرة الى الابد والى قيام امامنا الحجة بن الحسن عجل الله فرجه، فهذه الثورة تتصل بتلك، وما بينهما نحن الذين نحمل اليوم رايتها ان شاء الله. فمن يحمل راية ابي عبد الله الحسين و راية سورة الفجر، طوبى له، فهو الذي يستحق ان يقال له عند الوفاة: يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية“.

لاحظوا هنالك غرابة في هذه الآية الكريمة، ان الله لم يقل لهؤلاء الذين قد وصلوا الى القمة حتى اصبحت انفسهم مطمئنة بالايمان: تعالوا الى القصور والدور والحور والاشجار والجنات… بل قال لهم: “فادخلي في عبادي”، لان اعظم ثواب للانسان ليس الجنة ولا الحور العين ولا الرضوان – المناطق التي تحمل هذا الاسم- ولا العدل ولا…. انما اعظم نعمة هي ان الانسان يرافق ابا عبد الله الحسين عليه السلام، لذلك حينما يأتي المؤمن ملك الموت ليقبض روحه – وهذا متواتر عند المؤمنين سمعناه من آبائنا ومن اخواننا وقرأناه في كتبنا – لا يحب الدنيا ولا يحب فراق أحبته، فقد كان الامام الحسن عليه السلام يبكي من فراق الاحبة، حيث كان عنده أناس مؤمنون وطيبون، لذا أمر الله تعالى ملك الموت بان لا يقبض روحه إلا بعد ان يستأذنه ويسترضيه. فقال: له هذا عبدي الا تأخذ منه اجازة وتأخذ روحه. هنالك يرضى الانسان المؤمن ويقول: اذاً اذهب مع ائمة الهدى واكون معهم، بل يطلب اللحاق بهم بسرعة تاركاً وراءه الدنيا وما فيها، وهذه هي النعمة الكبرى، وهي مصداق الآية الكريمة: “فادخلي في عبادي”، فاذا اردنا ان نحظى بهذه النعمة يجب علينا تطبيق (سورة الفجر).

بعض الاحيان وفي بعض الاوراد المذكورة يقولون بان سورة معينة من القرآن الكريم تُقرأ لرفع الصداع أو لاستنزال الرزق، وكل ذلك صحيح، لكن الصحيح ايضاً والمطلوب أن نقرأ (سورة الفجر) حتى نكون من اهلها وحتى نخاطب بها، وان يقرأ سورة ابي عبد الله الحسين عليه السلام ثم يطبقها على نفسه، “والفجر وليال عشر والشفع والوتر”. هذه السورة تضم حقيقة ان الانسان ليطغى، شاء ذلك أم أبى، فالبشر مركب من مجموعة آليات تتحكم على حياته، ففي البرد يرتجف الانسان وفي الحر يتعرّق، ويجوع إن لم يأكل ويعطش إن لم يشرب الماء وهكذا… وكما هناك آليات لجسمك، فهناك آليات ايضا لروح الانسان، من جملة الاليات، عدم شعور الانسان احياناً بالحاجة و بالتحرر فتتولد عنده حالة الطغيان، وهي من أسوء ما يكون عنده، “ان الانسان ليطغى ان رأه استغنى”، هذا الطغيان يتعاظم حتى يصل الى مرحلة ان يقول: (انا ربكم الاعلى)!! كما قالها فرعون، وكما تقول فراعنة الزمان في كل زمان، يسمي نفسه ملكاً أو حاكماً وغيرها من الصفات والالقاب، وقد فعلها الطاغية المقبور حينما اخترع لنفسه تسعة وتسعين اسماً، وحاول ان يكرسها في نفوس الشعب العراقي، لكنها ذهبت ادراج الرياح واصبح هو في خبر كان.
سلام الله عليك يا ابا الحسن، يا امير المؤمنين… يقول: (مسكين ابن ادم؛ تؤذيه البقة وتنته العرقة وتقتله الشرقة)، لكن مع ذلك نجد طغاة اليوم نسخة مكررة لطغاة الأمس، لان الشيطان هو نفسه، والنفس الامارة بالسوء هي نفسها، وكل شيء تجده حولك انما هو ذات الشيء الذي كان في سالف الزمان، من هنا نقرأ في زيارة عاشوراء: (اللهم العن اول ظالم ظلم ال محمد واخر تابع لهم على ذلك)، لان حقاً هناك من يتبع الظالمين للنبي واهل بيته عليهم السلام.

راية الحسين تواجه الدبابات
اذا أجاب الطغاة على مطالباتنا وصيحاتنا بالدبابات والطائرات والامكانات المالية والمؤامرات والدسائس، فنحن نتسلح بـ (سورة الفجر) وبنهضة ابي عبد الله الحسين عليه السلام ونتسلح بالفكر الرسالي، ولا مبالغة في الحديث، والله على ما اقول شهيد؛ إن راية العباس عليه السلام التي سقطت من يده في كربلاء بعد ان قطع الطغاة يديه، لم تسقط على الارض إنما هي قائمة ومرفوعة بايدينا، فنحن اليوم نحملها من بعد العباس عليه السلام. وإن هم يريدون او يحاولوا اقناعنا للتنازل او تركيعنا واذلالنا واهانتنا بقوتهم العسكرية بهدم مساجدنا وحسينياتنا وحرق قراننا فأننا نحاربهم بمنطق الشهادة ونقول لهم: (الا ان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة. وهيهات منّا الذلة). نحن قررنا ان نموت واقفين… قررنا ان نموت ولا يسمعون منّا كلمة آه….! نموت وقلوبنا مفعمة بالايمان نموت ونحن نقول: “يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية”. ان حوزاتنا العلمية في النجف الاشرف وفي كربلاء المقدسة وفي قم المشرفة وفي مشهد الرضا وسائر الحوزات العلمية هي بالمرصاد، لان الله قال في كتابه العزيز حينما تحدث عن عاد وعن ثمود وعن فرعون وعن اولئك الطغاة الذين اهلكو ودمروا: “ان ربك لبالمرصاد”، إن الله تعالى ينصر دينه ليس فقط بالملائكة أو القوى الغيبية، إنما ايضاً بعباده الصالحين، وهو القائل تعالى: “ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم”. واليوم أهلنا الذين يواجهون الانظمة الفاسدة الكاسدة سواء في البحرين او في اليمن او في اي منطقة اخرى، مدعوون لحمل راية الامام الحسين عليه السلام والتمسك بها، فهي راية النصر، وهي الراية التي حملها امير المؤمنين ونصره الله تعالى بها في بدر وفي حنين وفي خيبر وفي الاحزاب وفي كل المواقف، لانها راية جبرائيل و راية مكائيل وراية العرش وهي راية الله سبحانه وتعالى بيد اوليائه.

القرآن الكريم يفضح الطغاة
لماذا (الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة)؟ لان مصباح الحسين هو القرآن الكريم نفسه. ان الامة الاسلامية طوال تاريخها انما استطاعت ان تنتصر على اعدائها وان تتحدى الصعاب التي تحيط بها، من الحروب الصليبية و الاعصار التتري والمشاكل الكبرى وأن تتحدى التمزق والافكار السلبية، كل ذلك بفضل القرآن المجيد وأهل البيت عليهم السلام، تبعاً لما قاله النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: (اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي) ثم قال النبي: (واعلموا انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)، بمعنى؛ لا أحد يمكنه القول: اني احب اهل البيت دون القرآن الكريم وكذلك العكس، ولا احد يصدق اذا قال: انا احب القرآن الكريم ولا احب اهل البيت عليه السلام!
ان ما حمله معاوية في حرب (صفين) على الأسنة لم يكن قرآناً، لأن الامام علي عليه السلام هو القرآن الناطق. كذلك الحال مع عمر بن سعد في كربلاء عندما قال: (يا خيل الله اركبي وابشري بالجنة…)! ويزيد الذي قتل الامام الحسين وهدم الكعبة واستباح المدينة. وامتداداً لهذه المسيرة نجد اليوم مجموعة من المرتزقة المشبوهين الذي لا يعرف لهم أصل، ويقدمون على تمزيق الكتاب المجيد في مساجد وحسينيات (المملكة البحرينية) والغريب ان هذه المصاحف هي من طباعة المدينة المنورة، فهي من نتاجهم، لكنهم يمزقونه ويحرقونه!!
من هنا يجب ان تكون الحوزات العلمية منبعاً للقرآن الكريم، وعلى الحوزات العلمية أن لا يهجروا القرآن، إنها وصية امامكم علي بن ابي طالب عليه السلام لشيعته حيث قال: (الله، الله في القرآن، لايسبقنكم بالعمل به غيركم…)، فلايمكن لأحد ان يدعي حمل راية الامام الحسين ثم لا يستطيع ان يفهم القرآن، قد تقولون: ان المناهج الموجودة حالياً في الحوزات العلمية لا تضم مناهج خاصة بالقرآن الكريم، اقول لكم: بلا… توجد في الحوزة العلمية مناهج في القرآن الكريم، وهذا ما كان معهوداً في السابق، اذ لم يكن الطالب يدخل الحوزة الا بعد ان يكمل قرائته للقرآن الكريم. انا شخصياً درست القرآن الكريم منذ طفولتي الى جاني دراسة الاحكام الشرعية في كربلاء قبل الدخول في الحوزة العلمية، وذلك عند الشيخ الاصفهاني في مدرسة ابن فهد الحلي وعند الشيخ علي اكبر النائني في بيته في سالف الزمان. لذا اقتراح للاخوة في الحوزات العلمية تخصيص صف تمهيدي يدرس فيه الطالب بدايةً القرآن الكريم ويحفظ آيات معينة وايضاً خطب وحكم من نهج البلاغة ويحفظ ادعية. في السابق كان طلبة الحوزة العلمية من حفظة القرآن الكريم، وتبعاً لهذه السنّة كان المجتمع باكمله مجتمعاً قرانياً. اتذكر اني كنت في مرحلة الشباب أتخذ (سوق الزينبية) طريقاً الى الحرم الشريف، وكنت ارى المنظر الجميل، حيث الكسبة يفتتحون اعمالهم صباح كل يوم بتنظيف واجهة المحل ثم رشه بالماء وبعدها الجلوس لقراءة القرآن الكريم، أما اليوم نجد المجتمع وقد تكالبت عليه مختلف الثقافات الوافدة الغريبة منها والعلمانية والشيوعية والبعثية وغيرها، وهذا بسبب وجود التكنولوجيا المتطورة في وسائل الاعلام، فاذا لا يتسلح طالب العلم بالفكر القرآني الاصيل وفكر اهل البيت ونهج البلاغة والصحيفة السجادية، فانه سيجد نفسه ضعيفاً امام الفكر الاخر. لان الفكر الاخر بدأ يهجم، وهو يمتلك اهداف وامكانات هائلة من تكنولوجيا وكادر علمي وثقافي كبير.
قرآن أبو ذر لا قرآن معاوية

هنالك تفسير خاطئ للقرآن الكريم يقوده المنحرفون منذ العهود الاولى في الاسلام، وما تزال المسيرة متواصلة، فهنالك التأويل الخاطئ والتحريف وابعاد القرآن عن المجتمعات وابعاده عن السياسة.
كان الصحابي الجليل ابو ذر الغفاري رضوان الله عليه، مبعداً الى الشام بأمر الخليفة الثالث، و ربما كانت ثمة رسالة من الخليفة الى معاوية – الوالي على الشام آنذاك- بان كثف المراقبة عليه وحدد تحركاته، لكن هذا الصحابي كان يخرج يومياً الى قصر معاوية ويرفع صوته بالآية الكريمة: “ان الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم”، واستمر على هذا النهج أياماً حتى ضاق ذرعاً به، وقال به يوماً: ألا توجد آية أخرى في القرآن لتقرأها يومياً؟! قال: بلى؛ لكن لا توجد سوى هذه الاية تناسبك، فأيقن معاوية بان أبا ذر سيفسد عليه أمره في الشام ويزعزع سلطانه فطلب من الخليفة ابعاده من الشام.
هكذا الاية الواحدة حينما تقرأها في الوقت والمكان المناسبين، من شأنها أن تهز العروش وتهدد الطغاة مهما كانوا.
هناك تأويل خاطئ لآيات قرآنية؛ يقال: (ان أولو الامر يقولون لا تخرجوا الى التظاهرات)، لكن من هم (أولو الامر)؟! وما هي هذه الفلسفة البائسة والكاسدة التي تفسير الدين بغير ما انزل الله، لم تعان المجتمعات من مشكلة ومحنة بقدر ما عانت من التفسير الخاطئ للآيات القرآنية ولكلمات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله. إذن؛ سلاح الامم امام الطغاة بصائر القرآن الكريم واهل البيت، فاذا تسلحت الامة باهل البيت فلا خوف عليه ولا هم يحزنون، وعندها تتمكن من ازالة الطغاة واذنابهم كما تزيل الاوساخ من وجه الارض. وليكن اليوم الكيل بمكيالين في الاعلام العربي الذي يرفع عقيرته على ما يجري هنا وهناك وفي بلاد الشام لكن لا كلام ابداً عما يجري في البحرين.

خلف الليل البهيم فجر مشرق
اذا تصور الحكام انهم يتمكنون من اخفاء الحقائق كما فعلوا طوال السنوات الماضية، فان الفضائيات والانترنت باتت تنشر كل شيء، فاذا كانت كلمتكم واحدة للشعوب، يصدقكم الناس، اما اذا كانت هنا كلمة وهناك كلمة أخرى فان الناس يشككون في مصداقيتكم، ربنا في سورة الفجر يقول في اول آية كريمة: “والفجر وليالٍ عشر”، وسبحان الله! فان اسم السورة فجر تعرف الفجر نفسه، وهو كمن يأتي الى بيته ليلاً ويشعر بالارهاق وينتظر لحظة الانفراج والانبلاج ولحظة تفجر النور، يقول القرآن: (والفجر)، فاذا طال الليل فان وراء الليل البهيم فجرٌ مشرق؛ فجر الامل والنصر ان شاء الله، “والفجر وليالٍ عشر والشفع والوتر والليل اذا يسر”. ان الليل يمضي لكن القرآن يقول: “هل في ذلك قسم الذي حجر”، ولا يقول أحدٌ؛ ان الطغاة يحكمون وبيدهم القوة والامكانيات، فهم ذاهبون كالليل البهيم، ويأتي خلفهم اهل الصلاح يأتون كما الفجر، والتاريخ شاهد على هذه الحقيقة؛ “ألم تر كيف فعل ربك بعاد……”، فهؤلاء الطغاة يشكلون امثلة ضخمة في التاريخ، فقد اكثروا في الارض الفساد، بل انهم بنوا لسنين طوال وبنوا الاهرام والقلاع وحفروا الجبال، لكن الله تعالى أتى عليهم بسوط عذاب، ولما ضربهم دمر كل ما كان لديهم، بيان اللحظة الواحدة؛ “فصب عليهم ربك سوط عذاب”، وبعدها تقول الآية الكريمة: “ان ربك لبالمرصاد”، اذن؛ اعطانا الله الامل، فلم يكن هؤلاء الموجودين بافضل من أولئك، ثم ربنا يبين طبيعة الانسان ويبين ان عليه ان ينتظر اللحظة المناسبة للعودة الى الله.
نقول للعالم أجمع: اننا ندين بأشد العبارات ما يجري على اخواننا في البحرين من هتك للاعراض، فهنالك (1000) إمرأة في سجون النظام البحريني، و بين فترة واخرى يأتون بجثة فتاة ويرموها على باب بيتها، هذا العمل كان بعيداً عن نهج فرعون فقد كان يستحيي النساء ويبقيهن على الحياة، لكن هؤلاء عديمي الشرف، لانهم لم يكونوا أهل شرف في تاريخهم، فقد مارسوا قتل الاولاد والصبية واقتحموا البيوت الآمنة وروعوا الناس وحرقوا المساجد والحسينيات ودمروها انطلاقاً من حقد اموي قديم. و نحن إذ ندين كل هذه الممارسات الاجرامية، نقول للشعب المظلوم في البحرين ولكل شعب مظلوم في كل مكان: اقروأ (سورة الفجر)، وركزوا على هذه الآية: “ان ربك لبالمرصاد”، فكما فعل الله بعاد وكما فعل بثمود وغيرهم من الطغاة، سينتقم الله من هؤلاء ويصب عليهم سوط عذاب ان شاء الله.
بقي علينا نحن اهل العلم وطلبة العلوم الدينية، أن نحمل راية الامام الحسين واخيه ابي الفضل العباس ان شاء الله عالياً ونقول لأولئك المظلومين: نحن معكم ونحن ان شاء الله ببركة الامام الحسين وبركة القرآن وببركة الثقلين كتاب الله واهل البيت سوف نزودكم بالفكر الرسالي الاصيل والبصائر الايمانية الصحيحة ونجعلكم أقرب الى الحقائق وتنتظرون نصر الله ان شاء الله. “وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون”.
.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الإثنين 22/ جمادى الأول/ 1432 هـ ، الموافق 25/ نيسان – أبريل/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

الحكومات الطاغية لا تتناسب مع ”توحيد الله“

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٤٥وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٤٦ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ ۚ وَاللَّـهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿٤٧

(سورة الأنفال المباركة)

.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 18/ جمادى الأول/ 1432 هـ ، الموافق 21/ نيسان – أبريل/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

تخلّف الأمة عن ”نصرة المظلوم“ تشجّع الظالم على الظلم

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴿١٠٩ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٠ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿١١١ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿١١٢ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴿١١٣ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ﴿١١٤ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿١١٥ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ﴿١١٦ وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ﴿١١٧ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿١١٨ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ ﴿١١٩ سَلَامٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ﴿١٢٠ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٢١

(سورة الصافات المباركة)

.
تخلّف الأمة عن نصرة المظلوم تشجّع الظالم على الظلم
إعداد / بشير عباس

عشرات الآيات القرآنية بل المئات منها تعكس لنا طبيعة السنن الالهية الحاكمة في الخليقة، ففي هذه الخليقة لا تجد صغيرة ولا كبيرة الا وهي خاضعة لنظام دقيق من أصغر ذرة الى كيان الخلية الى وجود الانسان الى وجود الافلاك المحيطة بالانسان. وكل شيء خاضع لنظام ينبعث من سنن الهية عليا، يهيمن عليها الله تعالى ويدبرها ويديرها. فاذا يكون الانسان في غفلة عن هذه السنن يأتي القرآن الكريم ليذكره، (يا ايها الانسان…! انت جزء من عالم محيط بك).
إذن؛ تهيمن على العالم الانظمة الدقيقة والرشيدة، والانسان على ظهر هذا الكوكب يخضع ايضاً لهذه الانظمة. وهذه الانظمة بدورها محكومة بسنن الهية عليا، فما شاء الله ان يجعل فعله خاضعاً لتلك السنة “وقدر الله فقضى”، ولو عرف الانسان هذه الحقيقة لاستوت الامور له، ولاصبحت حياته سليمة وسعيدة خالية من الازمات والمشاكل والاخطاء.
ومن اعظم ما في هذه السنن ان الله قائم بالقسط بالعدل، والعدل هو الحق الذي يحكم هذا الكون، فلا يستطيع احد ان يتصارع مع الحق، (من صارع الحق صُرع)، فهل بامكان الانسان ان يتصارع مع جبل؟ أو ان يتصارع مع امواج البحار؟ وهل استطاع اليابانيون اليوم بما لديهم من تقدم في التكنولوجيا والذكاء ان يقاوموا (تسونامي) او كارثة الزلزال الكبير الذي ضرب بلادهم ؟ الاجابة عن كل ذلك هو النفي، ومن هذه المعادلة الحقّة، تترشح فكرة انتصار الحق في الصراعات الاجتماعية، فالصراع الاجتماعي ظاهراً بين فئتين، تراهم مثلين مع بعضهما، هذه الفئة تملك الامكانات، وتلك ايضا، و عادة تكون الفئة التي على الحق تملك الامكانات الاقل من الفئة الاخرى، ولكن هاتين الفئتين ليستا مثلي بعضهما، لأن هذه على الحق والحق ينتصر وتلك على الباطل، والباطل يندحر شئنا أم ابينا.
حتمية النصر لمعسكر الحق
في القرآن الكريم جاء التأكيد الالهي على حتمية النصر والظفر لأهل الحق، والهزيمة والخسران لأهل الباطل، وهنالك أمثلة في سور عديدة منها (سورة الصافات)، تقول الآيات الكريمة: “سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ” (سورة الصافات /190-121).
عندما يذكرنا القرآن الكريم بسيرة حياة الانبياء العظام مثل ابراهيم واسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون، وذلك في اكثر من سورة مثل (هود) و (الانبياء) و(الصافات) وفي آيات عديدة أخرى، إنما يدعونا للاستفادة من تجارب الماضين حتى نكون ممن تنطبق عليه الآية الكريمة: “كذلك نجزي المحسنين”، وفي آية اخرى “انا كذلك نجزي المحسنين”، والمحسن هو ذلك الذي يكون على خط الاحسان وهو خط الانتصار للحق والدفاع عنه.
لقد كان نبي الله نوح عليه السلام في العراق وكان في منطقة بابل والكوفة، وقد شهدت هذه المنطقة طوفان نوح، لكن عندما جاءهم النبي لينذرهم ضحكوا عليه وبقي في قومه الف سنة الا خمسين عاما يذكرهم، وهم يضربونه! ومن يراه من بعيد، يخاله انساناً خائر القوى ولا جدوى من رسالته ودعوته، فقد تعاقب عليه ثلاثة اجيال، كل جيل كان يعيش حوالي ثلاثمئة عام، مع ذلك لم يفلح معهم، لكن النتيجة كانت أن تعرض قومه للعذاب الالهي العظيم، وفي ذلك الطوفان الذي غرقوا فيه باجمعهم وخسروا الدنيا والآخرة، بينما نبي الله نوح انتصر بالسفينة.
كذلك الحال بالنسبة لنبي الله ابراهيم الخليل الذي ولد في منطقة بلاد الرافدين وعاش فيها وتحدى الطاغية (نمرود)، و تعرض للنيران التي تحولت برداً وسلاماً عليه، ثم هاجر من العراق الى ارض كنعان ومنها هاجر الى مكة المكرمة. هذا الانسان الالهي و النبي الرباني العظيم، حُظي بتأييد السماء وهو في العراق و في كنعان ومن ثم في الحجاز. يقول ربنا تعالى إن تأييدنا لابراهيم ليس فلتة او امراً شاذاً، انما هو جزء من السنة الالهية، ويعد الكرة بعد الاخرى يقول “كذلك نجزي المحسنين”، بمعنى من يسير في خط يشابه خط ابراهيم عليه السلام أو في خط يشابه خط نوح أو خط يشابه خط موسى وهارون يكون جزائه ذلك الجزاء الاوفى.
المعادلة الثابتة في كل زمان ومكان
هنالك نقطة مهمة في معادلة الصراع، فالانبياء عاشوا ظروفاً مختلفة زمكانياً، أحدهم كان في العراق والاخر في فلسطين والاخر في مكة والاخر في بلاد الشام، وكانت لديهم ظروف اجتماعية ونفسية متعددة، وربما هناك انبياء كانوا يعيشون في مناطق اخرى من العالم وفي عصور مختلفة، ولكن السنّة الالهية كانت واحدة بالنسبة اليهم جميعا، اذ لا فرق بين اولهم وبين آخرهم، بمعنى ليس ثمة فرق بين آدم وبين نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله، من حيث تطبيق سنة النصر الإلهي. وهذه المعادلة تنطبق على الانسان في كل زمان ومكان، على الانسان المؤمن ان يعرف بانه اذا اتبع سنة الانبياء واهتدى بهداهم سيشمله ايضاً النصر الالهي، فاذا اعطى الله لنبيه موسى بن عمران تلك القوة البدنية، فانه معطيها اليوم للانسان المؤمن، تقول الآية الكريمة: “ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم”، والكرب العظيم هنا هو (فرعون)، ذلك الطاغية الذي كان يحكم الحضارة الوحيدة في العالم، وكانت المعمورة كلها كانت تخضع لمصر ولفرعون، وقد لخّص هذا الانسان حياته في حرب موسى وهارون وحرب بني اسرائيل، ولم يتورع عن ارتكاب الجرائم الشنيعة والبشعة بحق الناس من اجل التشبث بالكرسي، وأن يبقى عليه مدة أطول، لكن ماذا كانت عاقبة فرعون؟ تجيب الآية الكريمة: “وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ”، أي نصرنا موسى وهارون معاً، “فكانوا هم الغالبين”، فحينما انتهى أمر فرعون بالغرق في اليمّ عاد بنو اسرائيل وحكموا مصر، ثم اخذ نبي الله موسى جثمان يوسف وحمله الى فلسطين حيث مدفنه الان على باب بيت المقدس، “واتيناهم الكتاب المستبين”، فبعدما غلبوا اعطاهم ربنا الكتاب وهو التوراة فيه نظام وبرنامج لحياة سعيدة، “وهديناهما الصراط المستقيم * وتركنا عليهما في الاخرين”، بالاضافة الى ذلك، فان كل انسان مؤمن بالله يأتي يوم القيامة، لابد ان يقف اجلالاً لموسى وهارون، وربنا يقول: “سلام على موسى وهارون”، ونحن نقول كذلك: (سلام على موسى وهارون) بعد مضي حوالي خمسين او ستين قرناً من الزمن، ومن الشروط الاساس لايمان الانسان، ان يكون مؤمناً بكل الانبياء، وهم عبارة عن منظومة الهية متكاملة. ثم يقول ربنا: “انا كذلك نجزي المحسنين”، ما هو الاحسان الذي كان لموسى ولاخيه عليهما السلام؟
كان موسى في مطلع شبابه يسير في الطريق واذا به يرى احد ابناء قومه من بني اسرائيل يتشاجر مع قبطي، والقرآن الكريم يصف الحادثة: “هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاث الذي من شيعته على الذي من عدوه”، وكان موسى حينها ذا قوة بدنية عالية “فوكزه موسى فقضى عليه”، أي بضربة واحدة صرع القبطي وانتصر لاخيه الاسرائيلي، وفي اليوم الثاني وهو يمشي في الطريق، واذا نفس الاسرائيلي يتصارع مع قبطي آخر، فهرع لنصرته مرة ثانية، وكان معروفاً عن موسى عليه السلام انه سريع الغضب، وعندما كان يغضب يظهر ذلك على كل جسمه، فخاف الاسرائلي من منظر موسى، وقد رأى بالأمس كيف ان القبطي سقط على الارض ميتاً بضربة يد واحدة من موسى، فقال: اتريد ان تقتلني كما قتلت نفساً بالامس… الى اخر القصة. وبعد هذه الواقعة خرج الى ارض مدين و التقى بابنتي نبي الله شعيب كانتا جالستين ينتظران الرعاع من الرجال حتى يسقيان، فقال لماذا انتما لم تسقيا ؟ قالتا: نحن نساء وابونا شيخ كبير ونحن ننتظر حتى ينفضّ الرجال لنأخذ الماء ونسقي به انعامنا.
وفي هذه الحالة كان موسى يعاني الجوع، اذ لم يدخل فمه طعام منذ سبعة ايام او اكثر، وبعد ان خاض مع الرجال وسقى لهما، لم يطلب منهنّ الأجر ليوفر به طعاماً له –مثلاً-، إنما جلس جانباً ليستريح، وبعد ان ذهبت بنات شعيب، عادت احداهما وقالت له: ان ابي يدعوك لتأخذ منه أجر ما سقيت لنا، وهنا التقى موسى بنبي الله شعيب لأول مرة وقام بضيافته، ودعاه الى مائدة الطعام، فرفض موسى وقال: اذا كان هذا الطعام لقاء أجر السقاية فانا لا أتناوله، فما قمت به كان في سبيل الله، بل ان موسى كان دائماً مدافعاً عن الحق وكان دائم الغضب لله وللحق، وهذا هو مصداق الاحسان.
هذه القصة بالحقيقة تمثل عبرة ودرساً لنا، فنحن الآن نمتلك القوى والامكانات وأمامنا مجتمع متهالك بحاجة الينا، ثم لا نلتفت اليه. والمثل يقول: (من حلقت لحية جار له فليسكب الماء على لحيته)!!
لا ننتظر ان تحلق لحيتنا!
هل يجب ان ننتظر المشكلة والازمة تحوطنا لنهب ونثور لندافع عن انفسنا وديننا؟
ربما يقول البعض: حسناً ان وضعنا في العراق حالياً جيد ويحظى بقدر من الاستقرار، كلا؛ ربما هنالك في مكان ما بالعالم من اخواننا المسلمين من يعيش وضعاً سيئاً سواء في مصر او في تونس او في ليبيا او في والبحرين، واي منطقة في العالم، فاذا رأيت مظلوماً لا يجب السكوت عنده، لنكون محسنين بالدفاع عن المظلوم، وليس بالضرورة ان يكون الدفاع عن المظلوم بالسلاح والقوة، فهنالك الدعاء في اوقات مختلفة، او بتقديم الدعم باشكال متعددة. ان الدفاع عن حق الانسان المسلم امام الحاكم الظالم له عدة تبعات ايجابية:
اولاً: حينما تدافع عن المظلوم فان ذلك سيستتبعه دفاع اكبر من الله تعالى، فالانسان عبد الله وهو يدافع عن المظلوم، بينما رب العباد يدافع عن جيمع عباده، و اذا تراحم المسلمون فيما بينهم سيرحمهم الله تعالى.
ثانيا: من يدافع عن المظلوم ويواجه الظلم هنا وهناك، فانه بذلك سيحول دون تعرضه لهذا الظلم.
اتذكر أني قلت في خطاب جماهيري في ذكرى استشهاد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) في ايران؛ ان السكوت على استشهاد هذا المرجع المظلوم واخته المظلومة، سيجر الشعب العراقي الى حروب ودواهٍ، وفعلا رأينا بعد استشهاد الشهيد الصدر الذي اسميته (شهيد المرجعية الدينية)، كيف ان العراق سقط في مستنقع الحروب؟ وكيف ان الالاف سقطوا قتلى هنا وهناك، ولو كان الشعب العراقي يهبّ هبة واحدة ذلك اليوم، لكانت الامور على غير ماهي اليوم، ثم ان الحاكم ليس قوياً، إنما يجد امامه الضعف من الناس فيستقوي من خلال هذا الضعف والتراجع.
ان التاريخ طالما يزخر بالعبر والدروس، اهمها درس واقعة الطف، والخذلان الذي تعرض له الامام الحسين عليه السلام، فبعد الواقعة، سجل التاريخ جرائم مروعة ليزيد لعنة الله عليه، ففي السنوات الثلاث قبل موته، كان في كل سنة يرتكب جريمة مروعة، كانت كبرى جرائمه أمره بقتل الامام الحسين وبتلك الطريقة الفجيعة، لكن جريمتين أخريين، لم تكونا بقليلة، استباحة المدينة وفي السنة التالية هدم الكعبة المشرفة، فهذا الطاغية ارتكب كل الجرائم الشنيعة من قتل ابن بنت رسول الله والاعتداء على اعراض المسلمين وهدم الكعبة قبلة المسلمين، واهانة مرقد الرسول الأكرم، لكن مع ذلك نجد اليوم بعض العقول السخيفة الى الان يدافعون عن يزيد ويرفضون من يلعنه.
جاء رجل الى الامام زين العابدين وقال له: يابن رسول الله لماذا تحصل هذه التعديات ؟ قال له الامام عليه السلام: لو ان اهل المدينة كانوا يدافعون عن ابي يوم خرج من مدينة جده دفاعاً عن الحق ضد الباطل، لما كانوا يواجهون هذه الانتهاكات والتعديات.
اليوم اخواننا هنا وهناك في العالم الاسلامي يتعرضون لمشاكل وصعوبات، فاين المسلمون؟! من نادى يا للمسلمين ولم يجيبوه فليسوا بمسلمين، (من اصبح ولم يهتم بامور المسلمين فليس منهم). إذن، على كل انسان بمقدار استطاعته يجب ان يتقدم خطوة لنصرة اخوانه المسلمين، سواء بالتظاهرات وليكن يوماً واحداً بالاسبوع، أو بالدعاء في جوف الليل وخلال صلاة ركعتين قربة الى الله تعالى، فلابد ان يكون الانسان المسلم بحيث يراه الرب تعالى بانه يدافع عن المظلوم ويعمل جهد امكانه في هذا الطريق.
ان المسلمين اليوم مدعوون في كل مكان وكلاً حسب قدرته بان يدافعوا عن، المظلومين في كل مكان وبهذا ينزل الله النصر عليهم لان ربنا تعالى يقول: “كذلك نجزي المحسنين”، وهذه السنة الالهية لا تقبل التغيير ولا التحوير.

.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 11/ جمادى الأول/ 1432 هـ ، الموافق 14/ نيسان – أبريل/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

”الإنسان“ يصنع نفسه بنفسه

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ۚ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١١١ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١٢ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ﴿١١٣ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴿١١٤وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٥

(سورة هود المباركة)

.
كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 04/ جمادى الأول/ 1432 هـ ، الموافق 07/ نيسان – أبريل/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

نصرة المظلومين ومقارعة الطغيان يجلب ”النصر الإلهي“

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ﴿١٥ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿١٦ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ ﴿١٧

(سورة القصص المباركة)

.

نصرة المظلومين ومقارعة الطغيان يجلب النصر الإلهي والعزّة والكرامة

إعداد / بشير عباس
سلم الاولويات في القيم يختلف من مذهب لآخر، ومن مجتمع لمجتمع آخر. فبينما يهتم البعض بالتقدم الاقتصادي، ترى الاخرين – مثلاً- يهتمون بالخدمات، وغيرهم يهتم بالعدالة الاجتماعية، وآخرون يهتمون بالوجاهة والمناصب السياسية. كل هذه القيم سليمة، ولكن السؤال؛ أية قيمة تسبق الاخرى؟ وكيف نبني هرم القيم بحيث نعرف عند حصول الاختلاف أية قيمة أفضل من غيرها ؟
هذا سؤال كبير وعظيم، ولذلك حينما تجد ان المجتمعات البشرية اليوم وقبل هذا اليوم وعبر التاريخ المديد كانت مجتمعات غير متجانسة، انما السبب يعود الى اختلاف وجهة نظرهم في أولويات القيم. فما هو سلم الاولويات في قيم الدين الاسلامي وفي الشريعة السمحاء؟
فاذا تقاطعت الحرية مع الامن، هل نقدم الحرية أم الامن؟ واذا تقاطعت الخدمات والاهتمام بها مع التقدم الاقتصادي والذي يحتاج الى شدّ الاحزمة والتضييق على النفس لبعض الوقت، هل الرفاهية أم العمل الاقتصادي، وهكذا…
*ثلاث قيم في الإسلام*
يبدو واضحاً ان الاسلام يهتم بقيم ثلاث:
القيمة الاولى: الحق
إن الله تعالى خلق السموات والارض بالحق، وما خلق السموات والارض باطلاً، فكل شيء في الخليقة حق. وقد وضع بحق ويخدم هدفاً محدداً، ومن يصارع الحق يُصرع و يتلاشى، وهذه سنة الله. أرأيت الذي ينكر الجاذبية ويرمي بنفسه من شاهق؟! ان نتيجة عمله وإنكاره لقانون الجاذبية هو ارتطامه بالارض وتحطم عظامه وموته، وهكذا سائر الحقائق والقوانين في الحياة، من ينكرها يلاقي مصيره المحتوم. ومن نحن جزء من هذه المنظومة وهذا الواقع الذي يحيط بنا.
القيمة الثانية: العدل
وماذا يعني العدل؟ انه استجابه للحق، وان تعطي لكل ذي حق حقه. “ولا يجرمنكم شنئان قوم على ان لا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى”، يقول الامام امير المؤمنين (ع) في مضمون حديثه، أن العدل يسع الجميع، لا أن يكون التوزيع لأناس على حساب آخرين.
القيمة الثالثة: الاحسان
“ان الله يأمر بالعدل والاحسان” لان من دون تعاون البشر فيما بينهم فكرياً او عقلياً او عاطفياً او عضلياً، وفي كل مرافق الحياة، تصبح حياة البشرية جحيماً.
في مقابل هذه القيم الثلاث، هنالك ثلاث قيم مضادة، فمقابل الحق الكفر، ومقابل العدل الظلم، ومقابل الاحسان البغي. و ربنا يقول: “وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي”، وهو بمعنى تجاوز الانسان على حقوق الاخرين، لذا فان اهم صفة للانسان المتوازن و الكامل بحق هي صفة الاحسان، ان يمد العون نحو الاخرين.
*الإحسان. . الوقوف مع المظلوم*
في سورة القصص يحدثنا ربنا تعالى عن نبيه موسى بن عمران عليه السلام، وانطلاقته الاولى وكيفية تعامله مع المجتمع المصري آنذاك، “وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ”، فبالاضافة الى ما أتاه الله تعالى الحكم، وهو الرسالة والنبوة والقيادة، وايضاً العلم، كان موسى يحمل صفة الاحسان، ونفس الصفة جاءت في قصة نبي الله يوسف (ع)، فقد أعطاه الله تعالى حكماً وعلماً وقال: “وكذلك نجزي المحسنين”.
والسؤال هنا: ما هو طبيعة الاحسان الذي كان عند موسى بن عمران وكان ايضاً عند يوسف بن يعقوب عليهما السلام ؟ فهل كانا يوزعان النقود على الفقراء؟ او يتكفلان الايتام، او يبنون الحسينيات والمساجد والمدارس؟ كل هذا يُعد من انواع الاحسان، لكن بالنسبة الى يوسف الصديق عليه السلام فان احسانه كان في تحديه للانحراف الاخلاقي في مجتمعه، وبسبب هذا الانحراف تعرض للسجن فقال: “قال ربي السجن احب الي”، وبعد أن أدخل الزنزانة وهي طامورة في جوف جبل، أطلق عليه نزلاء السجن بـ (المحسن)، والسبب هو أنهم سألوه في اليوم الأول لدخوله عليهم، لماذا سجنوك؟ هل اعتديت على احد؟ هل سرقت؟ كل الاجابات بالنفي، ثم قال يوسف: ان زوجة الملك ارادت مني فعل الفاحشة وانا أبيت ذلك. فقالوا له: “انا نراك من المحسنين”
أما بالنسبة لنبي الله موسى عليه السلام وكيفية احسانه، يقول تعالى: “وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ”، هذه الآية تشرح كيفية الإحسان الذي أسداه نبي الله موسى لابناء مجتمعه، وكان دخوله المدينة في وقت (غفلة) الناس، بمعنى أنهم كانوا نياماً، والظاهر ان الوقت كان ظهراً وليس مساءً، “فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه”، وهذا بمعنى ان موسى عليه السلام، كان معروفا في المجتمع، لديه أعداء كما لديه اصدقاء وشيعة واتباع، ثم انه فوق ذلك وفي نظر مجتمع بني اسرائيل يُعد (ابن فرعون) ذلك الانسان الذي يدّعي انه (الرب الأعلى)، وانه بموت فرعون يصبح هو الملك والحاكم الأعلى في البلاد، فاستغاثه الذي من شيعته وهو من بني اسرائيل على الذي من عدوه وهو من الاقباط، هنا لم يفكر موسى بالظروف المحيطة وانه مقرّب من البلاط ومن الحكم، إنما بادر على الفور “فوكزه موسى فقضى عليه”، وهذا دلالة على القوة البدنية الفائقة التي كانت لدى موسى بن عمران. لكن بعد هنيئة، وعندما وجد موسى انه قتل نفساً، قال: “هذا من عمل الشيطان”، بمعنى ان الشيطان هو الذي يدفع الناس دائماً ليعادي بعضهم بعضاً، أو ليتجاوز البعض على حقوق البعض الآخر، والقبطي في هذه القصة كان يريد فرض (السخرة) أحد الاسرائيليين، وكان عنده حمل ثقيل وطلب منه حمله الى مسافة بعيدة من دون مقابل.
إذن؛ فقد وقف موسى مع المظلوم في مقابل الظالم، لكن هذا لايمنع من ان يؤكد صلته بالله تعالى ويستعيذ بالشيطان الرجيم الذي وصفه بانه “عدو مظل مبين”، ثم قال: “قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ”، بمعنى ان الؤمن عند الانتصار، عليه ان يستغفر ربه، وهذه الفلسفة نقرأها في سورة النصر: “اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا”. والسبب في هذا الاستغفار، ان كل انسان يحقق انتصاراً معينا في الحياة يشعر بالنشوة في نفسه وربما يطغى، وهذا الأمر طبعاً بعيد عن نبي الله موسى عليه السلام، لكنه متوقع منّا نحن الاشخاص العاديين، عندما يصل البعض الى منصب معين او موقع حساس فانه سيكون معرضاً لحالة التكبر على الاخرين، بينما يوصي الاسلام من ينتصر ان يزداد تواضعاً بين الناس. هكذا كان النبي الاكرم صلى الله عليه وآله عندما دخل مكة المكرمة منتصراً وضع رأسه على قربوس فرسه حتى لا يراه أحد تواضعاً لله. ثم تقول الآية الكريمة على لسان موسى عليه السلام: “قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ”، وهنا يدعو موسى ربه، بانه يمتلك القوة البدنية التي يضرب بها أعدائه، لكن لا تكون لصالح الطغاة والمجرمين، ولحساب الباطل.
*الشعور بالمسؤولية*
كما بلغ نبي الله موسى هذا المتسوى من تحمل المسؤولية إزاء ابناء مجتمعه، علينا اليوم الوقوف الى جانب المظلومين و المستضعفين، فالذي ينصر أخاه المظلوم الذي ينادي ويستغيث فان الله تعالى يحببه ويقربه، وطالما توصينا السيرة العطرة للمعصومين بنصرة المظلوم واتخاذ الموقف الحازم من الظلم والعدوان، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في الحديث المأثور: (من رأى رجلا ينادي يا للمسلمين فلم يجيبه فليس بمسلم)، والقرآن الكريم يدعونا بصراحة: “ما لكم ما تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين”، فالدفاع عن المظلوم ربما يصل الى درجة خوض القتال والحرب ضد الاعداء. ثم ان القاعدة العامة والسنّة الثابتة في الحياة تقتضي ان لا ينزوي الانسان ويغلق باب داره دون الناس، والمثل يقول: (من حلقت لحية جار له فليسكب الماء على لحيته). لنفترض شخصاً جالساً في بتيه ثم يرى الدخان يتصاعد من بيت قريب له، فهل سيبقى جالساً في بيته كأن شيئاً لم يكن؟! واكثر من ذلك، لو ان الشعب العراقي قد انتفض بوجه نظام حزب البعث منذ اليوم الاول الذي أعدم فيه أول معارض، هل كان يستمر كل هذه السنوات جاثماً على صدر هذا الشعب وألحق به كل هذه الويلات والمصائب؟
إن الدين ليس باقامة الصلاة وإطالة اللحية وحفظ بعض الكلمات… إنما الدين هو الدفاع عن المظلوم بمساندة القيادة الرسالية وإقامة الحق. وإلا فان اهل الكوفة كانوا مسلمين ومصلين ومن حفظة القرآن الكريم، لكن وصلت الحالة بهم أن يسحب كل شخص صاحبه ليبقى مسلم بن عقيل وحيداً في الساحة أمام الطاغية عبيد الله بن زياد، فقالوا (ما لنا والدخول بين السلاطين). وكانت النتيجة استشهاد مسلم مبعوث الامام الحسين الى أهل الكوفة وأمام أعين أهلها وهم صامتون، وفي مرحلة ثانية، أعلن بن زياد نفيراً عاماً لتحشيد أهل الكوفة والسير بهم لقتل ابن بنت رسول الله، فقتلوا الامام الحسين، ومنذ ذلك اليوم والى هذه اللحظة تلحق بهم اللعنات.
نحن اليوم نشهد تعرض البلاد الاسلامية لموجة من الظلم والاضطهاد سواء في البحرين أو في اليمن أو في ليبيا وغيرها من البلاد، والجميع مسؤولون، ولا مجال للقول: (لا عليّ) أو (ما شأني بهم….)، ان القضية ربما تتعدى كونها اسلامية ودينية، لتصل الى المسؤولية الاخلاقية، فالمسألة انسانية، ربما هنالك من غير المسلمين يتعرضون للظلم والتعسف، لكنهم بشر، ونحن ندافع عن كل انسان حتى وان لم يكن مسلماً، ولا يقول أحدنا: (ماذا يمكنني فعله)، لأن كل انسان بمقدوره تقديم شيء لأولئك المظلومين، ربما يتبرع الواحد منّا بماله والاخر يخرج في تظاهرات والاخر يتوجه الى ربه في جوف الليل ليصلي ركعتين وفي الصلاة يدعو للمؤمنين بالنصر والفرج. كلٌ حسب قدرته واستطاعته، فاذا تجتمع كل هذه الدعوات والمساعي فان الله تعالى يبارك فيها، ولا شك انها تكون مؤثرة وتغير كثيراً من الاوضاع.
إن الشعب العراقي ولله الحمد قام بدوره في التظاهرات الجماهيرية الحاشدة تأييداً لقضية الشعب البحريني انطلاقاً من الايمان ومن النخوة والدين. ونكرر الدعوة ثانية لتشكيل (لجان النصرة) في العراق لنصرة الشعب المظلوم في البحرين، فاذا كانت الحكومات تؤيد مثيلتها الحكومات وتساندها، ألا يجب ان تفعل الشعوب الشيء نفسه مع الشعوب؟ ان الدبابات والقوات العسكرية اجتاحت البحرين، وقد ضخوا مليارات الدولارات من اجل الدفاع عن عروش الظلمة. وقد يقول قائل: أمام كل هذه الامكانيات الضخمة، ماذا يمكن ان افعل…؟ الجواب؛ أن علينا أولاً وأخيراً القيام بواجبنا وندع البقية على الله تعالى، وهو القائل: “ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم”، لنتسائل: هل ان الله تعالى يحتاج يوماً لأن ينصره الانسان ؟! انه تعالى خلقنا وأعطانا كل شيء، فهو المتفضل وهو المتعال… فاذن؛ نصرة الله، هي نصرة دينه والمؤمنين والصالحين والمظلومين، فمن يقوم بذلك فان الله يؤيده وينصره. وفي كل مكان وزمان، سواء في العراق او غيرها من البلاد الاسلامية، علينا نصرة المظلوم والدفاع عنه بالتي هي احسن وبالقدر الممكن.
*الامام الهادي (ع). . الدرس البليغ *
لنتقد بالامام العاشر من أئمة الهدى الامام الهادي عليه السلام في كيفية الوقوف الى جانب المظلوم والمحتاج وفعل ما أمكن لتقوية موقف المؤمن في المجتمع.
اتى عليه احد من شيعته من الكوفة الى سامراء وقال له: يا ابن رسول الله… اني بحاجة الى المال، فقال له الامام: وكم تحتاج؟ فقال: 15000 دينار، فقال اعلمك شيء، قال وما هو؟ قال تأتي غدا اليّ في هذا المجلس الذي عادةً يرزع بالوشاة وجواسيس الحاكم العباسي، وأعلن طلبك بصوت عال أمامي وقل: اني اطلبك ثلاثين الف دينار لماذا تأخرت عليّ… واغلظ عليّ في الكلام. قال: وكيف أتكلم بذلك…؟ قال له الامام: هذا ما آمرك به. وفي اليوم الثاني جاء هذا الرجل الى مجلس الامام الهادي عليه السلام، وبدأ يتكلم بكلام خشن كما أوصاه عليه السلام، وبعد فترة وجيزة كان الخبر عند الحاكم العباسي، والخبر الجديد ان الامام مديون ثلاثون الف دينار، فأمر الحاكم بصرتين في كل واحدة خمسة عشر الف دينار، وبعثوا بها الى بيت الامام، و في اليوم الثالث جاء ذلك الرجل الى الامام فقدم له المال الذي طلبه. هذه القصة تروي لنا كيف ان الامام الهادي وهو معصوم وحجة الله على الارض يعرض نفسه للاهانة امام الناس من اجل خدمة الناس. “وكذلك نجزي المحسنين”.
نحن بحاجة الى ان ننمي في انفسنا روح الاحسان والدفاع عن المظلوم والمحروم ومساعدة الاخرين، ان الامة التي تساعد بعضها البعض وتقوم وتنهض نهضة رجل واحد من اجل الاهداف العليا، لن تموت ولن تُذل ولن تتعرض لتجبّر الطغاة ولا حتى من سائر الامم. وهذا ما نستلهمه من نهضة الامام الحسين عليه السلام، التي قدمت لنا روح التحدي والتضحية والعطاء ونحن نرى والحمد لله في العراق هذه الروح تزداد تألقاً يوماً بعد آخر، وهذا دليل على تمسك هذا الشعب بالولاية الالهية بالامام الحسين عليه السلام.
.
كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 26/ ربيع الآخر/ 1432 هـ ، الموافق 31/ آذار – مارس/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

”المعارضة الواعية“ ودورها في تسديد خطوات الحكومة

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّـهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿٤٤

(سورة المائدة المباركة)

 

قبل هبوب العاصفة على العراق
المطلوب؛ معارضة واعية لتأييد انجازات الحكومة أو تسديد خطواتها
إعداد / بشير عباس
الدين هو البرنامج الاكمل لحياة الانسان. ذلك ان كل كائن حيّ اذا ركبت في دماغه برنامجاً متكاملاً لحركته، فانه لن يتمكن من التخلّي عنه، فلابد ان يلتزم به، شاء أم أبى، مثال ذلك، الانعام كالحصان او الدجاج او الخراف، فان الله سبحانه وتعالى اعطاه برنامجاً متكاملا للحياة ابتداءً من الولادة والى لحظة الموت، ولو افترضنا ان واحداً من هذه الحيوانات ابعدناه عن والديه وعن محيطه وبيئته، فانه يستطيع ان يعيش ويواصل حياته لانه يحمل برنامجاً متكاملاً للغذاء والنوم والتزاوج وغير ذلك.
أما الانسان، فان المسألة تختلف لديه، فقد خيّر ضمن مجموعة كثيرة من البرامج ان يختار الافضل. و ربنا تعالى من اجل امتحانه وابتلائه في هذه الدنيا قد انزل عليه عبر الرسل برنامجاً متكاملاً، ولكن لم يحتم عليه ولم يكرهه على اختيار أحدهما، مع تبيين كل الاحكام والسبل أمامه. – مثلاً- قال بوجوب الصلاة، ولكن لم يكرهه على أداء الصلاة، كما قال بوجوب الصوم، ولكن اعطاه الحرية بأن ربما يفطر في نهار شهر رمضان المبارك، فهو مخير من الناحية التكوينية. وهذه الميزة هي التي جعلت الانسان حاملاً تلك الامانة التي عرضها الله تعالى على السموات والارض والجبال فأبين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان. إنها امانة الحرية وامانة الارادة ان شاء اتخذ الى ربه سبيلا وان شاء كفر، “اما شاكرا واما كفورا”. والدين هو ذلك البرنامج المتكامل، ومن ابعاد هذا البرنامج المتكامل في الحياة ما يتصل بالنظام السياسي.
في سورة المائدة آية كريمة من شأنها ان ترسم لنا خارطة الطريق بالكامل فيما يتصل بكل ابعاد الحياة وفي مقدمتها النظام السياسي. “إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ” (المائدة /44). ومعروف أن سورة المائدة هي آخر سورة نزلت على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وقد جاء في بعض الاحاديث انها تنسخ سائر آيات القرآن الكريم، ولا تنسخها آية أخرى، فاذا وردت آية في سورة المائدة وآية في سورة اخرى في الظاهر متعارضتان، فنحن كفقهاء نغلب جانب سورة المائدة لانها آخر سورة نزلت على قلب النبي الأكرم.
في هذه السورة جاءت ثلاثة تأكيدات على ان من لم يحكم بما انزل الله “فأولئك هم الكافرون”، فقد أكد ربنا ان هذا الحكم هو الحكم الالهي، لكن ما هو الحكم الالهي في النظام السياسي؟
نحن الان امام تجربة قاسية ليس فقط في العراق وانما في المحيط العربي. هناك حالة من الغليان في العالم العربي، يمكن متابعة تفاصيله عبر القنوات الفضائية والانترنت، ابتداءً مما حدث في تونس عندما قام (بو عزيزي) باضرام النار بجسده ومات منتحراً وسط الشارع وأمام أنظار اهل مدينته، لتنطلق مسيرة التغيير في ذلك البلد في شمال افريقيا، حتى وصلت ألسن اللهب الى اكبر دولة عربية ومن عظميات الدول الافريقية وهي مصر، فتغيرت الحالة السياسية، ومن ثم يأتي دور اليمن وليبيا والبحرين، وربما دول اخرى تتعرض لهذه الموجة الشبيهة بموجة (تسونامي) الطبيعية التي ضربت اليابان مؤخراً، لكنه (تسونامي سياسي)، فيما تقف معظم الانظمة السياسية الحاكمة عاجزة عن مقاومة هذه الموجة العاتية.
العراق و شروط القيادة الصالحة
في ظل هذه الاوضاع والاجواء، يجب علينا الآن ان نعود الى تراثنا وديننا وقيمنا لكي نعرف ما هو الحق؟ وأين يكون؟
في العراق لسنا بعيدين عن تأثيرات هذه الموجة العارمة! وانتم تعرفون ذلك… فالسؤال المطروح اليوم: ما هو النظام السياسي الاسلامي السليم؟ الاسلام يهتم بمركز القيادة، لان مركز القيادة في الامة أشبه ما يكون برأس الانسان، فاذا كان الرأس سليما، ويكون المخ نظيفاً وسليماً ويعمل بانتظام، فان الجسم سيكون ايضا سليماً، أما اذا فسد الرأس فان صلاح الجسم يكون مهدداً. فماذا ينفع الانسان هيكله الضخم او عضلاته او حتى صحته الجيدة اذا كان يفتقد للمخ السليم؟
من هنا فان الله تعالى يشترط علينا اربعة شروط اساس لابد ان تتوفر في مركز القيادة، ثم لابد ان يعترف بها الناس وتكون طاعتهم بمحض ارداتهم وبطيب خاطرهم لا بواسطة الضغط او القمع أو التضليل عبر وسائل الاعلام الفاسدة او التغرير والتغريب بالاموال.
الشرط الاول: العلم
لابد ان يكون القائد عالماً لا جاهلاً، وفيما يتصل بالنظام السياسي الاسلامي يجب ان يكون مؤمناً بالدين وعارفاً بالفقه، والسبب في ذلك وهو وجود المجتمع المسلم والمؤمن بالله تعالى وبكتابه، فلابد ان يقود هذا المجتمع رجل أعرف واعلم من الآخرين بكتاب الله. – مثلاً- اذا كان هنالك تجمع للمهندسين، فان الذي يقودهم لابد أن يكون أعلمهم بالهندسة، كذلك الحال في تجمع الاطباء او الضباط العسكريين، فاذا كان المجتمع إلهياً لابد ان يكون القائد لهذا المجتمع رجلا ربانياً وعالماً دينياً.
الشرط الثاني: الحضور في الساحة
بمعنى تحمل السمؤولية وادارة الساحة والتصدى لشؤون الامة عن قرب، فالذي يقودنا يجب ان يكون عالماً دينيا ينزل الى الساحة، ويلتف حوله الجماهير، فيأمر وينهى ويتصدى ويكون قائدا ميدانياً.
الشرط الثالث: الشجاعة
بان يكون انساناً شجاعاً، فاذا كان قائدنا رجلاً جباناً يخضع للضغوط، فالمجتمع كله يصبح خاضعاً للضغوط، فلابد ان يكون شجاعاً يتحدى الضغوط الخارجية ولا يخاف احداً الا الله تعالى.
الشرط الرابع: الزهد بالدنيا
ان القائد الذي يحرص على دنياه سوف يكون تابعاً لأصحاب الدرهم والدينار، سوف يكون واحداً من الذين تغريهم الثروات، والنتيجة ينتشر الفساد في الامة، من الفساد الاداري والمالي، بل سوف يشتريه اصحاب المصالح بالرشوة.
العراق دفع ثمن الحرية غالياً
إن من الجدير بنا دائماً التدبر بآيات الله الكريمة والعظيمة. إنها بلسان عربي مبين ولا اعوجاج فيها، وقد امرنا الله تعالى بالتدبر وبكل صراحة: “افلا يتدبرون القران أم على قلوب اقفالها”.
يقول تعالى: “انا انزلنا التوراة”، فالتوراة نزلت على أولئك القوم، كما نزل الانجيل على غيرهم، والقران نزل علينا، فنفس الكتاب ونفس الرب “انا انزلنا التوراة فيها هدى ونور”، فما هو معنى (هدى ونور)؟ وماهو الفرق بين الهدى والنور. فمرةً تذهب الى طريق لا تعرفه سلفاً، فتسأل شرطي المرور عن الطريق، فيرشدك الى الطريق، وفي المرة التالية يعطيك خارطة كاملة حتى لا تنسى الطريق، فالهدى هي الاشارة، بينما النور هو بمنزلة الخارطة للطريق.
والسؤال هنا؛ هل ان القران الكريم يحكم نفسه بنفسه، أم هنالك رجال يحكمون به ويقودن الامة على اساسه؟ يقول تعالى: كلا… بل يحكم به النبيون، فالذي يحكم بهذه التوراة هم الانبياء الذين اسلموا لرب العالمين، لان كل الانبياء لم يحكموا من انفسهم ولا من كلامهم، إنما يحكمون بامر الله تعالى، “اسلمت لله رب العالمين”. فالمحكومون بهذه التوراة “للذين هادوا”، بمعنى أولئك الذين اتبعوا هذا الكتاب بطوع ارادتهم ومن دون ضغط. “والربانيون”، فهم يأتون بعد الانبياء وهم العلماء الربانيون والصديقون، ثم يأتي “الاحبار” وهم العلماء، إذن؛ هنالك ثلاث درجات؛ النبي، والصديق، و العلماء، ولكن هؤلاء العلماء الذين سيحكمون، لابد ان تتوفر فيهم الشروط التالية: أولا: “بما استحفظوا من كتاب الله” بمعنى انهم يحكمون بما استحفظهم الله كتابه واعطاهم الكتاب أمانة في عنقهم. ثانيا: “وكانوا عليه شهداء”، بمعنى كانوا شهداء وقياديين ومتصدين، ثالثا: “فلا تخشوا الناس”، بمعنى ان لا تكون لديه خشية من الناس. إنما الخشية من الله تعالى وحسب، “واخشوني”، رابعاً: “ولا تشتروا بأياتي ثمناً قليلا”. فهذه اربعة شروط واضحة، ثم يقول ربنا “ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون”، فهل من المعقول بعد ذلك أن يقول انسان: انا مسلم ثم يضع القرآن الكريم على جنب أو يقول ان الربا حلال فيما يقول القرآن الكريم بحرمته؟! أو يقول القران الكريم بحرمة الخمر، ثم نشهد انتشار (البارات) في بلادنا الاسلامية!! هذا مصداق قوله تعالى: “ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون”.
لابد أن أكون صريحاً جداً لأن أمامنا غداً يوم القيامة، حيث نقف جميعاً للحساب، ونُسأل؛ لماذا لم نتكلم؟ ولماذا لم نأخذ بالكلام؟ “ولنسئلن الذين ارسلوا اليهم ولنسألن المرسلين”، فحتى المرسل يُسأل؟ فمن يكون المخطأ يأخذ جزءاه، ونرجو ان لا نكون ممن يكتم علمه، والفقهاء يروون هذه الرواية عن المعصوم: (اذا ظهرت الفتن في الامة فعلى العلماء ان ينطقوا والا فعليهم لعنة الله. ..).
ان الحرية السائدة في العراق حالياً، وإقامة هذا المجلس الشريف و زيارة الامام الحسين عليه السلام وغيرها، لم تأت بالمجان. ربما اعرف جزء من مليون جزء من جهاد الشعب العراقي فقط لا غير، ولو كتبت هذا الجزء من مليون جزء من المعاناة والمحن لكان عشرة اجزاء كتب!! ففي كوامن كل انسان عراقي هنالك قصة مأساوية مريرية. هنالك أنهر من الدماء جرت من ابناء هذا الشعب، و أنهر من الدموع جرت من عيون الايتام والارامل والنساء الثكلى، وآهات بلغت عنان السماء وهي ما تزال الى الان. ربما تسمعون اليوم ان عدد الشهداء في مصر بلغ حوالي 350 شهيداً، فيما يسقط 300 شهيد عندنا في العراق بانفجار واحد على يدالجماعات الارهابية. وقد بدأت المسيرة من السجون والمعتقلات التي سقط فيها المئات من المؤمنين والمؤمنات من ابناء الشعب شهداء، وما حصل في حلبجة عام 1987 من قصف كيماوي أشهر من ان يوصف، وفي الانتفاضة الشعبانية المجيدة عام 1991 تعرضت مدينة كربلاء المقدسة وعلى مدى اربعة عشر يوماً لقصف صاروخي ومدفعي على يد قوات نظام صدام. وتتواصل مسيرة التضحية الى اليوم. يُنقل انه وبعد سقوط صدام وجدوا في احدى مراكز التعذيب في بغداد غرف تنتشر فيها اظافر مقلوعة من أيدي المعتقلين!
فهل بعد كل هذه التضحيات والآلام والآهات من العدل والانصاف أن نفرط بهذه النعمة الإلهية؟
أكدت منذ البداية على أن الدستور يجب ان يتضمن أمرين أساس، ونحن مستعدون أن ننزل الى الميدان ونحارب من أجلهما: الأمر الاول: وحدة العراق، وان لا يتمزق البلد ويتحول الى مقاطعات متناحرة ومتحاربة. والأمر الثاني: الدين… نحن لم نجاهد طيلة العقود الماضية من اجل النفط ولا من اجل الخدمات ولا من اجل الكهرباء، نعم؛ انها ضرورية ومطلوبة، لكن الغاية الأساس من الجهاد هي نصرة الدين وتحقيق الكرامة، وأن يسود الامام علي والامام الحسين عليهما السلام في الحياة، ومن اجل توفير الحرية الكاملة لزيارة كربلاء المقدسة. واليوم نجد كيف ان ابناء شعبنا ينعم بحرية الزيارة، فيتوافدون بالملايين في مواسم الزيارة صوب مرقد أبي عبد الله الحسين عليه السلام. ولله الحمد، تحققت وحدة العراق، كما تم تثبيت كون الاسلام دين الدولة الرسمي، ونصّت المادة الثانية من الدستور الذي صوّت عليه معظم الشعب العراقي، على ان أي قانون يخالف ثوابت الشريعة الاسلامية فهو ملغى. ولك أن تسأل أي انسان، سواء في الشرق او الغرب، وسواءً كان مسيحي او يهودي او علماني؛ هل ان الاسلام يحرم الخمر ؟ سيجيبك بالايجاب قطعاً. هذه هي ثوابت الشريعة الاسلامية. اذن؛ يجب ان يكون العراق، عراق الدين والايمان.
علاقة الشعب بالحكومة
ان العراق يجب ان يكون (عراق الشعب)، فاذا – لاسمح الله- عادت الدكتاتورية الى العراق نكون قد عدنا الى نفس النقطة التي خرجنا منها قبل ثمان سنوات. ان الدكتاتورية أشبه بكرة الثلج تبدأ صغيرة في البداية، لكن كلما تدحرجت على الارض، كلما تضخمت. والدكتاتورية اذا حصلت في بلد ستكون مثل السرطان أو الخلية الفاسدة في الجسم، تتوسع وتخرب كل الخلايا في جسم الانسان. إذن؛ من هنا، يجب أن يقود الشعب هذا البلد، ويكونوا هم المقياس في الحكم، كما يجب ان يكونوا على درجة كبيرة من الوعي، فهم يتولون اليوم انتخاب اعضاء البرلمان واعضاء البرلمان سينتخبون رئيس الوزراء وسائر الوزراء، كما ينتخبون مجالس المحافظات، وهذا يستدعي الاستعداد للدفاع عن هؤلاء المنتخبين، فهذا الصوت الذي يوضع في صندوق الاقتراع، بمعنى عقد الصلة مع النائب او المسؤول، فيجب الوقوف معه دائماً، وهو يشكل مسؤولية على صاحب الصوت يوم القيامة.
ان العراق ربما يتعرض لهبوب رياح الأزمات، فالمطلوب من الشعب ان يقف مع حكومته اذا كانت صالحة، لكن هذا لا يعني ان يسكت الناس عن فساد الحكومة، بمعنى ان الشعب لا يجب عليه ان يوكل أمره كليةً للمسؤول يقوده كيفما يشاء، كما على المسؤول ان يعرف ان الشعب هو الذي جعله يقوده من خلال صناديق الاقتراع، فاذا حصل ان غيّر الطريق، ينبهه على ذلك. وهذا هو (التسديد والتأييد)، فاذا خرجت تظاهرات يوماً في العراق احتجاجاً على أمرٍ ما، فهذا من حقهم، وقد أفتيت بحرمة ضرب المتظاهرين بالاسلحة، فلا يجوز قمع المتظاهرين المطالبين بحقوقهم، لكن اذا حصل ان كان بعض المتظاهرين أناساً منحرفين أو كانوا مدسوسين، فان الذي يؤيد الحكومة له أن يتظاهر ايضاً، فالساحة مفتوحة لهؤلاء وهؤلاء، فالحكومة يجب ان تكون أمامها صورتان: التأييد اذا اصابت والتسديد اذا أخطأت، وهذه هي نمط العلاقة بين العلماء والمجتمع عبر التاريخ، فالاستماع الى النقد من واجب العلماء، وهم في نفس الوقت يرغبون ان يستمع المسؤولون في الدولة الى حديث الناس.
شباب الجامعات والمساجد لا (فس بوك)
هنالك شريحة في المجتمع تريد الاصلاح من خلال تسيير التظاهرات، لكن يجب الحذر من الوقوع في الفوضى، وهذا ما لانريده للعراق، ربما هنالك ارادة لتغيير مجلس المحافظة، فليتغير، او لتجرى انتخابات مبكرة، او ليتيغير المحافظ، لكن كل ذلك يجب ان يتم بالنظام والهدوء لا بالفوضى، ومن يريد الحق يجب عليه ان يتكلم بالحقيقة.
أما ما يتعلق بآلية التغيير والاصلاح، فان الاعلام ينقل لنا ان الثورات التي حصلت في البلاد العربية انطلقت ممن يسمون بـ (شباب الفيس بوك)، بينما نحن في ا لعراق لدينا الشباب الطيب والنفوس الطيبة وهم يعرفون بعضهم البعض و يتحدون ويفكرون بمصير بلدهم، بل بامكانهم ان يكونوا افضل من غيرهم، وهؤلاء الشباب لا يحتاجون (فيس بوك)، فهناك الجامعة والمسجد والهيئة والحسينية، ومن خلالها يتبادلوا الافكار والآراء ويتشاوروا في ما بينهم، “وامرهم شورى بينهم”. ومن خلال هذه القنوات بامكانهم مقاومة الباطل.
أوجه الدعوة الى شباب العراق المؤمنين والمخلصين الصالحين، أن اتحدوا مع العلماء ومع المنهدسين والاطباء. اتركوا التحزبات الضيّقة وقوموا بتسديد النظام وتأييده، بمعنى ان يبحث الانسان عن الحق فيسير معه، فاذا المحافظ – مثلاً- قام بعمل خير اذهبوا و باركوا له هذه الخطوة، واذا رأيتم ثمة عملاً في رأيكم خطأ، اذهبوا اليه وتحدثوا عن ذلك. وبالنتيجة يسود الوعي واليقظة والحيوية في اوساط هذا الشعب، ان نظامنا ليس دكتاتورياً انما هو نظام شوروي يسموه (ديمقراطي)، وانا اسميه (شوروي) لان القران الكريم يقول: “وامرهم شورى بينهم”.
يجب ان نصلح الامور ولكن بوحدتنا، وبالتزامنا الواجبان الرئيسان؛ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى نشكل التيار الايماني الكبير في العراق، وفي هذه الحالة لن يستطيع اصحاب النوايا السيئة النيل من العراق وشعبه.

.
كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 19/ ربيع الآخر/ 1432 هـ ، الموافق 24/ آذار – مارس/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

نصرة ”المظلوم“ واجب شرعي

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

إِنَّ اللَّـهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴿٤١ وَأَقْسَمُوا بِاللَّـهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ﴿٤٢ اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَحْوِيلًا ﴿٤٣أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴿٤٤

(سورة فاطر المباركة)

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الأحد  15/ ربيع الآخر/ 1432 هـ ، الموافق 20/ آذار – مارس/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

تضحيات الشعوب ”تزلزل“ عروش الطغاة

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٣٩ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ وَلِيُمَحِّصَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴿١٤١ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّـهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٢ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴿١٤٣

(سورة آل عمران المباركة)

تضحيات الشعوب تزلزل عروش الطغاة

عندما تداهم الانسان المشاكل والازمات في حياته، يبادر على الفور بطرح السؤال؛ لماذا…؟
فلماذا الحروب الطاحنة؟ ولماذا الاحتجاجات والثورات؟ ولماذا الارهاب؟ ولماذا الكوارث الطبيعية؟ ولماذا الفقر؟ ولماذا انتشار الأوبئة الفتاكة؟
القرآن الكريم يقول: هناك اكثر من عامل لشقاء الانسان في هذه الدنيا. بعض العوامل تتصل بارادة الانسان، فهو الذي يتسبب في ظهور تلكم الازمات بشكل او بآخر، ثم ان هنالك سنّة إلهية ثابتة تقول: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم” (الرعد /11). بمعنى ان بعض الناس يصطدم مع سنن الله في خلقه فيلحق به الأذى، مثال ذلك الطعام الذي أنعم به الله تعالى على خلقه وما أكثره، فهناك البعض من لا يراعي في طعامه، وقد أمر الله الانسان بان يأكل و يشرب لكن أن لا يسرف، “وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ” (الأعراف /31)، فاذا اسرف الانسان في الطعام فان المعدة المحدودة الاستيعاب لن تكون قادرة على هضم كميات كبيرة من الطعام والشراب في وقت واحد، وبالنتيجة تحصل الآلام والامراض، وإذن؛ فان المرض يكون – على الأغلب – من الانسان نفسه، ولذا نجد النبي ابراهيم عليه وعلى نبينا وآله افضل الصلاة والسلام يقول هذه الكلمة الطيبة: “وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ” (الشعراء /80)، كذلك الحال بالنسبة لحالة الفقر التي قد يصاب بها الانسان في حياته. فاذا توفر لدى الانسان الارض والماء والصحة البدنية فلا يجب ان يفتقر. إن الله تعالى لا يستجيب دعاء من يطلب الرزق وهو جالس في بيته، إنه تعالى يدعو الانسان للكدّ والعمل ويضمن له الكسب، “يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ” (الانشقاق /6)، ثم ان على الانسان ان يعالج هذه المشاكل والازمات لحلّها والتخلّص منها.
لكن هناك بعض المشاكل لا تأتي من قبل الانسان نفسه، وإنما هي عبارة عن اختبارات من قبل الله تعالى، ولذلك خاطب النبي موسى (ع) ربه وقال:

“إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء” (الأعراف /155)، وفي الآيات المباركات من سورة آل عمران يقول تعالى:

“وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ{140} وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ{141} أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ{142} وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ” (آل عمران /139- 143).
إن الفتن التي يتعرّض لها الانسان ولاسيما المؤمنون الصالحون، تتصل بفلسفة وجود الانسان فوق هذا الكوكب، فهو ليس ابن هذه الارض، إنما هي بالنسبة له بمنزلة قنطرة يعبر عليها الى الجانب الآخر. فقد كان بدايةً في عالم الاشباح ثم انتقل الى عالم الذر ومنها الى عالم الاصلاب ومنه الى الارحام ثم الى عالم الدنيا، ومن الدنيا الى البرزخ ومن البرزخ الى القيامة ومن القيامة الى إما الى جنة واما الى نار.
أما عن سبب الاختبار والامتحان، فهنالك أسباب واهداف عديدة لذلك:

الهدف الأول: استخراج المعادن الانسانية
للانسان مظهر خارجي وجوهر داخلي، فهنالك من يحمل في في داخله نموذج الامام الحسين عليه السلام، وهنالك من يحمل في داخله النموذج المغاير تماماً ألا وهو يزيد لعنة الله عليه. هذه الكوامن والنماذج لابد ان تظهر الى الواقع الخارجي، حتى يشتري الانسان بها الجنة، وإلا فانه سيشتري بها نار جهنم، وعندما يخاطب الانسان ربه يوم القيامة؛ أن لماذا العذاب…؟! يأتيه الجواب: لست أنا من يعذبك، إنما انت الذي الذي اشتريت هذه النار لنفسك، “وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (النمل /90).
إن الفتنة تعني الصهر، والابتلاء هو إظهار الشيء الخفي، وهذا ما نراه في استخراج وصقل معدن الذهب، فهو يستخرج مع كثير من الشوائب، لكن عندما يتعرض للحرارة العالية والتصفية والصقل فانه يتحول الى شيء جذاب وثمين جداً.

الهدف الثاني: القيادة
إن المجتمع بحاجة الى قيادة، ولا يمكنه العيش بلا قيادة، لكن تارةً تأتي القيادة عبر صناديق الانتخابات، أو من (المحسوبيات والمنسوبيات)، فهذا ابن فلان… أو من جماعة فلان… أو انه ابن الملك… وتارةً اخرى يأتي القائد من صميم الواقع ومن ضمير الحوادث ومن خضم الحروب والمعارك. هناك رتبة عسكرية لا لتمنح لضابط إلا اذا خاض معركة وانتصر فيها، وهي رتبة (مشير)، لذلك تجد جيش بنصف مليون جندي يقوده مشير واحد، فالحرب هي التي تصنع هذه الرتبة العسكرية. وفي المجتمع الاسلامي ايضاً يجب ان يكون هنالك أناس تمخضهم الحوادث الجسام وتعركهم الحروب والثورات، فمن يدّعي القيادة عليه ان يعرض تاريخه. إن الامام علي عليه السلام ليس إمام وقائد هذه الامة في زمانه وإنما الى الابد، لانه منذ العاشرة من عمره وحتى ان ناهز عمره المبارك اكثر من 60سنة كان يخوض المعارك والحروب والامتحانات الصعبة، وكذلك ائمتنا وكذلك اصحابهم وكذلك العلماء.

الهدف الثالث: التزكية
كما اليد يجب ان تتنظف بالماء والصابون، فان الانسان المؤمن يجب ان ينظف قلبه ويطهره من الشوائب والادران، لكن كيف السبيل الى ذلك؟ انها بالفتن والابتلاءات، فالظروف الصعبة هي التي تمحص قلب الانسان، فالانسان في حالات الشدّة نراه يتوجه الى الله وينسى الدنيا، وفي هذه الحالة يسعى لأن يكون قلبه نظيفاً. وكما تتبين حقيقة الانسان المؤمن، فان غير المؤمن ايضاً ستتجلى حقيقته أمام الناس، حتى وان كان البعض من هذه الفئة يحاول أن يغطي نفسه بغلالة من الايمان لحفظ الظاهر، لكن الله تعالى يمتحن كوامنه فتظهر نفسيته الفاسدة. فان لم تكن واقعة كربلاء لما كنّا نتعرف على شخصية عمر بن سعد وشخصية الشمر، وايضاً لم نكن نتعرف على الحر رضوان الله عليه، فالحر تجلّت حقيقته في الامتحان، وكذلك عمر بن سعد الذي أنشد ابياته المعروفة: (حسين ابن عمي والحوادث جمة ولي في الري قرة عيني….)! هو يعرف من هو الامام الحسين عليه السلام، لكن يفضل ملك الريّ عليه، وكذلك الشمر الذي كان يوماً بمنزلة الضابط في جيش الامام امير المؤمنين، ولكن في نهاية المطاف تحول الى قاتل الامام الحسين عليه السلام، فالكفار يجب ان يظهروا حتى يصبحوا لعنة التاريخ، وحتى يستحقوا العذاب في الدنيا وفي الاخرة.

هذه الحقيقة يؤكد عليها ربنا تعالى حينما يقول إن الجنة مكان الابطال والأسود والعباد المكرمون، وليس لمن يحمل نقيض هذه الصفات والخصال، “أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ”. امامنا امير المؤمنين (ع) في خطبة شريفة له يقول: (هيهات؛ لا يخدع الله عن جنته. ..)، وليس لكل شخص ان يقول: انا من اهل الجنة. اقرأوا (سورة يس) وهي قلب القرآن الكريم، وفيها قصة ذلك العبد الصالح الذي جاء من أقصى المدينة؛ “وجاء من أقصى رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين” ثم يقول: اريد ان اتبع ربّي واعبد الله، الى ان قال: “اني آمنت بربكم فاسمعون”، وهنا قال له الله تعالى: “قيل ادخل الجنة * قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين”، أي ان هذا العبد الصالح دخل الجنة ورأى تلك الكرامة العظيمة والنعيم الدائم، بعد ان تعرض للمحن والابتلاءات القاسية في الحياة الدنيا، فقد اعتقلوه وعذبوه وحرقوه حتى لم يبق له قبر، لكن مع ذلك فهو يتمنى على الآخرين أن يحذوا حذوه ويكسبوا نعيم الجنة. وهذا مصداق الآية الكريمة: “لا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون ان كنتم مؤمنين”، فلا يجب ان يصاب الانسان بالوهن واليأس ويفقد ارادته و شجاعته. ربما يموت احد الأعزاء أو تتعرض منطقة ما لكارثة او يصاب شخص بمرض ما وغير ذلك من الابتلاءات، فان كل ذلك يعد من القضايا الهيّنة والطبيعية، فالذي يتحطم يمكن اصلاحه، والذي يموت ويتوفى إنما يذهب الى جوار ربه مستبشراً إن كان من الصالحين، فهذا هو شعار المؤمنين والصالحين الذين يعدهم القرآن الكريم بالعلو والانتصار في نهاية المطاف، تقول الآية المباركة: “ان يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله”، فمن يعاني من مشكلة او ازمة، لن يكون الوحيد في هذا العالم فيما يعانيه، فكل انسان على هذا الكوكب يعاني من مشاكل معينة، وفي آية اخرى “ان تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون * وترجون من الله ما لا يرجون”، فانت تضحي باموالك ودمائك وجهودك، والآخرون كذلك يفعلون، ولكن الفرق الكبير انك تضحي في سبيل الله تعالى وتحصل على جنة الخلد، بينما الآخر يحارب ويضحي في سبيل الطاغوت ولا يحصل على شيء، ثم يقول تعالى: “وتلك الايام نداولها بين الناس”، أي ان الحياة ليست باقية على حال، وهذا حال التاريخ، فاليوم يصعد ملك، وغداً يهوي آخر، “وليعلم الله الذين امنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين”، فالمؤمن في ميادين الجهاد وليس في الغرف المغلقة او حتى في المساجد، ليكون شاهداً على واقعه، والقرآن الكريم يعبر عن القيادات بالشهداء، “وليمحص الله الذين امنوا ويمحق الكافرين”، وهنا يتم التمحيص وتطهير القلوب ليكونوا رجالاً صادقين يتميزون عن الكافرين أو غير اهل الحق، ثم يقول تعالى: “أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين”.

ظاهرة التحدي الحسيني
نعيش الان ظاهرة جديدة في العالم الاسلامي وبالذات في العالم العربي، حيث الملايين من المسلمين يتحدون الانظمة الفاسدة وبكل شجاعة وبسالة ويخرجون الى الشوارع، ربما سابقا كنا نسمع عن بطولات الابطال، لكن الان نراها بالصورة والصوت عبر الشاشة الصغيرة. الرجل اليوم يقف بين الصفين ويصرخ: (الله اكبر… الله اكبر) ثم تأتي صوبه رصاصة من قوى الطيغان وترديه شهيداً. هذا وغيره كثير هم الذين غيروا المعادلة في تونس وفي مصر، ويغيروها حالياً في ليبيا واليمن وبلاد أخرى. من ذلك اليوم أحس الناس انه هناك سلاح اخر غير سلاح البندقية والصاروخ والطائرات، انه سلاح الارادة، فالانسان الذي يمتلك أعزّ شيء عنده وهو روحه، فيقدمها في سبيل الله. هذا من الدروس التي علمنا إياها الامام الحسين عليه السلام لدى خروجه الى كربلاء لمنازلة أهل الباطل، وفي أول بيان له من مكة المكرمة فقال: (وما اولهني الى اسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف)، ثم قال: من يريد ان يرافقني عليه ان يفكر بالقتل والموت لا بالحكومة والرئاسة والاموال، فليس عندي منها شيء. وهكذا في ظهر يوم عاشوراء، وعندما وصلته سهام القوم قال عليه السلام: (هذه رسالة القوم اليكم…)، ثم قال: (قوموا يرحمكم الله الى الموت الذي كنتم تمنون). ان الامام عليه السلام لم يقل: قوموا الى الناس، إنما قال قوموا الى الموت. هذه الكلمة وهذا الموقف البطولي والشجاع من الامام الحسين واصحابه على ارض كربلاء علم البشرية درساً بليغاً وعظيماً. صحيح ان أعداداً كبيرة يستشهدون، لكن الصحيح ايضاً ان ملايين من البشر يتحررون، وصحيح ان حوالي 400 شخص يستشهد في مصر – مثلاً- لكن سبعين مليون بشر يتحررون، وصحيح ان هناك شهداء في ليبيا ولكن بالتالي يتحرر بلد بكامله من الظلم والاهانة. اليوم اذا نجد في البحرين شبابنا يتعرضون للمشاكل الكبرى ونجدهم يصمدون ويقامون فلانهم تعلموا درساً من ابي عبد الله الحسين عليه السلام. و الحقيقة فقد أثار عجبي تصريح رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، عندما قال بان الذي يحصل في البحرين يستعيد ملحمة كربلاء ثانية. وهذه الكلمة لم يقلها أحد من العرب ولا من الموالين لاهل البيت، وهي كلمة هي بالحقيقة عين الواقع. والرجل لم يأت الى كربلاء يوماً، لكن البحرينيين زاروا كربلاء واخذوا الدرس من الامام الحسين عليه السلام.

الى جانب ذلك فان الحكام والأنظمة الفاسدة ليست بعيدة عن المعادلة الإلهية، القرآن الكريم دقيق جداً، “ويمحق الكافرين”، بمعنى عندما ينهض الشعب وتقوى ارادة الانسان، لن يبق للحاكم وجود، فنجد ان حاكماً يهوي ويلحق به آخر، ومن المفترض انه بدلاً من ان يسقط الزعيم على رأسه أن تنزله الجماهير! وهذا ما قالته وزارة الخارجية الفرنسية مؤخراً عندما تحدثت عن ضرورة الانتقال السلمي للسطلة في البلاد التي تشهد الانتفاضات ضد حكامها، وهو أمر جيد، فهذا ما حصل في مصر وايضاً في تونس، ولكن في ليبيا نشهد إبادة للشعب الليبي والبلد يدمر بسبب عناد الطاغية، وهكذا كان منهج طاغية بغداد، فقد بامكانه الهرب واللجوء الى إحدى جزره في مناطق النائية من العالم، لكن عناده كان سبباً في احتلال البلد ومقتل حوالي مليون انسان وتشريد حوالي خمسة ملايين انسان وخمسة ملايين يتيم.

اما ما يحدث في البحرين أمر غريب حقاً، فالتظاهرات ممنوعة على الشيعة، وهنالك ايضا حظر للتجول، لكن نشهد خروج عناصر من المرتزقة والطائفيين في احدى المناطق، وهم يضربون بالدفوف ويعربون عن سرورهم وفرحهم، ويلوحون بالسيوف. ..! إن مصير السنّة في البحرين سيكون مشابهاً لما حصل للسنة في العراق عندما خدعتهم (القاعدة)، واعتقد جزماً إن اصول اسامة بن لادن تعود بالنهاية الى السعودية، فهي التي أرسلت لنا المعلبات البشرية الملغومة، وغذت الارهاب بنسبة 80%، فقد دعمت الجماعات الارهابية بالمال والسلاح منذ سقوط الطاغية. واليوم أدرك سنّة العراق أن القضية لم تكن بين السنة والشيعة، إنما لخدمة بعض الطغاة ليس اكثر، لذا وجدنا الصحوات هنا وهناك في العراق.

ان التغيير في بلادنا الاسلامية بات مسألة وقت، وما على الاخوة المؤمنين إلا ان يعززوا ثقتهم بالسنن الإلهية، فالله تعالى ينتصر للمظلوم في نهاية المطاف، لذا عليهم ان يرتبوا أمرهم بالشكل الذي يغير المعادلة بأسرع وقت ممكن، وعلى عامة الناس في كل مكان أن يتضامنوا مع اخوانهم الثائرين، والمؤمنون جسد واحد ويد واحدة ودم واحد، وعلى كل انسان ان ينصر اخيه حسب قدرته، سواءً بالمال او الكلام والتظاهرات أو بالدعاء، عندما ينزل الله تعالى نصره علينا.

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 12/ ربيع الآخر/ 1432 هـ ، الموافق 17/ آذار – مارس/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

علينا العمل بواجباتنا الدينية قبل المطالبة بإصلاح الآخرين

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴿٢٦﴾ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴿٢٧ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴿٢٨ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٢٩

(سورة ص المباركة)

علينا العمل بواجباتنا الدينية قبل المطالبة بإصلاح الآخرين

من اعظم الدروس التي نستوحيها من القرآن الكريم والتي نفهمها ونعيها من خلال نظرتنا الى الخليقة من حولنا، ومن خلال السير في مختلف العلوم التي تكشف لنا حقائق الاشياء، هي ان الكون الذي نحن نعيش فيه ذات انظمة دقيقة، لايمكن اختراقها أو تغييرها ولا يمكن الاصطدام معها. ومن يصطدم مع الانظمة التي وضعت للخليقة من حولنا فلا يلومن الا نفسه.
إن الانظمة المحيطة بنا والتي تدخل في أدق الاجزاء في حياتنا وتشمل ايضا كل شيء في الطبيعة، تعود الى كلمة واحدة ركز عليها القران الكريم وهي (الحق) الذي يعني الشيء الثابت الذي لايمكن تجاوزه أو انكاره.
لنأت بنظام الجاذبية مثالاً… فالمعروف ان حركة الكواكب والنجوم والاقمار المحيطة بنا، محكومة بنظام الجاذبية، وهذا النظام هو الذي جعل هذه الاجرام الكبيرة التي بعضها اكبر من شمسنا بملايين المرات والشمس اكبر من ارضنا بملايين الاضعاف والارض اكبر منا بملايين الاضعاف، تكون معلقة بالسماء، “فلا اقسم بمواقع النجوم وانه لقسم لو تعلمون عظيم”، بمعنى أننا اذا حملنا الشمس من مكانها و وضعناها في مكان آخر، فان نظام الكون برمته سيختلّ. وستتعرض كل الانجم والشموس والاقمار للاضطراب والفوضى و يصطدم بعضها ببعض، لأن المسافة بين الشمس والارض وبين الارض والشمس وبينها وبين الكواكب محسوبة بدقة متناهية، ولا مجال للتغير قيد أنملة، وإلا لانتهى كل شيء في الكون والحياة.

هذا النظام الدقيق الموجود في الكون موجود ايضا في جسم الانسان، مثلاً؛ هنالك غدد مسؤولة عن تنظيم عمل الجهاز الهضمي، وهنالك حلايا تنظم بشكل دقيق عملية تحويل الطعام المهضوم الى طاقة وتوزعها على اعضاء الجسم بشكل دقيق وعادل، وهذا تجسيد واضح للنظام وللحق وللسنن الالهية التي تحكم الحياة. ولذا لا نجد أحداً يجهل حقيقة أنه اذا ألقى بنفسه من شاهق فانه سيرتطم بالارض وتتهشم عظامه تطبيقاً لنظام الجاهلية. لكن هنالك من يقول: (لايهمني) أو (لا أتأثر) ويأكل ما يريد حتى وأن كان الطعام غير سليم، لكن عندما تستلمه المعدة فانه سيصطدم بالجهاز الهضمي وتبدأ الاوجاع والاسقام، وربما يستفحل المرض حتى يؤدي بصاحبه الى الموت. وهذا ما ينهانا عنه الاسلام حيث تقول الآية المباركة: “ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة”. إذن؛ لا مجال للخطأ او الخلل في نظام الخليقة، وهذا ما اراد ان يثبته العالم الانجليزي تشارلز دارون عندما زعم بوجود حلقات مفقودة في نظام الخليقة، وحاول – بزعمه- ايجاد الربط بينهما، لكن مع ذلك، ثبت أن لا وجود لهذا الفراغ الذي يدعيه دارون، فكل شيء متكامل وموجود في هذه الحياة، وليس هنالك من شيء على باطل.

وفي النداء الالهي الى النبي داود يبين ربنا تعالى هذه الحقيقة في (سورة ص) حيث يؤكد بانه انما جعل داود خليفة له تعالى بشرط واحد، هو ان لا يصطدم مع النظام الكوني اي لا يصطدم مع الحق: “وما خلقنا السموات والارض وما بينهما باطلا”، وبعد هذه الحقيقة، هل يجوز للانسان الذي يعيش تحت هذه السماء وعلى سطح هذه الارض الفسيحة، أن يعمل باطلاً…؟ واذا افترضنا انه فعل ذلك، فهل معنى ذلك ان كل شيء انتهى؟ كلا… إنما المتضرر الوحيد سيكون الانسان الذي اصطدم مع سنن الله واصطدم مع الحق فتكون عاقبته الموت .
جاء رجل ذات يوم الى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ائذن لي بالمعصية…! فقال له: قد ائذن لك ولكن بثلاثة شروط: أن تخرج من مملكة الرب وان تقاوم الموت وان لا تأكل من رزق الله ثم اعصي الله…. قال الرجل: ليس لي الى ذلك سبيلا، فقال صلى الله عليه وآله: اذن لا تعصي ربك.

من هنا يأتي الخطاب الإلهي في هذه السورة الى نبيه داود عليه السلام: “يا داود” إن الخلافة التي تملكها في الارض ليست من صنع نفسك، وليس بوسعك أن تقول (كوّنت نفسي)! كما يردد ذلك البعض من الناس، إنما مصدر هذا الملك والقدرة هو صاحب الملك والقدرة اللامتناهية. “يا داود انا جعلناك خليفة في الارض” لكن ماهو الهدف؟ “فاحكم بين الناس بالحق”، إن كلمة الحق تتجلى في الآية اللاحقة: “وماخلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا”، بمعنى انه لابد من ان تكون الحكومة بالحق، لأن نظام الكون والخليقة بأسره قائم على الحق وليس على الباطل، أما اذا خضع الحكم للاهواء لفسدت الارض، لذا يقول تعالى: “ولا تتبع الهوى”، هذا الهوى هو الذي يجعلنا نبتعد عن الحق، وهو بمعنى الحب والشهوات والغضب ويعني ايضا المصالح والحزبيات والعصبيات وكل ما يتصل بغير الحق مما يضغط على الانسان باتجاه معين. إذن؛ من اجل ان تستقيم على الحق، لا بد ان تتجنب الهوى بكل تفاصيله، فالذي يخضع الى الهوى بمقدار 10% لا يخضع الى الحق.
ويحذرنا القرآن الكريم من مغبة الانزلاق نحو الهوى، لأن ذلك سيبعدنا عن الله تعالى، “ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله”، و سبيل الله هو الحق، فاذا اتبعت الهوى تكون مثل انسان يسير على حافة وادي سحيق ثم تضربه رياح عاتية فتحرفه عن الطريق ليقع في الوادي. لكن ماذا بعد الضلال…؟ “ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب”. ان الله تعالى يقول: (اعطيناكم فرصة لتوافقون انفسكم مع الحق) وهي تجربة وامتحان في هذه الدنيا، ثم ورائكم الحساب، فالانسان الذي يريد ان يحكم بين الناس لابد ان يتبع الحق وان لا يتبع الهوى ويفكر دائما ان هناك حساباً. في الحديث الشريف (يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل ان يغفر للعالم ذنب واحد).

كان الامام زين العابدين (ع) يرفع سوطه وهو على دابته متوجهاً الى مكة وكان البعير يتلكأ في تلك الايام، وقبل ان ينزل السوط على البعير يقول: (لولا خشية يوم الحساب)، وكان هذا ديدنه طوال خمسة وعشرين مرة ذهب فيها الى حج بيت الله الحرام ولم يضرب بعيره ولا مرة واحدة.
هذا النظام الكوني اذا انعكس على وجودنا وحياتنا، نكون حقاً بخير، ونعرف أن كل شيء بميزان، لندخل – مثلاً- الى مبنى ونعرف أنها مزودة بكاميرات مراقبة سرية، فهل سيكون سلوكنا وتحركاتنا كما لو لم تكن هنالك أية كاميرا مراقبة؟ وهذا ما تجلّى في موقف نبي الله يوسف مع زوجة العزيز (زليخا)، وحينما روادته عن نفسه قامت وغطت صنماً من حجر كان قريباً منها: فقال لها يوسف: لماذا فعلتي هذا؟ قالت: اني لاستحي منه! فقال لها: أ تستحين من هذا الصنم ولا تستحين من الله؟
هذا المستوى من الدقة في التعامل مع سنن وأنظمة الحياة، ليس بالضرورة مقتصرة على الانبياء والحكام ومن يملكون التاج والصولجان، إنما قد يكون المعني موظفاً بسيطاً او عاملاً او مزارعاً او فرد في المجتمع، أن يقرأ هذا الآية الكريمة: “ياداود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى”، فنحن يجب ان نسعى من اجل الوصول الى هذه المرحلة. بعض الناس يحاول ان يلقي بالمسؤولية على الاخرين، وأنهم يجب ان يكونوا على الحق ويحققوا له ما يريده، فان وجد حكومة يجعل المسؤولية على كاهل الحكومة، وان وجد مجتمع يحمله المسؤولية ايضاً، أما هو فلا مسؤولية عليه سوى أن يلقي باللوم على هذا الطرف أو ذاك، ويبقى هو بعيد عن اللوم وعن المساءلة، كما لو ان الخطأ والباطل يصدر من الآخرين دائماً. وهذه ثقافة غير صحيحة، فلابد ان نبدأ بانفسنا، ثم نتحرك على الأهل والأسرة ثم العشيرة وبعد ذلك المجتمع، مع عدم تبرئة المقصرين من المسؤولين ومن بيدهم الحل والعقد، ولا أن يسكت الانسان عن الباطل، لكن لا يجب ان تكون مقارعة هذا الباطل من خلال التنصّل عن المسؤولية، وتعظيم أخطاء الاخرين. لنفترض هنالك فساد مالي واداري، فما هو دور من يتكلم عن هذا الفساد؟ هل سيسلك نفس الطريق ويقوم بما يفعله الاخرون؟

في ظل الحراك السياسي في مختلف البلاد، والذي أؤمن به، على الناس ان يقولوا كلمة الحق ويدافعوا عن حقهم وعن حقوق الاخرين، وأن يقاوموا الظلم والباطل، لكن لا يجب ان يكون هذا التحرك في نهاية المطاف وسيلة لتبرير تقاعس وجهل البعض عن دورهم الحقيقي. إن المجتمع حينما يكون نظيفاً وفاعلاً ويعمل بواجباته ويقول الحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فان هذا المجتمع يكون صالحاً وسيقيّض الله تعالى له قادة صالحين. ولكن حينما يكون العكس فحتى الصالح لا يستطيع ان يحكمهم بما يريد. وقد قالها الامام امير المؤمنين عليه السلام: (ويلكم…! افسدتم عليّ رأيي)

حصل أن أحد قادة جيش الامام عليه السلام ألقي عليه القبض وهو يرتكب معصية (شرب الخمر) فجاؤوا بالشهود عليه ثم أمر الامام بأن يقام عليه الحد امام الناس، وبعد أن أكملوا حد الجلد عليه، قام وقال للإمام عليه السلام: يا امير المؤمنين… البقاء معك ذل والخروج من عندك كفر، فقال له الامام عليه السلام: بل هذا هو العز. أي ان يطبق القانون على الانسان العادي وايضاً على الضابط او المسؤول الكبير. لذا نعرف أن المجتمع في عهد أمير المؤمنين لم يكن يتحمل علي بن ابي طالب عليه السلام،…! لذلك قال عليه السلام: (ملئتم قلبي قيحا).

ونحن ايضاً يجب ان لا نهمل جانبا على حساب جانب آخر، ويجب على المجتمعات ان تهتم بنفسها وبتربية ابنائها، وأن تجعل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في سلّم أولوياتها، وفي نفس الوقت تتحدث عن الحكومات. لا أن يكون هنالك من يسرف في استخدام الماء أو في الكهرباء ثم يقول: لماذا الخدمات قليلة؟! إن هذا الذي يقول هذا الكلام هو أحد افراد الشعب الذي من حقه الماء والكهرباء والطرق وغيرها، ويجب عليه ان يعمل بواجبه في المحافظة على هذه الخدمات، إذن، عندما نقوم جميعاً بواجباتنا الشرعية نستطيع حينئذ بالمطالبة والاحتجاج، بمعنى أن نردف المطالبة بحقوقنا مع العمل بواجباتنا، ولذا يقول تعالى في سياق الآيات المذكورة آنفاً: “ام نجعل الذين امنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض ام نجعل المتقين كالفجار”. ثم يبين تعالى هذه السنة الالهية الدائمة: “كتاب انزلناه”، و الكتاب بمعنى الشيء الثابت، إنه القرآن الكريم الذي لا يتغير منذ نزوله على صدر النبي الأكرم قبل اكثر من الف واربعئمة سنة،ويبقى مصوناً الى يوم القيامة. “كتاب انزلناه اليك مبارك”. بمعنى اذا اتبعتم هذا الكتاب تتنزل عليكم البركات، منها البركة في العمر، وفي النعم الالهية، فعندما يجعل الله تعالى البركة في في الانسان نراه يستفيد من نعم الله التي اسبغها عليه. “كتاب انزلناه عليك مبارك ليدبروا اياته”، أي يتفكروا في آياته ويطبقوها على المحيط الذي يعيشونه.
من هنا علينا ان نتفهم مسؤولياتنا في الحياة، وان نطبق القرآن الكريم بالشكل الصحيح، وأن نوحد صفوفنا على أعدائنا بالتوكل على الله تعالى.

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 05/ ربيع الآخر/ 1432 هـ ، الموافق 10/ آذار – مارس/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

في العراق سقط ”الصنم“ ولكن ”الصنمية“ باقية

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٩٠وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّـهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّـهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴿٩١ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّـهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٩٢ وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴿٩٣

(سورة النحل المباركة)

.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 28/ ربيع الأول/ 1432 هـ ، الموافق 03/ آذار – مارس/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

”حركة الجماهير“ والعودة الى ”الجذور الدينية“

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّـهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴿١٥يَهْدِي بِهِ اللَّـهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿١٦

(سورة المائدة المباركة)

حركة الجماهير والعودة الى الجذور الدينية

هل يمكن لامةٍ صاغتها يد الوحي وقادها نبيٌ كنبينا الاكرم صلى الله عليه وآله، ذلك المثل الاعلى في الخلق العظيم، أن تعيش الويل والثبور، والتخلف والتبعية، والقمع والدكتاتورية؟ ما هذه المفارقة…؟!
إن الله تعالى رفع شأن الامة الاسلامية وجعلها فوق الامم، وأراد لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، وأن تكون شاهدة على سائر الأمم والبشرية الى يوم القيامة، كما كان الرسول شاهداً عليها. لكن هذه الأمة اليوم عبارة عن خمسين دويلة، وليس دولة اسلامية واحدة، وخمسين مجتمع وليس مجتمعاً اسلامياً واحداً، علماً انها تملك مثل القرآن الكريم كتاباً عظيماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيه كل ما يحتاجه الانسان، وهو القائل في الآية الكريمة: “كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا”.

إنه لسؤال عريض وكبير ما يزال يتردد صداه في كل أفق ويبحث عن إجابة، في وقت يشهد عالمنا الاسلامي والعربي المزيد من الاحتقانات والاضطراب. وبما إن (الحاجة أم الاختراع)، فانه بازدياد حالة الألم والضغط، يزداد وعي الانسان فيندفع للبحث عن النجاة، وقبل ذلك التفكير بموضوعية في كيفية الخروج من الازمة. وما شهدته البلاد الاسلامية من تغيير في رأس النظام الحاكم في تونس ومن مطالبة جماهيرية كبيرة بالتغيير في مصر، وربما يتكرر المشهد في مناطق أخرى، ما هو بالحقيقة سوى تجسيد لهذا الألم الذي يضرب جسد الامة الاسلامية، لكن “هل الى خروج من سبيل”؟

الابتعاد عن الكتاب والعترة
هنالك مكراً كبّاراً تعرضت له الامة الاسلامية، الهدف منه الفصل بين الرسالة وبين الامة، والرسالة تتمثل في الرسول وامتداداته وهم أهل بيته، كما تتمثل بالقرآن الكريم، وإذن، الرسالة تتمثل في كتاب وامام. وفي شريعة وقائد.
إن الله تعالى حينما يذكرنا في (سورة آل عمران) بضرورة الوحدة وعدم الاختلاف وتجاوز الصراعات الجانبية، يسمي الاختلاف كفراً يقول تعالى: “وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيات اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * يا ايها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن وانتم مسلمون * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ” (سورة آل عمران /101-103)، هنا الاعتصام يكون تطبيقا للآية السابقة “وكيف تكفرون وانتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله”، وتحديداً هذه كانت رسالة النبي صلى الله عليه وآله و وصيته، بل أكاد اقول هي أعظم وصاياه حينما قال: (اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي). لكن كيف تم الفصل بين الكتاب وعترة النبي وبين الامة ؟
اذا ارادت الامة الى ان تعود الى مجدها والى سابق قوتها و وحدتها وسلامتها، لابد ان تعرف بدايةً كيف تم الفصل بينها وبين الكتاب والعترة؟ ثم تعقد العزم الشديد والراسخ لتجاوز هذه العقبات التي وضعت بين الامة وبين الوحي المتمثل في الكتاب والرسول واهل بيته.

أولاً: الفصل بين الأمة والقرآن الكريم
تم ذلك عندما قيل للناس بان الكتاب نُزّل على طائفة خاصة من الناس وفي ظروف خاصة ايضاً، كأن يكون القرآن الكريم نزل على اهل مكة وأهل المدينة قبل اربعة عشر قرناً وحسب، واليوم فانه بالنسبة للجيل الجديد بمنزلة الكتاب التراثي والتاريخي مقدساً، فبدء الناس يقرأون القرآن الكريم ليس كما انزل على المجتمع الاسلامي الأول، وانما كما تشاء اهوائهم وحزبياتهم وما غيرها من التصنيفات الاجتماعية، فأخذوا ببعض الكتاب وتركوا البعض الآخر، وقد حذر القرآن من هذه الظاهرة منذ البداية: “أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض”، هنا القرآن الكريم يسمي حالة الانتقائية منه بمنزلة (الكفر).
وقد حصل من هذا القبيل في الساحة السياسية العراقية اواسط القرن الماضي، وتحديداً أيام المد الماركسي، حيث بدأ البعض ينتقون من القرآن الكريم ما يتوافق مع افكارهم، فكانوا يسلطون الضوء على آية واحدة، يكتبوها و يقرأوها ويحفظوها ثم يفسروها بالشكل الذي يخدمهم، وبعد طيّ صفحتهم من التاريخ السياسي في العراق، جاءت جماعة أخرى ومارست نفس العمل وأخذوا بآية تخدم توجهاتهم الفكرية والثقافية التي لا تتفق مع الفكر الاسلامي بشيء. وقد فعلها الرئيس المصري السابق أنور السادات عندما وقع وثيقة الاستسلام للكيان الصهيوني بعد حرب تشرين عام 1973 التي كادت ان تقوض اركان الكيان الصهيوني، فرفع الآية الكريمة شعاراً ومبرراً لذهابه الى القدس المحتلة عام 1977 وتقبيله الزعماء الاسرائيليين: ” وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” (الأنفال /61)، علماً ان الآية السابقة تصدح بالاستعداد للقتال وإرهاب العدو بكل ما أوتي المسلمين من قوة: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”.
والبعض الآخر يدعو للتقوى والالتزام بالتعاليم الدينية فيقرأ الآية الكريمة “يا ايها الناس اتقوا ربكم…”، ولا يكمل تتمة الآية حيث تقول: “وابتغوا اليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون”، لأن هذه التتمة ستهدي الناس الى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، هذه بس نصف الاية يجيبها والنصف الثاني يتركه. هذه الحالة الفصل بين القرآن والامة تم بهذا الاسلوب انه ابعاد القرآن عن الواقع الحاضر كأن الآيات ما نزلت لهذا الواقع وائمة اهل البيت (ع)، بينما القرآن الكريم كالشمس التي تشرق كل يوم يعمّ ضياؤها وشعاعوها اركان الأرض دون استثناء.

نعم؛ هنالك قنوات فضائية ومحطات اذاعية خاصة بالقرآن الكريم، تقدم أنواع واشكال متعددة من التلاوة، كما هو موجود في المدارس والمجالس رسماً وشكلاً وليس مضموناً، وإذن، اذا اردنا العودة الى القرآن الكريم، لابد من الأخذ به كاملةً دون نقصان.
لننظر الى مفردة (الظلم) في القرآن الكريم، وكم مرة جاءت هذه المفردة بصيغ تحذيرية واستنكارية ليتجنبها الانسان في كل زمان ومكان، مرة يقول: “وقد خاب من حمل ظلما”، ومرة يقول: “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم” ومرة يقول: “وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون” وآيات اخرى كثيرة تذم هذه الصفة وتدينها بشدة، لكن مع ذلك يأتي شخص يبتدع حديثاً و ينسبه كذباً و زوراً الى رسول الله صلى الله عليه وآله ويقول: (اذا غلب عليكم شخص بالسيف فاتبعوه حتى ولو كان ظالماً)! هذا التحدي الصارخ لحديث السماء، نجده شعاراً ومبدأ للحكام الظلمة والطغاة يرفعونه على امتداد جغرافية بلدانهم ويكممون من خلاله أفواه شعوبهم.
إن الظلم مفردة واضحة غير قابلة للتفسير والتأويل، وخير من نجده يقتبس من هذه الآيات في حديثه عن الظلم هو الامام علي بن أبي طالب عليه السلام حيث يقول: (والله لو اعطيت الاقاليم السبع بما تحت افلاكها على ان اظلم نملة في جلب شعير اسلبها ما فعلت)، إن الامام يقول ذلك لانه يعلم علم اليقين مآل الظالم ومصيره، ثم إن الظلم يبقى ظلماً سواء أكان على يد زعيم البلد او الوزير او المدير، او كان على يد انسان يظلم جاره في حقه، فبهذا المقدار سيظلم نفسه ويلقى الخسران المبين.

ثانياً: الفصل بين الأمة والعترة
هذا الفصل تم بعد ان فُصلت الأمة عن سيرة نبيها الأكرم، وبما ان أهل بيته الكرام هم بالحقيقة امتداد له، فان الفصل هنا يكون قطعياً، والهدف من هذا أن يقولبوا الأمة بقوالب خاصة تخدم مصالح معينة في الزمن الحاضر، فبعد ان كانت الأمة ذات جذور و إرث عظيم، اذا بها تفقد البصيرة والطريق، فهي عاجزة اليوم عن فهم القرآن الكريم وعن الأخذ بنهج الرسول الأكرم وأهل بيته صلوات الله عليهم، ولا تعمل باحكام الدين ولا تفسر الامور حسب رؤية الكتاب المجيد او حسب روآيات النبي واهل بيته فاختلط الحابل بالنابل، واذا ترى الأمة تبتلى بالافكار المستوردة والدخيلة من هنا وهناك، وهذا بالضبط هو نقطة الانفجار التي دعت الأمة لأن تفكر في نفسها ومصيرها وهويتها. وهذا لن يتم إلا بالعودة الى القرآن الكريم.

العودة الى الرسول الأكرم
نعيش هذه الايام بين ذكرى رحيل الرسول الأكرم و بين ذكرى ولادته المباركة، فهي ايام الرسول الأكرم بامتياز، ولو إن كل حياتنا مرهونة بالحقيقة للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله، لذا من الجدير بالمؤمنين كافة أن يقفوا كل يوم أو كل اسبوع مرة على الأقل باتجاه المدينة المنورة واينما كانوا ويقولوا: (السلام عليك يا رسول الله… السلام عليك يا خير خلق الله… السلام عليك ايها المصطفى، السلام عليك يا احمد… السلام عليك يا محمد…). إن هنالك اسلوب وطريقة للسلام على النبي وفق الاحاديث المأثورة عن اهل البيت، وكيف تبين مدى شكرك لله أولاً وللنبي صلى الله عليه وآله ثانياً، حينما انقذك الله به من الضلالة. الامام الصادق (ع) يقول: (ان الله خلق ملكا فطلب من الله ان يعطيه سمعاً بقدر ما اعطى لكل البشر، فاعطاه الله ما اراد، ثم كلفه بان من كان في شرق الارض او غربها و سلّم على النبي، أن يبلغ هذا الملك السلام الى النبي صلى الله عليه وآله، ثم ينقل رد السلام من النبي الى صاحب السلام، كأن يقول له: (… وعليك السلام يا فلان)! وإذن؛ يجب ان نعيش مع نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله.

إن عامة المسلمين يُكنون الحب والولاء لنبيهم الكريم، لكن المشكلة وجود الحجب والفواصل التي فصلتهم طيلة الفترة الماضية عن سيرته العطرة و توجيهاته الحكيمة، وقد أمرنا ربنا تعالى بأن نتخذ أسوة: “ولكم في رسول الله أسوة حسنة”. كما فعلت الايادي الخبيثة والمشبوهة فعلها عندما تقولوا على النبي الأكرم باحاديث كاذبة منها ما ورد بان: من لعنته فلعنتي تصبح رحمة عليه…)!! وقد فات ذلك الواضع الذي أتخم بالمال الحرام كيف إن لعنة الله لا تصبح رحمة، فيما لعنة الرسول تصبح رحمة؟!! إن السبب والدافع واضح جداً، هو إن بعض الناس الذين لعنهم النبي صراحة يتخلصون من الحرج والمنبوذية في الامة وعلى مدى التاريخ. إن هذه الكلمات الشاذة لا تنسجم مع سائر محمكات الروآيات ومحكمات الآيات، لذا يجب ان نجعلها جانبا، فعندنا محكمات لابد نفهم ونفتح عقلنا على القرآن الكريم وعلى كلام النبي وعلى سيرته وعلى كلمات العترة الطاهرة، ولو ان بعض الناس لا يزالون يفتشون عن رواية معينة في سيرة أهل البيت عليهم السلام تتوافق مع أهوائهم ومصالحهم ويتركون سائر الروآيات. هناك عشرات الروآيات والآيات القرآن ية لا يقرؤها حتى لا يتحملون المسؤولية، وهذه في الحقيقة نهاية الامة.

دروس الحسين و زينب عليهما السلام
معروف إن الانسان يبحث في الحياة دائماً عن أمرين: الامن والسلام، الامر الآخر: الطعام، والسلام اهم من الطعام لان الانسان حينما يفقد الطعام قد يفقد جانباً من حياته، لكن اذا فقد السلام فقد كل شيء.
واليوم نشهد بلداً اسلامياً عريقاً وذو أهمية كبيرة على الساحة السياسية والحضارية وهي مصر يتعرض أمنها للاهتزاز كما تعرضت من قبل لقمة الناس وكرامتهم الى الخطر، لذا فان ما يحدث في مصر ليس بالهيّن بل هو خطير، لأن مصر دولة عربية كبرى ودولة افريقية كبيرة وهناك الازهر الشريف وهنالك تاريخ لهذه الدولة في قيادة العرب، وفي قيادة الحالة الدينية في العالم الاسلامي من خلال الازهر، اعتقد انما يجري هناك يمثل عودة نسبية الى روح القرآن الكريم وسيرة أهل البيت عليهم السلام، لان القرآن الكريم أمرنا بان نضحي في سبيل الله وان نقاتل ونجاهد، والجهاد في القرآن الكريم فريضة، فقد أمرنا القرآن الكريم مرةً بالجهاد حق جهاده، ومرةً بالجهاد بكلمة مفردة بدون (حق جهاده)، وجعل الجهاد في سبيل الله وحق القتال في سبيله وحتى الشهادة في سبيله، كل ذلك جعلها قيمة اساس في الدين. واذا قرأنا القرآن الكريم كما أنزل وليس كما تميل مصالحنا، أو كمن يحذفون آيات الجهاد والقتال يقول (إنها خاصة بتاريخ معين وبأناس معينين)، نجد ان هذا الجهاد يتجسد في الجماهير الصامدة في (ميدان التحرير) وسط العاصمة المصرية القاهرة، وهم يواصلون حركتهم بكل شجاعة ولم يأبهوا بالذين سقطوا منهم شهداء. وربما لا تكون صدفة تزامن الحركة الجماهيرية الطامحة للتغيير في البلاد العربية مع ايام محرم وصفر، وما اذا كانت ثمة روح حسينية عصفت بالنظام السياسي في تونس وتضرب حالياً النظام القائم في مصر، والدليل على ذلك التأثير الكبير الذي تتركه الفضائيات على الرأي العام العربي والاسلامي بما نقلته من عبق شهادة ابي عبد الله الحسين عليه السلام وايضا ما حملته من دروس صبر واستقامة زينب الكبرى عليها السلام في ايام الاربعين، فهذا النسيم هو الذي يُحيي النفوس فتنتعش وتعود اليها الحياة، ولابد من وجود الروح الكبيرة والنفوس الطيبة والابية، ولا بد ان يكون هناك سمعٌ شهيد يستوعب هذه الدروس والنسائم الروحانية الالهية والحسينية الزينبية.

كما إن دماء الامام الحسين عليه السلام التي أريقت على أرض كربلاء روّت شجرة الحرية والكرامة للانسانية جمعاء، فضلاً عن انها أحيت الأمة الاسلامية، فان استشهاد أي انسان مظلوم كفيل بأن يُحيي أمة كاملة، إن سلاح المظلومية والمطالبة بالحقوق من شأنه تغيير المعادلات في كل زمان ومكان. من هنا حريٌّ بكل المسؤولين في كل مكان ان يعتبروا إن كانوا من أولي الابصار، لا أن يقولوا ان هذه قضية خاصة بالشخص (الفلاني…) او المكان (الفلاني….)، انها سنن الله تعالى الثابتة و الواحدة في الحياة والكون، فهي تتحقق في مصر وفي تونس وفي العراق وفي أي بقعة من العالم، ومن لم يلتقط الاشارة فان العاصفة والاعصار سيقتلعه ويطيح به، فهو تعالى ينتقم ويثأر لدم المظلوم عاجلاً أم آجلاً، وبالامكان استباق الاحداث، و(الوقاية خير من العلاج)، ولو كان هذا الرئيس او ذلك قد قام بالاصلاحات المطلوبة قبل حين من الزمان، أو اذا تراجعوا عن النتائج المزورة والمسبقة للانتخابات الرئاسية، لما حدث ما يحدث اليوم حيث نشهد ان الناس يسقطون جرحى وشهداء برصاص السلطة الجائرة او تدهسهم عجلات المدرعات وسيارات الشرطة والجيش. إنهم بذلك يدفعون ثمن العناد والاصرار لبقاء شخص واحد على سدة الحكم.
لكن مع كل ذلك فان الأمل يبقى قائماً وموجوداً بتحقيق التغيير من دون اراقة الدماء والنزول الى الشوارع وتكبد الخسائر والمعاناة، لكن بشرط العودة الحقيقية الى القرآن الكريم والى الرسول الأكرم وأهل بيته صلوات الله عليهم، وهذا يتطلب وجود قلوب واعية ونفوس مستعدة للتغيير قبل فوات الآوان.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 30/ صفر الخير/ 1432 هـ ، الموافق 03/ شباط – فبراير/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

”عواصف التغيير“ في البلاد العربية امتداد لرسالة الحسين (ع)

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴿٨٣﴾ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴿٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴿٨٥ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴿٨٦ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا ﴿٨٧ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴿٨٨

(سورة الكهف المباركة)

عواصف التغيير في البلاد العربية امتداد لرسالة الحسين (عليه السلام) ضد الطغيان والانحراف

ودعنا شعيرة زيارة الأربعين في كربلاء المقدسة، وقد كانت تظاهرة ايمانية كبيرة لعلها الأعظم بعد مراسيم الحج، والتي تجلّت في تقاطر الملايين الى ارض الطف لتجديد الميثاق والعهد مع ربهم ومع أئمتهم لكي يبقوا على صلة وثيقة بالدين ومبادئه وقيمه. واليوم لابد ان نستمد من هذه الشعيرة الالهية بصيرة لكي نعرف ماذا يجري حولنا وماهي البرامج الصحيحة للتعامل مع الاحداث المتسارعة في مختلف البلاد الاسلامية.

درس في التغيير الجماهيري
إن رسالة الامام الحسين عليه السلام هي رسالة الاصلاح والتغيير والبناء الانساني، وهذا ما دفع ليس فقط الملايين من ابناء الشعب العراقي لشدّ الرحال الى كربلاء المقدسة وفي ظل المناخ الشتوي الصعب، إنما وجدنا هذا العام زيادة كبيرة جداً في اعداد الزائرين من شتا بلاد العالم، وحسب الاحصائيات المتوفرة، فان حوالي 300 ألف زائر وصل كربلاء من خارج العراق لزيارة الامام الحسين في أربعينيته، وهذا يؤكد للعالم يوماً بعد آخر الطابع المميز والخاص لقضية الامام الحسين وهي (الرسالية)، حيث تُحيى الاجيال قضيته منذ استشهاده عليه السلام والى يوم القيامة، ولم نشهد أن فترة معينة أو حقبة غاب ذكر الحسين عليه السلام من شعب ما او مجتمع ما طوال القرون الماضية رغم تقلب الظروف وتغير الاحداث.
إن درس عاشوراء يتجلّى اليوم في الاحداث المتلاحقة والمتسارعة في البلاد العربية، حيث نشهد تتابع الانتفاضات الجماهيرية العارمة وهي تطيح برؤوس الحكم، وكانت البداية من تونس الخضراء التي انطلقت الشرارة من المطالبة بالاصلاح والتغيير وما تزال المطالبة قائمة، وبموازاة الاحداث في تونس اندلعت الانتفاضة الجماهيرية في مصر، كما برزت مظاهر احتجاج في الجزائر والاردن وبلاد اخرى.

لنأت بمثال لتقريب الفكرة؛ عندما اندلعت الثورة الفرنسية المعروفة سنة 1789 وأطاحت بالنظام الارستقراطي الذي كان يمثله الملك لويس التاسع عشر و زوجته المستأثرة (أنطوانيت)، حصلت هنالك أحداث دامية، حيث لم تتوقف (المقاصل) عن قطع رؤوس رموز النظام السابق، ثم مرت على فرنسا فترة من الحكم الفردي الجديد تمثل بظهور حاكم يدعى (نابليون) الذي عُرف بمغامراته العسكرية وحروبه في اوربا وغزواته للبلاد العربية والاسلامية. لكن في تلك المرحلة من تاريخ فرنسا كانت هناك وعلى مقربة منها دولة اخرى وهي بريطانيا تنعم بهدوء نسبي، لانهم كانوا يراقبون الاحداث التي تجري في فرنسا ويحاولون ان يعرفوا الرسائل الخفية لتلك الاحداث ويلتقطونها ويستفيدون منها لبلادهم، فاذا كانت هناك حر كة عمالية، يحاولون منح العمال في بلدهم المزيد من الحقوق، او اذا كانت هنالك حركة طلابية يمنحون الطلاب المزيد من الحقوق، وبذلك كانوا يسقون الاحداث دائماً. تقول الحكمة المعروفة: (السعيد من انتفع بتجارب غيره).

وفي كل الاحوال يبقى الانسان باحثاً عن الكرامة ولا يسمح بأي حال من الاحوال أن تهان كرامته حتى ولو بعد حين، وما نشهده عبر وسائل الاعلام من نزول الجماهير بالآلاف الى الشوارع وهم يهتفون بوجه السلطات الحاكمة، يعد تعبيراً صارخاً لما يعيشه الانسان هنالك من إهانة وتجاوز على الكرامة، وتتمثل هذه الكرامة في الحرية وفي الغذاء وفي السكن وفي أمور أخرى تتعلق بشخصية الانسان، ومعروف أن الخبز والعمل معيلتان للكرامة وليس لشيء آخر لان الله تعالى خلق الانسان كريما، يقول تعالى: “ولقد كرمنا بني ادم”، وهذه الكرامة جزء لا يتجزأ من وجود الانسان فلا يمكن للانسان ان يتجاهل كرامته وربما يصبر ليوم او يومين ولفترة قصيرة على سحق كرامته ولكن ليس الى الابد.

الحسين .. رمز الكرامة

ربما يكون مقدراً تزامن اندلاع شرارة الغضب الجماهيري في البلاد العربية مع زيارة الأربعين، ففي تونس أقدم مواطن من الشريحة الفقيرة بإشعال النار بجسده وسط الشارع وأمام أنظار المارة والعالم أجمع ليعلن احتجاجه بهذا الشكل المروع على منعه من التكسّب مع بقية الباعة على الرصيف، علماً ان هذا العلم مرفوض ومحرم من الناحية الشرعية، كما انه غير مقبول من الناحية العقلية والمنطقية، فربما كان بامكان هذا المواطن او غيره مواجهة قوات الشرطة والموت شهيداً على ان يقتل هو نفسه بيده، لكن يبدو تأزم الاوضاع النفسية بلغ حداً ان لا يجد الانسان العربي مخرجاً لاعلان رفضه والانتصار لكرامته سوى هذه الطريقة المروعة.

في مقابل هذه الصورة، عندنا صورة أخرى للانتصار للكرامة الانسانية تمثلت في قوافل السائرين على الاقدام أيام زيارة الاربعين، ربما يكون بين الجموع التي جاءت الى كربلاء من يعيش أزمة مالية أو يشكون من البطالة أو يشكو انقطاع الكهرباء او الماء، لكن لم نسمع شخصاً تحدث عن مشكلة شخصية لديه خلال هذه الزيارة، انما اتفقت كلمة الجميع على إحياء مبادئ النهضة الحسينية وهي مقارعة الظلم ومحاربة الظالم والانتصار للمظلوم، لذا نجد ان أبرز صفة للامام الحسين (ع) هي (يا حسين المظلوم)، ثم نعبّر عن هذه الظلامة في مسألة العطش او القتل والتمثيل والسلب والسبي وغير ذلك من مفردات الظلم والعدوان والتجاوز على الكرامة والحرمات. فالزائرون يوم الاربعين بحثوا عن الكرامة والحرية من خلال المبادئ والقيم التي انتصر لها الامام الحسين عليه السلام، ومن خلال هذه الزيارة وجّهت جماهيرنا ومن كربلاء المقدسة رسالة الامام الحسين عليه السلام الى العالم، ومفادها؛ ان من حق الانسان أن يكون حراً كريماً. ولذا نجد الهاجس الكبير الذي أقضّ مضاجع الحكام في التاريخ الماضي والمعاصر هو اسم (الحسين) وإحياء قضيته العادلة، فهي بحد ذاتها صرخة مدوية بوجه كل مستأثر بالسلطة وبمال المسلمين وكل طاغية منحرف،

من هنا على من يهمه الامر من حاكم او مفكر او اعلامي او عالم دين ان يرهفوا اسماعهم لنداء الكرامة، ويتجنبوا التجاوز على الكرامة الانسانية. ولنا من القرآن الكريم بصائر لهذه الفكرة في قصة (ذي القرنين)، وقد كان ملكاً عادلاً وصالحاً، و ضرب الله تعالى به المثل في القدرة والامكانية الهائلة، لكن القدرة التي اعطاها الله تعالى إياه لم يستخدمها في التسلط والاستئثار بالحكم، ولم تكن بالنسبة له هدفاً إنما وسيلة، لذا يأتي الخطاب الإلهي صريحاً حينما فوض الله الامر اليه: “أما من ظلم فسوف نعذبه” يعني من ظلم فسوف يكون له جزائان؛ جزاء في الدنيا وجزاء في الاخرة.

العدالة وليس شراء الذمم

نريد لبلادنا الاسلامية في كل مكان الاستقرار والتقدم و السلم الاهلي والاجتماعي، ونريد ان تعيش الشعوب الاسلامية في رفاهية ونعيم وهذا ليس من قبيل التمني والحلم، إنما هو ممكن جداً نظراً لما تمتلكه البلاد من الاسلامية من ثروات وقدرات هائلة يحسدها عليه الكثير من بلاد العالم، لكن مشكلتنا في حكامنا الذين يفكرون بكل شيء سوى بحقوق شعوبهم، إنهم يفكرون في تكريس سلطتهم ونفوذهم من خلال استخدام الاموال لشراء الضمائر وافساد الرأي العام عبر المرتزقة والمتزلفين، هذا النمط من الحكام لا يفهمون طبيعة حركة الشعوب، لذا نجدهم يصطدمون باليوم الذي تُنتزع صورهم من أعلى الجدران وتداس بالأحذية كما حصل مع صدام في العراق وابن علي في تونس و… ربما القائمة متواصلة.
ينقل ان آخر حاكم في الاندلس قرر الهرب بعد اشتد الحصار عليه، فقالت له أمه وهي تنظر الى اطنان الذهب التي جمعها: (لو كنت أنفقت نصف هذه الاموال على بلدك لكان الناس يدافعون عنك). من هنا فان الحكمة والعقل يقتضيان انفاق المال على حاجات الناس وحل أزماتهم من سكن وفرص عمل و خدمات عامة، من قبيل الطرق والمواصلات والصحة والتعليم وغيرها، وفي غير هذه الحالة فان المصير لن يكون بافضل مما حصل في تونس او العراق.

إن ما قام به الطاغية صدام وعائلته وافراد عشيرته والمقربون منه تكرر في تونس وهو موجود في سائر البلاد العربية والاسلامية لكن تحت جنح الظلام ولم تسلط عليه الاضواء بعد، فاين الاعتبار والعضة…؟ لقد تصور الكثير ان ما حصل في العراق لن يحصل في أي مكان آخر، لكن الايام أثبتت بعد هذا التصور عن الواقع، فاليوم يلاحق الشعب التونسي رئيسه المخلوع و زوجته لما سرقوه من أمواله، ومما يذكر في وسائل الاعلام فان زوجة الرئيس التونسي كانت تحاول سرقة 1500 كيلوغرام من الذهب بطائرة خاصة، قبل ان يضع الشعب التونسي يده على هذه الثروة المهدورة.

رسالة الى من يهمه الأمر

حينما هتف الامام الحسين عليه السلام عالياً بانه (انما خرجت لطلب الاصلاح…)، تحقق هذا المطلب للامام عليه السلام، لذا نجد الراية التي حملها الامام الحسين لا تزال عالية خفّاقة، ولا تزال منصورة والذين لا يفهمون هذه الحقيقة هم الخاسرون، فأي شعب من الشعوب ينتصر اذا رفع راية الامام الحسين، وهذا هو الشعب العراقي، سجل ملاحم بطولية في عهد النظام البائد عندما كان يصر على الزيارة في مسيرات ر اجلة الى كربلاء من بين البراري والقفار ويتعرضون لملاحقة رجال السلطة ممن كانوا يسمونهم بـ(الامن)، فمن المنتصر اليوم؟!
بعد الانتصار الكبير الذي اوصلته هذه المسيرة العظيمة برسالتها الحضارية الى العالم، فانها اليوم تبعث برسائل جديدة الى المسؤولين في العراق، فهم يتعاملون اليوم مع شعب متميّز ومثابر، ينشد الكرامة ويرفض الظلم، وهو يتصف بالتجلّد وأيضاً بسعة الصدر، ولا ينتفض بسرعة، لكن اذا حصل ان انتفض فمن الصعب السيطرة عليه، الأمر الذي يتوجب على المعنيين تحقيق مطاليبه وخدمته بالشكل المطلوب، وليكون ذلك مواكباً لما يقدمونه خلال الشعائر الحسينية وايام الزيارة في كربلاء المقدسة، من توفير المستلزمات والخدمات، لكن في نفس الوقت عليهم ان يستمعوا الى أنين هذا الشعب وأن يقرأوا ما بين السطور لا أن ينشغلوا بالمنافسة على المناصب والامتيازات، وهذا بحاجة الى أذن واعية.

واليوم فان على جميع الحكام والمسؤولين في سائر البلاد الاسلامية الارتفاع الى مستوى جماهيرنا… هذه الجماهير التي كانت في العراق ترفع راية الامام الحسين عليه السلام خفاقة وتعتمد بعد الله على نفسها دون ان تعتمد على أي شيء آخر، يحق لنا ان نصغي لها، فقد غادر العراق بعد مراسيم زيارة الاربعين حوالي 300 الف زائر من دون أن يشعر بهم أحد من العراقيين، او يشعر بوجود فرق بينه وبين الزائر اللبناني او الايراني او البحراني او الهندي او التركي او حتى القادمين من بلاد الغرب. كانوا يتجولون في شوارع وأزقة كربلاء المقدسة كما لو أنها مدينتهم علماً أنها وجميع المشاهد المقدسة في العراق ملك المسلمين جميعاً، فهؤلاء عليهم أن يحملوا رسالة ايضاً الى بلادهم. ربما نقلت بعض الفضائيات صوراً من مراسيم الزيارة، وبثت الهتافات والشعارات المنطلقة من حناجر المسلمين الموالين من مختلف بقاع العالم، لكنها لم تنقل الروح التي حملها الزائرون.

من هنا اذا عرف العالم قيمة الشعائر الحسينية وقيمة هذه المسيرات الراجلة وهذه الشعارات التي ترفع هنا وهناك، فانه سيتحرر من الظلم والديكتاتورية. إن الشعار المدوّي والمعروف (لبيك يا حسين). ليست كلمة بسيطة يطلقها الشعب العراقي بعد كل هجوم ارهابي، انه يهتف بهذا الشعار في ساحة الانفجارات وهو يحمل جثامين الشهداء المقطعة بفعل جريمة الانفجار بسيارة مفخخة او حزام ناسف، وهذا بمعنى ان الشعب يقول: بتوفيق الله ترفعنا على الدنيا وما فيها، ولا تخيفنا هذه الانفجارات والاستفزازات الرخيصة. هذا التحدي والصمود والصرخة المدوية بوجه الظلم والطغيان لابد ان يؤتي ثماره، كما حصل في تونس ويحصل في مصر وسائر البلاد الاسلامية، فهذا هو طريق الامام الحسين عليه السلام، إذن، كل صوت يطالب بالحق لابد وأن ينتصر.

إن طريق الامام الحسين هو طريق التضحية من اجل حياة الاخرين وسعادتهم، وابرز هتاف له عليه السلام، (هيهات منا الذلة). هذه الكلمة لا تزال تدوي ليس في اجواء كربلاء المقدسة وانما في اجواء البلاد الاسلامية كافة. هذه الرسالة شاؤوا أم أبوا سوف تنتشر في العالم ان شاء الله، وكل سنة نشهد ازدياد اعداد الزائرين من كل مكان، وهي يحملون رسالة التغيير والاصلاح ويجب ان ينتبه المسؤولون في كل مكان لهذه الرسالة و يدرسونها بدقة متناهية، وإلا فان العاصفة العظمى التي انطلقت من كربلاء المقدسة ستمحوهم من الوجود.

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 23/ صفر الخير/ 1432 هـ ، الموافق 27/ كانون الثاني – يناير/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

( زيارة الأربعين ) تجمع الناس تحت الراية الإلهية

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴿٢٤ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢٥ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿٢٦

(سورة الحج المباركة)

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 08/ صفر الخير/ 1432 هـ ، الموافق 13/كانون الثاني – يناير/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

العالم يعيش (الفتنة العالمية)

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ۚ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١١١فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١٢ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ﴿١١٣ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴿١١٤ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٥

(سورة هود المباركة)

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها اليوم الخميس  06/كانون الثاني – يناير/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

”الحسين“ كنزٌ تليدٌ تستعيد به الأمة قوتها

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ۚ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١١١﴾ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١٢ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ﴿١١٣ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينََ ﴿١١٤ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٥

(سورة هود المباركة)

 

الحسين (عليه السلام). . كنزٌ (تليدٌ) تستعيد به الأمة الإسلامية قوتها في العالم

 

لكل عصر فتنة، والفتنة التي يعيشها العالم اليوم، هي فتنة (العولمة) التي تعني إلغاء الحدود والتمايز بين الشعوب والأمم، مثل الهوية والخصوصية والتقاليد، فيكون العالم كله – كما يعبرون- قرية واحدة.
في السابق كانت الشعوب على اختلاف اشكالها وانتماءاتها، تعيش ضمن حدودد جغرافية معينة، لها ظروفها الخاصة ومشاكلها الخاصة أيضاً، هذه المشاكل ربما تكون ناشئة من مشاكل تتصل بالصراع بين بني البشر انفسهم، مثل الحروب والغارات والظلم والتجاوزات وغيرها، وتسمى في القرآن الكريم بـ (البأساء)، وهنالك الصراع مع الطبيعة وكوارثها مثل السيول والزلازل ومظاهر الجفاف وغيرها، وتسمى في لغة القران الكريم بـ (الضرّاء). ولكل شعب وأمة ثقافتها الخاصة وامكاناتها للتعامل مع هذه الظروف الصعبة، ولكن حينما تقارب العالم مع بعضه، وانفتحت الشعوب على بعضها، فان تلكم المشاكل لم تعد محلية خاصة ولا حتى اقليمية، إنما امتدت لتصبح مشاكل دولية، بمعنى إن المشكلة في هذه الدولة او لدى ذاك الشعب ربما تأخذ ابعاداً دولية وعالمية.
في مطلع القرن الماضي، كانت ثمة مشاكل حدودية بين المانيا وبعض الدولل المجاورة في اوربا، وكانت المانيا تدّعي عائدية بعض المناطق اليها، لكن ما لبثت هذه المشكلة الحدودية البسيطة ان تحولت الى حرب عالمية أطلق عليها الحرب العالمية الأولى، فانظمت اليها النمسا وامبراطورية المجر، و وقفت في الجبهة المقابلة بريطانيا وفرنسا. استمرت الحرب أربع سنوات احرقت الحرث والنسل، واستخدمت في تلك الحرب اسلحة لم يعهدها الانسان من قبل، بل كانت تلك الحرب الفرصة الاولى لباكورة الاسلحة التي نرى اجيالها المتطورة حالياً لاسيما اسلحة الدمار الشامل. وبعدها اندلعت الحرب العالمية الثانية، والتي شهدت ايضاً اصطفاف قوى كبرى مثل روسيا وامريكا الى جانب الدول الاوربية، فكانت حرباً ضروساً وطاحنة راح ضحيتها الملايين من البشر. وبعد الحروب العالمية شهد العالم (اقتصاد عالمي) بظهور شركات كبرى مثل شركة (bp) وهي مختصر (برتش بتروليوم) البريطانية المختصة باستخراج واستثمار النفط، فقد امتد نفوذها في جميع بلدان النفط الشرق أوسطية. وفي مرحلة أخرى شهدنا وسائل الاعلام العالمية مثل وكالات الانباء العالمية المتواجدة في كل مكان، ثم القنوات الفضائية التي تعد اليوم بالمئات، ومن ثم دخول الشبكة المعلوماتية العنكبوتية (الانترنت) الى الساحة لتعلن عن ان العالم حقاً اصبح قرية صغيرة. وبذلك فقد اصبح الاقتصاد عالمياً من خلال منظمة التجارة العالمية، كما اصبحت الثقافة عالمية من خلال وسائل الاعلام والاتصال المتطورة والسهلة التداول. وبذلك فقد اصبحت الشركات الكبرى تتدخل في شؤون الناس واصبحت الجيوش والقواعد العسكرية منتشرة في كل مكان من العالم، وباتت البوارج الحربية في المحيطات والبحار والطائرات في الاجواء تجوب العالم، بل ربما تجد الانسان ان طائرة تحوم حوله في الأعالي وهو من دون طيار مهمتها التجسس والتقاط الصور الخاصة. وبكلمة؛ لم يعد بامكان أحد على هذا الكوكب القول أنه بمعزل عن العالم، أو ان العالم لايمكنه التدخل في شؤونه.
التحدّي بالوعي
اذا قلنا أن العالم يعيش فتنة (العولمة)، ليس بمعنى أن هذه الفتنة لها دلالةة سلبية او انها مدعاة للشر، فقد تكون عامل خير لان الله تعالى يمتحن البشر بالظروف الصعبة والمحن، أو بتعبير القرآن الكريم بالسراء والضراء، الامر الذي يستوجب الوقوف بقوة أمام هذا التحدي الكبير، وهذا بحاجة الى وعي واستراتيجية وامكانات كافية لكي نستوعب هذا الخطر الجديد. لكن ما هو ذلك الوعي وما هي تلك الاستراتيجية وماهي تلك الامكانات؟
قبل ان نستلهم من القرآن الكريم كيفية تحديد الاستراتيجية واستخدام الوعيي وكيفية استخدام الامكانات لابد من مقدمة…
من عادات الانسان أنه يدخر (القرش الابيض ليومه الأسود)، بمعنى أن الناس عادة ما يفكرون بالحاجات والملمّات التي قد تداهمهم في المستقبل، لذا كان البعض يدخر الاحجار القديمة أو المجوهرات و يحافظ عليها، تحسباً لليوم الذي يكون فيه بحاجة ماسة الى المال كأن يحصل حادث قتل بحاجة الى ديّة، او هناك مشروع زواج او علاج لمرض خطير وغير ذلك من الحاجات الضرورية، وهذا يطلق عليه في اللغة العربية (التّلاد) أو المال القديم الموروث.
هذا ما يتعلق بالجانب المادي، فنحن المسلمين، اين ذخائرنا و (تلادنا)…؟
نحن الان في ظرف استثنائي ونعيش حاجة ماسّة للركائز والذخائر، فقد بدأتت أجراس الخطر تقرع، و المشاكل والازمات تترى و بشدة، فكيف السبيل؟ ومن اين نأتي بالقوة الكافية لكي نواجه تحديات الفتنة العالمية؟
الوعي أولاً
على الانسان ان يعترف بواقعه الذي يعيشه، لا أن يرسم لنفسه صورة وهمية لاا تمت الى الواقع بصلة. ونحن كأمة اسلامية؛ علينا ان نعترف بواقعنا المتخلف والمرير، صحيح أننا أمة ذات حضارة تاريخية، وأمة لاتغيب عنها الشمس بوجود الاسلام في كل مكان، وصحيح ايضاً أن عدد نفوسنا مليار ونصف من البشر، وكذلك صحيح أننا نمتلك الامكانات والقدرات الهائلة، لكن هذا لن يغير من الواقع المتخلف والمتردي شيئاً، وليس أدل على ذلك وجود اكثر من ستين دولة اسلامية، ثم نشهد تفكك دولة لتصبح دولتين كما يحصل اليوم لبلد مثل السودان الذي تعرض لضغوط طوال السنوات الماضية لتلبية مطالب سكان الجنوب المسيحيين لاجراء الاستفتاء على الانفصال، وهو أمر واقع وبات تحصيلاً حاصلاً، لأن فيما بعد الانفصال سنشهد المشاكل والازمات بين الدولتين الجديدتين.
بالرغم من ضخامة الشعارات التي رُفعت في العقود السابقة، لكن لم نشهد اتحادد دولتين او اكثر في دولة واحدة، والمشكلة قد لاتكون في المال، فكثير من دولنا تملك المال والثروة، لكن نراها عاجزة اليوم عن مواجهة شبح الارهاب الذي بات مرضاً فتاكاً يهدد الأمن والسلم العالميين.
إن الوعي يجب أن يكون بهذا الواقع مع تجنب التبجح والتكبر و ايضاً اليأس والقنوط،، فلا نيأس ولا نستسلم للواقع، فهو واقعنا ومصاب بالفساد والتخلف ولابد لنا من معالجته قبل ان يستفحل المرض وتكون الامور أصعب بكثير مما هي عليه اليوم.
الاستراتيجية ثانياً
اذا اردنا حقاً ان نستلهم من القرآن الكريم دروساً استراتيجية، أمامنا ثلاث نقاط فيي هذا الطريق:
1- الاستعداد الكامل… فاذا اردنا خوض الحرب يجب ان نكون أهلاً لها، يقول الامامم الحسن المجتبى (ع): (لا تبارز احداً وان بارزك أحد فاستجب له ولو ان جبلاً بغى على جبل لهده)، فمن الخطأ أن يخوض الانسان صراعاً فيكون سبباً لمشاكل العالم، لكنه يتحدى ويقف اذا ما اراد به الاخرون سوءاً ومكروا به مكرا كبارا، حينئذ يقول: انا رجل التحدى والله تعالى يعينه، ثم انه تعالى يمدح المؤمنين لانهم ينتصرون اذا ظُلموا، كما يأمر بالاعتداء بالمثل يقول: “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا”، إن الاعتداء والعدوان من حيث المبدأ يُعد عملاً محرماً، لكنه جائز كرد فعل.
ما من شيء اقوى من شعب مظلوم يدافع عن نفسه لان الله تعالى وعده بالتأييدد والتسديد، يقول: “ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم”، بمعنى ان رب العزة ومليك السموات والارض والذي بيده كل شيء يجعل يده في يد ذلك الشعب المظلوم الذي يدافع عن حقه، قيل لأمير المؤمنين عليه السلام: ما هي المسافة بين الارض والسماء؟ قال : دعوة مظلوم… بمعنى ان دعوة المظلوم تصل بسرعة الى البارئ عزّ وجلّ.
2- إن التحدي يجب ان يخرج من نطاقه المحلي والاقليمي ليبلغ المستوىى العالمي، والسبب في ذلك أن التحدي الذي نشهده أمامنا هو تحدي عالمي، فعندما ينشرون أمامنا شبكة معلومات عنكبوتية ويبثون من خلالها الافكار السامة والمواقع الاباحية والشبهات والاهانات ضد الرسول الأكرم وأهل بيته صلوات الله عليهم، علينا نحن ايضاً أن نستخدم نفس الوسيلة، ونقدم الافكار الاسلامية الجميلة المنبعثة من القرآن الكريم ومن سيرة الرسول الأكرم واهل بيته المعصومين. لنزيد من المواقع على (الانترنت) باللغات الحيّة في العالم، واللغة الصينية مثالاً، لأن الصين تسوّق لنا مختلف المنتوجات والسلع الاستهلاكية وتصل بلادنا، وقد طالت صناعتهم ما نحتاجه من مظاهر العزاء على الامام الحسين عليه السلام. وذات مرة سأل أحد الاخوة عن وجود عبارة (يا حسين) على (جوراب) يباع على قارعة الطريق، وهذا يدل على جهل الشركة المنتجة بقدسية الاسم وهوية المجتمع، فاذا كان ثمة موقع لنا على الانترنت باللغة الصينية كان بالامكان توجيه رسالة الى هذه الشركة وسائر الشركات المنتجة بأنكم ربما تلحقون الضرر وتسيئون الى مصالحكم بجهلكم واقع المسلمين. طبعاً هناك صفحات على (الانترنت) حول الإمام الحسين لكنها قليلة بمبادرة من الصينيين انفسهم.
زارني قبل اربع سنوات شخص من الهند جاء الى كربلاء لزيارة الإمام الحسين عليهه السلام، بادرته بالسؤال: لماذا جئت الى كربلاء قال: لأزور الحسين…! قلت له: وماذا يعني لك الحسين؟! قال: بطل ضحّى من اجل الانسانية… دافع عن القيم المُثلى. هذا الشخص الزائر وبالرغم من ان رؤيته للامام الحسين تختلف ولا تنسجم مع رؤيتنا وإيماننا، بل واكثر من ذلك تبين فيما بعد انه في بلاده (الهند) يُعد أحد الرموز التي تُعبد من دون الله تعالى، فقد كشف لي احد اعضاء مجلس النواب ان (150) مليون انسان في الهند يعبدون هذا الشخص!! ومع ذلك يأتي هكذا شخص لزيارة الامام الحسين عليه السلام.
لا ينبغي لأحد التصور ان افكاره وكلامه الذي يطرحه على العالم ستعود عليه، وأنن لا فائدة منها، هناك قلوب صافية وأسماع واعية. إذن؛ لا بد ان يكون عملنا وتحدينا خارج حدود مكاننا، فقد مضى ذلك الزمن الذي ندافع فيه عن سور البيت، إنما يجب ان ندافع عن البيت من مصدر الخطر، فلو ان اخواننا الذين يحاربون الارهاب في أي بلد فكروا بمهاجمة الارهاب في عقر داره ولا ينتظروه يأتي الى بيتهم وينجح بتوجيه ضرباته اليهم، لكان الوضع مختلفاً متاماً، والمعروف (أن افضل وسيلة للدفاع الهجوم). إذن؛ علينا ان نوسع نطاق المخاطبين في المجالس الحسينية في العالم، لتشمل غير المسلمين من المسيحيين في اوربا وامريكا أو من الهندوس في الهند وغيرها وحتى أتباع سائر الديانات والمذاهب، فهؤلاء جميعهم له القابلية على الاستجابة لنداء الامام الحسين عليه السلام.
3- من اجل مواجهة ظافرة لهذا التحدي يجب ان يكون كلامنا قوياً ومنطقاً رصيناً لاا تشوبه شائبة، ربما يكون الحديث عاطفياً لاسباب وظروف معينة، ولا اشكال في ذلك، لكن في الوقت نفسه يجب ان يكون عقلائياً ومستنداً على أسس متينة، لننظر الى كلام البارئ عزّ وجلّ، وايضاً الى كلمات النبي واهل بيته، نجد انها لا تأتي من فراغ، إنما يصحبها البرهان والدليل والحجة. ان كلامنا وافكارنا تظهر لوسائل الاعلام العالمية، فلابد ان يكون الكلام دقيقاً وموثقاً حتى يترك أثره المطلوب، وهذه مسؤولية حوزاتنا العلمية وعلمائنا وكتابنا ليتعبوا انفسهم في التأليف والتحقيق والدراسة.
ما هي امكاناتنا؟
لقد اصبحنا في وضع صعب للغاية حيث العالم يواجهنا بمختلف الوسائل المتطورةة والمعقدة، فما نملك في المقابل؟
نحن نملك (التّلاد)… الذي أشرنا اليه في بداية الحديث، وهو (تلاد) عظيم. تقرأ فيي (دعاء الندبة)، مخاطبين الامام الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشريف: (بنفسي أنت من تِلاد نِعمٍ لا تضاهى)، فنحن نسمي إمامنا الحجة بـ (التلاد) وهو يعني في اللغة العربية المال القديم والموروث، فهو الإرث العظيم، وكذلك سائر الأئمة المعصومين، كما ان الامام الحسين عليه السلام يشكل بالنسبة لنا (تِلاداً) عظيماً، لذا فهو عظيمٌ و تليد. انه من ركائزنا ومن ذخائرنا الاصلية، فاذا عرفنا كيف نبين مصابه وقضيته للعالم، أنئذ نتمكن من مواجهة الثقافة العالمية. عندنا مواقف بطولية وحالات مؤثرة في واقعة الطف، مثل قصة الطفل الرضيع ومواقف أبي الفضل العباس عليه السلام وغيرها. لننظر كيف يتعامل المسيحيون مع إرثهم الديني وكيف أنهم يقدسون أي شيء يعود الى نبيهم عيسى عليه السلام، ونحن نعلم انه عليه السلام لم يقتل ولم يتعذب كما يتصور المسيحيون اليوم، إنما رفعه الله اليه، أما نحن المسلمين لدينا الامام الحسين… مرقده وقضيته ونداءاته وعندنا ايضاً الائمة المعصومين عليهم، الامر يفرض علينا اغتنام الفرصة واستثمار هذه الارث الخالد الذي تركه لنا أئمتنا الكرام.
لقد انطلقت قوافل السير على الاقدام صوب كربلاء ابتداء من اخر نقطة في جنوبب العراق، وفي هذا الشتاء حيث يمر الزائرون عبر الصحارى القفار، يتحدون مخاطر الطريق وصعوباته، نسمع من يقول: ان الشعب العراقي يعيش ازمة اقتصادية وسياسية وامنية، نعم؛ انه كذلك، لكنه ليس في أزمة دينية، انه يسيطر على مقدرات نفسه ومحافظ على متبنياته، ربما يقول هنالك مشكلة اقتصادية او معيشية، لكنه لا يقول لهذا السبب لن اذهب سيراً على الاقدام لزيارة الامام الحسين، او لديّ مشكلة سياسية فلا أقيم موكباً او هيئة حسينية، بلغني أن التنافس على قدم وساق للحصول على مكان على الطريق الطويل بين المدن الجنوبية وكربلاء المقدسة بين المواكب والهيئات ليحضوا برقعة من الارض يخدمون من خلالها زوار الامام الحسين عليه السلام، وهذه هي البطولة حقاً.
ان الفخر ليس فيمن يقوم بزيارة الامام الحسين عليه السلام، وهو خارج من بيتهه ومن فراش نومه الوثير والناعم، إنما الفخر كل الفخر لذلك الانسان المعدم و الفقير المهدد في مستقبله وفي مسكنه، لكنه ينسى كل شيء ويشدّ الرحال سيراً على الاقدام ويقول: (يا حسين). في بعض مناطق العراق هنالك غابات تتخلل الطريق الى كربلاء المقدسة، فقال بعض الاخوة لاصدقائهم لا تذهبوا لوجود ذئاب مفترسة، لكنهم أصروا على الذهاب والزيارة، وبعد فترة بحثنا عنهم فلم نعثر سوى على احذيتهم…!
علينا ان نستخرج هذا (التلاد) العظيم… هذا الكنز التاريخي ونتوكل على اللهه ونتحدى الصعوبات، وهذا الارث لا يخصّ المسلمين وحسب، إنما يشمل حتى المسيحيين الذين يجاوروننا، فعندما يواجهون تحديّاً كالذي حصل في العراق من قبل أيادي الارهاب الدموية، فان عليهم ان يتعلموا الصمود والتحدي من الامام الحسين عليه السلام، إن المسيحيين يفكرون اليوم بمغادرة العراق، لكن عليهم ان يعرفوا ان في العراق تلالاً من اجساد ابنائنا، مع ذلك صمدنا وتحدينا.
وليس فقط المسيحيون من يستفيد من هذا (التلاد) الكنز، بل بوسع العالم كله انن يستلهم من روح التضحية والصمود والبطولة التي جسدها الامام الحسين و ابو الفضل العباس و علي الاكبر، ويتخذونها علاجاً لمشاكلهم وأزاماتهم، هناك مليار فقير في العالم لايمكن حل مشكلتهم و بروح الاسلام وبروح القرآن الكريم وإلا بروح أبي عبد الله الحسين (ع). إذن، نحن لدينا الروح والجوهر وليس فقط المظهر، ولدينا (التلاد) نستفيد منها لتقوية انفسنا ونتحدى المشاكل والازمات وهي هذه هي وظيفتنا ومسؤوليتنا.

 

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 01/صفر الخير/ 1432 هـ ، الموافق 06/كانون الثاني – يناير/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

”رايات الأربعين“ إعلان فشل الطغاة في طمس معالم الدين

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿٢٤﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّـهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٢٥ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴿٢٦ يُثَبِّتُ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّـهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّـهُ مَا يَشَاءُ ﴿٢٧

(سورة إبراهيم المباركة)

 

رايات الأربعين .. إعلان فشل الطغاة في طمس معالم الدين الاسلامي

.
ان الذي أمسك السماء أن تقع على الأرض، وجعل فيها شمساً مضيئةً وقمراً منيراً. والذي قدر كل شيء فاحسن تقديره. جعل في هذه الارض نجوماً يهتدي الناس بها في ظلمات البر والبحر، فيه يهتدي بها أهل البحار ومن مشى بالقفار واراد ان يستدل ولا يملك دليلا، جعل أيضاً نجوماً بين الناس يُهتدى بهم لمعرفة الحلال عن الحرام، ومعرفة الحق عن الباطل، ومعرفة الخلق الفاضل عن غيره، إذن؛ خالق الشمس والقمر وخالق الليل والنهار، هو الذي جعل الانبياء رسلاً مبشرين من اجل ان يهتدي بهم الناس في ظلمات الاهواء وفي مواجهة الوساوس الشيطانية، إنه ربنا تبارك وتعالى. ومن لا يعتقد بذلك دعه يغير ما في السماء ان استطاع، أو ان يجعل القمر مكان الشمس، أو يستبدل الشمس بكوكب آخر…!
إن الله تعالى هو الذي يصطفي بعزته وجلاله من يشاء من عباده انبياءً و رسلاً (مستحفضاً بعد مستحفض)، وهو الذي يوحي الى انبيائه، وهو الذي خلق محمداً وآهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم ليكونوا نجوماً لأهل هذه الارض، ذرية بعضها من بعض، هذه الكوكبة المباركة الميمونة المتشكلة من النبي المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن الزكي والحسين المصطفى عليهم افضل الصلاة والسلام هم الذين اختارهم الله نجوماً نهتدي بهم، لذا فمن اراد ان يستضيء بغير الشمس سيبقى في ظلام حالك، ومن اراد ان يهتدي بغير نجوم السماء يبقى في ظلال مبين والى الابد، كما و من اراد ان يعرف الحق عن غير هذه الوسيلة التي جعلها الله لاهل الارض وقال: “وابتغوا الي وسيلة”، فانه لن يصل الى الحق مهما قطع من مسافات في التفكير والتحقيق. والإمام الحسين (ع) هو خاتم هذه الخمسة ومجدد رسالة جده ومجدد مصائب أمهِ ومجدد سبيل أبيه ومجدد طريق أخيه.
إن الامام الحسين مثّل كل التاريخ وكل الرسالات و كل الانبياء، وبالرغم من ان عاشوراء كانت يوماً واحداً و ربما ساعات قليلة، لكنها جسدت كل الصراع التاريخي بين الحق والباطل، لذا حينما نقف عند ضريحه المقدس نقول له: (السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله. السلام عليك يا وارث نوح نبي الله. السلام عليك يا وارث ابراهيم خليل الله. السلام عليك يا وارث اسماعيل ذبيح الله…) – كما في بعض المصادر- .
إن الحسين (ع) جسّد بقضيته كل الانبياء، لان قضيته مكملة، كما ان جده النبي (ص) جاء برسالة مهيمنة على سائر الرسالات وبكتاب مهيمن على سائر الكتب. من هنا يقول البارئ عزّ وجل في كتابه المجيد: “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء” (إبراهيم /24). إن الله تعالى لم يضرب هذا المثل في القران الكريم فقط، وانما أوجد له مصداقٌ على الارض حينما بعث نبياً كالنبي الاكرم (ص) وجعله ممثلا للخلق الطيب وقال له: “وانك لعلى خلق عظيم” بمعنى أنه جعله مثالاً لكل الآيات ولكل الاسماء الحسنى ولكل الخلق الفاضل ولكل المناهج السليمة، فالمثال الذي ضربه ربنا لم يكن فقط بالكلمات وانما ضربه بالواقع الخارجي، فجعل النبي آية من آياته العظمى، كما جعل الإمام علي آية من آياته العظمى ايضاً، وكذلك الصديقة الطاهرة والحسن المجتبى والحسين.
حينما يريد ربنا تعالى ان يعبر بشكل دقيق ومتميز عن شخصية النبي عيسى على نبينا وآله وعليه افضل الصلاة والسلام، يقول: “إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” (آل عمران /45)، هذه الكلمته تجسيد لأسماء الله ولآياته. كذلك النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، واهل بيته، إذن. فان (الكلمة الطيبة) تُعد حقيقة ثابتة في عمق الواقع وفي صميم الفطرة البشرية، كما هي ثابتة في السنن الإلهية الحاكمة للكون، وهذا يؤكد أن كل المحاولات الجاهلية سواء التي انطلقت قبل الاسلام او بعده، وحتى اصحاب الجاهلية المعاصرة والى يوم القيامة لاقتلاع هذه الكلمة، تبوء بالفشل الذريع، والسبب هو رسوخ هذه الكلمة وأصالتها.
عطاء مستمر دون حدود
اذا عرفنا إن أصل هذه الكلمة ثابت و راسخ في الارض و في عمق الواقع وعمق السنن الإلهية وفي الفطرة البشرية، فاين فرعها…؟ انه في السماء. بمعنى أن (السادة) من أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله يشكلون فروعاً لهذه الكلمة، فالعلماء الربانيون والموالون لأهل البيت كلهم يشكلون فروعاً لهذه الكلمة، وعندما تقول الآية الكريمة التالية: “تؤتي أكلها كل حين بأذن ربها” بمعنى أن ليس هنالك مواسم معينة للثمرة، فبعض الاشجار تثمر في الصيف وبعضها في الخريف وبعضها في الربيع، بينما هذه الشجرة المباركة والينبوع الإلهي عطاءٌ لا ينضب. من هنا نجد مواسم عاشوراء كلما مر عليها الزمان تزداد تألقاً ويزداد الناس تمسكاً بهذه الشعائر الإلهية، وهم في ذلك يزدادون نوراً وبركة. في كل عام ومنذ فترة طويلة أحرص على السؤال من الاخوة في مناطق مختلفة من العالم؛ كيف كانت مراسم عاشوراء عندكم؟ يقولون: أحسن من العام الماضي، وكل سنة يكون أحسن من العام الذي قبله واكثر تطوراً وكثافة.
الصمود أمام جبهة الباطل
يقول عزّ وجلّ في الآية التالية: “ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض مالها من قرار”.
إن الكلمة الخبيثة لها وجود كما لها جولات لكن وجودها ليس عميق الجذور، بينما الكلمة الطيبة التي يمثلها الانسان المؤمن والتي ثبتها الله بالعقيدة الراسخة وبالايمان الصادق وبصفاء القلب في الحياة الدنيا، تكون راسخة لا تتزعزع، فاذا كانت الجبال معرضة للزلازل والهزّات فان المؤمن غير قابل للزعزعة والاهتزاز، فهو اقوى من الحديد ومن الجبل، لان (الجبل يُقد منه والمؤمن لا يُقد منه)، كما يقول الامام الصادق عليه السلام، إنه يبقى فوق الميول والظروف ويبقى هو الأساس، فهو بهذا الجسم الضعيف وبهذه الاهواء التي تعصف به، والامكانات المحدودة لديه ، لا يتمكن من مقاومة الضغوط، لذا يأتي المدد الإلهي ويثبت المؤمن، يقول تعالى: “يثبت الله الذين امنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة”. أما الانسان الظالم والمنحرف والذي لا ايمان له، يبعده الله تعالى عن الحق.
من هنا علينا ان نعرف ان من اهداف الحزب الأموي وقبل جريمة قتل الامام الحسين عليه السلام يوم العاشر من المحرم 61 للهجرة، حيث قال قائلهم: (والله..! دفناً دفنا…!)، وقال قائلهم: (فلا خبر جاء ولا….)، ولا اريد ان أكرر عبارات الكفر، كل ذلك من اجل طمس معالم الدين الاسلامي.
لنا ان نتساءل: أمر الحزب الجاهلي بتطواف رأس الامام أبي عبد الله الحسين و رأس أبي الفضل العباس وكما اعتقد 19 رأساً آخر حتى رأس الطفل الصغير علي الاصغر؟
هذا العمل من الناحية الظاهرية يُعد دليل ادانة عليهم وعلامة للجريمة التي لم ترتكب مثلها في التاريخ، بل من عادة الطغاة عندما يرتكبون جريمة ما ضد معارضيهم، يتنصلون عنها ولا يعترفون بها ويحاولون ان يخفوها، بينما نجد ان يزيد (عليه لعنة الله) أمر بتطواف رأس الامام في مسيرة طويلة، من كربلاء الى الكوفة ومن الكوفة الى الشام ومن الشام الى مصر، ومن ثم الى الحجاز، ولذلك يرى الزائر في بعض البلاد الاسلامية أماكن تسمى (مقام رأس الحسين)، في مصر وفي العاصمة القاهرة هنالك (مسجد الحسين) او (حي الحسين) و (مقام رأس الحسين) والناس يأمونه ويتخذونه وسيلة الى الله. وفي سوريا وايضاً في قلب العاصمة دمشق التي كان يحكمها ذلك اليوم الامويون هناك (مقام رأس الحسين) سلام الله عليه، وفي مدينة حلب شمال سوريا هناك (مسجد النقطة)، و هي صخرة عليها قطرة من دم الحسين (ع). كل تلك الافعال وغيرها كثير، كان الهدف منها الى جانب افراغ الحقد الدفين، هو الاعلان للعالم الاسلامي بان الاسلام انتهى، وان الدين الذي جاء به النبي الأكرم لا وجود له، وعادت الجاهلية الأولى مرة اخرى.
هذه الأمنية التي كانت تدور في رأس يزيد الذي تغنى بأمجاد الجاهلية وأنشد ابياتاً: (ليت أشياخي ببدر شهدوا ….)، انقلبت عليه واصبحت وبالاً ونكالاً، لأن رأس الحسين سلام الله عليه قال للناس جميعاً: أيها الناس…! ها هو الاسلام يبدأ ويتجدد. اليوم ولد رسول الله، واليوم حصلت البعثة النبوية الشريفة وأشرق نور الاسلام على ربوع الأرض، هذا الرأس الشريف قال: “وسيعلم الذين ظلموا اي منقلبٍ ينقلبون”، لقد نطق الحسين عليه السلام بهذا النداء الرباني، كما نطق أيضاً الامام زين العابدين (ع) والعقيلة زينب عليها السلام، وفاطمة الصغرى، والقافلة مستمرة منذ يوم عاشوراء ولم تنته الى يوم الاربعين بل استمرت من كربلاء الى الكوفة والى الشام ومن ثم الى المدينة، و ربما الى مصر، فقد كان يزيد يريد شيئاً لكن الله اراد شيئاً آخر، فالله قدر لهذه القافلة لان تصبح رمزا لتجديد الاسلام و رمزاً لهجرة النبي الأكرم من مكة الى المدينة، و رمزاً لاثارة المسلمين.
لقد قاد رأس الحسين سلام الله عليه الجماهير الى الدين والى الايمان. و حينما خطب الامام زين العابدين عليه السلام في اهل الكوفة تلك الخطبة الصاعقة حيث ايقظ فيهم الضمائر والعقول، قالوا: مُرنا بأمرك يا بن رسول الله، لكن الامام عليه السلام رفض هذه الاستجابة الوقتية، المنطلقة من المشاعر والعواطف التي طالما جربوا مثلها. لكن في نفس الوقت والمكان تم تسجيل أسماء (التوابين)، وذلك بعد ثلاثة ايام من استشهاد الامام الحسين عليه السلام، حيث تمكن اثنين من اصحاب النبي الأكرم (ص) من قيادة جيش (التوابين) ومقاومة الحكم الأموي رغم وجود ابن زياد في الكوفة، وبذلك نالوا بمعظمعم وسام الشهادة. وهكذا المسيرة تتواصل، فقبل هذا قصة قارئ القرآن الكريم في الشام، وخلال وجود الامام زين العابدين عليه السلام واهل بيته، حيث صعد على تل مرتفع وهتف: (يا اهل الشام…! ماذا تفعلون؟ تقتلون ابناء رسول الله ثم تأسرون أهله…)، فاخذه يزيد وقتله وذهب شهيداً، بل حتى ذلك المسيحي الذي تحدث في مجلس يزيد بن معاوية وكشف زيفه، تعرض للقتل هو الآخر. إن قافلة الشهادة بدأت منذ تلك الايام وهي مستمرة حتى اليوم.
السير على الأقدام .. الاصرار
اليوم عندما نلاحظ الناس يتحركون نحو كربلاء المقدسة، ويتهيأون للسير على الاقدام او ركبان لزيارة الامام الحسين عليه السلام في يوم الاربعين، إنما الهدف هو تجديد نفس النهج، ليقولوا نحن لازلنا على العهد وحتى يجددوا الميثاق مع أبي عبد الله الحسين عليه السلام، و هؤلاء هم الامتداد الحقيقي لقافلة الشهادة التي انطلقت من كربلاء سنة 61 للهجرة، وما تزال ماضية مع الزمن ولن تتوقف، فهم يسيرون قدماً حتى يسلموا الراية الى صاحب الراية، الامام الحجة بن الحسن المنتظر عجل الله فرجه. إن راية ( يا لثارات الحسين) هي التي هزت عروش الظالمين، وهي التي جندت ملايين البشر لمقاومة الظلم والعدوان وهي التي أبقت الاسلام حيّاً نابضاً، والى الان نرى الراية خفاقة فوق رؤوس المؤمنين في العراق وغير العراق، طبعاً العراق في الحقيقة هو مركز أهل البيت، هو بيت الرسالة، وقد اتخذ أهل البيت عليهم السلام العراق منطلقاً للدفاع عن الدين، فالامام الحسين لم يختر كربلاء صدفة، وهو الذي قال: (أختير لي المصرع…) بمعنى هنالك اختيار واصطفاء، كما ان الامام علي لم يترك المدينة الى الكوفة عبثاً، وليس لمرحلة تاريخية محدودة وحسب، انما لكي تنطلق من الكوفة ومن النجف الاشرف ومن كربلاء الحسين راية الاسلام الى العالم. من هنا نرى العلماء وعبر التاريخ الاسلامي، يفتخرون انهم كسبوا العلوم الدينية إما من كربلاء المقدسة أو من النجف الاشرف، من هنا أهل العراق ينهض ليحمل رايته و تراثه و تقاليده، واليوم ربما البعض في العراق لايملك ثمن عشاءه، لكنه يوفر أمواله من اجل اقامة مراسيم الاربعين. ونقل ان احدهم باع بيته حتى يطعم الزوار في إحدى السنين وانتقل ليسكن في دار للإيجار، وقال : لا اريد البيت الملك، بل اريد الحسين… ومنهم من يضحي ويقدم كل شيء في هذا الطريق. كل ذلك يدل على ان الراية ما تزال عالية و منصورة وعليها علامة من دماء الحسين (ع).
وصايا للسائرين في الاربعين
ليس ثمة مجال لإثارة الهمم وتجييش الطاقات، لأن الجماهير المؤمنة تحركت من هذه الايام. لكن هنالك بعض الوصايا لاخواننا الوافدين الى كربلاء المقدسة من المناطق والاقطار المختلقة خلال الاسابيع القادمة:
الوصية الأولى:
إن الطريق الى كربلاء المقدسة هو طريق الامام الحسين، إذنن فهو طريق مقدس، والهدف من ذلك هو تحقيق الامنية العظيمة بالاقتراب من ابي عبد الله الحسين، فكل خطوة تتقدم تقول: (يا حسين…) (يا ابا عبد الله…) (يا زهراء…)، فلابد من حمل اخلاق أبي عبد الله الحسين واخلاق اهل البيت عليهم السلام، وبما ان المؤمنين الزائرين يحملون الاخلاق الرفيعة، فان عليهم أن يحملوا الصفات الاخلاقية الرفيعة معهم خلال تأديتهم شعائر الاربعين، فمن اين تعلم الزائر الصبر والأناة والوفاء وغيرها من الصفات والخصال الحميدة؟ إنها من الشعائر الحسينية ومن زيارة الامام الحسين عليه السلام، فقد جاء الى كربلاء و فيها ربّى نفسه على تلكم الصفات، لذا فهو يحمل معه عطر الحسين (ع) ورائحة العباس (ع) ونسيم كربلاء، حتى يكون حقاً انساناً كربلائياً، قلباً وقالباً. وكم هو جميل أن نربي مجتمعنا على اساس حسيني و زينبي و عباسي، نأخذ الوفاء من العباس والشجاعة من علي الاكبر و الصبر والأناة من زينب الكبرى، و كل الخُلقيات الحسنة من الحسين عليه السلام، كما من الجميل ايضاً أن يكون يعلم اخواننا بعضهم البعض الآخر في الطريق على الاخلاق الحسنة، وادعو العلماء والفضلاء ومن لهم فضل في العلم والايمان بأن ينضموا على قوافل المشاة و يذكروا اخوانهم المؤمنين بهذا الجانب الاخلاقي.
الوصية الثانية:
ان الامام الحسين عليه السلام هو اطهر المطهرين في كربلاء ونحن نقرأ في زيارته: (اشهد انك طهر طاهر مطهر، من طهر طاهر مطهر، طهرت وطهرت بك البلاد)، لذا على الاخوة المشاة ان يجسدوا هذه الطهارة بالرغم من ان ظروف مسيرتهم صعبة وشاقة، لكن الطهارة البدنية أمر لابد من الاهتمام به.
هذه الايام يكون الطقس بارداً، وربما تنتشر الفيروسات والمكروبات والجراثيم، فأوصي من خلال هذا المنبر، المواكب الخدمية التي تخدم زوار الحسين ان يوفروا الاواني البلاستيكية التي تستخدم مرة واحدة لشرب الماء والطعام.
إن الوضع الصحي في العراق ليس مثالياً، بالامس قرأت اصابة (8000) انسان بمرض السل، وهو من اكثر الامراض فتكاً في التاريخ، ومن يدري، ربما تكون هناك أيادي خبيثة وراء ذلك…؟ إذن، علينا التزام الحيطة والحذر، فمرض (انفلونزا الخنازير) ينتشر في البلاد المجاورة، وعلينا ان نحرص ان لا ينتشر في بلدنا، وفي كل الاحوال فان (النظافة من الايمان). وهناك روايات تنقل لنا كيف ان الامام الحسين عليه السلام كان يعتني بالنظافة مع قلة الماء والظروف الصعبة.
الوصية الثالثة:
كل من يعود من كربلاء المقدسة ، عليه أن يعود بهدية مهمة وهي هدية من ابي عبد الله الحسين الذي خرج لطلب الاصلاح، إذن، ليكن تحركنا هو من اجل الاصلاح وليس الإفساد، وعلى الزائر أن يحمل معه هم الاصلاح، وعندما يعود الى اهله تكون معه همّة عالية للامر بالمعروف والنهي عن المنكر والاهتمام بالمجتمع واصلاح ذات البين.
إن الامام الحسين عليه السلام حمل راية الاصلاح تاريخيا، وهذه الراية هي التي توحدنا، لنستفد من هذه الراية و نعود بروح الوئام والمحبة، ولا نعود بروح اخرى.
نسأل الله ان يجعلنا من المتذكرين ومن الحسينيين ومن العاملين والسائرين على نهج الامام الحسين عليه السلام، وان شاء الله تشملنا رحمته وشفاعته يوم القيامة، ونسأل الله تعالى ان يرينا بركة الحسين عليه السلام في هذه الرحلة الطيبة المباركة كرامته ليس لاجل الافراد فقط وانما لاجل العراق بأسره والامة الاسلامية بأسرها.

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم خميس  23/محرم الحرام/ 1432 هـ ، الموافق 30/كانون الأول – ديسمبر/ 2010م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

ثبات سنن الله

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم اسبت 04/محرم الحرام  /1432هـ الموافق 2010/12/11م في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين

معرفة الامام الحسين(ع)

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم السبت 22/ذو القعدة  /1432هـ الموافق 2010/12/02م في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين

قاعدة الاخلاق في النظام الاسلامي

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الاثنين 09/ذو القعدة  /1432هـ الموافق 2010/10/18م في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين

خارطة الطريق للخروج من الفتن؟

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 29/رمضان الخير /1432هـ الموافق 2010/09/30م في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين

الافتتان _الخاص والعام

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 14/شوال   /1432هـ الموافق 2010/09/23م في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين