بصائر حسينية: وسيلة الإنتصار في ”الإمتحان الرباني“

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ﴿١٣اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴿١٤ مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ﴿١٥

(سورة الإسراء المباركة)

 

الكلمة اليومية لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الثلاثاء، 14/ صفر/ 1438 هـ ، الموافق 15/ نوفمبر – تشرين الثاني/ 2016 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة بحضور حشد من زائري مرقد الإمام الحسين عليه السلام  بمناسبة زيارة الأربعين.

 

”الحِكمة“ قارب النجاة من ”الفتن“

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّـهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٦٨ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٢٦٩

(سورة البقرة المباركة)

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 14/ جمادى الآخر/ 1437 هـ ، الموافق  24/ آذار – مارس/ 2016 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

 

للمزيد: http://almodarresi.com/ar/archives/6194

 

صدور كتاب عاشوراء مدرسة ومنهاج لسماحة المرجع المُدرّسي

 

صدر حديثا لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرّسي دام ظله كتاب عاشوراء مدرسة ومنهاج، وهو يمثل قراءة معاصرة في الخطاب الحسيني.

ويعطي سماحة المرجع المُدرّسي من خلال الكتاب رؤية رسالية تربط بين واقعنا وبين مبادئ الإمام الحسين عليه السلام، ورؤية نهضوية تنير لنا دروب الحياة لكي نكون حسينيين حقاً، بالايمان والعقيدة، وحسينيين في العمل الصالح والعبادة.
جدير بالذكر ان الكتاب صادر عن ممثلية سماحة المرجع المدرسي في البحرين ويضم 118 صفحة

 

 

 

ثورات ”الربيع العربي“ من أين وإلى أين ؟

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّـهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴿٨٨

(سورة هود المباركة )

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 14/ ربيع الأول/ 1435 هـ ، الموافق 16/ كانون الثاني/ 2014 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

 

للمزيد: http://almodarresi.com/ar/archives/3673

 

ميراث عاشوراء (8) – عوامل نهضة الامة الاسلامية

بسم الله الرحمن الرحیم

فَإِذا لَقيتُمُ الَّذينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَ الَّذينَ قُتِلُوا في‏ سَبيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (4) سَيَهْديهِمْ وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ (5) وَ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (6) يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (7)}[1].

و ورد في زيارة الامام الحسين، عليه السلام،:”السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بَابَ‏ حِكْمَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بَابَ حِطَّةٍ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ مِنَ الْآمِنِينَ) السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا عَيْبَةَ عِلْمِ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَوْضِعَ سِرِّ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ثَارَ اللَّهِ وَ ابْنَ ثَارِهِ وَ الْوِتْرَ الْمَوْتُورَ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَ عَلَى الْأَرْوَاحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنَائِكَ وَ أَنَاخَتْ بِرَحْلِكَ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي وَ نَفْسِي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَقَدْ عَظُمَتِ الْمُصِيبَةُ وَ جَلَّتِ الرَّزِيَّةُ بِكَ عَلَيْنَا وَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَام‏”[2].

هناك تساؤلات تُطرح كلما تجددت علينا مناسبة عاشوراء، منها ما قول القائل: لماذا كان القَدَر أن يرزء الاسلام بمثل مصاب الامام الحسين عليه السلام، الم يكن ريحانةً لرسول الله صلى الله عليه واله؟ اليس هو واحد السبطين، وسيد شباب اهل الجنة؟ فلماذا وقعت عليه هذه الرزية التي لم ولن تشهد الدنيا مثيلاً لها؟

المعروف ان الله سبحانه وتعالى يحب اولياء وينصر عباده، وهذه سنته عزوجل في خلقه، بأن ينصر من ينصره، حيث قال تعالى: { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهاد}[3]، فهل كان مقتل الامام الحسين عليه السلام انتصاراً له؟ وهل كان سحق بدنه السليب بسنابك الخيل كذلك؟ وماذا عن سبي نساءه وذراريه؟

ان الله سبحانه نصر انبياءه واولياء في التاريخ، حيث رفع اليه ادريس عليّاً حينما اراد القوم ان يقتلوه، و صنع لنوح النبي عليه السلام سفينة ركبها مع من آمن بالله، وانجاهم الله بها من الغرق، وانقذ الله خليله ابراهيم من نار ملتهبة فجعلها برداً وسلاماً على ابراهيم، كذلك كانت نصرة الرب لنبيه محمد صلى الله عليه واله في كل المواطن والمواقف، من بدر وحنين وخيبر و..

كيف استُبدلت هذه السنة، بسنة اخرى اقتضت شهادة ابي عبد الله الحسين عليه السلام؟

ويستتبع هذا التساؤل تساؤلاً اخر، لماذا نجد ما تسمى بالحضارات او المدنيات او المجتمعات البشرية، تحيى لفترة وتموت، وتكون لها ادوار، تتمثل في قوس الصعود، وقوس البقاء و قوس النزول.؟

تتوارث هذه الحضارات و المجتمعات اجيال ثلاثة، جيل البناة، ثم جيل الرعاة، وفي النهاية جيل التابعين.

كم من حضارة شيدت وانتشرت وسادت، ثم لم تلبث ان دمرت وبادت، ولم يبق منها الا بعض الاثار الدالة على وجود حضارة بائدة، كانت في زمنٍ مضى.

في قبال هذه المجتمعات مجتمعات اتبعت نهج الله سبحانه، وبنسبة اتباعها للنهج الالهي بقيت واستمرت مسيرتها، فمثلاً بنو اسرائيل الذي تعرضوا لعواصف عاتية كهجمة بخت النصر الذي قتل منهم سبعين الفاً، الا انهم بقوا وصمدوا، وهكذا اصحاب النبي عيسى عليه السلام، الذين تعرضوا لاشد انواع العذاب، كحفر الاعداء الاخاديد لهم والقاءهم في نيرانها.

وكذلك صمد المسلمون امام كل التحديات والزلازل، من حروب داخلية استمرت عقود متطاولة من الزمن، ومن تسلط الحكومات الفاسدة وقهرهم للعباد وتدميرهم للبلاد على طول البلاد الاسلامية وعرضها، ومن مؤامرات خارجية تمثلت في الحروب المختلفة، كالحروب الصليبة، والاعصار التتري، الاعصار الذي هدم العراق ولم يستعيد العراق عافيته منذ ذلك الاجتياح الغاشم، وكذلك المؤامرات الثقافية التي قام بها افراد من داخل الاسلام كابن المقفع وابن ابي العوجاء وغيرهما بغية تدمير الاسلام من الداخل، او المؤامرات الثقافية من شرق العالم وغربة لتدمير الحضارة الاسلامية.

اقول، تعرضت الامة الاسلامية لكل ذلك، ولكنها بقيت صامدة، وزاد انتشارها في العالم يوماً بعد اخر.

فلماذا بقيت هذه الحضارات، وخصوصاً الحضارة الاسلامية ودمّرت تلك ولم يبق منها الا اسماءً وقليلاً من الاثار؟

ان جواب السؤال هذا، هو سر السؤال الاول، بمعنى ان المجتمعات الاسلامية لو كانت مجتمعات رخوة، تعيش على فرش من حرير، لم تكن لتستمر الى يومنا الحاضر، ولم تكن قادرة على الصمود امام ايسر التحديات.

فلو لم تكن تتحمل الامة المصائب والمشاكل، ولم تكن تقدم التضحيات، كان من السهل عليها ان تتخلى عن قيمها ومبادئها، فمن ملك العباد بغير حرب، يهون عليه تسليم البلاد، فحينما يحصل الانسان على الدين بسهولة ويسر، يهون عليه تركه والتخلي عنه.

اما اذا وصل الدين الى المرء عبر رجال افذاذٍ ابطال، ضحّوا من اجل دينهم ومبدئهم، فإن الامة سيصلب عودها ويشتد عمودها، وتبقى مستطيلة على المشاكل والمصاعب.

ومن هنا كان التقدير الالهي في ايجاد ملحمة لكل امة تزود الامة بروح الصبر والتحدي والصمود، فكانت ملحمة كربلاء هي الاعظم في التاريخ لأن الاسلام اراد له الله ان يبقى الى يوم القيامة.

ونشر بعض اتباع بني امية – بعد افتضاح امرهم- فكرةً متمثلة ان الامام الحسين عليه السلام لم يكن اقل من النبي عيسى عليه السلام، وكما رفع الله عيسى اليه، رفع الامام الحسين عليه السلام، ولم يقتل الناس الامامَ في كربلاء.

وفي الواقع ان هذه الفكرة اشيعت للتخلص من اعباء مسؤولية مقتل الامام الحسين وتمييع الناس، والحق ان الامام الحسين عليه السلام، هو الذي استشهد وقتل، كما استشهد ابوه امير المؤمنين عليه السلام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله:”مَا مِنَّا إِلَّا مَقْتُولٌ‏ أَوْ مَسْمُوم‏”[4].

بل ان ابناء الامام الحسين قتّلوا في كل مكان، وجزّروا كما تجزر الاضاحي، وكان الاعداء من بني امية وبين العباس يهدفون ابادة ابناء هذا البيت الطاهر، وقصة حميد بن قحطبة ليست بعيدة على المطلعين، الذي قتل ستين علوياً في ليلة واحدة، وقصص التاريخ شاهدة على ان بغداد بنيت على عظام العلويين من ابناء علي وفاطمة عليهما السلام.

وليست حادثة فخ الا واحدة من حوادث اجرام الحكومات الجائرة ضد اهل البيت عليهم السلام، حيث قتل كل من كان في معسكر الحسين بن علي صاحب فخ، حتى انهم قتلوا السبايا.

كل تلك الحوادث شواهد حيّة، تؤكد استشهاد الامام الحسين عليه السلام، واستشهاد ولده وبنيه، حتى صدع الامام زين العابدين عليه السلام بمقولته التي هزّ بها عروش الظلمة والطغاة في كل التاريخ، حين قال:” أَ بِالْقَتْلِ تُهَدِّدُنِي يَا ابْنَ زِيَادٍ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَتْلَ‏ لَنَا عَادَةٌ وَ كَرَامَتَنَا الشَّهَادَةُ”[5].

إن الحضارات البشرية لا تمتلك افاق معنوية، ولذلك فانها تعتمد على الموارد المادية، واذا انتهت الموارد المادية تنتهي حضارتهم، فحضارة تقام على عين ماء، تنتهي بجفاف ماءها، واذا ما اعتمدت الحضارة على قوة ابناءها من الناحية البدنية، تبيد بانتهاء تلك القوة، وكذلك الحضارة التي تقوم على اساس مجموعة من المعلومات، ينهدم بناءها الحضاري اذا ما انتهت المعلومات، كما حصل في حضارة اثينا حيث اعتمدوا على بعض المعلومات في المجالات المختلفة، فلما تبين خطأ معلوماتهم انهارت حضارتهم.

واقولها صراحة، لا تخدعكم المظاهر البرّاقة في الحضارات الغربية او الشرقية، إنها جميعاً زائلة عن قريب، لأنها لا تعتمد الا على قيم مادية، كالتقنية او النفط او سائر الماديات، انها جميعاً تنتهي، اما المعنويات والروح فهي التي تبقى وتستمر عند الانسان، وبها بقاء الحضارات.

وهذا هو السبب الذي جعل الامة الاسلامية امة مستطيلة على كل التحديات ومستمرة في مسيرتها.

وفي الحقيقة ان الحضارة الاسلامية تتحرك بحركة ابناء مدرسة اهل البيت، حيث يشكل النبي واهل بيته عليهم السلام، الداينمو والمحرّك الاساس لحركة الامة. وهناك الكثير من الشواهد التاريخية والانية على هذه الحقيقة، الا ترى كيف ان اعين الشباب المؤمن في كل العالم الاسلامي ترنوا نحو شباب العراق وايران وسوريا ولبنان وصمودهم امام الاعداء.

وبالاضافة الى ذلك فان الامة الاسلامية تمتلك عناصر القوة الدافعة نحو الصمود، كشعيرة الحج والبيت الحرام، والقرآن الكريم، والملاحم التاريخية.

كيف نستعيد حضارتنا؟

ولكننا لو اردنا ان تتجاوز الامة العقبات المحيطة بها، وتتصدى للاهداف الكبرى التي رسمها الله سبحانه لها، كقوله تعالى: { وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ في‏ سَبيلِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصيرا}[6].

وتعود الامة خير امة، كما قال سبحانه: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُون‏}[7].

و ترجع الامة كما ارادها الله سبحانه وجعلها شاهدة وقائدة على الامم الاخرى، كما قال سبحانه: { وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً }[8].

ومن اجل كل ذلك، لابد ان ننتبه الى عوامل قوتنا وصلابتنا، ونتزود منها، ونزيد منها في انفسنا، ونجعل منها سلاحنا الحاسم. وتتمثل عناصر قوة الامة الاسلامية في القرآن الكريم، والنبي واهل بيته عليهم السلام، حيث يقول ربنا سبحانه: { وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى‏ عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَ فيكُمْ رَسُولُهُ وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقيم‏}[9]، ويقول ربنا بعد اية: { وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَميعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون‏}[10].

اولاً: القرآن الكريم

اما كتاب الله فلا يزال كتاباً حيّا ينير الدرب، وفرقاناً يكشف الحق عن الباطل، وذكراً، ونوراً وضياءا.

ولكنا بحاجة الى المزيد من التعامل مع هذا النور والفرقان، بالمزيد من التدبر في ايات القرآن الكريم، والمزيد من التأويل بالصورة الصحيحة، بمعنى استنطاق القرآن الكريم واخذ الاجوبة الشافية منه لكل مشكلة.

وتطبيق القرآن على ارض الواقع يجعله فرقاناً، اما تركه على الرف لا يجعله كذلك بالنسبة الى حياتنا، كمن يجعل الضياء في منزله ثم يلتمسه وهو يسير في السبل المظلمة.

إن البعض من الناس يملك افكاراً جاهزة، وشهوات عارمة، واهواء متقلبة، ويكتفي بكل ذلك عن سؤال القرآن الكريم والرجوع اليه، ان مثل هذا لن يقدر على التقدم والتطور.

بل المفروض على الامة ان تجعل القرآن ثقافة الجامعات والحوزات، ويكون القرآن ثقافة الامة في الاعلام والتربية والتعليم، وفي سائر آفاق الحياة.

ثانياً: اهل البيت عليهم السلام

اما بالنسبة الى اهل البيت عليهم السلام فاذكر نقاطاً اربع، تشكل خارطة الاستفادة من العترة عليهم السلام في حياتنا، وهي كما يلي:

الف/ حب العترة

لقد اُمرَ ابناء الامة بحب النبي واهل بيته عليه وعليهم السلام، والمفروض ان نزداد حبّاً لهم يوماً بعد يوم، وهو برنامج الهي جعل من اجل اتباعهم، ذلك لأن حب الانسان لاحد يستتبع حبه لفكره وثقافته ومنهجه واخلاقه، ويتناغم مع سلوكياته، وهكذا ورد في الاثر عن أمير المؤمنين عليه السلام:”وَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَحَبَ‏ حَجَراً لَحَشَرَهُ اللَّهُ مَعَه‏..”[11]

وبحمد الله وفضله ومنّه، فانا نملك هذا الحب، ويعود الفضل ايضاً الى ابائنا، وكذلك الى العلماء والخطباء، ولكن لابد ان نزداد حبّاً لهم عليهم السلام.

ب/ معارفهم

علينا ان نعرف معارف النبي واهل بيته عليهم السلام، فبيننا وبين ائمتنا والنبي بحرٌ عميق، لابد ان نسلكه حتى نقترب اليهم.

وهناك تقصيرٌ من قبل العوائل في مجال تعلم معارف اهل البيت عليهم السلام،خصوصاً بالنسبة الى الاطفال، اذ ترى ان الطفل يبدأ حياته على افلام الكارتون ثم يتربى في المدارس الحكومية ومن ثم يدخل الجامعة وبعدها المجتمع، دون ان يكون للطفل اطلاعاً على روايات واحاديث اهل البيت عليهم السلام.

وانا ادعو الهيئات الحسينية ان تجعل حفظ الاحاديث برنامجاً من برامجها الدائمة، حيث يقوم ابناء الهيئة بحفظ حديثٍ من احاديث اهل البيت عليهم السلام كل يوم، فقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله:”مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ‏ حَدِيثاً- يَنْتَفِعُونَ بِهَا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيهاً عَالِماً”[12].

ج/ سيرتهم

إن لمعرفة سيرة النبي واهل بيته عليهم السلام الدور الكبير في اتباعهم والاخذ من سيرتهم، ولم تكتب سيرةُ نبيٍ من الانبياء كما كتبت سيرة نبينا الاكرم صلى الله عليه واله.

وعلى كل واحد من ابناء الامة ان يسئل نفسه، كم يعرف من سيرة النبي والائمة؟ وكم كتاباً قرء في هذا المجال؟ هل هو مطلعٌ على مغازي رسول الله صلى الله عليه واله؟

فلابد لكل مؤمن بأهل البيت عليهم السلام ان يزيد من معرفته بسيرتهم العطرة.

د/ شعائرهم

جاء في الأثر عن امير المؤمنين، عليه السلام، انه قال:”.. إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَاخْتَارَنَا وَ اخْتَارَ لَنَا شِيعَةً يَنْصُرُونَّا وَ يَفْرَحُونَ‏ لِفَرَحِنَا وَ يَحْزَنُونَ لِحُزْنِنَا وَ يَبْذُلُونَ أَمْوَالَهُمْ وَ أَنْفُسَهُمْ فِينَا وَ إِلَيْنَا”[13].

وعن الامام الصادق عليه السلام:”اللهم إن شيعتنا منا خلقوا من فاضل‏ طينتنا و عجنوا بماء ولايتنا”[14].

الموالي لأهل البيت عليهم السلام، يعرف من خلال سيرته في حياته، فيكون يوم حزن الائمة يوماً لحزنه، وكذا فرحه بفرح ائمته عليهم السلام.

إن الشعائر متنوعة ومنتشره في العالم، ولكنها تبقى قليلة بالنسبة الى عظمة اهل البيت ومكانتهم.

ومن هذه الشعائر زيارة مراقد اهل البيت عليهم السلام، وزيارة مراقد كل وليٍ ينتسب الى هذا البيت الطاهر، اذ لا توجد بقعة من البلاد الاسلامية الا ولاهل البيت فيها قتيل وشهيد، وهذه القبور الطاهرة والاضرحة المنورة، امانٌ لاهل تلك المنطقة.

لا تعيروا اهتماماً للسلفية وافكارهم الفاسدة، انها افكارٌ تزول وتنتهي، حتى لو انتشرت في آنٍ من الزمن بسبب اموال البترودولار والغازدولار، اذ لا قيمة لأفكارهم، وستبقى اضرحة اهل البيت وابناءهم شامخة كما كانت دائماً وابداً كذلك.

وفي كربلاء – حيث اتشرف بانتسابي اليها – يفتخر الناس بخدمة زوار الامام الحسين عليه السلام، فيقدمون الغالي والنفيس لاستضافة الزائر، بل يتلهفون لتقديم الخدمة لزائر الامام الحسين عليه السلام، وقد شاهدت الكثير من اهالي كربلاء تنهمر عيونهم دموعاً حين يشاهدون عودة الناس عند انتهاء مواسم الزيارة كالاربعين، حزناً وكمداً على رحيل الزائر.

اننا في كربلاء، نعتبر انفسنا ابناءاً للامام الحسين، ومن واجب الابن ان يقوم بتقديم الخدمة لضيوف ابيه.

وبكلمة ؛ ان شعائر اهل البيت علامة علاقتك بالائمة الطاهرين عليهم السلام، كالمجالس والزيارات والاستماع الى الخطباء والرواديد،(الذين اعتبرهم ناطقين بإسم الامام الحسين عليه السلام، حيث يبينوا للناس ما جرى على الامام واهل بيته واصحابه في كربلاء)، وابداء الحزن والعزاء على الائمة عليهم السلام.


[1] محمد: 4-7

[2] المزار: 143

[3] غافر: 51

[4] كفاية الاثر في النص على الائمة الاثني عشر: ص162

[5] اللهوف على قتلى الطفوف: 162

[6] النساء: 75

[7] ال عمران:110

[8] البقرة: 143

[9] ال عمران: 101

[10] ال عمران: 103

[11] الآمالي: ص 210

[12] صحيفة الامام الرضا عليه السلام: 65

[13] تأويل الايات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: ص 641

[14] بحار الانوار: ج53، ص 303

ميراث عاشوراء (5) – كربلاء ثورة الخلود

بسم الله الرحمن الرحيم

{ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذيرا * وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنيرا * وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبيرا * وَ لا تُطِعِ الْكافِرينَ وَ الْمُنافِقينَ وَ دَعْ أَذاهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكيلا}[1].

وقال سيدنا ابو عبد الله الحسين عليه السلام:”اللَّهُمَ‏ إِنَّكَ‏ تَعْلَمُ‏ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَا كَانَ مِنَّا تَنَافُساً فِي سُلْطَانٍ وَ لَا الْتِمَاساً مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ‏ وَ لَكِنْ لِنُرِيَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ وَ نُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ وَ يَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وَ يُعْمَلَ بِفَرَائِضِكَ وَ سُنَنِكَ وَ أَحْكَامِك‏

ملحمة كربلاء كانت بركاناً تفجر بالخير، ارأيت الزلزال كيف يهز الجبال الراسيات؟ ارأيت السيول المتدفقة التي تعصف بالبلاد والعباد؟ اسمعت بالسونامي حينما تبتلع المدن المحيطة بالبحار؟

ان ملحمة كربلاء اعظم من كل ذلك، ولذلك فهي الحقيقة التي خلدت في التاريخ.

وقد انبأنا الرب سبحانه عبر جبرئيل عبر النبي صلى الله عليه واله، عبر امير المؤمنين، عبر الحسين الشهيد، عبر السيدة زينب، عبر الامام زين العابدين عليه السلام، ان الله سيبعث اقواماً لا تعرفهم جبابرة الارض، ينصبون في هذا الطف – اي كربلاء – علماً يستضيء به اهل العالم، لا يزداد يوماً بعد يوم الا سناءاً وعلواً، وليجتهدن ائمة الكفر على ان يطمسوا اثره، ولكنهم لا يقدرون على ذلك ابداً، حيث قالت السيدة زينب تخاطب ابن اخيها زين العابدين عليهما السلام:”وَ يَنْصِبُونَ لِهَذَا الطَّفِ‏ عَلَماً لِقَبْرِ أَبِيكَ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ لَا يَدْرُسُ أَثَرُهُ وَ لَا يَعْفُو رَسْمُهُ عَلَى كُرُورِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ وَ لَيَجْتَهِدَنَّ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَ أَشْيَاعُ الضَّلَالَةِ فِي مَحْوِهِ وَ تَطْمِيسِهِ فَلَا يَزْدَادُ أَثَرُهُ إِلَّا ظُهُوراً وَ أَمْرُهُ إِلَّا عُلُوّا[2].

لماذا هذا الخلود لكربلاء؟

لماذا يكتب الرب على ساق العرش، انه – اي الحسين عليه السلام – مصباح هدىً وسفينة نجاة؟ العرش الذي يهيمن على مليارات العوالم والكواكب؟ حيث اخبر النبي صلى الله عليه واله، ابنه الحسين وهو صغير بأن اسمه مكتوب على ساق العرش بهذه الصفات، فعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ:”دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه واله وَ عِنْدَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله: مَرْحَباً بِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَا زَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ .

قَالَ لَهُ أُبَيُّ وَ كَيْفَ يَكُونُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ أَحَدٌ غَيْرُكَ؟

فَقَالَ يَا أُبَيُّ وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً إِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ فِي السَّمَاءِ أَكْبَرُ مِنْهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمَكْتُوبٌ عَنْ يَمِينِ عَرْشِ‏ اللَّهِ مِصْبَاحُ‏ هُدًى‏ وَ سَفِينَةُ نَجَاة…”[3].

ما هو سر الخلود في هذه الملحمة، التي هي واحدة من ملايين الملاحم التي جرت على مر التاريخ؟

في الاجابة على هذه الاسئلة نقول:

ان الشيء الوحيد المستمر، والذي لا يتغير ابداً، هو الله سبحانه وتعالى، وما يتصل به عزوجل الذي يسمى بـ (وجه الله) هو الاخر مستمر وباقٍ، فكل شيء فانٍ الا وجهه سبحانه وتعالى.

ومن وجه الله ؛ سننه الراسخة في خلقه، فلله في خلقه سنن، ولا تتغير هذه السنن لاتصالها باسماء الله الحسنى الثابتة. فكما ان اسماءه الحسنى ثابتة ولا تتغير، كذلك فان سننه خالدة ولا تتبدل، ومن هنا فان كل عمل يعمله البشر، اذا اتصل بهذه السنن سيكون ميموناً مباركاً وباقياً.

وهكذا ؛ فان نهضة الامام الحسين، عليه السلام، كانت نهضة مباركة لاتصالها بسنن الرب، بل كانت الثورة محظ الايمان الخالص، والاسلام النقي، فلم تشذ حركة الامام عليه السلام عن سنن الرب قيد انملة.

لم اجد، ولن يجد من يبحث في سيرة الامام وثورته نقطة فراغ واحدة، او انحرافٍ مهما صغر، او حيداً مهما ضئل عن الصراط المستقيم. فلقد كانت نهضة الامام الحسين عليه السلام، نهضة الهية، فخلدت، وخلد كل ما اتصل بها.

هذا هو السبب الرئيس في خلود ثورة ابي عبد الله الحسين عليه السلام، اما الاسباب الاخرى فهي ليست سوى تجليات لهذه السنن.

لتوضيح ذلك نقول: ان سنن الله سبحانه شتّى، لاتصال كل سنة بإسم من اسماءه الحسنى، وبذلك فان كل سنة من سنن الرب ترتبط بجانب من جوانب الحياة، فبعضها يرتبط بالعقل، وبعضها بالعاطفة، وبعضها بالمجتمع و هكذا..

وجميع تلك السنن المختلفة اجتمعت في ملحمة الطف بلا نقصان، ومعرفتنا العميقة بقضية الامام الحسين عليه السلام، وبسنن الرب في الخلق، تسمح لنا بمعرفة سر بقاء تلك الثورة وانتشارها في الافاق، وتعاليها على سائر الحركات، وكذلك سنعرف مسؤوليتنا تجاه هذه الثورة.

ثورة عاطفية

كانت ثورة الامام الحسين ثورة عاطفية تفجرت في كل مكان في العالم، تحرك عواطف الناس بمختلف مذاهبهم ومعتقداتهم.

ففي الامس كان يوم الرضيع العالمي، الذي انطلق قبل سنوات، واحتفى به الملايين في كل اصقاع العالم، ويزداد انتشاراً عاماً بعد عام في كل مكان.

وقد كتبت جريدة المانية عن هذه الفعالية في السنوات الماضية، ان هذا المشروع امر جديد اتخذه ابناء مدرسة اهل البيت للتعبير عن مظلوميتهم، وسوف يغيرون العالم بقضية الرضيع في كربلاء، اذ لا يوجد شيء اكثر اثارة للعاطفة الانسانية كالطفولة البريئة.

ولقد كان الجانب العاطفي محسوباً في مخطط الامام الحسين عليه السلام منذ ان اراد الخروج من مكة المكرمة، حين اختلى بأخيه محمد ابن الحنفية، فسأله الاخير عن سبب خروج الامام الى العراق وقد علم منهم الغدر والخيانة لأبيه و من بعده اخيه الامام الحسن عليه السلام؟

فقال له عليه السلام: أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله، بَعْدَ مَا فَارَقْتُكَ فَقَالَ يَا حُسَيْنُ اخْرُجْ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَاكَ قَتِيلًا .

فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ فَمَا مَعْنَى حَمْلِكَ هَؤُلَاءِ النِّسَاءَ مَعَكَ وَ أَنْتَ تَخْرُجُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَالِ؟

 قَالَ فَقَالَ لِي صلى الله عليه واله إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ مَضَى”[4].

وهكذا كانت القضية قد خططت من ذي قبل بتخطيط رسول الله صلى الله عليه واله .

لقد قام اعداء الايمان بتقطيع جسد الامام الحسين عليه السلام، وحملوا رأسه فطافوا به البلاد طولاً وعرضاً، فهناك اكثر من موقع يسمى بمسجد رأس الحسين، عليه السلام، بدءاً من النجف الاشرف، ومروراً بموصل وحلب ولبنان والشام وفلسطين، وانتهاءاً بمصر.

لماذا طاف هؤلاء الارجاس برأس الامام هذه المدن المتباعدة؟ الم يكن يكفهم قتله وسبي نساءه؟

اراد هؤلاء – حسب زعمهم – ان يعلنوا للعالم انهم قد انتصروا، ولكن كان فعلهم انتصاراً للامام عليه السلام من حيث لا يشعرون، فكان فعلهم سبباً في انتشار رسالة الامام وظلامته في كل مكان في العالم الاسلامي، وهكذا فلابد للنور ان يضيء العالم.

وقد ذكرت سابقاً ان رأس ابي عبد الله الحسين عليه السلام، قد تلى القرآن في اكثر من ثلاثين موضع، ليكون عبرة وعبرة.

انها ثورة عاطفية بكل جوانبها، قصة الرضيع، وسيرة زينب، و السيدة رقية، و السبايا، و.. كلها مآسي تثير كل عاطفة في العالم، مهما كان دين ومذهب المتلقي.

ثورة ربانية

من جانب اخر، كانت الثورة ثورةً الهية ميمونة، تحمل الى الناس الفكر والمعرفة و العلم، فكل خطب واحاديث الامام الحسين عليه السلام منذ خروجه من المدينة وحتى استشهاده في اليوم العاشر من محرم الحرام، كانت زاخرة بالعلم والمعرفة وبيان للعقائد وتثبيت للشرائع والاحكام.

وكذلك كانت خطب السيدة زينب والامام زين العابدين عليهما السلام، خطباً ملئى بذكر الله سبحانه وتذكير الناس بالدين الاسلامي وركائزه.

وشواهد هذا الامر كثيرة في هذه الثورة المباركة، ففي ليلة العاشر من محرم طلب الامام الحسين من الاعداء ان يمهلوهم سواد تلك الليلة، ليتزودوا بقراءة القرآن والتعبد لله عزوجل، وبالفعل اشتغل كل من كان في معسكر الامام عليه السلام، بالتبتل والعبادة، حتى كان يسمع منهم دويٌ كدوي النحل.

وفي اليوم الحادي عشر من شهر المحرم، حيث اركبوا السبايا على النياق، لم يكن بمقدور الامام زين العابدين عليه السلام ان يستمسك على الناقة، لشدة مرضه، فشدوا الامام بالناقة بسلاسل من حديد .. فراح الامام يبكي بكاءاً مرّاً . فلما شمت به بعض الاعداء، فذكر له الامام ان سبب بكاءه هو تذكره سلاسل نار جهنم التي ذرعها سبعون ذراعاً.

وقد سأل يزيد، لعنه الله، قائد ركب السبايا من الكوفة الى الشام عن السبايا، فقال كانت فيهم خصلتان اعجبتني، الاولى: اطاعتهم التامة والمطلقة للسيدة زينب سلام الله عليها، رغم شدة المحن، وصعوبة الاسر.

الثانية: عدم سماعه كلمة فحش منهم ابداً.

فعجب يزيد من ذلك، وتمنى ان كان هو اسيراً بيدهم.

نعم، كانت الثورة الحسينية تحمل جميع القيم السامية، فكان جميع اصحابها في قمة القمم، في الاخلاق، والصبر والتعبد و .. وتلك كلمة السيد زينب بقيت مدوية في التاريخ حيث تقول للشامت:”ما رأيت الا جميلا”[5]. انها كلمة ان وزنت بكل العالم لزانته.

ولم تترك السيدة زينب عبادتها لله سبحانه وتعالى، حتى النوافل، اذ صلّت صلاة الليل في ليلة الحادي عشر من شهر محرم، ولكن من جلوس لعدم استطاعتها الوقوف في الصلاة بسبب المآسي.

كل ذلك دليل على ان الثورة كانت الهية بكل معنى الكلمة.

ثورة دينية

لم تكن ثورة الامام الحسين ثورة عنصرية او حزبية، او ثورة ذات اهداف ضيقة، كالبحث عن السلطة والحكومة، بل كانت ثورة تهدف ترسيخ الدين، فقد قال سيد الشهداء عليه السلام: اللَّهُمَ‏ إِنَّكَ‏ تَعْلَمُ‏ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَا كَانَ مِنَّا تَنَافُساً فِي سُلْطَانٍ وَ لَا الْتِمَاساً مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ‏“.

فقد وجه الامام كلامه لربه، لأن الناس لم يكونوا يصدقونه، ولكن الله كان يعلم نية سيد الشهداء عليه السلام.

فلم يكن يبحث عن حطام الدنيا، او تسلط على الامة، بل كان من اجل بلورة معالم الدين، التي ضاعت بسبب شهوات السلطات الظالمة.

فكانت اهداف حركة الامام الحسين عليه السلام، كاهداف جده النبي صلى الله عليه واله التي قال عنها الرب: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذيرا * وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنيرا}، اهدافه ذات افق واسع وامد بعيد، وهكذا كتبت لهذه الثورة الخلود كما كتبت لرسالة النبي صلى الله عليه واله بالبقاء الى يوم الدين.

مسؤوليتنا ازاء الثورة الحسينية

من رحمة الله سبحانه علينا، ان جعل لنا الفرصة لنكون من المساهمين في تخليد حركة الامام الحسين عليه السلام، ولنكون من المساهمين في هذا الامر فقد أُمرنا بالبكاء على قضية سيد الشهداء، لأن قيام الامام، كان قياماً عاطفياً، ولابد له ان يستمر، والدموع الجارية هي التي تسقيه وتضمن استمراره.

هناك رأي للبعض يقول فيه ان الامام الحسين شهيد العِبرة، دون العَبرة، وهذا الكلام غير صائب، اذ ان ثورة الامام تحمل الجانبين، ولا يقل جانب منهما على الاخر . وقد غفل هؤلاء عن قول الامام المعصوم في زيارة جده المظلوم:” السَّلامُ عَلَيْكَ يا صَرِيعَ الْعَبْرَةِ السَّاكِبَة ..”، اذ ان العِبرة في القلب، ولا تسكب، بل العَبرة هي التي تسكب.

ومن هنا يقول الامام الرضا عليه السلام:”يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ‏ كُنْتَ‏ بَاكِياً لِشَيْ‏ءٍ فَابْكِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام فَإِنَّهُ ذُبِحَ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْش‏”[6] . معنى ذلك، ان كان هناك شيء يستحق البكاء عليه فهو الحسين عليه السلام.

ثم قال عليه السلام:”يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ بَكَيْتَ عَلَى الْحُسَيْنِ عليه السلام حَتَّى تَصِيرَ دُمُوعُكَ عَلَى خَدَّيْكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ كُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتَهُ صَغِيراً كَانَ أَوْ كَبِيراً قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرا”[7].

إن مسيرة البكاء على سيد الشهداء دشنها اهل البيت عليهم السلام، قبل ان يقتل الامام عليه السلام، وقد اصر الائمة عليهم السلام على هذه القضية، فكان ذلك سبباً في بقاء قضية البكاء على سيد الشهداء عليه السلام.

ذلك لأن الباكي على سيد الشهداء ينقي قلبه من الادران، ويتخلص من الاغلال، وبذلك تتنزل عليه الرحمة الالهية.

وكما البكاء على سيد الشهداء، كذلك سائر الشعائر كزيارة الامام الحسين او المشيء الى زيارته، فقد قال الامام الرضا عليه السلام:”يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا ذَنْبَ عَلَيْكَ فَزُرِ الْحُسَيْنَ عليه السلام”[8] . و مثل هذا النص عشرات بل مئات النصوص التي تؤكد على ثواب وعظمة زيارة الامام الحسين عليه السلام، كقول الامام الصادق عليه السلام”مَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ مُحْتَسِباً لَا أَشَراً وَ لَا بَطَراً وَ لَا رِيَاءً وَ لَا سُمْعَةً مُحِّصَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا يُمَحَّصُ الثَّوْبُ بِالْمَاءِ فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ دَنَسٌ وَ يُكْتَبُ لَهُ بِكُلِ‏ خُطْوَةٍ حِجَّةٌ وَ كُلِّ مَا رَفَعَ قَدَماً عُمْرَةٌ”[9].

إن احاديث الائمة عليهم افضل الصلاة والسلام كثيرة، في المجالات المختلفة، ولكن تختلف نبرة حديثهم حين يكون عن قضية الامام الحسين عليه السلام، ذلك لأن قضية الامام الحسين قضية محورية عند اهل البيت عليهم السلام.

وهكذا فان مسؤوليتنا تتمثل اولاً: في الحفاظ على هذه الشعائر والتأكيد عليها والاستمرار عليها في كل مكان وزمان.

و ثانياً: يجب ان نساهم في نشر هذه الثورة العظيمة في كل مكان في العالم، فلا تختص قضية الامام الحسين باناس دون اخرين، بل هي ترتبط بكل العالم، ولابد من ايصالها الى جميع الناس في العالم.

فمن حق الف مليون صيني، ومثله في العدد من الهنود، وملايين الافارقة، ومثلهم في امريكا اللاتينية، ان يستنيروا بنور ابي عبد الله الحسين ويتعرفوا على نهضته المباركة.

ومسؤوليتنا في ايصال هذا النور الى كل انسان في العالم، ويمكن القيام بذلك عبر الامور التالية:

1-  اظهار الجوانب الانسانية في ثورة الامام الحسين عليه السلام، كقبوله توبة الحر بعد ان جعجع به وبعياله، و تعامله المتساوي بين ابنه علي الاكبر وذلك العبد (جون) الذي لم يكن له نسب ولا حسب و…

2-     بيان اهتمام الامام الحسين وقضيته بجانب المرأة، التي ظلمها اهل العالم واكرمها الاسلام ورفع شأنها الامام الحسين عليه السلام.

لقد حملت السيدة زينب راية ثورة ابي عبد الله عليه السلام بعد استشهاده، بل كانت هي ولية الامر للمسلمين جميعاً فترة من الزمن بسبب مرض الامام زين العابدين عليه السلام، وهذا اعظم مقام يمكن لاحد ان يصل اليها، وقد وصلت اليه امرأة، في ثورة ابي عبد الله الحسين.

3-  بيان جوانب الايثار في قضية الامام الحسين، كيف ان الامام اثر اعداءه وسقاهم الماء، وكيف ان اصحاب الامام الحسين عليه السلام كانوا يؤثرون على انفسهم في احلك الظروف.

4-   بيان جانب السلم الذي دعا اليه الامام الحسين عليه السلام وعمل من اجله، اذ كان بمقدور الامام ان يقاتل جيش الحر قبل وصول اعداءه، والقضاء عليهم ثم فتح الكوفة، ولكن الامام عليه السلام كان يكره ان يبدأ القوم بالقتال، وحتى يوم عاشوراء لم يأذن الامام لاصحابه بالقتال الا بعد ان جاءتهم رشق السهام كالمطر، فقال عليه السلام:” ُ هِيَ رُسُلُ‏ الْقَوْمِ‏ إِلَيْكُمْ‏ فَقُومُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى الْمَوْتِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْه‏”[10].

5-   الاهتمام بالطفولة، وبيان مظلومية اطفال كربلاء، وكذا ذكر جانب مظلومية الاسرى وقضية الاسير.



[1] الاحزاب: 44- 48

[2] كامل الزيارات: ص 262

[3] بحار الانوار: ج91،ص 184

[4] بحار الانوار: ج44، ص 164

[5] اللهوف على قتلى الطفوف: ص 160

[6] الامالي (للصدوق): ص 130

[7] المصدر.

[8] المصدر.

[9] كامل الزيارات: ص 144

[10] مناقب ال ابي طالب: ج4،ص 100

الحكومات الطاغية لا تتناسب مع ”توحيد الله“

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٤٥وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٤٦ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ ۚ وَاللَّـهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿٤٧

(سورة الأنفال المباركة)

.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 18/ جمادى الأول/ 1432 هـ ، الموافق 21/ نيسان – أبريل/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

”عواصف التغيير“ في البلاد العربية امتداد لرسالة الحسين (ع)

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴿٨٣﴾ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴿٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴿٨٥ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴿٨٦ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا ﴿٨٧ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴿٨٨

(سورة الكهف المباركة)

عواصف التغيير في البلاد العربية امتداد لرسالة الحسين (عليه السلام) ضد الطغيان والانحراف

ودعنا شعيرة زيارة الأربعين في كربلاء المقدسة، وقد كانت تظاهرة ايمانية كبيرة لعلها الأعظم بعد مراسيم الحج، والتي تجلّت في تقاطر الملايين الى ارض الطف لتجديد الميثاق والعهد مع ربهم ومع أئمتهم لكي يبقوا على صلة وثيقة بالدين ومبادئه وقيمه. واليوم لابد ان نستمد من هذه الشعيرة الالهية بصيرة لكي نعرف ماذا يجري حولنا وماهي البرامج الصحيحة للتعامل مع الاحداث المتسارعة في مختلف البلاد الاسلامية.

درس في التغيير الجماهيري
إن رسالة الامام الحسين عليه السلام هي رسالة الاصلاح والتغيير والبناء الانساني، وهذا ما دفع ليس فقط الملايين من ابناء الشعب العراقي لشدّ الرحال الى كربلاء المقدسة وفي ظل المناخ الشتوي الصعب، إنما وجدنا هذا العام زيادة كبيرة جداً في اعداد الزائرين من شتا بلاد العالم، وحسب الاحصائيات المتوفرة، فان حوالي 300 ألف زائر وصل كربلاء من خارج العراق لزيارة الامام الحسين في أربعينيته، وهذا يؤكد للعالم يوماً بعد آخر الطابع المميز والخاص لقضية الامام الحسين وهي (الرسالية)، حيث تُحيى الاجيال قضيته منذ استشهاده عليه السلام والى يوم القيامة، ولم نشهد أن فترة معينة أو حقبة غاب ذكر الحسين عليه السلام من شعب ما او مجتمع ما طوال القرون الماضية رغم تقلب الظروف وتغير الاحداث.
إن درس عاشوراء يتجلّى اليوم في الاحداث المتلاحقة والمتسارعة في البلاد العربية، حيث نشهد تتابع الانتفاضات الجماهيرية العارمة وهي تطيح برؤوس الحكم، وكانت البداية من تونس الخضراء التي انطلقت الشرارة من المطالبة بالاصلاح والتغيير وما تزال المطالبة قائمة، وبموازاة الاحداث في تونس اندلعت الانتفاضة الجماهيرية في مصر، كما برزت مظاهر احتجاج في الجزائر والاردن وبلاد اخرى.

لنأت بمثال لتقريب الفكرة؛ عندما اندلعت الثورة الفرنسية المعروفة سنة 1789 وأطاحت بالنظام الارستقراطي الذي كان يمثله الملك لويس التاسع عشر و زوجته المستأثرة (أنطوانيت)، حصلت هنالك أحداث دامية، حيث لم تتوقف (المقاصل) عن قطع رؤوس رموز النظام السابق، ثم مرت على فرنسا فترة من الحكم الفردي الجديد تمثل بظهور حاكم يدعى (نابليون) الذي عُرف بمغامراته العسكرية وحروبه في اوربا وغزواته للبلاد العربية والاسلامية. لكن في تلك المرحلة من تاريخ فرنسا كانت هناك وعلى مقربة منها دولة اخرى وهي بريطانيا تنعم بهدوء نسبي، لانهم كانوا يراقبون الاحداث التي تجري في فرنسا ويحاولون ان يعرفوا الرسائل الخفية لتلك الاحداث ويلتقطونها ويستفيدون منها لبلادهم، فاذا كانت هناك حر كة عمالية، يحاولون منح العمال في بلدهم المزيد من الحقوق، او اذا كانت هنالك حركة طلابية يمنحون الطلاب المزيد من الحقوق، وبذلك كانوا يسقون الاحداث دائماً. تقول الحكمة المعروفة: (السعيد من انتفع بتجارب غيره).

وفي كل الاحوال يبقى الانسان باحثاً عن الكرامة ولا يسمح بأي حال من الاحوال أن تهان كرامته حتى ولو بعد حين، وما نشهده عبر وسائل الاعلام من نزول الجماهير بالآلاف الى الشوارع وهم يهتفون بوجه السلطات الحاكمة، يعد تعبيراً صارخاً لما يعيشه الانسان هنالك من إهانة وتجاوز على الكرامة، وتتمثل هذه الكرامة في الحرية وفي الغذاء وفي السكن وفي أمور أخرى تتعلق بشخصية الانسان، ومعروف أن الخبز والعمل معيلتان للكرامة وليس لشيء آخر لان الله تعالى خلق الانسان كريما، يقول تعالى: “ولقد كرمنا بني ادم”، وهذه الكرامة جزء لا يتجزأ من وجود الانسان فلا يمكن للانسان ان يتجاهل كرامته وربما يصبر ليوم او يومين ولفترة قصيرة على سحق كرامته ولكن ليس الى الابد.

الحسين .. رمز الكرامة

ربما يكون مقدراً تزامن اندلاع شرارة الغضب الجماهيري في البلاد العربية مع زيارة الأربعين، ففي تونس أقدم مواطن من الشريحة الفقيرة بإشعال النار بجسده وسط الشارع وأمام أنظار المارة والعالم أجمع ليعلن احتجاجه بهذا الشكل المروع على منعه من التكسّب مع بقية الباعة على الرصيف، علماً ان هذا العلم مرفوض ومحرم من الناحية الشرعية، كما انه غير مقبول من الناحية العقلية والمنطقية، فربما كان بامكان هذا المواطن او غيره مواجهة قوات الشرطة والموت شهيداً على ان يقتل هو نفسه بيده، لكن يبدو تأزم الاوضاع النفسية بلغ حداً ان لا يجد الانسان العربي مخرجاً لاعلان رفضه والانتصار لكرامته سوى هذه الطريقة المروعة.

في مقابل هذه الصورة، عندنا صورة أخرى للانتصار للكرامة الانسانية تمثلت في قوافل السائرين على الاقدام أيام زيارة الاربعين، ربما يكون بين الجموع التي جاءت الى كربلاء من يعيش أزمة مالية أو يشكون من البطالة أو يشكو انقطاع الكهرباء او الماء، لكن لم نسمع شخصاً تحدث عن مشكلة شخصية لديه خلال هذه الزيارة، انما اتفقت كلمة الجميع على إحياء مبادئ النهضة الحسينية وهي مقارعة الظلم ومحاربة الظالم والانتصار للمظلوم، لذا نجد ان أبرز صفة للامام الحسين (ع) هي (يا حسين المظلوم)، ثم نعبّر عن هذه الظلامة في مسألة العطش او القتل والتمثيل والسلب والسبي وغير ذلك من مفردات الظلم والعدوان والتجاوز على الكرامة والحرمات. فالزائرون يوم الاربعين بحثوا عن الكرامة والحرية من خلال المبادئ والقيم التي انتصر لها الامام الحسين عليه السلام، ومن خلال هذه الزيارة وجّهت جماهيرنا ومن كربلاء المقدسة رسالة الامام الحسين عليه السلام الى العالم، ومفادها؛ ان من حق الانسان أن يكون حراً كريماً. ولذا نجد الهاجس الكبير الذي أقضّ مضاجع الحكام في التاريخ الماضي والمعاصر هو اسم (الحسين) وإحياء قضيته العادلة، فهي بحد ذاتها صرخة مدوية بوجه كل مستأثر بالسلطة وبمال المسلمين وكل طاغية منحرف،

من هنا على من يهمه الامر من حاكم او مفكر او اعلامي او عالم دين ان يرهفوا اسماعهم لنداء الكرامة، ويتجنبوا التجاوز على الكرامة الانسانية. ولنا من القرآن الكريم بصائر لهذه الفكرة في قصة (ذي القرنين)، وقد كان ملكاً عادلاً وصالحاً، و ضرب الله تعالى به المثل في القدرة والامكانية الهائلة، لكن القدرة التي اعطاها الله تعالى إياه لم يستخدمها في التسلط والاستئثار بالحكم، ولم تكن بالنسبة له هدفاً إنما وسيلة، لذا يأتي الخطاب الإلهي صريحاً حينما فوض الله الامر اليه: “أما من ظلم فسوف نعذبه” يعني من ظلم فسوف يكون له جزائان؛ جزاء في الدنيا وجزاء في الاخرة.

العدالة وليس شراء الذمم

نريد لبلادنا الاسلامية في كل مكان الاستقرار والتقدم و السلم الاهلي والاجتماعي، ونريد ان تعيش الشعوب الاسلامية في رفاهية ونعيم وهذا ليس من قبيل التمني والحلم، إنما هو ممكن جداً نظراً لما تمتلكه البلاد من الاسلامية من ثروات وقدرات هائلة يحسدها عليه الكثير من بلاد العالم، لكن مشكلتنا في حكامنا الذين يفكرون بكل شيء سوى بحقوق شعوبهم، إنهم يفكرون في تكريس سلطتهم ونفوذهم من خلال استخدام الاموال لشراء الضمائر وافساد الرأي العام عبر المرتزقة والمتزلفين، هذا النمط من الحكام لا يفهمون طبيعة حركة الشعوب، لذا نجدهم يصطدمون باليوم الذي تُنتزع صورهم من أعلى الجدران وتداس بالأحذية كما حصل مع صدام في العراق وابن علي في تونس و… ربما القائمة متواصلة.
ينقل ان آخر حاكم في الاندلس قرر الهرب بعد اشتد الحصار عليه، فقالت له أمه وهي تنظر الى اطنان الذهب التي جمعها: (لو كنت أنفقت نصف هذه الاموال على بلدك لكان الناس يدافعون عنك). من هنا فان الحكمة والعقل يقتضيان انفاق المال على حاجات الناس وحل أزماتهم من سكن وفرص عمل و خدمات عامة، من قبيل الطرق والمواصلات والصحة والتعليم وغيرها، وفي غير هذه الحالة فان المصير لن يكون بافضل مما حصل في تونس او العراق.

إن ما قام به الطاغية صدام وعائلته وافراد عشيرته والمقربون منه تكرر في تونس وهو موجود في سائر البلاد العربية والاسلامية لكن تحت جنح الظلام ولم تسلط عليه الاضواء بعد، فاين الاعتبار والعضة…؟ لقد تصور الكثير ان ما حصل في العراق لن يحصل في أي مكان آخر، لكن الايام أثبتت بعد هذا التصور عن الواقع، فاليوم يلاحق الشعب التونسي رئيسه المخلوع و زوجته لما سرقوه من أمواله، ومما يذكر في وسائل الاعلام فان زوجة الرئيس التونسي كانت تحاول سرقة 1500 كيلوغرام من الذهب بطائرة خاصة، قبل ان يضع الشعب التونسي يده على هذه الثروة المهدورة.

رسالة الى من يهمه الأمر

حينما هتف الامام الحسين عليه السلام عالياً بانه (انما خرجت لطلب الاصلاح…)، تحقق هذا المطلب للامام عليه السلام، لذا نجد الراية التي حملها الامام الحسين لا تزال عالية خفّاقة، ولا تزال منصورة والذين لا يفهمون هذه الحقيقة هم الخاسرون، فأي شعب من الشعوب ينتصر اذا رفع راية الامام الحسين، وهذا هو الشعب العراقي، سجل ملاحم بطولية في عهد النظام البائد عندما كان يصر على الزيارة في مسيرات ر اجلة الى كربلاء من بين البراري والقفار ويتعرضون لملاحقة رجال السلطة ممن كانوا يسمونهم بـ(الامن)، فمن المنتصر اليوم؟!
بعد الانتصار الكبير الذي اوصلته هذه المسيرة العظيمة برسالتها الحضارية الى العالم، فانها اليوم تبعث برسائل جديدة الى المسؤولين في العراق، فهم يتعاملون اليوم مع شعب متميّز ومثابر، ينشد الكرامة ويرفض الظلم، وهو يتصف بالتجلّد وأيضاً بسعة الصدر، ولا ينتفض بسرعة، لكن اذا حصل ان انتفض فمن الصعب السيطرة عليه، الأمر الذي يتوجب على المعنيين تحقيق مطاليبه وخدمته بالشكل المطلوب، وليكون ذلك مواكباً لما يقدمونه خلال الشعائر الحسينية وايام الزيارة في كربلاء المقدسة، من توفير المستلزمات والخدمات، لكن في نفس الوقت عليهم ان يستمعوا الى أنين هذا الشعب وأن يقرأوا ما بين السطور لا أن ينشغلوا بالمنافسة على المناصب والامتيازات، وهذا بحاجة الى أذن واعية.

واليوم فان على جميع الحكام والمسؤولين في سائر البلاد الاسلامية الارتفاع الى مستوى جماهيرنا… هذه الجماهير التي كانت في العراق ترفع راية الامام الحسين عليه السلام خفاقة وتعتمد بعد الله على نفسها دون ان تعتمد على أي شيء آخر، يحق لنا ان نصغي لها، فقد غادر العراق بعد مراسيم زيارة الاربعين حوالي 300 الف زائر من دون أن يشعر بهم أحد من العراقيين، او يشعر بوجود فرق بينه وبين الزائر اللبناني او الايراني او البحراني او الهندي او التركي او حتى القادمين من بلاد الغرب. كانوا يتجولون في شوارع وأزقة كربلاء المقدسة كما لو أنها مدينتهم علماً أنها وجميع المشاهد المقدسة في العراق ملك المسلمين جميعاً، فهؤلاء عليهم أن يحملوا رسالة ايضاً الى بلادهم. ربما نقلت بعض الفضائيات صوراً من مراسيم الزيارة، وبثت الهتافات والشعارات المنطلقة من حناجر المسلمين الموالين من مختلف بقاع العالم، لكنها لم تنقل الروح التي حملها الزائرون.

من هنا اذا عرف العالم قيمة الشعائر الحسينية وقيمة هذه المسيرات الراجلة وهذه الشعارات التي ترفع هنا وهناك، فانه سيتحرر من الظلم والديكتاتورية. إن الشعار المدوّي والمعروف (لبيك يا حسين). ليست كلمة بسيطة يطلقها الشعب العراقي بعد كل هجوم ارهابي، انه يهتف بهذا الشعار في ساحة الانفجارات وهو يحمل جثامين الشهداء المقطعة بفعل جريمة الانفجار بسيارة مفخخة او حزام ناسف، وهذا بمعنى ان الشعب يقول: بتوفيق الله ترفعنا على الدنيا وما فيها، ولا تخيفنا هذه الانفجارات والاستفزازات الرخيصة. هذا التحدي والصمود والصرخة المدوية بوجه الظلم والطغيان لابد ان يؤتي ثماره، كما حصل في تونس ويحصل في مصر وسائر البلاد الاسلامية، فهذا هو طريق الامام الحسين عليه السلام، إذن، كل صوت يطالب بالحق لابد وأن ينتصر.

إن طريق الامام الحسين هو طريق التضحية من اجل حياة الاخرين وسعادتهم، وابرز هتاف له عليه السلام، (هيهات منا الذلة). هذه الكلمة لا تزال تدوي ليس في اجواء كربلاء المقدسة وانما في اجواء البلاد الاسلامية كافة. هذه الرسالة شاؤوا أم أبوا سوف تنتشر في العالم ان شاء الله، وكل سنة نشهد ازدياد اعداد الزائرين من كل مكان، وهي يحملون رسالة التغيير والاصلاح ويجب ان ينتبه المسؤولون في كل مكان لهذه الرسالة و يدرسونها بدقة متناهية، وإلا فان العاصفة العظمى التي انطلقت من كربلاء المقدسة ستمحوهم من الوجود.

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 23/ صفر الخير/ 1432 هـ ، الموافق 27/ كانون الثاني – يناير/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.