تفسير سورة النبأ المباركة _الدرس السادس

عطاء الله

تدبر في القران الكريم في سورة النبأ المباركة لسماحه المرجع المدرسي(دام ظله)
كربلاء المقدسه _ يوم السبت 2019/09/21م الموافق21/محرم الحرام/1441هـ

بصائر حسينية .. ابعاد عاشوراء


بصائر حسينية لسماحة المرجع الديني اية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله )التي القاها يوم الاثنين  27/ذي الحجة /1441هـ  الموافق 08/29 /2019م  بمناسبة  استشهاد الامام الحسين (عليه السلام)

بسم الله الرحمن الرحیم

((وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (68) وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (69) ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)))

امنا بالله

صدق الله العلي العظيم

و نحن نستقبل في هذه الايام شهر عظيما، و مناسبة كريمة شهر محرم الحرام و مناسبة عاشوراء،  لو فهمنا ابعاد هذه المناسبة و عقدنا العزم على ان نستفيد منها لكان هناك تطور عظيم في حياتنا، و قفزة هائلة في مسيرتنا،  ليس كافراد و انما كمجتمع اسلامي ناهض، نبشر به ان تكون ارهاصات ظهور امامنا الحجة – عجل الله فرجه-  مناسبة الغدير تمهيداً لعاشوراء الحسين و عاشوراء،   توطئة لظهور امامنا عليه السلام،  انها حلقات بعضها من بعض انها حقائق بالرغم من جهل الجاهلين،  و غفلة الغافلين و بالرغم كيد الكائدين و حسد الحاسدين فليمرغوا انوفهم في التراب و ليعيشوا في جحيم افكارهم الظالمة.

  منذ سقوط السبط الشهيد على ارض الطف،بدأت الدنيا تسير في اتجاه اخر، و كربلاء كانت بداية الانطلاقة و النهضة ، كانت التحول العظيم للامة، و لا  زلنا نحن كل عام نجد كيف تتموج هذه المناسبة لتشمل افاق جديدة كل عام، و كيف أن هناك اناس يجهلون الحسين سلام الله عليه،  بدأوا اليوم ليس فقط يعترفون و انما بدأوا يحملون راية الامام الحسين عليه السلام، باتجاه المستقبل الزاهر ان شاء الله.

  علينا نحن كخطباء و كمتحدثين بسم سيد الشهداء،  و كناطقين باسم هذه الثورة العظيمة التي استمرت، و تستمر باذن الله ،علينا ان نستعد كي ان نوجه الناس في الاتجاه الصحيح، فكلما كان الخطيب اكثر اهتماما بهذه المناسبة،  و كلما كان اكثر تفاعلا مع هذه المناسبة، كلما و فقه الله لاداء واجبه ،  و سيرفعه الله مكان عليا يغبطه الاخرون على هذا المقام العظيم، و ليس انا في موقف اتحدث معكم فيما اعرفه من مقام الخطباء و فيما يقيمون ذكرى مصاب الامام الحسين عليه السلام، و كيف أن  الله يجازيهم في الدنيا و الاخرة و إذ توجت حديثي بسورة النساء، و انا مهتم بهذه الاية،  { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا }، في هذه الاية يبشرنا الله، و يبشر كل من يسلك هذا الطريق بانه سيكون مع ابي عبدالله الحسين عليه السلام، و يبين هذا الدعاء الذي نستمر عليه صباحا و مساءا، في اعظم سورة في القران و هي سورة الحمد {اهدنا الصراط المستقيم}،  ليبين لعباده كيف يهديهم الصراط المستقيم، و سورة الحمد محورها هذه الكلمة،  فقبل ذلك ثناء لله الحمد، { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } محور هذه الكلمة،  يبينه الله،  ما هو الصراط المستقيم؟

 و من هم الذي انعم الله عليهم؟

 و ماهي الشروط الموضوعية التي لابد ان نوفرها في انفسنا لكي نكون ضمن هذه المسيرة؟

 و من العجيب  يحدثنا القران ، قبل هذه الاية في سياق الايات { كتبنا عليهم ان اقتلوا انفسكم او اخرجوا من دياركم ما فعلوه الا قليل منهم} مما يعني ان  هناك رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، رجال التضحية،  رجال العطاء، رجال يبحثون عن القمة، وايضا هناك رجال قضوا اعمارهم في الحضيض السافل،  من هم هؤلاء؟ هم الذين قال لهم الله : قاتلوا ، ولا تنتحروا، لان هذا القتال الذين تقاتلون فيه سيقودكم الى عداد الشهداء،  رغم ان ربنا لو ان كتبنا عليهم ما يوعظون به، لان هذا في منفعة الانسان، وليس  ضرره،  و اذن لاتيناهم من لدنا اجرا عظيما و لهديناهم صراطا مستقيما} ركزوا في هذه الكلمة و لهديناهم صراط ما هذا الصراط؟ ومع من؟

يبين ربنا هذا الصراط صراط من، الذين انعم الله عليهم ،سورة الحمد تقول صراط الذين انعمت عليهم، من الصديقين و الصالحين، اليس الحسين و اصحاب الحسين في هذه القائمة؟

 صحيح ليس نبي و لكن و صي النبي الاعظم، فهو اعظم من كثير من الانبياء السابقين، كما نحن – نعلم ذلك- لانها  من ضرورات ديننا .

ان هذه  الامة المختارة المصطفاة اعظم الامم، و نبيها اعظم الانبياء، و صدقيوها اعظم الصديقون و حسن اولئك رفيقا، و ربنا يبين ذلك الفضل من الله الذي يحصل لهذا الانسان بجهده و كفى بالله عليما،  نحن في هذا العام نستطيع ان نصل بهذه الافكار، التي ربما يستفيدون من بعضها في منابرها و مجالسهم، ربما مئات او الاف المجالس في العالم،  احدهم ذهب الى جبال الهملايا قريب من القمة، رايت مجلس الامام الحسين ع، و بعض في بعض الادغال في المناطق التي لم نسمع بها،فقد و فقهم لاحياء مجالس الامام الحسين، ولعل يصل هذا الكلام اليهم و امل من الله ان يصل الكلام ، و يوفقهم لتلقيه و الاستفادة من ما يرونه حسنا في مجالسهم ،و محافلهم حتى يكون كلامي في كربلاء الحسين ع، مصدراً للحديث في كل مكان للتحدث مع الناس ،لاننا  من جوار الامام الحسين ع، و حق جوار الامام و عندنا شرف الجوار ،و علينا ان نقوم بما علينا ما دمنا نحن في جوار السبط الشهيد، و هو حي و بحياته حياة قلوبنا بما جاء في الزيارة ،و اول شيء نطرحه هو ان نعيش كربلاء نعيش الحسين ،يعني ان يكون الامام الحسين  في وجداننا في ضميرنا ،وتكون ملحمة الامام الحسين ع ،و عاشوراء و زينب و الامام زين العابدين، و سائر ما يرتبط هذه المسيرة العظمى ليس في بعض الايام و انما على طول العام كيف اولا وثانيا لماذا

اولا: لماذا تريد ان تكون مع الحسين  فقط في الجنة؟

ام هنا اولا اكون اليوم مع الحسين هنا في هذه الحياة الدنيا، كيف احلم ان أكن مع الامام الحسين ع من هنا، و لنبدء ليس بكلمات،  و انما بروح و وجداننا، فقد رأيت اناس عاشوا بالحسين، انا اقول كلمة بحق من له حق عليّ، و هو والدتي رحم الله امواتكم و رحمها أنها، في حياتها لم تشرب ماء بارد ،تقول كيف اشرب ماءً بارداً و الحسين ذبح عطشانا ؟

  حتى في منتصف الليل و هي تقوم تطلب الماء عندما يأتون بماء بارد ، فتقول: عايشوا الامام الحسين ع في حياته، و كونوا معه في الدنيا، لتكونوا معه  عليه السلام في الاخرة ان شاء الله .

وهناك ببعض التوصيات

التوصية الاولي التي اقدم الحديث بها، اقامة الشعائر انظروا ربنا سبحانه و تعالى، يقول كلمة عظيمة في سورة الحج حول هذه الشعائر في الحقيقة، هي ظاهرا شعائر بل هي تعبير عن القلب، و من يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب ، يعني الظاهر يعكس الباطن، و نحن ينبغي ان لا نألوا جهدا في احياء الشعائر، و التفاعل مع الشعائر بالممكن كل بطريقته، الان في العالم عشرات الاساليب و المناهج لاحياء الشعائر كل واحد حسب ما يراه ما دام لا يخالف العقل و الشرع و الفطرة ،بعض الناس لا يعرفون ان هذه الشعائر هي وسيلة لمعالجة الروح بعضهم يعارضون شعيرة المشي يقولون : جعنا نبني البلد

 اقول : كل العام يبنون البلد حتى هذا المشي نستطيع ان، نبني البلد بهذه الشعائر تتحدثون عن الزيارة و يضعفونها، يتحدثون عن المجالس و يضعفونها و عن اي شي، مرتبط بالشعائر شعائر يجب ان تكون كل سنة افضل من السنة الماضية، و نفس الالتزام و ثم علماء خطباء اكاديميون، هؤلاء يجب ان يكونوا في مقدمة من يحيون الشعائر،لقد جاءني الكثير ممن اتوا مشيا ، او راكبين الى كربلاء،و كان حديثهم عن الامام الحسين ع اعظم من حديثنا، نحن من نتحدث  الشعائر هذا اولا

 و نحن يجب ان نتفاعل لا نقول الشعائر لعوام الناس، لا نقول هم  يجب يكونوا ، مع الامام الحسين ع هو اذا كان، العلماء و الخطباء و الاكاديميون في مقدمة الشعائر فان ذلك يوجب التلاحم بيننا و يوجب فيما ننتفع جميعنا و ننصهر، قبل يوم قرأت لمراسل اجنبي يقول،

 الشعب العراقي تتغير اخلاقه في شهرين محرم و صفر، مما  يعني ان اخلاق شعبنا يرتفع لماذا؟

لانه في هذه الشهرين ينصبغ بصبغة ابي عبد الله الحسين ع، ينصبغ بال بيته العباس و علي الاكبر و القاسم و اصحابهم.  المسألة الثانية بعد الشعائر نحن بحاجة الى نقرأ الامام الحسين، نقرأ الامام الحسين بوجدانه ، لا تقرء التاريخ كقضية قد فاتت الامام الحسين لم يمت ،استشهد  بصريح الايات القرانية ان الشهداء احياء عند ربهم يرزقون،  و بالزيارة انك حي و بحياتك حييت حياة شعيتك ، و معنى ذلك نحن حينما نقول الحسين ع لا نقول عن شخص بعيد عن شخص يعيش معنا نقرأه في وجداننا، حي واقع و الان موجود الان يعني نتعايش معه ،و هو يعيش معنا و نتبرك به هذه نقطه و هناك ايضا هنا نقاط اخرى اتحدث بها في احاديثي القادمة و ارجو من الله سبحانه و تعالى ان يرزقنا شفاعة الحسين ع يوم الورود و ان يجعل حياتنا كحياته و مماتي كمماته اللهم احيني حياة محمد و ال محمد و امتني ممات محمد و ال محمد و ارزقني شفاعتهم  و مودتهم و ولايتهم و ان يكون في الشهر الكريم تطور في حياتنا و في مسيرتنا و في اخلاقنا و في عقائدنا و في كل نعمك عندنا بحق محمد و ال محمد الطيبين الطاهرين.

الغدير .. افاق ومعالجات

الغدير .. افاق ومعالجات


كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الإثنين، 17/ ذي الحجة / 1440 هـ ، الموافق 08/19/ 2019 م ، بمناسبة عيد الغدير الأغر في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

المرجع المُدرِّسي يدعو الى إعادة النظر بقوانين الإنتخابات و”طريق وسط” بخصوص دمج الحشد الشعبي بالقوات المسلحة

دعا سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدَرِّسي (دام ظله) الى إعادة النظر في قوانين الإنتخابات ومنها قانون إنتخابات مجالس المحافظات المزمع إقراره من قبل البرلمان العراقي.

وأكّد سماحته في بيان صدر عنه اليوم الجمعة على أهميّة: “إعادة النظر في قوانين الإنتخابات، لتكون أقرب الى إختيار الأصلح والمحافظة أكثر فأكثر على السلم الأهلي”.

وفي إشارة منه إلى عزوف الناس عن المشاركة في الإنتخابات السابقة بسبب المخرجات أضاف: “ربما يفي قانون الإنتخابات بالهدف الأول، ولكن وبسبب المتغيرات الإجتماعية، لابد من مراجعته لكي نجاري التحولات التي تتحقق في المجتمع”.

وفيما يتصل بقرار دمج قوات الحشد الشعبي بالقوى النظامية أكد البيان على ضرورة البحث عن طريق وسط للحفاظ على المنجزات الأمنية وقال: “ربما يحقق هذا الدمج الهدف الرامي الى تفاعل روح الحشد الوثّابة مع ميزات القوات المسلحة من الإنضباط العسكري والتقنية المتقدمة، إلاّ أننا بحاجة دائماً وأبداً الى ظهير وذراع اجتماعي لقواتنا المسلحة لتحشيد إمكانات الشعب في مواجهة الأعداء عند تعرضنا لأخطار خارجية أو داخلية، وهكذا فعلينا أن نبحث عن طريق وسط لتحقيق الهدفين الرئيسيين المرجوين، والله المستعان”.

اليكم نص البيان:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

يعود الحديث في هذه الأيام عن قانون إنتخاب أعضاء مجالس المحافظات وما يحمله هذا القانون من ضعف في عملية إختيار مندوبي الشعب، ومن هذا المنطلق فإننا ندعو الى إعادة النظر في قوانين الإنتخابات بصورة عامة، لتكون أقرب الى إختيار الأصلح والمحافظة أكثر فأكثر على السلم الأهلي.

ولربما يفي قانون الإنتخابات بالهدف الأول، إلا أنّه وبسبب المتغيرات الإجتماعية، لابد من مراجعته لكي نجاري التحولات التي تتحقق في المجتمع ليجد الشعب فيها طريق تحقيق رغباته.

وفيما يرتبط بقرار دمج الحشد الشعبي بالقوات المسلحة، فإنا نرى أن هذا القرار قد يحقق الهدف الرامي إلى تفاعل روح الحشد الوثّابة مع ميّزات القوات المسلحة من الإنضباط العسكري والتقنية المتقدمة، إلاّ أننا ـ في الوقت نفسه ـ بحاجة دائماً وأبدا الى ظهير وذراع اجتماعي لقواتنا المسلحة لتحشيد امكانات الشعب في مواجهة الأعداء عند تعرضنا لأخطار خارجية أو داخلية لا سمح الله.

ومن هنا فإن علينا البحث عن طريق وسط لتحقيق الهدفين الرئيسيين المرجوين، والله المستعان.

محمد تقي المدرسي

كربلاء المقدسة في الأول من ذي القعدة الحرام 1440 هـ.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (التاسع)

“كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ”

بسم الله الرحمن الرحيم


[وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ(27) ]

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول
الموت والفناء هو النهاية المحتومة لنا في الدنيا، فهو نهاية الدنيا وبداية الآخره والحساب، وهكذا علينا دائماً أن نحذر الموت وما بعده ونعمل له، خصوصاً أننّا لا نعلم متى واين ستكون النهاية كما يقول ربّنا تعالى:
[وَما تَدْري نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ‏ غَداً وَ ما تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ]
الايمان بالآخرة
ثمار كثيرة يحصل عليها الانسان بسبب ايمانه بالآخرة، وأهمّ تلك الثمار هي تقويت ارداته، حيث يزداد الانسان قوة في اتخاذ القرار، وذلك من خلال:
اولاً: تذكرّ الموت و ما بعده، حيث يجعل الفرد غير مُهتم بلذّات الدنيا، خصوصاً حين ينظر الى آثار السابقين ومصيرهم، حينها يتيقّن بفناء الدنيا فيغتنم فرصة العيش فيها بأفضل وجه يقول ربّنا تعالى: [وَسَكَنْتُمْ في‏ مَساكِنِ الَّذينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثال]‏
ثانياً: وبالإيمان بالآخرة يستسهل الانسان صِعاب الدُنيا، لأنّه يعلم أنّ ما يمرُّ عليه من الصعاب تنتهي.
[وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ]
و هي وجوه المجرمين حيث القيامة موعدهم مع الفضيحة و العذاب و الذل، و بسور وجوههم يحكي باطن نفوسهم المنطوية على اليأس و التشاؤم و الخوف ممّا ستلاقيه.
[تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ]
إنّ المجرمين يوم القيامة ليساورهم هاجس و رعب ينتظرهم من الدواهي، و هذا الهاجس يعدّ عذابا عظيما بذاته.
[كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ]
ثم ينقلنا السياق القرآني الى أشدّ الساعات على الانسان وهي ساعة الانتقال من الحياة الدنيا الى الآخرة.
كيف تخرج الروح؟
يبدء ملك الموت بإخراج الروح من الجسد، من قدمه ويصعد شيئاً فشيئاً الى أن يصل عند عظم التراقي، حيث تكون لحظة الانتقال من عالم الدنيا الى الآخرة، ويُبصر الانسان ما لم يكن يشاهده من قبل، فمن جهة يشاهد ملائكة العذاب ومن جهة اخرى يشهاد ملائكة الرحمة.
[وَ قيلَ مَنْ راقٍ]
أي و قال أهله: من راق؟ أي طبيب شاف يرقيه و يداويه‏، وأيّ رُقية تُكتب لشفاءه؟!
[إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ]
فاليه منتهى كلّ شيء، ويبدو أنّ الآية يغلب عليها جانب الرحمة، لأنّ فيها اسم الرب الذي يدلّ على رحمته تعالى.
جاء في الحديث الشريف عن أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام أنّه قال ((‏ إِنَّ أَوْحَشَ مَا يَكُونُ هَذَا الْخَلْقُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ يَوْمَ يُولَدُ وَ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَيَرَى الدُّنْيَا وَ يَوْمَ يَمُوتُ فَيَرَى الْآخِرَةَ وَ أَهْلَهَا وَ يَوْمَ يُبْعَثُ فَيَرَى أَحْكَاماً لَمْ يَرَهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا وَ قَدْ سَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى يَحْيَى فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاطِنِ وَ آمَنَ رَوْعَتَهُ فَقَالَ‏ وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا وَ قَدْ سَلَّمَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ع عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاطِنِ فَقَالَ‏ وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا.))
لكنّ المؤمن يعيش في بحبوحة النعم الالهية في الدنيا وفي الآخرة أيضاً فقد جاء في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام: ((يُفْتَحُ‏ لِوَلِيِ‏ اللَّهِ‏ مِنْ‏ مَنْزِلِهِ‏ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وَ تسعين [تِسْعُونَ‏] بَاباً يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَوْحُهَا وَ رَيْحَانُهَا وَ طِيبُهَا وَ لَذَّتُهَا وَ نُورُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ .
و قَالَ فَكُلَّمَا عَيَّرَهُ بِذَنْبٍ قَالَ سَيِّدِي لَسَعْيِي إِلَى النَّارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تُعَيِّرَنِي‏قَالَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَ تَذْكُرُ يَوْمَ كَذَا وَ كَذَا أَطْعَمْتَ جَائِعاً وَ وَصَلْتَ أَخاً مُؤْمِناً كَسَوْتَ يَوْماً حَجَجْتَ فِي الصَّحَارِي تَدْعُونِي مُحْرِماً أَرْسَلْتَ عَيْنَيْكَ فَرَقَا سَهِرْتَ لَيْلَةً شَفَقاً غَضَضْتَ طَرْفَكَ مِنِّي فَرَقَا فإذا [فَذَا] بِذَا أَمَّا مَا أَحْسَنْتَ فَمَشْكُورٌ وَ أَمَّا مَا أَسَأْتَ فَمَغْفُورٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ ابْيَضَّ وَجْهُهُ وَ سُرَّ قَلْبُهُ وَ وُضِعَ التَّاجُ عَلَى رَأْسِهِ وَ عَلَى يَدَيْهِ الْحُلِيُّ وَ الْحُلَلُ ثُمَّ يَقُولُ يَا جَبْرَئِيلُ انْطَلِقْ بِعَبْدِي فَأَرِهِ كَرَامَتِي فَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَدْ أَخَذَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَدْحُو بِهِ مَدَّ الْبَصَرِ فَيَبْسُطُ صَحِيفَتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ وَ هُوَ يُنَادِي‏ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فَإِذَا انْتَهَى إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ قِيلَ لَهُ هَاتِ الْجَوَازَ قَالَ هَذَا جَوَازِي مَكْتُوبٌ فِيهِ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ هَذَا جَوَازٌ جَائِزٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَسْمَعُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ أَلَا إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَدْ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدا فَإِذَا هُوَ بِشَجَرَةٍ ذَاتِ‏ ظِلٍّ مَمْدُودٍ وَ ماءٍ مَسْكُوبٍ‏ وَ ثِمَارٍ مهدلة [مُتَهَدِّلَةٍ] يَخْرُجُ مِنْ سَاقِهَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ فَيَنْطَلِقُ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَيَغْتَسِلُ مِنْهَا فَيَخْرُجُ عَلَيْهِ نَضْرَةُ النَّعِيمِ ثُمَّ يَشْرَبُ مِنَ الْأُخْرَى فَلَا يَكُونُ فِي بَطْنِهِ مَغْصٌ وَ لَا مَرَضٌ وَ لَا دَاءٌ أَبَداً وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُورا))
نسأل الله أن يرزقنا ذلك.
نحن لا ندري الى متى في هذه العالم و لكن نعلم انه لنا نهاية و ان باب الاخره هو الموت فيجب ان نتذكر دائما اهوال الوت و مابعده و في اللذات و الصعاب نفكر بالاخره و الحساب حتى نعيش بالسعاده في الدارين و نكون يوم القيامة من اصحاب اليمين .

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (السادس)

“فاتّبع قرآنه”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَإِذا قَرَأْناهُ‏ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ] (18)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

إحدى المسؤوليات التي تقع على عاتق البشر تجاه القرآن الكريم، جعله مصدراً للمعرفة، ووسيلة لتبصّر الحقائق، فالقرآن الكريم مرآة الحقائق، الكبيرة منها والصغيرة واهمّها معرفة الرب سبحانه وتعالى.

وخصوصاً تلك المعارف التي تتعارض مع مصلحة الانسان واهواءه، حيث تجد الكثير منّا لا يستطيع تجاوز تلك المصالح، و حُجُب الغفلة السميكة تحول دون ذلك الّا أنّ كلمات القرآن الكريم تكشف عن القلب تلك الحُجب، بمزيد من الإنذار.

اول الدين معرفته

لأنّ معرفة الله تعالى موجود في فطرة الانسان، لذلك أغلب الناس يبحثون عن الرب، الّا أنّه يخطئ أغلبهم في تلك المعرفة، فتجد البعض يعبدون الشمس، أو القمر، او الحجر، فهم قد اخطأوا الطريق، وطريق الحصانة من السقوط هو القرآن الكريم، يقول ربّنا تعالى:

[وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَميعا][1]

وهو القرآن والنبي واهل بيته الكرام، وبغير ذلك لا ضمان للوصول الى الله.

جاء في الحديث الشريف: ((لقد تجلى الله لخلقه بكلامه، ولكنهم لايبصرون))[2]

السؤال كيف نعرف الرب تعالى من القرآن؟

القرآن الكريم الذي لو نزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدّعاً أو كما قال تعالى:

[وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ‏ بِهِ الْمَوْتى‏ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَميعاً][3]

هو القرآن الذي تجلّى فيه الرب تعالى، كما تجلّى لموسى وخرّ موسى صعقاً! حين نتدبّر في اسماء الرب سبحانه وتعالى فيه وآياته نعرفه..

كما يقول تعالى: [وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ‏ بِها][4]

 أو حين نتدّبر في قصص آيات الله، في الانتقام من الظالمين، كعادٍ وثمود، وقوم نوح.

كمال الانقطاع اليك

وهكذا علينا أن ندعو ربّنا سبحانه وتعالى، أن يلهمنا معرفته كما نقرء في المناجاة الشعبانية قول الامام عليه السلام:

(( إِلَهِي هَبْ لِي كَمَالَ‏ الِانْقِطَاعِ‏ إِلَيْكَ وَ أَنِرْ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ حَتَّى تَخِرَقَ أَبْصَارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ الْعَظَمَة))[5]

لكي يتخلّص الانسان من العلائق المادّية، ويسموا في رحاب معرفة الله، هناك يرى الانسان ربّه بقلبه كما قال الامام  عليه السلام:

((لَمْ أَكُنْ لِأَعْبُدَ رَبًّا لَمْ أَرَهُ فَقَالَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ فَقَالَ لَمْ تَرَهُ الْأَبْصَارُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ بَلْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَان))[6]

وكما قال الامام الحسين عليه السلام:

((أَنْتَ الَّذِي أَشْرَقْتَ‏ الْأَنْوَارَ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِكَ حَتَّى عَرَفُوكَ وَ وَحَّدُوكَ [وَ وَجَدُوكَ‏] وَ أَنْتَ الَّذِي أَزَلْتَ الْأَغْيَارَ عَنْ قُلُوبِ أَحِبَّائِكَ حَتَّى لَمْ يُحِبُّوا سِوَاكَ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى غَيْرِكَ أَنْتَ الْمُونِسُ لَهُمْ حَيْثُ أَوْحَشَتْهُمُ الْعَوَالِمُ وَ أَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَهُمْ حَيْثُ اسْتَبَانَتْ لَهُمُ الْمَعَالِمُ [إِلَهِي‏] مَا ذَا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ وَ مَا الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ لَقَدْ خَابَ مَنْ رَضِيَ دُونَكَ بَدَلًا وَ لَقَدْ خَسِرَ مَنْ بَغَى عَنْكَ مُتَحَوَّلا))[7]

وهكذا بقراءتنا للقرآن الكريم والتدبّر في آياته نزيل الحُجب عن قلوبنا ونزداد معرفة بربّنا المتعال.


[1] سورة آل عمران، الآية: 103.

[2] بحار الأنوار :ج 89/ص107.

[3] سورة الرعد، الآية 31.

[4] سورة الأعراف، الآية: 180.

[5] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏2، ص: 678.

[6] روضة الواعظين و بصيرة المتعظين (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 33

[7] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 349.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الخامس)

“إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[لا تُحَرِّكْ‏ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ‏ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ]‏ (19)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

القرآن الكريم نزل على قلب نبيّنا الكريم صلّى الله عليه وآله، وهو ذات القرآن الذي بين الدفتين، وما نقرأه اليوم.

لكنّ القرآن الكريم ولدلائل عديدة لم يُقرء على الناس دفعة واحدة، ومن هنا جاء الامر الالهي بعدم الاستعجال في بيانه، أمّا الخوف من اندثاره فلا داعي له، لأنّ الذي انزل القرآن هو الضامن لجمعه وحفظه، كما يقول ربّنا تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ][1]

يقول ربّنا تعالى[لا تُحَرِّكْ‏ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ]

النهي الوارد في القرآن الكريم في خِطاب النبي صلّى الله عليه وآله لا يعني أبداً أنّ النبي كان يعمل به، ففي آيات عديدة ربّنا تعالى ينهي النبي صلّى الله عليه وآله من اطاعة الكفّار والمنافقين كما في قوله تعالى: [وَ لا تُطِعِ‏ الْكافِرينَ وَ الْمُنافِقينَ وَ دَعْ أَذاهُم‏][2]

فهل تعني الآية أنّ النبي كان يطيعهم! حاشاه، من هنا نفهم عدم صحّة ما ذهب اليه البعض في تفسير الآية من أنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان يُكرّر الآية لكي لا ينساها، والحال أنّ الرب تعالى يخاطب النبي في سورة الأعلى بقوله: [سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏][3]

كما أنّ الآيات القرآنية تأتي غالباً بصيغة، ايّاك اعني واسمعي يا جارة، ففي الظاهر الخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله بينما في الحقيقة لكلّ الناس.

بالحكمة والموعظة الحسنة

إذا كان الخطاب القرآني لنا، فما هو الواجب علينا فيما يرتبط بعدم الاستعجال في بيان القرآن، يُبيّن لنا ربّنا ذلك بقوله: [ادْعُ إِلى‏ سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ][4]

 فليس كلّ مكان يناسب كلّ كلام، وحتّى الآيات القرآنية لابدّ من التفكير في الآية التي تناسب الظرف في سبيل هداية الآخرين، وهو معنى الحِكمة الذي امرنا به ربّنا.

ثمّ يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ]

 لا يُمكن أنّ الرب تعالى يُرسل كتاباً، ليكون آخر رسالة الهية لكلّ البشرية والى يوم القيامة، ثمّ لا يجمعه!

النبي صلّى الله عليه وآله هو الذي جمع القرآن وبعد رحلته كان امير المؤمنين عليه السلام مشغولاً بجمع القرآن، ويبدو أنّ القرآن الذي جمعه عليه السلام كان فيه مضافاً للنص التأويلات التي يأتي بها امامنا الحجّة عجل الله فرجه الشريف حين ظهوره، ومعنى كلمة [قرآنه] يُقال بعد اتمام الشيء.

يصدّق بعضه بعضاً

ونستفيد من الآية أيضاً أنّ القرآن الكريم نص متكامل، بمعنى أنّه لابدّ من الايمان بجميع آياته ولا نصبح كالذين جعلو القرآن عضين و قالو نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

وهكذا القرآن الكريم يُصدّق بعضه بعضاً، والتدبّر في آياته لابدّ من التأمّل في كلّ القرآن الكريم.

يقول ربّنا : [فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ‏ قُرْآنَهُ] أي جميعه.

ليس هذا فحسب بل يقول ربّنا: [ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏]

فالذي انزل الكتاب، وارسل المُرسلين، حاضرٌ ورقيب، فمن يقرء القرآن الكريم، عليه أن يلتجئ الى الباري تعالى ليُنزل عليه نوراً لفهم حقائق القرآن.


[1] سورة الحجر، الآية 9.

[2] سورة الأحزاب، الآية:48.

[3] سورة الأعلى، الآية: 6.

[4] سورة النحل، الآية: 125.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثالث)

“عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ‏ وَ أَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ (14) وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ‏] (15)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

في بدء القيامة بيّن ربّنا تعالى المحكمتان التي يتحاسب بهما كلّ انسان، من المحكمة الداخلية المتمثّلة بالنفس اللوامة، والى محكمة العدل الالهية في يوم القيامة، و في ذات السياق تأتي الآيات 13-15لتؤكد وتفصّل تلك الحقيقة، من أجل تكريس قيمة المسؤولية عند الانسان.

احصاه الله ونسوه

لا شيء يُعدم في الكون، هكذا يقول العلم الحديث، فالطاقة تتحوّل من صورة الى اخرى وقد تتلاشى في الفضاء ولكن تبقى موجودة، اقول: كما الاشياء لا تُعدم كذلك اعمال الانسان تبقى، سواءاً الصالحة منها كالصلاة او الطالحة كالكذب تبقى موجودة، حتى لو نساها الانسان كما يقول ربّنا تعالى: [يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَميعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ‏ اللَّهُ وَ نَسُوهُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهيدٌ][1]

ويقول ربّنا تعالى: [وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً][2]

من الاهداف المهمّة التي على الانسان تعقّبها في الحياة هو أن يمحي الأعمال السيئة ويحوّلها عدماً، وذلك من خلال الاستغفار، حيث يمحي آثار الذنوب، بل ويتفضّل الرب سبحانه وتعالى على المؤمنين بأن يُنسيهم ذنوبهم أيضاً، لأنّ الانسان لا يتحمّل عتاب الرب سبحانه وتعالى له حتّى وإن يعقبه غفران.

يقول ربّنا تعالى: [يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ‏ وَ أَخَّرَ]

قال الإمام الباقر (ع): «بما قدّم من خير و شر، و ما أخّر ممّا سنّ من سنّة، ليستنّ بها من بعده، فإن كان شرا كان عليه مثل وزرهم، و لا ينقص من وزرهم شي‏ء، و إن كان خيرا كان له مثل أجورهم، و لا ينقص من أجورهم شي‏ء»[3].

[بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ]

هذه الآية هي محور سورة القيامة المباركة، حيث يُبيّن ربّنا مشكلة البشر في عدم الاصغاء للنفس اللوامة، وعدم الاكتراث للمحكمة الالهية، وهو التبرير، حيث أنّ النفس البشرية تستخدم المزيد من الاساليب لتقريب الانسان من فعل المعصية، فتارة تطوّع له كما طوّعت لقابيل في قتل اخيه هابيل، وتارة تسوّل كما عند السامري، وتارة تُزيّن المعصية، و تارة تُبرّر للانسان فعله للمعصية.

وورود التاء في قوله [بَصيرَةٌ] هو للمبالغة، أي أنّ الانسان يعرف نفسه جيّداً.

 [وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ]

اصل التبرير كذب، وهدفه خداع الذات، ذلك أنّ النفس اللوامّة حينما لا تضعف عند الانسان بسبب عدم العمل وفقها، وحين تقوى النفس الأمّارة، يلجئ الى الكذب لتبرير أخطاءه وعلينا لمواجهة ذلك، أن نلوم أنفسنا على الكذب، بأن نقوم بمحاسبة الذات وبذلك نستطيع أن نُرمّم النفس اللوامة.

ولأنّ البشر يبرّر لنفسه دائماً يأتي القرآن الكريم ويقطع الحجة على الانسان فيقول: [وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ]

ويزداد الامر خطورة حينما يأخذ منحى اجتماعي ومؤسساتي، فبدل أن يكون التبرير في شخص أصبح يشكّل تيّار، ويبثّ آلاف الشُبهات الواهية للناس.

لكن يبقى حجّة الرب تعالى على الانسان تامّة لأنّه اعطاه البصيرة في دينه بالرغم من كلّ الشبهات والتبريرات، ولذلك تجلّي في الأحكام الشرعية ايضاً فقد جاء في الحديث

قال زرارة: سألت أبا عبد اللّه (الإمام الصادق (ع)): ما حدّ المرض الذي يفطر صاحبه؟ قال: «بل الإنسان على نفسه بصيرة، هو أعلم بما يطيق‏.»[4]


[1] سورة المجادلة، الآية 6.

[2] سورة الكهف، الآية 49.

[3] ( 4) تفسير القمّي ج 2 ص 397.

[4] ( 1) المصدر.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الخامس عشر)

“إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ”

بسم الله الرحمن الرحيم


(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبيلاً (29) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكيماً (30)يُدْخِلُ‏ مَنْ يَشاءُ في‏ رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَليماً)

صدق الله العلي العظيم


تفصيل القول
من خصائص سور القرآن الكريم حُسن الختام، وما فيه من بصائر مُرتبطة بسائر مواضيع السورة، وفي ختام سورة الانسان المُباركة بصائر عدّة أيضاً.
البصيرة الأولى: التذكرة
حيث يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ]
ماذا تعني التذكرة؟ ولماذا ذُكرت بمشتقّاتها المختلفة ممّا يقرب 250 مرّة في القرآن الكريم؟
في الاجابة نقول إنّ فرصة التكامل عند البشر تكاد لا تنتهي، وهي أكثر بكثير ممّا ادركها البشر بالفعل، وطريق الوصول الى تلك الفُرص هو التذكّر، لأنّ ترسيخ المعارف والحقائق في القلب، وبلورتها في الوجدان هو الذي يجعل البشر في مسيرة التكامل.
ذلك أنّ مُشكلة البشر الحقيقية هي غفلته عن الحقائق الكُبرى و هو بالتذكرة يرسّخ تلك الحقائق في القلب, يقول ربّنا تعالى: [وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ‏ الْمُؤْمِنينَ]
وهكذا فإنّ الحقائق الكبرى موجودة في فطرة الانسان، وما ذُكر في هذه السورة المباركة من حقائق أيضاً كلّها تذكرة، والأنبياء جاءوا يذكّرو الناس بتلك الحقائق، التي من اهمّها حقيقة الولاية.
ومن هنا نجد الرويات التي تأتي في تبيان التذكرة، تشير الى ذلك المعنى، ففي الحديث عن أبي الحسن الماضي- عليه السّلام-(( قال: قلت: [إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ.]قال- عليه السّلام-: الولاية.))
لأنّ من لا يقبل الولاية، فإنّه لا يتجاوز الامتحانات الأخرى، وهكذا على الانسان أن يجعل التذكرة برنامجاً لحياته من أجل تغيير جذري في شخصيته.
ثم يقول ربّنا تعالى: [فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبيلاً]
خرية الاختيار
ربّنا سبحانه وتعالى ميّز البشر عن باقي المخلوقات بأن منحه حق الانتخاب، ومن لا يستفيد من ذلك الحق فإنّه يفقد الميزة الاساسية للإنسان، ويصبح مصداقاً لقول امير المؤمنين عليه السلام حيث قال: ((هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ‏ كُلِ‏ نَاعِقٍ‏ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيح‏.))
لأنّه لم يستمع القول فيتّبع أحسنه، ولم يتحمّل مسؤولية اخطاءه، فتراه يلقي مسؤولية اخطاءه على الآخرين، بينما على الانسان أن يتحمّل مسؤولية الاختيار عنده، ولا يبقى في مرحلة اللا اختيار لأنّ ذلك يعني الاختيار الخاطئ.
الصراط المستقيم
والسبيل الذي علينا أن نسلكه هو الذي قال عنه ربّنا في فاتحة الكتاب [اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ]‏
وهو صراط اهل البيت الذين انعم الله عليهم، ولا سبيل آخر لنا ولا صراط مستقيم غير صراطهم.
ثمّ يقول ربّنا تعالى: [وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ]
في اللحظات الصعبة على الانسان أن يتوكّل على ربّه فيجبر به ضعف ارادته، لأنّ ارادة المخلوق متّصلة بارادة الله الخالق المُتعال و لا تنشأ لمخلوق مشيئة بدون إذنه، فيسلب البعض توفيق الهداية و يهبه لآخرين.
[إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكيماً]
و لكن ليس اعتباطا، بل على أساس علمه بحال المخلوق و حكمته البالغة.
[يُدْخِلُ‏ مَنْ يَشاءُ في‏ رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَليماً]
و تنتهي السورة بالرحمة، لما ذُكر فيها من النعم الكثيرة التي منحها البشر للمخلوقين، فهو تعالى سبقت رحمته غضبه، ووسعت رحمته كلّ شيء ولكنّه أيضاً أعدّ للظالمين ومن يستحقّون العقاب عذاباً اليماً.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الرابع عشر)

“وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْديلاً] (28)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

صحيح أنّ عالم الغيب مُحيط بعالم الشهود الذي نحن فيه، الّا أنّ البشر بإمكانه النفوذ اليه، يقول ربّنا تعالى: [وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنينٍ‏][1]

فهو تعالى ليس بخيلاً في اعطاء الغيب شريطة أن يكون الطريق الذي يسلكه البشر من أجل الوصول الى الغيب صحيحاً، ومن ذلك النفوذ الى الآخرة، ليس فقط الإيمان النظري بها بل ومعايشتها، حيث يعيش المؤمن الآخرة وهو في الدنيا، ذلك لأنّ خالق الآخرة هو خالق الدنيا كما جاء عن لسان النبي يوسف عليه السلام حيث قال: [أَنْتَ وَلِيِّي‏ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّني‏ مُسْلِماً وَ أَلْحِقْني‏ بِالصَّالِحينَ][2]

وجاء في الدعاء المروي عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّه قال: ((يا رَحْمنَ‏ الدُّنْيا وَ الآخِرَةِ وَ رَحِيمَهُما))[3]

وهكذا الدنيا مرآة الآخرة، فالنار في الآخرة هي نار الدنيا ولكنّها أشدّ 70 ضعفاً، وهكذا النعيم في الآخرة مُضاعف بأضعاف كثيرة عن نعم الرب سبحانه وتعالى لنا في الدنيا.

جاء الحديث الشريف: ((وَ اذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ‏ وَ عَطَشِكُمْ‏ فِيهِ جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ عَطَشَه‏))[4]

 وهكذا يعيش المؤمن الآخرة بكلّ وجوده، و حين يواجه ضغوطات الحياة فإنّه يتجاوزها بتذكّر الآخرة ولا يحزن على ما فاته من الدنيا، لأنّه يعي بوجدانه فناء الدنيا وبقاء الآخرة

 جاء في وصية الامام امير المؤمنين الى الحسن والحسين عليه السلام: ((أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أَنْ لَا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَ لَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا وَ قُولَا بِالْحَقِّ وَ اعْمَلُوا لِلْآخِرَة.))[5]

حينذاك يصبح المؤمن حُرّا، لأنّه يتجاوز كلّ العلائق المادّية و يقيس كلّ شيء بمقياس الآخرة، وذلك يوصله الى جعل التقوى محوراً لحياته.

ومن ذلك أيضاً معرفة الإنسان قُدرة الرب تعالى في الآخرة وبعث الخلائق تارة أخرى، فكما أن رّبنا تعالى خلق الانسان من نطفة أمشاج بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، هو أيضاً يُعيد خلقه في الآخرة.

يقول ربّنا تعالى: [نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ]

بالرغم من أنّ كلمة [شَدَدْنا أَسْرَهُمْ] تعني في الظاهر تقوية خلقهم، الّا أنّ لها معنى أشمل وهو وإسباغ النعم على الانسان وتهيئة كافّة العوامل لابقاء الانسان.

جاء في دعاء الامام الحسين عليه السلام في يوم عرفة:

((ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي‏ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ، بَيْنَ لَحْمٍ وَ جِلْدٍ وَ دَمٍ، لَمْ تُشْهِدْنِي بِخَلْقِي، وَ لَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي. ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيا تامّاً سَوِيّاً، وَ حَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً، وَ رَزَقْتَنِي مِنَ الْغَذاءِ لَبَناً مَرِيّاً، وَ عَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَواضِنِ‏، وَ كَفَّلْتَنِي الأُمَّهاتِ الرَّحائِمَ، وَ كَلَأْتَنِي‏ مِنْ طَوارِقِ الْجانِّ وَ سَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيادَةِ وَ النُّقْصانِ، فَتَعالَيْتَ يا رَحِيمُ يا رَحْمانُ.))[6]

فكم هي العوامل التي هيئها ربّنا تعالى من أجل الانسان لأجل العيش وهو ذات الرب المتعال الذي يبدّل جيل بعد آخر:

 [وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْديلاً]

أي جئنا بآخرين أمثالهم بديلا عنهم، بإهلاكهم، أو بجعلهم الحاكمين، ولو تأمّل الانسان في ذلك ليس فقط يصل الى معرفة الآخرة بل ويعيش الآخرة قبل موته.


[1] سورة التكوير، الآية:24.

[2] سورة يوسف، الآية: 101.

[3] الإقبال بالأعمال الحسنة (ط – الحديثة)، ج‏1، ص: 256.

[4] الأمالي( للصدوق)، النص، ص: 93

[5] روضة الواعظين و بصيرة المتعظين (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 136

[6] الإقبال بالأعمال الحسنة (ط – الحديثة)، ج‏2، ص: 75

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثاني عشر)

“وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (24) وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصيلاً] (25)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

مهما ارتفع البشر في درجات الايمان، الّا أنّه يبقى بحاجة ماسّة الى توفيق الباري تعالى له في امتحانات الحياة، فهو بحاجة الى التوكّل على الله سبحانه وتعالى، حتّى أنبياء الله العِظام تجدهم يستمدّون القوّة منه تعالى في كل آن، واللحظة التي يعتمد فيه البشر على نفسه هي لحظة سقوطه وخسارته.

ومن هنا تجد أنّ القرآن الكريم  ما إن يتحدّث عن الصبر والاستقامة، حتّى يتحدّث عن الذكر والتوكّل كما جاء في قوله تعالى: [فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ] الى قوله:[وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصيلاً]

ففي كلّ واقعة لربّنا تعالى حُكم، فلم يُخصّص ربّنا تعالى الحُكم لمكان دون آخر أو لواقعة دون أخرى بل إنّ أحكام الله شاملة ومن أجل تطبيق هذا الحُكم لابدّ من الصبر والاستقامة: [وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً] والخطاب وإن كان ظاهره للنبي صلّى الله عليه وآله، ولكنّه في الواقع لكلّ المسلمين، وطريق الاستقامة اذن هو الذكر.

بين الاستقامة والذكر

حينما يذكر الانسان ربّه ويتوّكل عليه فإنّه يتجاوز كلّ التحدّيات والصِعاب، فهو ينتصر حتّى وإن كانت المعادلات المادّية تقول خلاف ذلك، وخير دليلٍ على ذلك التاريخ الاسلامي، ففي معركة بدر مثلاً لم يكن المسلمين اكثر عدّة و تجهيزاً من الاعداء ولكنّهم بالتوكّل على الله انتصروا في فترة وجيزة وهكذا كلّ الحروب التي انتصروا فيها لم يكونوا اقوى من الناحية المادّية.

ربّنا سبحانه يقول: [فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ][1]

الى أن يقول: [وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ‏ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرينَ][2]

هذه الآيات تُلخّص سورة هود التي جاءت لبيان امثلة من استقامة الانبياء عليهم السلام، ففي الآية أمر بالاستقامة، و تحذير من الطغيان الناشئ من الانتصار، كما يقول ربّنا في سورة النصر [فَسَبِّحْ‏ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً][3]

 حيث إنّ آفة الطغيان بعد نزول النعمة من اكبر مشاكل البشر، بعد ذلك يؤكّد ربّنا تعالى مرّة أخرى أنّ طريق الوصول الى الاستقامة هو الذكر المُتمثّل بالصلاة حيث يقول ربّنا تعالى: [وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ‏ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ]

وهذه الصلوات تذهب بالسيئات، وسوف تعيد إليك إيمانك المفقود و تذهب بالآثار السلبية الباقية في‏ قلبك‏.

وفي سورة الاسراء بيان وتأكيد لتلك الحقيقة أيضاً في قوله سبحانه وتعالى: [وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ‏ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَ إِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَليلاً][4]

 الى قوله سبحانه وتعالى: [أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ‏ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً][5]

الإنسان الذي يحمل الرسالة لا بد ان يضع في اعتباره انه سوف يتعرض للضغوط الاجتماعية، و المادية، و من ضمن هذه الضغوط (الإخراج و التهجير و المقاطعة الاجتماعية و الإيذاء)، لعل الآية تشير الى سنة إلهية، قضاها الرب لعباده: ان رسل اللّه، و الذين هم يسيرون على نهجهم، أوتاد الأرض، فمن دونهم تسيخ بأهلها، بهم يحفظ اللّه العصاة ان يدمرهم شر تدمير، فاذا طغى الناس و اخرجوا هؤلاء من بلادهم فان العذاب يصبّ عليهم صبا.

 ثم يأتي الأمر بالصلاة لدلوك الشمس اي زوالها، وهي أهمّ الصلوات، [إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ]‏ غسق- دلجة- ظلمة- بمعنى واحد و هو شدة الظلام، و شموله، و لعله يتم عند منتصف الليل.

[وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً]

 قرآن الفجر هو صلاة الصبح، و صلاة الصبح مشهودة من قبل ملائكة الليل و ملائكة النهار، وهكذا في الآيات بيانٌ لأوقات الصلاة.

ومن يستعين بالصلاة والذكر فإنّ ربّنا تعالى يؤيده ويُبّت اقدامه، يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ الَّذينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ‏ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتي‏ كُنْتُمْ تُوعَدُونَ][6]

ممّا يدلّ على استمرارية التأييد من الرب سبحانه وتعالى لعبده المؤمن.

في هذه الآية من سورة الانسان ربّنا يقول: [وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصيلاً]

أغلب البشر يجهلون عظمة  الصلاة الذكر ولو أنّهم لم يكونوا كذلك كانوا يعشقون الصلاة ولأصبحوا مصداقاً للحديث الشريف القائل: [لَوْ عَلِمَ‏ الْمُصَلِّي‏ مَا يَغْشَاهُ مِنْ الرَّحْمَةِ لَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ.][7]

الصلاة صِلة مع الله الذي يخضع له من في السماوات والأرض، والانسان المؤمن يستمدّ عزيمته منها.


[1] سورة هود، الآية : 112.

[2] سورة هود، الآية : 114.

[3] سورة النصر، الآية: 3.

[4] سورة الاسراء، الآية: 76.

[5] سورة الاسراء، الآية: 78.

[6] سورة فصّلت، الآية:30.

[7] عيون الحكم و المواعظ (لليثي)، ص: 417

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الحادي عشر)

“نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزيلاً (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً](24)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

بالرغم من أنّ معارف البشر متشعبّه ومتنوّعة، الّا أنّ جذر كلّ المعارف مرتبط بأصول عقلية وفطرية عند الإنسان؛ وكلّما كانت تلك الأصول أكثر وضوحاً كان الوصول الى المعارف أسهل والاستفادة منها بشكل صحيح، وبالعكس كلّما كانت تلك الأصول غير واضحة كان الوصول الى العلم أصعب.

ولو تأمّلنا سنجد أنّ من أهداف الآيات القرآنية هو ايصالنا الى تلك الأصول (الحِكمة)، وهو الذي كان عليه أصحاب النبي (ص) المُخلصين الذين كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء، وحوو علوماً شتّى لأنّهم كانوا حُكماء.

وهكذا تُحدّد الحِكمة الهدف من العلم، وهذه هي مشكلة البشر حيث يهتمّ بتهيئة الوسائل ويضيع الهدف، ذلك الهدف الذي لابدّ أن يُحدّد اتجاه المسير، وكيفية الاستفادة من العلم، فنجد فلاسفة البشر ضاعوا بالبحث عن القيم التي تُنظّم سلوك المجتمعات، كلّ ذلك لأنّ البشر فقد الحِكمة، والقرآن الكريم هو كتاب الحِكمة الذي يُبيّن للبشر أهداف وجوده في الحياة.

كيف نأنس مع القرآن؟

لكنّ السؤال المهم هو في كيفية الاستفادة من القرآن والأنس مع آياته المباركات؟

آيات عديدة في القرآن الكريم تتعرّض الى الإجابة عن هذا التساؤل نختار اربع منها ثم نعود للآية الكريمة من سورة الإنسان.

الآية الاولى: قوله سبحانه وتعالى: [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها][1]

تدلّ الآية المُباركة أنّ طريق الاستفادة من آيات القرآن الكريم هو التخلّص من أقفال القلب، من الإعراض عن القرآن والخوف من تحمّل مسؤولية مضامين الآيات المباركات، الى التخلّص من المسبقات الفكرية التي تكون حاجزاً من الاستفادة من آيات الذكر الحكيم،

أرأيت من يذهب الى العين الصافية لكنّه يحمل معه مياه ملوّثة ليشرب منها! هذا حال الكثير من الناس الذين يبحثون في القرآن ما يوافق آراءهم الفكرية، لا أن يجعل القرآن منطلقاً للمعرفة.

الآية الثانية: قوله سبحانه وتعالى: [أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ‏ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلينَ][2]

التدبر من كلمة الدبر، أي النهاية فمن القرآن يبدأ المؤمن فيسير بعقله، و على ضوء الآية، الى الحقائق، فيرى ماذا تريد الآية و أين هو واقعها الخارجي، و تطبيقها الحي، وهذا هو التعامل المطلوب مع الآيات الكريمة.

الآية الثالثة: قوله سبحانه وتعالى: [كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ‏ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ][3]

القرآن مبارك ومن تجلّيات ذلك أنّ الانسان لو صرف عمره في التدبّر فيه سيجد المزيد من المعارف لأنّه يتجدّد، وكلمة [مُبارَكٌ] يعني أيضاً أنّه يتشعّب الى سائر العلوم والمعارف.

[وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ]

  فليس الغاية من القرآن هو الوصول الى معلومات جديدة فقط، بل أنّ القرآن الكريم لابدّ أن يؤثّر في القلب وبالتالي في سلوك الانسان، ومن هنا نجد أنّ القرآن الكريم في وصف العلماء يقول: [ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ][4]

واستخدامه كلمة [الذكر] بدل العلم للتدليل على أنّ الاتباع لابدّ أن يكون للعلماء الربّانيين.

الآية الرابعة: قوله سبحانه وتعالى: [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلافاً كَثيراً][5]

يستحيل أن تجد كتاباً جامعاً لدستور الحياة بكلّ أبعادها، ثم يكون بهذا الانسجام و الدقة و التناغم، و هكذا تجد القرآن يُصدّق بعضه بعضاً، وربّما تجد تبيين كلمة في اوّل القرآن في آخره.

يقول ربّنا تعالى في سورة الانسان: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزيلاً]

في الآية ثلاث تأكيدات من إنّ وتكرار ضمير المتكلم مع الغير والإتيان بالمفعول المطلق كلّ ذلك للتأكيد.

[نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزيلاً]

أي منجّما و ليس دفعة واحدة، و ذلك يتماشى مع هدف القرآن، ويجعل البشر قريباً لإدراك الحقائق.

[فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً]

في سبيل تطبيق القرآن الكريم لابدّ من تجنّب التأثير الذي يأتي من أصناف مختلفة من الناس:

الصنف الأول: هم الفسّاق الذين يتعارض تطبيق الدين مع اهواءهم.

الصنف الثاني: حين يتحوّل ذلك الى تيّار في المجتمع له دوافع سياسية، ويخطّطون من أجل الصد عن سبيل الله وعن تطبيق آيات الذكر الحكيم وحملته من المعصومين و من تبعهم من العلماء الربّانيين.

خطّ المنافقين في الأمّة يُشكّلون ضغطاً كبيراً لتحريف الآيات وفقاً لمصالحهم وأهواءهم.

الصنف الثالث: وهم الكفّار الذين يعادون الحق بصورة صريحة وواضحة.

وهكذا نجد القيادات الربّانية كانت دائماً تتبّع الآيات القرآنية ولا ترضخ للضغوط الداخلية والخارجية، أو الحكومات السياسية الطاغوتية وتاريخنا حافل بامثلة كثيرة من تلك البطولات.


[1] سورة محمد، الآية: 24.

[2] سورة المؤمنون، الآية: 68.

[3] سورة ص، الآية: 29.

[4] سورة النحل، الآية:43.

[5] سورة النساء، الآية 82.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (التاسع)

“رضوان من الله”

بسم الله الرحمن الرحيم


(وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْليلاً (14) وَ يُطافُ‏ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَواريرَا (15)قَواريرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْديراً)

صدق الله العلي العظيم


تفصيل القول
لذّات البشر في الحياة لها مراتب، ومن يستطيع أن يستفيد منها بصورة صحيحة يترّفع عن الشهوات الغير مشروعة، وهكذا نجد أنّ مشكلة الذين يرتكبون المفاسد الأخلاقية أنّهم لم يستفيدوا من النعم بصورة صحيحة وبالتالي لم يصلوا الى الاطئمان والسعادة، بخلاف المؤمن الذي يعيش السعادة، لأنّه لا يتعدّى حدود الرب المتعال في الحياة تجده يلتذّ بالنعم الإلهية ويعيش السعادة في الحياة.
يقول ربّنا تعالى في سورة آل عمران: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ‏ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنينَ وَ الْقَناطيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ]
فغريزة بناء الأسرة وحُبّ البنين، أو امتلاك ما يمنح الانسان مكانة اجتماعية من القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة و الخيل المسوّمة..الخ كلُّ ذلك متاعُ الحياة الدينا ولا يُقاس بما عند الرب سبحانه وتعالى، ومن هنا تجد المؤمن يستفيد من اللذات (المتاع) بأفضل صورة في اطار مرضاة الرب سبحانه وتعالى، فلا ينعزل عن الحياة وينتهج الرُهبانية التي نهى عنها النبي (ص) حين قال لعثمان ابن مضعون: )) إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْنَا الرَّهْبَانِيَّةَ إِنَّمَا رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي‏ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّه‏))
لذة العافية
من الأبعاد المهّمة في الاستفادة والتلذذ بالنعمة هو النظر الى من فُضّلنا عليهم بالنعم،
جاء في الحديث الشريف:
((اكثر النظر الى‏ من فضلت عليه فان ذلك من ابواب الشكر))
ولكن فيما يرتبط بالأبعاد المعنوية، علينا النظر الى من هو أعلى منّا منزلة، وهكذا تُعرف تلك النعمة بوضوح حينما يُشرف أهل الجنّة على النار، فيشكرون الباري عزّ وجلّ على ما أنعم عليهم، جاء في الحديث عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: «مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً إِلَّا جَعَلَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلًا وَ فِي النَّارِ مَنْزِلًا فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَشْرِفُوا فَيُشْرِفُونَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ وَ تُرْفَعُ لَهُمْ مَنَازِلُهُمْ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ مَنَازِلُكُمُ الَّتِي لَوْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ لَدَخَلْتُمُوهَا يَعْنِي النَّارَ قَالَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً مَاتَ فَرَحاً لَمَاتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَرَحاً لِمَا صُرِفَ عَنْهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ النَّارِ ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ فَيَنْظُرُونَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ فَيُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ مَنَازِلُكُمُ الَّتِي لَوْ أَطَعْتُمْ رَبَّكُمْ لَدَخَلْتُمُوهَا قَالَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً مَاتَ حُزْناً لَمَاتَ أَهْلُ النَّارِ حُزْناً فَيُورَثُ هَؤُلَاءِ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ وَ يُورَثُ هَؤُلَاءِ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ‏ [أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ]».
ليس في الآخرة فحسب بل النظر في الابتلاءات عند الناس في الدنيا تزيدنا تحسساً بنعم الباري تعالى علينا.
النعم والاحساس بالفراغ
يبحث الانسان عن اللذّة التي توصله الى الاطمئنان، ويشعر بداخله بالحاجة للوصول الى تلك اللذّة، ولكنّه ما إن يصل الى نعمةٍ ما فإنّه سُرعان ما يشعر بعدم الوصول الى مبتغاه فيبحث عن لذّة أخرى وهكذا الى أن يشعر بالفراغ.
لكنّ الواقع أنّ قلب الانسان يبحث الله، ولذّة مناجاته، والقُرب منه، و تلك هي اللذّة الحقيقية التي نقرء عنها في مناجاة المريدين للامام زين العابدين أنّه قال: ((وَلا تَقْطَعْني عَنْكَ، وَلا تُبْعِدْني مِنْكَ، يا نَعيمي وَجَنَّتي، وَيا دُنْيايَ وَآخِرَتي،))
تلك اللذة التي يشعر بها حجّاج بيت الله الحرام، وزوّار الحسين عليه السلام، حيث يشعرون لحظة من نسيم الحُبّ الالهي، والشعور بالقُرب منه.
و هذه هي النعمة العُظمى في الجنّة جاء في الحديث عن الامام زين العابدين في وصف أهل الجنّة: ((فَيَمْكُثُونَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ إِنَّ الْجَبَّارَ يُشْرِفُ‏ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ أَوْلِيَائِي وَ أَهْلَ طَاعَتِي وَ سُكَّانَ جَنَّتِي فِي جِوَارِي أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وَ أَيُّ شَيْ‏ءٍ خَيْرٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ نَحْنُ فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُنَا وَ لَذَّتْ أَعْيُنُنَا مِنَ النِّعَمِ فِي جِوَارِ الْكَرِيمِ قَالَ فَيَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا نَعَمْ فَأْتِنَا بِخَيْرٍ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رِضَايَ عَنْكُمْ وَ مَحَبَّتِي لَكُمْ خَيْرٌ وَ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ قَالَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ يَا رَبَّنَا رِضَاكَ عَنَّا وَ مَحَبَّتُكَ لَنَا خَيْرٌ لَنَا وَ أَطْيَبُ لِأَنْفُسِنَا ثُمَّ قَرَأَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع هَذِهِ الْآيَةَ: [وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏].))
من يعيش بذلك الرضا في الحياة فإنّه يعيش الجنّة وهو في الدنيا.
سيدّي بحبّك لي
اشتدّ بالناس العطش في مكّة ومنعت السماء قطرها، ولم تنفع صلاة الاستقاء منهم ومن العبّاد والنسّاك ، حتّى التجأ الناس الى الامام زين العابدين عليه السلام، جاء الى بيت الله، وخرّ ساجداً وهو يقول: سَيِّدِي‏ بِحُبِّكَ‏ لِي إِلَّا أَسْقَيْتَهُمُ الْغَيْثَ فَمَا اسْتَتَمَّ الْكَلَامَ حَتَّى أَتَاهُمُ الْغَيْثُ كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ ثُمَّ وَلَّى عَنَّا قَائِلًا
مَنْ عَرَفَ الرَّبَّ فَلَمْ تُغْنِهِ‏ مَعْرِفَةُ الرَّبِّ فَهَذَا شَقِيٌ‏
مَا ضَرَّ فِي الطَّاعَةِ مَا نَالَهُ‏ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَ مَا ذَا لَقِيَ‏
مَا يَصْنَعُ الْعَبْدُ بِعِزِّ الْغِنَى‏ وَ الْعِزُّ كُلُّ الْعِزِّ لِلْمُتَّقِي‏


وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْليلاً (14) وَ يُطافُ‏ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَواريرَا (15)قَواريرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْديراً
تفصيل القول
لذّات البشر في الحياة لها مراتب، ومن يستطيع أن يستفيد منها بصورة صحيحة يترّفع عن الشهوات الغير مشروعة، وهكذا نجد أنّ مشكلة الذين يرتكبون المفاسد الأخلاقية أنّهم لم يستفيدوا من النعم بصورة صحيحة وبالتالي لم يصلوا الى الاطئمان والسعادة، بخلاف المؤمن الذي يعيش السعادة، لأنّه لا يتعدّى حدود الرب المتعال في الحياة تجده يلتذّ بالنعم الإلهية ويعيش السعادة في الحياة.
يقول ربّنا تعالى في سورة آل عمران: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ‏ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنينَ وَ الْقَناطيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ]
فغريزة بناء الأسرة وحُبّ البنين، أو امتلاك ما يمنح الانسان مكانة اجتماعية من القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة و الخيل المسوّمة..الخ كلُّ ذلك متاعُ الحياة الدينا ولا يُقاس بما عند الرب سبحانه وتعالى، ومن هنا تجد المؤمن يستفيد من اللذات (المتاع) بأفضل صورة في اطار مرضاة الرب سبحانه وتعالى، فلا ينعزل عن الحياة وينتهج الرُهبانية التي نهى عنها النبي (ص) حين قال لعثمان ابن مضعون: )) إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْنَا الرَّهْبَانِيَّةَ إِنَّمَا رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي‏ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّه‏))
لذة العافية
من الأبعاد المهّمة في الاستفادة والتلذذ بالنعمة هو النظر الى من فُضّلنا عليهم بالنعم،
جاء في الحديث الشريف:
((اكثر النظر الى‏ من فضلت عليه فان ذلك من ابواب الشكر))
ولكن فيما يرتبط بالأبعاد المعنوية، علينا النظر الى من هو أعلى منّا منزلة، وهكذا تُعرف تلك النعمة بوضوح حينما يُشرف أهل الجنّة على النار، فيشكرون الباري عزّ وجلّ على ما أنعم عليهم، جاء في الحديث عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: «مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً إِلَّا جَعَلَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلًا وَ فِي النَّارِ مَنْزِلًا فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَشْرِفُوا فَيُشْرِفُونَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ وَ تُرْفَعُ لَهُمْ مَنَازِلُهُمْ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ مَنَازِلُكُمُ الَّتِي لَوْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ لَدَخَلْتُمُوهَا يَعْنِي النَّارَ قَالَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً مَاتَ فَرَحاً لَمَاتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَرَحاً لِمَا صُرِفَ عَنْهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ النَّارِ ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ فَيَنْظُرُونَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ فَيُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ مَنَازِلُكُمُ الَّتِي لَوْ أَطَعْتُمْ رَبَّكُمْ لَدَخَلْتُمُوهَا قَالَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً مَاتَ حُزْناً لَمَاتَ أَهْلُ النَّارِ حُزْناً فَيُورَثُ هَؤُلَاءِ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ وَ يُورَثُ هَؤُلَاءِ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ‏ [أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ]».
ليس في الآخرة فحسب بل النظر في الابتلاءات عند الناس في الدنيا تزيدنا تحسساً بنعم الباري تعالى علينا.
النعم والاحساس بالفراغ
يبحث الانسان عن اللذّة التي توصله الى الاطمئنان، ويشعر بداخله بالحاجة للوصول الى تلك اللذّة، ولكنّه ما إن يصل الى نعمةٍ ما فإنّه سُرعان ما يشعر بعدم الوصول الى مبتغاه فيبحث عن لذّة أخرى وهكذا الى أن يشعر بالفراغ.
لكنّ الواقع أنّ قلب الانسان يبحث الله، ولذّة مناجاته، والقُرب منه، و تلك هي اللذّة الحقيقية التي نقرء عنها في مناجاة المريدين للامام زين العابدين أنّه قال: ((وَلا تَقْطَعْني عَنْكَ، وَلا تُبْعِدْني مِنْكَ، يا نَعيمي وَجَنَّتي، وَيا دُنْيايَ وَآخِرَتي،))
تلك اللذة التي يشعر بها حجّاج بيت الله الحرام، وزوّار الحسين عليه السلام، حيث يشعرون لحظة من نسيم الحُبّ الالهي، والشعور بالقُرب منه.
و هذه هي النعمة العُظمى في الجنّة جاء في الحديث عن الامام زين العابدين في وصف أهل الجنّة: ((فَيَمْكُثُونَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ إِنَّ الْجَبَّارَ يُشْرِفُ‏ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ أَوْلِيَائِي وَ أَهْلَ طَاعَتِي وَ سُكَّانَ جَنَّتِي فِي جِوَارِي أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وَ أَيُّ شَيْ‏ءٍ خَيْرٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ نَحْنُ فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُنَا وَ لَذَّتْ أَعْيُنُنَا مِنَ النِّعَمِ فِي جِوَارِ الْكَرِيمِ قَالَ فَيَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا نَعَمْ فَأْتِنَا بِخَيْرٍ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رِضَايَ عَنْكُمْ وَ مَحَبَّتِي لَكُمْ خَيْرٌ وَ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ قَالَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ يَا رَبَّنَا رِضَاكَ عَنَّا وَ مَحَبَّتُكَ لَنَا خَيْرٌ لَنَا وَ أَطْيَبُ لِأَنْفُسِنَا ثُمَّ قَرَأَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع هَذِهِ الْآيَةَ: [وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏].))
من يعيش بذلك الرضا في الحياة فإنّه يعيش الجنّة وهو في الدنيا.
سيدّي بحبّك لي
اشتدّ بالناس العطش في مكّة ومنعت السماء قطرها، ولم تنفع صلاة الاستقاء منهم ومن العبّاد والنسّاك ، حتّى التجأ الناس الى الامام زين العابدين عليه السلام، جاء الى بيت الله، وخرّ ساجداً وهو يقول: سَيِّدِي‏ بِحُبِّكَ‏ لِي إِلَّا أَسْقَيْتَهُمُ الْغَيْثَ فَمَا اسْتَتَمَّ الْكَلَامَ حَتَّى أَتَاهُمُ الْغَيْثُ كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ ثُمَّ وَلَّى عَنَّا قَائِلًا
مَنْ عَرَفَ الرَّبَّ فَلَمْ تُغْنِهِ‏ مَعْرِفَةُ الرَّبِّ فَهَذَا شَقِيٌ‏
مَا ضَرَّ فِي الطَّاعَةِ مَا نَالَهُ‏ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَ مَا ذَا لَقِيَ‏
مَا يَصْنَعُ الْعَبْدُ بِعِزِّ الْغِنَى‏ وَ الْعِزُّ كُلُّ الْعِزِّ لِلْمُتَّقِي‏

تلك هي المرتبة السامية حيث يحبهم الله ويحبونه ورضي عنهم ورضو عنه، هذا في الدنيا أمّا في الجنة فرضوان من الله اكبر، يقول ربّنا تعالى: [وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها]
ليس لأنّ فيها شمسا و حرّا، بل هي كناية عن تناسب أشجار الجنة و حالة الرفاه المهيّأة لأهلها بحيث تغطّي فوقهم. و لكنّها في نفس الوقت قريبة ثمارها إليهم، ميسّرة عليهم تناولها.
[وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْليلاً]
و المفعول المطلق «تذليلا» يفيد التأكيد و المبالغة، أي أنّها مذلّلة أيّما تذليل،
[وَ يُطافُ‏ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَواريرَا]
و لعلّ الآنية المطاف بها هي التي يستقلّ الولدان فيها أكواب الشراب، أو التي يكون فيها الشراب الذي يصبّ في الأكواب بعدئذ، أو هي أواني الأكل و الفواكه التي يحملها الولدان إلى أولياء اللّه عزّ و جل. بينما الأكواب هي الكؤوس التي لها مقبض و عروة، و في صنعتها الرائعة تتجلّى قدرة اللّه و كرامته لأوليائه.
[قَواريرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْديراً]
قال الإمام الصادق (ع): «ينفذ البصر في فضّة الجنة كما ينفذ في الزجاج‏))
و لن يستطيع بشر تصوّر شي‏ء من نعيم الجنة على حقيقتها أبدا، رزقنا الله واياكم الجنّة بحق محمد وآل محمد.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثامن)

“جَزاهُمْ‏ بِما صَبَرُوا”

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَجَزاهُمْ‏ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَريراً (12) مُتَّكِئينَ‏ فيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فيها شَمْساً وَ لا زَمْهَريراً] (13)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

السور الثلاث الأخيرة من الجزء التاسع والعشرون، تتكامل فيما بينها، فبينما تتحدّث سورة القيامة عن احداث ذلك اليوم العظيم، نجد أنّ سورة الدهر تتحدّث عن الجنّة ونعيمها غالباً، وسورة المرسلات تتحدّث غالباً عن العذاب.

وفي اطار الحديث عن النِعم في الجنة يُحدّثنا ربّنا تعالى عن جزاء المؤمنين، ورحمته تعالى التي هي أساس النعم في الجنّة، وكما أنّ رحمة الرب المُتعال غير متناهية كذلك نعمه في الجنّة لا تنتهي، حيث يزداد المؤمن نعماً من ربّه باستمرار، ويبقى خالداً في النعيم، ولكن لا بمعنى استقلاله في الوجود، فهو يبقى مخلوقاً مُحتاجاً الى الخالق تعالى الغني بالذات.

شوّقني يابن رسول الله

يأتي ابو بصير الى الامام الصادق عليه السلام فيقول له جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ شَوِّقْنِي..

كما مرّ أنّ الشوق يرتبط بالصبر الذي هو من دعائم الايمان، و طلب ابو بصير وهو في تلك المرتبة الجليلة يطلب من الامام أن يشوّقه يدلّ على أنّ من مسؤولية الانسان المؤمن إذا وجد في نفسه ضعف أمام التحدّيات والضغوطات، أو خارت عزيمته بسببٍ أو بآخر أن يعالج سبب ذلك بالشوق أو الشفق أو باستذكار النعم الالهية عليه أو ما أشبه.

قال الامام عليه السلام لأبي بصير:

 ((يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ الْجَنَّةَ تُوجَدُ رِيحُهَا مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ‏.

 وَ إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا لَوْ نَزَلَ بِهِ الثَّقَلَانِ الْجِنُّ وَ الْإِنْسُ لَوَسِعَهُمْ طَعَاماً وَ شَرَاباً وَ لَا يَنْقُصُ مِمَّا عِنْدَهُ شَيْ‏ءٌ وَ إِنَّ أَيْسَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَيُرْفَعُ لَهُ ثَلَاثُ حَدَائِقَ فَإِذَا دَخَلَ أَدْنَاهُنَّ رَأَى فِيهَا مِنَ الْأَزْوَاجِ وَ الْخَدَمِ وَ الْأَنْهَارِ وَ الثِّمَارِ مَا شَاءَ اللَّهُ‏ فَإِذَا شَكَرَ اللَّهَ وَ حَمِدَهُ قِيلَ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ إِلَى الْحَدِيقَةِ الثَّانِيَةِ فَفِيهَا مَا لَيْسَ فِي الْأُولَى فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَعْطِنِي هَذِهِ فَيَقُولُ لَعَلِّي‏.. إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا فَيَقُولُ رَبِّ هَذِهِ هَذِهِ فَإِذَا هُوَ دَخَلَهَا وَ عَظُمَتْ‏ مَسَرَّتُهُ شَكَرَ اللَّهَ وَ حَمِدَهُ.

 قَالَ: فَيُقَالُ افْتَحُوا لَهُ بَابَ الْجَنَّةِ وَ يُقَالُ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَإِذَا قَدْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الْخُلْدِ وَ يَرَى أَضْعَافَ مَا كَانَ فِيمَا قَبْلُ فَيَقُولُ عِنْدَ تَضَاعُفِ مَسَرَّاتِهِ رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ الَّذِي لَا يُحْصَى إِذْ مَنَنْتَ عَلَيَّ بِالْجِنَانِ وَ أَنْجَيْتَنِي مِنَ النِّيرَانِ فَيَقُولُ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ وَ أَنْجِنِي مِنَ النَّارِ.

 قَالَ أَبُو بَصِيرٍ فَبَكَيْتُ، وَ قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ زِدْنِي..

 قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهَراً فِي حَافَتَيْهَا جَوَارٍ نَابِتَاتٌ إِذَا مَرَّ الْمُؤْمِنُ بِجَارِيَةٍ أَعْجَبَتْهُ قَلَعَهَا وَ أَنْبَتَ اللَّهُ مَكَانَهَا أُخْرَى..[1]

يقول ربّنا تعالى: [وَجَزاهُمْ‏ بِما صَبَرُوا]

الصبر من الايمان بمثابة الرأس من الجسد، وهو يعني الغاء حاجز الزمان بين الفعل والجزاء، وبالتالي يعيش الانسان الصابر الجنّة ونعيمها ويكون ذلك داعياً لفعل الطاعة واجتناب المعصية ويكون جزاؤهم [جَنَّةً وَ حَريراً]

و لعلّ في الآية إشارة إلى أنّ إخلاص الإنسان في عمله، و خروجه من حبّ‏ الذات (حبّ التظاهر و الإطراء) عند الإنفاق بالذات، بحاجة إلى إرادة عالية و صبر عظيم يقاوم بهما تحدّيات النفس و الشيطان.

[مُتَّكِئينَ‏ فيها عَلَى الْأَرائِكِ]

جمع أريكة، و هي الأسرّة المحشوّة على أفضل وجه، ويتكئ الانسان بعد أن يفرغ من عمله، وهكذا أهل الجنّة ينعمون بما عملو في الدنيا.

[لا يَرَوْنَ فيها شَمْساً وَ لا زَمْهَريراً]

 و الشمس كناية عن الحرّ، أمّا الزمهرير فهو البرد الشديد.


[1] بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏8، ص: 121

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثاني)


“مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏”

بسم الله الرحمن الرحيم

[هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً(1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ نَبْتَليهِ فَجَعَلْناهُ سَميعاً بَصيراً (2)]

صدق الله العلي العظيم

من الحديث

عن زرارة قال‏ سألت أبا جعفر (الإمام الباقر)- عليه السلام- عن قوله: «الآية» فقال: «كان شيئا و لم يكن مذكوراً»[1]

تفصيل القول

وجدان الانسان مستودع المعارف، حيث أنّ كلّ الحقائق التي يُسئل عنها الانسان يوم القيامة موجودة في داخله، ولكن بصورة مُجملة، وبالايمان والعلم تتحوّل الحقائق الى تفصيل.

فنعلم بوجداننا أنّنا لم نكن شيئاً، أو لم نكن مذكورين، حيث كُنّا في علم الله وفي العوالم التي سبق هذا العالم، ونعلم بوجداننا أيضاً أنّ هناك خالقاً حوّلنا من عالم الى عالم وجاء بنا الى هذه الحياة، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، تلك النعم التي ليس فقط لا نستطيع شكرها، بل ولا نستطيع ادراكها وعدّها، اقول: الآن وبعد التحوّل الذي حدث لنا، وقد أصبح الانسان شيئاً مذكوراً، لابدّ من التساؤل عن الهدف من الوجود، خصوصاً وأنّنا نعلم حكمته تعالى وتقديره، فلابدّ من البحث عن الحِكمة والهدف من الوجود؟

الآية الثانية من السورة تُجيب عن ذلك بقوله تعالى:

[إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ نَبْتَليهِ]

فالهدف هو الابتلاء والامتحان، ولكن قبل أن نخوض في تفصيل ذلك نتساءل عن مع قوله: [نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏] ليكون مدخلاً للحديث عن الابتلاء.

معنى الأمشاج كما في اللغة هو الاختلاط الذي لا يمكن فصله، فهو يعني أولاً: اختلاط ماء الرجل بالمرأة كما جاء في الحديث عن الإمام الباقر (ع): «ماء الرجل و المرأة اختلطا جميعا»[2]

ثانياً: معنى الآية هو امتزاج النور حيث نفخ الرب سبحانه وتعالى من روحه في الانسان والنار حيث الطين الذي خُلق منه، ويمكن التدليل على هذا المعنى مضافاً للروايات الواردة في بيان ذلك الى العلاقة بين كلمة [أَمْشاجٍ‏] [نَبْتَليهِ] حيث أن مقتضى الابتلاء هو الثنائية في خلقة الانسان بين البُعد الالهي والبُعد الدوني المرتبط بطبيعة البشر.

الابتلاء هدف الحياة

اذن جوهر الحياة الذي يعيه الانسان بوجدانه هو الابتلاء ، ومقتضاه تعدد الاختيارات ممّا يعطي للانسان حق الانتحاب، ذلك الحق الذي اعطاه الرب بنسبة أو بأخرى لكلّ المخلوقات كما قال تعالى: [ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعينَ‏] (11)

 لكن الاختيار بمقدار كبير جُعل للانسان و نتيجة ذلك أن مسؤوليته أيضاً تتعاظم وبالتالي جزاؤه ايضاً عظيم للمطيعين وعقابه شديد للعاصين.


[1] نور الثقلين، ج 5 ص 468.

[2] نور الثقلين، ج 5 ص 469.

مكتب سماحة المرجع المُدرّسي يرحب بتطبيق قرار الغاء رسوم تأشيرة السفر بين العراق وايران ويدعو الى تعميمها مع باقي بلدان الأمة

بمناسبة تطبيق قرار رفع قيود ورسوم تأشيرة السفر الذي يُعمل به منذ اليوم الإثنين 24 رجب الأصب الموافق /1/4/2019م، بين البلدين الإسلاميين الجارين العراق وايران، يرحب مكتب سماحة المرجع المُدرّسي (دام ظله) في كربلاء المقدسة، بهذه الخطوة التي تعزز أواصر العلاقات والتعاون بين الشعبين والبلدين، وتُسهَّل حركة المسافرين، سواء بهدف زيارة المدن المقدسة، فضلاً عن الزيارات السياحية أو العلاجية أو الاجتماعية وسواها ويدعوا الى اتخاذ خطوة مشابهة بين باقي البلدان والشعوب الإسلامية.
وإذ نثمن جهود كل من ساهم في اتخاذ هذا القرار وتطبيقه فإن هذه الخطوة كانت أمنية ودعوة سماحة المرجع المُدرّسي وسعيه الحثيث منذ سنوات وقد قام سماحته بتوجيه المسئولين في البلدين، كما أن سماحته ليتطلع إلى اتخاذ وتطبيق هكذا قرار ايجابي، برفع رسوم وقيود السفر والإقامة بين جميع الدول المجاورة والإسلامية والشقيقة سواء بسواء، لأنَّ في ذلك منفعة الأمة وتحقيق قيمة الوحدة الإسلامية التي يأمرنا الله تعالى بها حين يقول: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، والى المزيد من التعاون بين شعوبنا وبلادنا والله المستعان.

سبل التنمية العلمية في عصر تراكم المعلومات

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 22/جمادى الثاني / 1440 هـ ، الموافق 02/28/ 2019 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

تفسير سورة المعارج المباركة _الدرس الاول

العنوان :ماهي العقبات بيننا وبين الايمان الخالص ؟

كربلاء المقدسه _يوم الاربعاء2019/02/20 م الموافق14/جمادى الاخر /1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)

الحصون المجتمعية تحفظ القيم الاخلاقية

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 03/جماد الاول / 1440 هـ ، الموافق 03/10/ 2019 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

تفسير سورة الحاقة المباركة _الدرس الثامن

العنوان :العقل كنز المعارف

كربلاء المقدسه _يوم السبت2019/02/16 م الموافق10/جمادى الاخر /1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)

تفسير سورة القلم المباركة _الدرس الثاني عشر

العنوان:التسلم المطلق لله

كربلاء المقدسه _يوم السبت 2019/01/20م الموافق13/جمادى الاول /1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)

تفسير سورة القلم المباركة _الدرس التاسع

العنوان:البحث عن طمئنينة الايمان

 

كربلاء المقدسه _يوم الثلاثاء 2019/01/15م الموافق07/جمادى الاول /1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)

تفسير سورة الممتحنة المباركة _الدرس السابع

العنوان :العدالة الاسلاميه الدقيقه

كربلاء المقدسه _يوم الاحد 2018/10/07م الموافق 27/محرم الحرام/1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)

تفسير سورة الحشر المباركة _الدرس الثاني عشر

 العنوان :علينا فهم وتفسير القران الكريم بصورة صحيحه

كربلاء المقدسه _يوم الاحد 2018/09/23م الموافق 13/محرم الحرام/1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)

تفسير سورة الحاقة المباركة _الدرس الخامس

العنوان:من هم حملة العرش ؟

كربلاء المقدسه _يوم الاثنين 2019/02/11 م الموافق05/جمادى الاخر /1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)