الغدير .. افاق ومعالجات

الغدير .. افاق ومعالجات


كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الإثنين، 17/ ذي الحجة / 1440 هـ ، الموافق 08/19/ 2019 م ، بمناسبة عيد الغدير الأغر في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الخامس عشر)

“إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ”

بسم الله الرحمن الرحيم


(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبيلاً (29) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكيماً (30)يُدْخِلُ‏ مَنْ يَشاءُ في‏ رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَليماً)

صدق الله العلي العظيم


تفصيل القول
من خصائص سور القرآن الكريم حُسن الختام، وما فيه من بصائر مُرتبطة بسائر مواضيع السورة، وفي ختام سورة الانسان المُباركة بصائر عدّة أيضاً.
البصيرة الأولى: التذكرة
حيث يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ]
ماذا تعني التذكرة؟ ولماذا ذُكرت بمشتقّاتها المختلفة ممّا يقرب 250 مرّة في القرآن الكريم؟
في الاجابة نقول إنّ فرصة التكامل عند البشر تكاد لا تنتهي، وهي أكثر بكثير ممّا ادركها البشر بالفعل، وطريق الوصول الى تلك الفُرص هو التذكّر، لأنّ ترسيخ المعارف والحقائق في القلب، وبلورتها في الوجدان هو الذي يجعل البشر في مسيرة التكامل.
ذلك أنّ مُشكلة البشر الحقيقية هي غفلته عن الحقائق الكُبرى و هو بالتذكرة يرسّخ تلك الحقائق في القلب, يقول ربّنا تعالى: [وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ‏ الْمُؤْمِنينَ]
وهكذا فإنّ الحقائق الكبرى موجودة في فطرة الانسان، وما ذُكر في هذه السورة المباركة من حقائق أيضاً كلّها تذكرة، والأنبياء جاءوا يذكّرو الناس بتلك الحقائق، التي من اهمّها حقيقة الولاية.
ومن هنا نجد الرويات التي تأتي في تبيان التذكرة، تشير الى ذلك المعنى، ففي الحديث عن أبي الحسن الماضي- عليه السّلام-(( قال: قلت: [إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ.]قال- عليه السّلام-: الولاية.))
لأنّ من لا يقبل الولاية، فإنّه لا يتجاوز الامتحانات الأخرى، وهكذا على الانسان أن يجعل التذكرة برنامجاً لحياته من أجل تغيير جذري في شخصيته.
ثم يقول ربّنا تعالى: [فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبيلاً]
خرية الاختيار
ربّنا سبحانه وتعالى ميّز البشر عن باقي المخلوقات بأن منحه حق الانتخاب، ومن لا يستفيد من ذلك الحق فإنّه يفقد الميزة الاساسية للإنسان، ويصبح مصداقاً لقول امير المؤمنين عليه السلام حيث قال: ((هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ‏ كُلِ‏ نَاعِقٍ‏ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيح‏.))
لأنّه لم يستمع القول فيتّبع أحسنه، ولم يتحمّل مسؤولية اخطاءه، فتراه يلقي مسؤولية اخطاءه على الآخرين، بينما على الانسان أن يتحمّل مسؤولية الاختيار عنده، ولا يبقى في مرحلة اللا اختيار لأنّ ذلك يعني الاختيار الخاطئ.
الصراط المستقيم
والسبيل الذي علينا أن نسلكه هو الذي قال عنه ربّنا في فاتحة الكتاب [اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ]‏
وهو صراط اهل البيت الذين انعم الله عليهم، ولا سبيل آخر لنا ولا صراط مستقيم غير صراطهم.
ثمّ يقول ربّنا تعالى: [وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ]
في اللحظات الصعبة على الانسان أن يتوكّل على ربّه فيجبر به ضعف ارادته، لأنّ ارادة المخلوق متّصلة بارادة الله الخالق المُتعال و لا تنشأ لمخلوق مشيئة بدون إذنه، فيسلب البعض توفيق الهداية و يهبه لآخرين.
[إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكيماً]
و لكن ليس اعتباطا، بل على أساس علمه بحال المخلوق و حكمته البالغة.
[يُدْخِلُ‏ مَنْ يَشاءُ في‏ رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَليماً]
و تنتهي السورة بالرحمة، لما ذُكر فيها من النعم الكثيرة التي منحها البشر للمخلوقين، فهو تعالى سبقت رحمته غضبه، ووسعت رحمته كلّ شيء ولكنّه أيضاً أعدّ للظالمين ومن يستحقّون العقاب عذاباً اليماً.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الرابع عشر)

“وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْديلاً] (28)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

صحيح أنّ عالم الغيب مُحيط بعالم الشهود الذي نحن فيه، الّا أنّ البشر بإمكانه النفوذ اليه، يقول ربّنا تعالى: [وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنينٍ‏][1]

فهو تعالى ليس بخيلاً في اعطاء الغيب شريطة أن يكون الطريق الذي يسلكه البشر من أجل الوصول الى الغيب صحيحاً، ومن ذلك النفوذ الى الآخرة، ليس فقط الإيمان النظري بها بل ومعايشتها، حيث يعيش المؤمن الآخرة وهو في الدنيا، ذلك لأنّ خالق الآخرة هو خالق الدنيا كما جاء عن لسان النبي يوسف عليه السلام حيث قال: [أَنْتَ وَلِيِّي‏ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّني‏ مُسْلِماً وَ أَلْحِقْني‏ بِالصَّالِحينَ][2]

وجاء في الدعاء المروي عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّه قال: ((يا رَحْمنَ‏ الدُّنْيا وَ الآخِرَةِ وَ رَحِيمَهُما))[3]

وهكذا الدنيا مرآة الآخرة، فالنار في الآخرة هي نار الدنيا ولكنّها أشدّ 70 ضعفاً، وهكذا النعيم في الآخرة مُضاعف بأضعاف كثيرة عن نعم الرب سبحانه وتعالى لنا في الدنيا.

جاء الحديث الشريف: ((وَ اذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ‏ وَ عَطَشِكُمْ‏ فِيهِ جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ عَطَشَه‏))[4]

 وهكذا يعيش المؤمن الآخرة بكلّ وجوده، و حين يواجه ضغوطات الحياة فإنّه يتجاوزها بتذكّر الآخرة ولا يحزن على ما فاته من الدنيا، لأنّه يعي بوجدانه فناء الدنيا وبقاء الآخرة

 جاء في وصية الامام امير المؤمنين الى الحسن والحسين عليه السلام: ((أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أَنْ لَا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَ لَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا وَ قُولَا بِالْحَقِّ وَ اعْمَلُوا لِلْآخِرَة.))[5]

حينذاك يصبح المؤمن حُرّا، لأنّه يتجاوز كلّ العلائق المادّية و يقيس كلّ شيء بمقياس الآخرة، وذلك يوصله الى جعل التقوى محوراً لحياته.

ومن ذلك أيضاً معرفة الإنسان قُدرة الرب تعالى في الآخرة وبعث الخلائق تارة أخرى، فكما أن رّبنا تعالى خلق الانسان من نطفة أمشاج بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، هو أيضاً يُعيد خلقه في الآخرة.

يقول ربّنا تعالى: [نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ]

بالرغم من أنّ كلمة [شَدَدْنا أَسْرَهُمْ] تعني في الظاهر تقوية خلقهم، الّا أنّ لها معنى أشمل وهو وإسباغ النعم على الانسان وتهيئة كافّة العوامل لابقاء الانسان.

جاء في دعاء الامام الحسين عليه السلام في يوم عرفة:

((ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي‏ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ، بَيْنَ لَحْمٍ وَ جِلْدٍ وَ دَمٍ، لَمْ تُشْهِدْنِي بِخَلْقِي، وَ لَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي. ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيا تامّاً سَوِيّاً، وَ حَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً، وَ رَزَقْتَنِي مِنَ الْغَذاءِ لَبَناً مَرِيّاً، وَ عَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَواضِنِ‏، وَ كَفَّلْتَنِي الأُمَّهاتِ الرَّحائِمَ، وَ كَلَأْتَنِي‏ مِنْ طَوارِقِ الْجانِّ وَ سَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيادَةِ وَ النُّقْصانِ، فَتَعالَيْتَ يا رَحِيمُ يا رَحْمانُ.))[6]

فكم هي العوامل التي هيئها ربّنا تعالى من أجل الانسان لأجل العيش وهو ذات الرب المتعال الذي يبدّل جيل بعد آخر:

 [وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْديلاً]

أي جئنا بآخرين أمثالهم بديلا عنهم، بإهلاكهم، أو بجعلهم الحاكمين، ولو تأمّل الانسان في ذلك ليس فقط يصل الى معرفة الآخرة بل ويعيش الآخرة قبل موته.


[1] سورة التكوير، الآية:24.

[2] سورة يوسف، الآية: 101.

[3] الإقبال بالأعمال الحسنة (ط – الحديثة)، ج‏1، ص: 256.

[4] الأمالي( للصدوق)، النص، ص: 93

[5] روضة الواعظين و بصيرة المتعظين (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 136

[6] الإقبال بالأعمال الحسنة (ط – الحديثة)، ج‏2، ص: 75

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (التاسع)

“رضوان من الله”

بسم الله الرحمن الرحيم


(وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْليلاً (14) وَ يُطافُ‏ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَواريرَا (15)قَواريرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْديراً)

صدق الله العلي العظيم


تفصيل القول
لذّات البشر في الحياة لها مراتب، ومن يستطيع أن يستفيد منها بصورة صحيحة يترّفع عن الشهوات الغير مشروعة، وهكذا نجد أنّ مشكلة الذين يرتكبون المفاسد الأخلاقية أنّهم لم يستفيدوا من النعم بصورة صحيحة وبالتالي لم يصلوا الى الاطئمان والسعادة، بخلاف المؤمن الذي يعيش السعادة، لأنّه لا يتعدّى حدود الرب المتعال في الحياة تجده يلتذّ بالنعم الإلهية ويعيش السعادة في الحياة.
يقول ربّنا تعالى في سورة آل عمران: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ‏ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنينَ وَ الْقَناطيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ]
فغريزة بناء الأسرة وحُبّ البنين، أو امتلاك ما يمنح الانسان مكانة اجتماعية من القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة و الخيل المسوّمة..الخ كلُّ ذلك متاعُ الحياة الدينا ولا يُقاس بما عند الرب سبحانه وتعالى، ومن هنا تجد المؤمن يستفيد من اللذات (المتاع) بأفضل صورة في اطار مرضاة الرب سبحانه وتعالى، فلا ينعزل عن الحياة وينتهج الرُهبانية التي نهى عنها النبي (ص) حين قال لعثمان ابن مضعون: )) إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْنَا الرَّهْبَانِيَّةَ إِنَّمَا رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي‏ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّه‏))
لذة العافية
من الأبعاد المهّمة في الاستفادة والتلذذ بالنعمة هو النظر الى من فُضّلنا عليهم بالنعم،
جاء في الحديث الشريف:
((اكثر النظر الى‏ من فضلت عليه فان ذلك من ابواب الشكر))
ولكن فيما يرتبط بالأبعاد المعنوية، علينا النظر الى من هو أعلى منّا منزلة، وهكذا تُعرف تلك النعمة بوضوح حينما يُشرف أهل الجنّة على النار، فيشكرون الباري عزّ وجلّ على ما أنعم عليهم، جاء في الحديث عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: «مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً إِلَّا جَعَلَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلًا وَ فِي النَّارِ مَنْزِلًا فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَشْرِفُوا فَيُشْرِفُونَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ وَ تُرْفَعُ لَهُمْ مَنَازِلُهُمْ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ مَنَازِلُكُمُ الَّتِي لَوْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ لَدَخَلْتُمُوهَا يَعْنِي النَّارَ قَالَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً مَاتَ فَرَحاً لَمَاتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَرَحاً لِمَا صُرِفَ عَنْهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ النَّارِ ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ فَيَنْظُرُونَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ فَيُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ مَنَازِلُكُمُ الَّتِي لَوْ أَطَعْتُمْ رَبَّكُمْ لَدَخَلْتُمُوهَا قَالَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً مَاتَ حُزْناً لَمَاتَ أَهْلُ النَّارِ حُزْناً فَيُورَثُ هَؤُلَاءِ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ وَ يُورَثُ هَؤُلَاءِ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ‏ [أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ]».
ليس في الآخرة فحسب بل النظر في الابتلاءات عند الناس في الدنيا تزيدنا تحسساً بنعم الباري تعالى علينا.
النعم والاحساس بالفراغ
يبحث الانسان عن اللذّة التي توصله الى الاطمئنان، ويشعر بداخله بالحاجة للوصول الى تلك اللذّة، ولكنّه ما إن يصل الى نعمةٍ ما فإنّه سُرعان ما يشعر بعدم الوصول الى مبتغاه فيبحث عن لذّة أخرى وهكذا الى أن يشعر بالفراغ.
لكنّ الواقع أنّ قلب الانسان يبحث الله، ولذّة مناجاته، والقُرب منه، و تلك هي اللذّة الحقيقية التي نقرء عنها في مناجاة المريدين للامام زين العابدين أنّه قال: ((وَلا تَقْطَعْني عَنْكَ، وَلا تُبْعِدْني مِنْكَ، يا نَعيمي وَجَنَّتي، وَيا دُنْيايَ وَآخِرَتي،))
تلك اللذة التي يشعر بها حجّاج بيت الله الحرام، وزوّار الحسين عليه السلام، حيث يشعرون لحظة من نسيم الحُبّ الالهي، والشعور بالقُرب منه.
و هذه هي النعمة العُظمى في الجنّة جاء في الحديث عن الامام زين العابدين في وصف أهل الجنّة: ((فَيَمْكُثُونَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ إِنَّ الْجَبَّارَ يُشْرِفُ‏ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ أَوْلِيَائِي وَ أَهْلَ طَاعَتِي وَ سُكَّانَ جَنَّتِي فِي جِوَارِي أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وَ أَيُّ شَيْ‏ءٍ خَيْرٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ نَحْنُ فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُنَا وَ لَذَّتْ أَعْيُنُنَا مِنَ النِّعَمِ فِي جِوَارِ الْكَرِيمِ قَالَ فَيَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا نَعَمْ فَأْتِنَا بِخَيْرٍ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رِضَايَ عَنْكُمْ وَ مَحَبَّتِي لَكُمْ خَيْرٌ وَ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ قَالَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ يَا رَبَّنَا رِضَاكَ عَنَّا وَ مَحَبَّتُكَ لَنَا خَيْرٌ لَنَا وَ أَطْيَبُ لِأَنْفُسِنَا ثُمَّ قَرَأَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع هَذِهِ الْآيَةَ: [وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏].))
من يعيش بذلك الرضا في الحياة فإنّه يعيش الجنّة وهو في الدنيا.
سيدّي بحبّك لي
اشتدّ بالناس العطش في مكّة ومنعت السماء قطرها، ولم تنفع صلاة الاستقاء منهم ومن العبّاد والنسّاك ، حتّى التجأ الناس الى الامام زين العابدين عليه السلام، جاء الى بيت الله، وخرّ ساجداً وهو يقول: سَيِّدِي‏ بِحُبِّكَ‏ لِي إِلَّا أَسْقَيْتَهُمُ الْغَيْثَ فَمَا اسْتَتَمَّ الْكَلَامَ حَتَّى أَتَاهُمُ الْغَيْثُ كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ ثُمَّ وَلَّى عَنَّا قَائِلًا
مَنْ عَرَفَ الرَّبَّ فَلَمْ تُغْنِهِ‏ مَعْرِفَةُ الرَّبِّ فَهَذَا شَقِيٌ‏
مَا ضَرَّ فِي الطَّاعَةِ مَا نَالَهُ‏ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَ مَا ذَا لَقِيَ‏
مَا يَصْنَعُ الْعَبْدُ بِعِزِّ الْغِنَى‏ وَ الْعِزُّ كُلُّ الْعِزِّ لِلْمُتَّقِي‏


وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْليلاً (14) وَ يُطافُ‏ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَواريرَا (15)قَواريرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْديراً
تفصيل القول
لذّات البشر في الحياة لها مراتب، ومن يستطيع أن يستفيد منها بصورة صحيحة يترّفع عن الشهوات الغير مشروعة، وهكذا نجد أنّ مشكلة الذين يرتكبون المفاسد الأخلاقية أنّهم لم يستفيدوا من النعم بصورة صحيحة وبالتالي لم يصلوا الى الاطئمان والسعادة، بخلاف المؤمن الذي يعيش السعادة، لأنّه لا يتعدّى حدود الرب المتعال في الحياة تجده يلتذّ بالنعم الإلهية ويعيش السعادة في الحياة.
يقول ربّنا تعالى في سورة آل عمران: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ‏ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنينَ وَ الْقَناطيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ]
فغريزة بناء الأسرة وحُبّ البنين، أو امتلاك ما يمنح الانسان مكانة اجتماعية من القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة و الخيل المسوّمة..الخ كلُّ ذلك متاعُ الحياة الدينا ولا يُقاس بما عند الرب سبحانه وتعالى، ومن هنا تجد المؤمن يستفيد من اللذات (المتاع) بأفضل صورة في اطار مرضاة الرب سبحانه وتعالى، فلا ينعزل عن الحياة وينتهج الرُهبانية التي نهى عنها النبي (ص) حين قال لعثمان ابن مضعون: )) إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْنَا الرَّهْبَانِيَّةَ إِنَّمَا رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي‏ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّه‏))
لذة العافية
من الأبعاد المهّمة في الاستفادة والتلذذ بالنعمة هو النظر الى من فُضّلنا عليهم بالنعم،
جاء في الحديث الشريف:
((اكثر النظر الى‏ من فضلت عليه فان ذلك من ابواب الشكر))
ولكن فيما يرتبط بالأبعاد المعنوية، علينا النظر الى من هو أعلى منّا منزلة، وهكذا تُعرف تلك النعمة بوضوح حينما يُشرف أهل الجنّة على النار، فيشكرون الباري عزّ وجلّ على ما أنعم عليهم، جاء في الحديث عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: «مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً إِلَّا جَعَلَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلًا وَ فِي النَّارِ مَنْزِلًا فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَشْرِفُوا فَيُشْرِفُونَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ وَ تُرْفَعُ لَهُمْ مَنَازِلُهُمْ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ مَنَازِلُكُمُ الَّتِي لَوْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ لَدَخَلْتُمُوهَا يَعْنِي النَّارَ قَالَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً مَاتَ فَرَحاً لَمَاتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَرَحاً لِمَا صُرِفَ عَنْهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ النَّارِ ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ فَيَنْظُرُونَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ فَيُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ مَنَازِلُكُمُ الَّتِي لَوْ أَطَعْتُمْ رَبَّكُمْ لَدَخَلْتُمُوهَا قَالَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً مَاتَ حُزْناً لَمَاتَ أَهْلُ النَّارِ حُزْناً فَيُورَثُ هَؤُلَاءِ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ وَ يُورَثُ هَؤُلَاءِ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ‏ [أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ]».
ليس في الآخرة فحسب بل النظر في الابتلاءات عند الناس في الدنيا تزيدنا تحسساً بنعم الباري تعالى علينا.
النعم والاحساس بالفراغ
يبحث الانسان عن اللذّة التي توصله الى الاطمئنان، ويشعر بداخله بالحاجة للوصول الى تلك اللذّة، ولكنّه ما إن يصل الى نعمةٍ ما فإنّه سُرعان ما يشعر بعدم الوصول الى مبتغاه فيبحث عن لذّة أخرى وهكذا الى أن يشعر بالفراغ.
لكنّ الواقع أنّ قلب الانسان يبحث الله، ولذّة مناجاته، والقُرب منه، و تلك هي اللذّة الحقيقية التي نقرء عنها في مناجاة المريدين للامام زين العابدين أنّه قال: ((وَلا تَقْطَعْني عَنْكَ، وَلا تُبْعِدْني مِنْكَ، يا نَعيمي وَجَنَّتي، وَيا دُنْيايَ وَآخِرَتي،))
تلك اللذة التي يشعر بها حجّاج بيت الله الحرام، وزوّار الحسين عليه السلام، حيث يشعرون لحظة من نسيم الحُبّ الالهي، والشعور بالقُرب منه.
و هذه هي النعمة العُظمى في الجنّة جاء في الحديث عن الامام زين العابدين في وصف أهل الجنّة: ((فَيَمْكُثُونَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ إِنَّ الْجَبَّارَ يُشْرِفُ‏ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ أَوْلِيَائِي وَ أَهْلَ طَاعَتِي وَ سُكَّانَ جَنَّتِي فِي جِوَارِي أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وَ أَيُّ شَيْ‏ءٍ خَيْرٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ نَحْنُ فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُنَا وَ لَذَّتْ أَعْيُنُنَا مِنَ النِّعَمِ فِي جِوَارِ الْكَرِيمِ قَالَ فَيَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا نَعَمْ فَأْتِنَا بِخَيْرٍ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رِضَايَ عَنْكُمْ وَ مَحَبَّتِي لَكُمْ خَيْرٌ وَ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ قَالَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ يَا رَبَّنَا رِضَاكَ عَنَّا وَ مَحَبَّتُكَ لَنَا خَيْرٌ لَنَا وَ أَطْيَبُ لِأَنْفُسِنَا ثُمَّ قَرَأَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع هَذِهِ الْآيَةَ: [وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏].))
من يعيش بذلك الرضا في الحياة فإنّه يعيش الجنّة وهو في الدنيا.
سيدّي بحبّك لي
اشتدّ بالناس العطش في مكّة ومنعت السماء قطرها، ولم تنفع صلاة الاستقاء منهم ومن العبّاد والنسّاك ، حتّى التجأ الناس الى الامام زين العابدين عليه السلام، جاء الى بيت الله، وخرّ ساجداً وهو يقول: سَيِّدِي‏ بِحُبِّكَ‏ لِي إِلَّا أَسْقَيْتَهُمُ الْغَيْثَ فَمَا اسْتَتَمَّ الْكَلَامَ حَتَّى أَتَاهُمُ الْغَيْثُ كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ ثُمَّ وَلَّى عَنَّا قَائِلًا
مَنْ عَرَفَ الرَّبَّ فَلَمْ تُغْنِهِ‏ مَعْرِفَةُ الرَّبِّ فَهَذَا شَقِيٌ‏
مَا ضَرَّ فِي الطَّاعَةِ مَا نَالَهُ‏ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَ مَا ذَا لَقِيَ‏
مَا يَصْنَعُ الْعَبْدُ بِعِزِّ الْغِنَى‏ وَ الْعِزُّ كُلُّ الْعِزِّ لِلْمُتَّقِي‏

تلك هي المرتبة السامية حيث يحبهم الله ويحبونه ورضي عنهم ورضو عنه، هذا في الدنيا أمّا في الجنة فرضوان من الله اكبر، يقول ربّنا تعالى: [وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها]
ليس لأنّ فيها شمسا و حرّا، بل هي كناية عن تناسب أشجار الجنة و حالة الرفاه المهيّأة لأهلها بحيث تغطّي فوقهم. و لكنّها في نفس الوقت قريبة ثمارها إليهم، ميسّرة عليهم تناولها.
[وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْليلاً]
و المفعول المطلق «تذليلا» يفيد التأكيد و المبالغة، أي أنّها مذلّلة أيّما تذليل،
[وَ يُطافُ‏ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَواريرَا]
و لعلّ الآنية المطاف بها هي التي يستقلّ الولدان فيها أكواب الشراب، أو التي يكون فيها الشراب الذي يصبّ في الأكواب بعدئذ، أو هي أواني الأكل و الفواكه التي يحملها الولدان إلى أولياء اللّه عزّ و جل. بينما الأكواب هي الكؤوس التي لها مقبض و عروة، و في صنعتها الرائعة تتجلّى قدرة اللّه و كرامته لأوليائه.
[قَواريرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْديراً]
قال الإمام الصادق (ع): «ينفذ البصر في فضّة الجنة كما ينفذ في الزجاج‏))
و لن يستطيع بشر تصوّر شي‏ء من نعيم الجنة على حقيقتها أبدا، رزقنا الله واياكم الجنّة بحق محمد وآل محمد.

تفسير سورة الجن المباركة _الدرس السادس

 _اين يتجه الانسان ؟_

كربلاء المقدسه _يوم السبت 2019/03/23م الموافق 08/رجب الاصب/1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظلة)عرض المزيد

تفسير سورة التحريم المباركة _الدرس الساد س

العنوان :على الانسان ان يتجاوز كل المحن والمصائب

كربلاء المقدسه _يوم الاثنين 2018/12/10م الموافق02/ربيع 2 /1440هـ

القران و قواعد بناء المجمتع الصالح

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 21/ الربيع الاول / 1440 هـ ، الموافق 29/ 11/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

تفسير سورة الطلاق المباركة _الدرس الثامن

 العنوان :كل شي في الوجود تحت امره

كربلاء المقدسه _يوم الاحد 2018/12/02م الموافق25/ربيع 1 /1440هـ

الحكمة والعلم وجهان واحد

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 17/ امحرم الحرام/ 1440 هـ ، الموافق 27/ 09/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

تفسير سورة الحشر المباركه _الدرس الاول

ا لعنوان :عالم الغيب يحيط بنا محيط السوار

كربلاء المقدسه_يوم الاثنين03/09/2018م الموافق 22/ذوالحجه/1439ه

{الْبَلَدُ الطَّيِّبُ}.. خارطة طريق قرآنية للنهوض والتنمية

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 30/ الربيع الاخر/ 1439 هـ ، الموافق  18/ كانون الثاني/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}.

صدق الله العلي العظيم

( سورة الاعراف المباركة)

 

 إلى متى تدور البشرية في حلقة مفرغة ولا تخرج من أزمة إلاّ وتدخل في أخرى؟ وما هو الحل؟ وكيف يمكننا ان نجد الحلول الجذرية لأنفسنا ولعامة البشر ؟.

 نحن ـ مثلا ـ حين نتحدث اليوم عن اوضاع العراق، والبلاد على أبواب الانتخابات، وهنالك المزيد من السياسيين و الأحزاب يتنافسون على الكراسي، فماذا عليهم أن يفعلوا وماهي مسؤليتهم؟ وماذا على الشعب وما مسؤليته؟ وكيف يختار مسوؤليه؟.

بالتدبر في الآيتين الكريمتين ــ من سورة الاعراف التي تلوناهما في بداية الحديث ــ يتبين إن الأساس هو أن يكون البلد طيبا، أن يكون الانسان طيبا، واذا كان كذلك  فلا يخرج من الطيب الاّ الطيب، و أما ـ لا سامح الله ـ اذا كان خبيثا فكل نباته يصبحوا خبيثا عسيرا.فالمواد التي في الأرض تخرج في النبات ولا يمكن أن تكون الأرض خبيثة ونباتها طيبا والعكس كذلك.

معرفة الرّب.. باب الى الحكمة والحقائق

وهكذا ايضا أساس انحراف الانسان، هو عبادة غير الله، عدم معرفة الله التي هي رأس كل علم و كل حكمة و كل طيب،وحينما ينحرف الانسان عن هذه الحقيقة العظمى، فلن تجد له  وليا ولا نصيرا ولا تجد عنده نفحة من الصلاح..

 ونحن كبشر ما دمنا لم نجد الحقيقة الكبرى فسوف نفتقر الى وجدان الحقائق الأخرى،فمن لا يستطيع ان يرى الغابة كيف يرى الشجرة؟ ومن لا يستطيع ان يرى الشمس كيف يستطيع ان يرى ضياءً  أخر؟ واذا كان نور الشمس لا ينفعني و لا ارى به، فهل نور مصباح خافت يجعلني بصيرا؟.

الانسان بين الإصلاح والفساد الكبير

 إن الله سبحانه وسننه اكبر واعظم شهادة، وغفلة الإنسان عن ربه تنتهي الى غفلته عن سننه و عن رسله وعن أحكامه و حِكمته، وبتالي غفلته عن كل خير عند الرب تعالى،وتتوالى الغفلات، تتصل وتتواصل الى ان يحيط بالإنسان الفساد الكبير.

فالإصلاح إذن يبدأ من معرفة الرب، فبعد ان يعرف الإنسان ربه يُقيّم نفسه، فهو لا يستطيع معرفة نفسه ألا أذا عرف ربه، فلو اعتقد الانسان أنه وحده، وليس له رب، ولاتوجد قيامة وآخرة ولاحساب،  تكون نظرته وفهمه وعمله بشكل واتجاه معين، بينما تكون نظرته وفهمه وعمله بشكل واتجاه معين مغاير تماما اذا افهم بأنه عبد مُدَبّر مصنوع، له خالق، حياته كلها مُدَبَرّة بدءاً من  أدق واصغر خلية في جسمه المكون من مليارات الخلايا، فكل خلية  صغيرة تدار من قبل الرب بصورة مباشرة، والخلية هذه لا تفسد الا اذا أذن الله لها ..وهذه الخلية  تنتج واحده مثلها واخرى واخرى وقد تنتهي هذه الخلايا الفاسدة الى الورم الخبيث المسمى بالسرطان، فحتى لو كنت انت لاتعرف ربك ، فأن جسمك وكل خلاياك تعرف ربك. وانت ايضا قد تكون في الحالات العادية محتجبا عن معرفة الرب بسبب اعمالك وغفلتك، ولكنك ايضا تعرف ربك حينما تضطر، حينما تصل الى طريق مسدود، حينها تتساقط الحجب أمامك وتعرف ربك .

القلب الطيب يثمر بالقرآن وأهل البيت(ع)

 إن القلب حين يعرف ربه يكون طيبا، ويكون كما الارض الطيبة التي تستقبل المطر فتخرج نباتها، فيكون القلب مهيئا ومستعدا لتلقي الغيث الإلهي، وهو هنا  يتمثل بالقرآن الكريم وسيرة وكلمات اهل البيت(ع) والنصائح والعبر، كل ذلك يكون له تأثير فيه، اما القلب الخبيث فأنه يصير كقلوب عمر بن سعد واصحابه في كربلاء، لاتنفعهم نصيحة الناصحين، ما نفعهم حتى وجود ونصائح حجة الله الأمام الحسين عليه السلام فكانوا يسدون أذانهم حتى لا يسمعوا، بل وحتى مع سماعهم ايضا قالوا لانفقه ماتقول!؟، هكذا تكون القلوب اذا خبثت.

 كيف يصبح القلب والمجتمع والبلد طيبا؟

اذن نحن نسأل هنا : كيف وماذا نعمل لكي يصبح القلب طيبا، البلد طيبا؟ كيف نصل الى هذا الطيب في أنفسنا وفي مجتمعنا؟. اما بالنسبة الى أنفسنا كأشخاص فالطريق واضح وهو:

اولا: ان تفتح قلبك لمواعظ الرب، تفتح قلبك للقرأن وتتدبر أياته، تقرء الأدعية بتمعن، تسمع الروايات بدراية،هذه هي بداية الطريق الصحيح أمامك ولاطريق اخر غيره، فلاتفتش عن الطرق الملتوية.. صل نفسك بالقرأن، نعم قد نتمنى  ان نكون قرأنيين ولكن مع ذلك نجد بيننا وبين القران حجاب مستور، لإن الأمر ليس بسيطا وسطحيا، بل يجب أن تجاوز ذاتك و أنانيتك و كِبرك، تتجاوز الشيطان الذي يوسوس في الصدور.

فلنتبه ـ مثلا ـ في أي وقت يقرء احدنا القرآن؟ في الغالب والشائع عندما يكون لديك وقت فراغ وليس لديك أي عمل وشاغل !؟، بينما تجعل كل الوقت الصافي والمهم لأمور أخرى!؟’ فقد تجلس ساعات لمشاهدة برنامج او لعبة رياضية وماشابه،او لسماع نشرات خبرية ، ولكن  ليس لديك وقت او رغبة لكي تقرء القرأن!؟ ولاتجعل له قدرا مناسبا وكافيا من افضل اوقاتك للانفتاح عليه وتدبره، وكأن كل ماهو غير القرآن ينفعنا أكثر!؟ وكذا الأمر بالنسبة للأدعية وللصلاة، وكل المواعظ .

أول الغرس.. الطفولة المبكرة

ثانيا:فيما يرتبط بالناس المحيطين بنا، ولاسيما الاطفال في محيط الاسرة اولا، ثم في رياض الاطفال والمدارس الابتدائية، فنحن يجب ان نبدأ بتربية الجيل الناشئ منذ الطفولة المبكرة. تماما كمن يزرع بذرة في بيته فتنبت شجرة صغيرة وتنمو شيئا فشيئا  وتتفرع الى اغصان تكبر وتكبر مع الوقت وكل غصن يميل الى اتجاه فيقوم بتشذيبها، وكما يقول الشاعر: إن الغُصُونَ إِذا قَوَّمْتَها اعتدلْت ** ولا يلينُ إِذا قَوَّمْتَهُ الحطبُ. ويقول أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته للاِمام الحسن عليه السلام : ” وانّما قلب الحدث كالاَرض الخالية ما أُلقي فيها من شيءٍ قبلته ، فبادرتك بالاَدب قبل أن يقسو قلبك ، ويشتغل لبُّك ، لتستقبل بجدِّ رأيكَ من الاَمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته..”

تحصين اجيالنا من الغزو الثقافي

وللأسف فأن مجتمعنا غافل عن وجود تدفق وغزو ثقافي مستمر ومتصل، ثم لايهتم بالطفل بشكل جدي وصحيح، فنحن نعتقد ان مجرد ان نلعب مع الطفل ونطعمه فهذا هو المطلوب فقط، ولا نعمل على تحصينه مبكرا بتربيته تربية قرآنية ، على الكرامة والادب، وتغذية عقله وروحه ايمانيا بقراءة وحفظ القرآن الكريم وكلمات اهل البيت عليهم السلام منذ مراحل الطفولة المبكرة.

 يقول النبي صلى الله عليه وآله :”أدبوا أولادكم على ثلاث خصال، حب نبيكم, وحب أهل بيته, وقراءة القرآن” ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: “علموا صبيانكم من علمنا أهل البيت” ويقول عليه السلام:”وحقُّ الولد على الوالد أن يحسِّن اسمه ، ويحسِّن أدبه ، ويعلمّه القرآن”.

خطورة فصل الدين عن قيمه؟!

علينا ان نهتم جديا بمجال التربية القرإنية ، وحديثي هنا مع العلماء والخطباء والمؤلفين الاسلاميين، فكثير منهم يتحدثون عن كل شيىء تقريبا عن كل شيىء تقريبا ولا يتحدثون عن الله تعالى، عن الدار الاخرة ويوم القيامة،والتقوى والاستقامة،وكأن ديننا منفصل عن قيمه؟!.

هل لغتنا وثقافتنا قرآنية؟

 يجب غبينا ان نربي جيلا قرآنيا إلهيا يخشى الله، وكيف يكون ذلك ونحن نسمع ونرى في بعض المجالس بعض الخطباء حتى وهو يتكلم في مجلس للفاتحة والعزاء على روح متوفي، يتحدث عن كل شيىء ولكته لايتحدث عن الموت والآخرة!؟.

 وهكذا ترى الكثيرين منهم يتحدثون بالسياسة وبالاقتصاد والاجتماع وبكلمات ومصطلحات غريبة بعيدة عن ثقافة ولغة القرآن واهل البيت عليهم السلام.

نحن يجب ان نجعل لغتنا وثقافتنا قرانية، و  لنستفد من في ذلك من أئمتنا عليهم السلام، هذا نهج البلاغة وهذه خطبهم وادعيتهم وكلماتهم ومناظراتهم عليهم السلام، لنتعلم من اسلوبهم و طريقتهم، لنحفظ هذه الكلمات المضيئة ونطرحها للناس.

المناهج التربوية والتعليمية والثقافية يجب ان تتبدل وتُصلَح بشكل جدي، لأنك تجد فيها أن معظم العلوم المختلفة هي علوم تكشف الواقع ولكنها لا تنبني على معرفة الله تعالى، ولاترتبط بالقرآن ولابرب العزة، بل تشير في ذلك الى الطبيعة وكأنها هي الرب سبحانه!.

إذن: التوجه الصحيح، القرأني الإلهي، هو من ينتج لنا الانسان الطيب والمجتمع الطيب وبالتالي البلد الطيب الذي {يخرج نباته بأذن ربه}.

صياغة القوانين ومستقبل العراق

ثم نأتي الى المرحلة التالية وهي مرحلة صياغة القوانين والتشريعات.

وهنا أقول للمسؤولين في العراق وهو على ابواب الانتخابات المقبلة: اولا انتم كقادة ومسؤولين في هذا البلد ، الكثير منكم ممن يعرفهم الناس مصلين صائمين اصحاب توجه والتزام ديني، وكثير منكم انتخبهم الناس بسبب هذه التوجهات فتعالوا وأرسموا خريطة عمل للناس وماهو المطلوب لكي يبنى وينهض هذا البلد.

بين علامات التخلف وأسس التنمية

العراق بلد (نامي)، وهي اساسا ـ وللأسف ـ كلمة مُلَطّفة وجميلة تقال بدلا من كلمة (متخلف) المعيبة والجارحة، فكل علامات البلاد النامية موجودة لدينا، وفي هذا لانأخذ صفرأ بل مئة بالمئة!؟،فكل علامات البلد المتخلف (النامي) موجودة لدينا، في الاقتصاد و السياسة و الاجتماع، ففي كل شيء نحن أما واضعين يد على الاخرى، او نمد هذه للشرق والاخرى للغرب، اعطهم نفطا ــ وهو ثروة الأجيال القادمة ــ  واشتري كل ماتريد، وثم نفتخر اننا نبيع نفطا أكثر من العام الماضي!؟ وهكذا نستمر، بع النفط واستلم  المليارات.

واكثر من ذلك نقول لكم ـ افتراضا ـ اننا لانتكلم هنا عن الفساد الأداري والمالي وكل تلك الأموال التي تبخرت  او التي اهدرت يمنة ويسرة، بل علينا على اقل تقدير بالمال المعلن الذي تتصرفون به اصلا، كيف واين وبماذا صُرف ويُصرف؟! والى متى هذا التخبط والهدر والضياع في اموال الشعب، وفي الفرص؟!

بلد الفرص الكبيرة للتنمية والتطور

 تعالوا فكروا في تنمية البلد تنمية متكاملة شاملة، تنمية الانسان، تنمية الاقتصاد، الزراعة والصناعة والتجارة، التجارة، تنمية صحية وتعليمية، تنمية السياحة الغير الدينية ايضا، وهي مورد هائل لو تم استثماره بشكل جدي وسليم، من اثار ومناطق طبيعية كالاهوار مثلا التي يمكن أن تجذب سياحا  من كل العالم، فهكذا مناطق طبيعية واخرى اثرية كالتي لدينا يمكن ان تكون مفصلا مهما في الاستثمار في قطاع السياحة الذي يدر مليارات الدولارات في العالم، ويتم تطوير هذا القطاع ويتقدم ويصرف عليه في العالم كل عام أكثر من العام الماضي، فما نصيبنا نحن من السياحة العالمية غير الدينية؟.

 لاحل لازماتنا إلاّ بخارطة طريق واضحة

 ايها المسؤولون في العراق : ارسموا خارطة كاملة ومحكمة للتقدم والنهضة، فبذلك لا تحتاجون ولا  أي احد يحتاج الى ان يمد يده على أموال الناس، وينهض الاقتصاد ، و الكل يستفيد وينعم الله تعالى عليه بالرزق الحلال الواسع ويغتني كثيرا، فلا مشكلة في  هذا البلد من حيث الموارد والفرص الكبيرة والكثيرة، وفي هذا قال لي خبير الماني: لا ادري لماذا يوجد في  العراق  محتاجين في حين إنك أينما تضع يدك عله بقعة منه تجد فيها إما نفطا او سواه من المعادن والثروات، او آثاراً؟! فضلا عن كونه واحدا من بين مناطق قليلة في العالم تعد من أفضل المناطق اشراقا شمسيا.

فأين نحن ايها القادة والمسؤولين في العراق من هذه الخطة والخارطة التي طالما ندعوكم اليها منذ سنوات، ولانزال؟!.

برامج العمل هي الميزان لا الشعارات

 ثم ايضا ايها الاخوة:نحن لسنا بحاجة ابدا لهذه العداوات والتناحر بين هذا الحزب وذاك وهذه الشخصية وتلك، ولدخولكم المستمر بين اونة واخرى في مناكفات سياسية عقيمة لاطائل من ورائها سوى الضرر وتأخير بناء ونهوض البلد، نعم قد تقومون بتحالفات انتخابية وسياسية فهذا جيد شرط ان تكون من اجل خدمة المجتمع ،و تطبيق البرامج التي تطرح من هذا الطرف وذاك.

وهنا ايضا نصيحتي للشعب: اذا دعاك شخص او حزب او كتلة لتأييده والتصويت له، وحتى إن كان من ستصوت له انسان جيد،فلابأس، ولكن انتبه ولاتعتمد على الشعارات، وافهم ما هو برنامجه؟ماذا يريد أن يفعل لهذا الشعب ولبلد؟ كيف يريد أن يخلصه من المشاكل الاقتصادية مثلا،او المخاطر الأرهابية؟،فالأرهاب لايزال موجودا  ولا ينتهي بهذه السهولة، وهكذا في سائر الأمور والملفات،فبلدنا بحاجة الى نهضة شاملة وجذرية.

ومن فوائد الديمقراطية او الحرية او هذا الدستور المقر، من فوائدها ـ لو فعّلّناهاـ أن نصلح أخطائنا، فنحن كبشر خطاؤن، لكن لابد أن يكون لدينا دائما مجال لنصلح الخطأ، ونجعل كل دورة انتخابية تصبح أفضل من سابقتها، وتأتي برجال أفضل من السابقين كفاءة واخلاصا، ومعهم برامجهم، وهذه البرامج تتظافر في البرلمان لتصبح برنامجا واضحا وجديا ومتكاملا نافعا وعمليا، فأين نحن من ذلك؟.

فرص الهداية والتقدم متاحة

  أذن: نحن يجب ان نستنير بالآيات الكريمة، فربنا يبين لنا أولا بأنه سبحانه { هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}،وهكذا فرص الهداية موجودة، وفرص التقدم متاحة{حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ}.

قوانين بالية تمنع النمو والإصلاح والتطور

و لكن كيف يكون حالنا اذا كانت ارضنا في تصحر مستمر ومتسع، وهذا الانسان منا او ذاك غير مستعد أن يذهب  لاستصلاح صحراء، قد يكون مستعدا لأخذ عربة دفع ويعمل بها ولكنه لايذهب ليزرع ولو دونما من الارض، وقد يكون معذورا حين يجد مالايحصى من القوانين الجائرة والخاطئة تقف بوجهه وتعرقل قيامه باي اصلاح وعمل منتج مفيد له ولبلده!، ولقد بحت اصواتنا ونحن منذ سنوات نطالب بألغاء او تعديل واصلاح هذه المنظومة من القوانين البالية، فالقوانين يجب ان تصلح وتشجع وتيسر الصناعة والزراعة والتجارة، وغير ذلك من القطاعات، ونحن قد اشرنا في اكثر من مرة ومناسبة الى أن القوانين يجب ان تنسجم  مع الدستور  ومع العصر الذي نحن فيه. واليوم مجددا ادعو الى الثورة الرقمية والحكومة الالكترونية وادعوا الى تعديل وتغيير القوانين، بل وتغيير ثقافة الموظفين ايضا، لتكن ثقافة الخدمة وثقافة العمل من اجل بناء هذا الوطن، فمع أن كثير من الموظفين يقومون بدور متميز و لكن هذا لايكفي، و نحن نريد أكثر من هذا.

ثم يقول ربنا { كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} وهكذا ايضا القلب الميت يحييه سبحانه وتعالى ببصائر كتابه.

{ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا }. اجعلوا بلدكم بلدا طيبا، أين صار ذاك العراق الذي سمي عراقا  لتشابك العروق، وسمي ارض السواد لكثرة النخيل والزراعة فيه؟ هل يفترض بنا أن  نصعد ونتقدم أم ننزل ونتراجع ونتأخر؟!.

 شماعة دائمة لتبرير اوضاعنا السيئة!

صحيح ان النظام الدكتاتوري تسبب بمآسي ودمار للعراق، ولكن ليس مطلوبا ان نجعل ذلك شماعة دائمة لتبرير اوضاعنا اليوم، فذاك الطاغية ونظامه ولى منذ 14 عاما، فاين نحن وماذا عملنا؟ أين الثروة الزراعية مثلا؟،لماذا لاتغير وزارة الزراعة قوانينها وأين البرلمان من ذلك وهو المناط به سن القوانين؟. اين انتم؟ وإن كنتم تتعذرون بكثرة انشغالاتكم او لم يكن لديكم وقتا كافيا او كنتم مصابون بالضجر وفقدان النشاط والحافز، فقم ايها البرلمان وايتها الحكومة بالاستعانة بمستشارين مخلصين كفوئين يعلمون حقا وجديا ويقدمون خططا وقوانين عملية وعصرية ثم تذهب للتطبيق على ارض الواقع.

{ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ }. نسأل الله سبحانه وتعالى ان يجعلنا من الشاكرين ومن الذاكرين وان يجعل هذا البلد طيبا، قلوبنا ونفوسنا طيبة، مجتمعنا طيبا، وعملنا يكون طيبا حتى يكون المستقبل زاهرا للجميع بفضله ومنّه تعالى.