الحج فرصة لترسيخ القيم الإلهية واقتلاع جذور الفساد

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٥ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْالْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴿١٩٧ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴿١٩٨ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٩٩ رِمِينَ ﴿١١٦ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴿١١٧

(سورة البقرة المباركة)

 

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 08/ ذي الحجة/ 1438 هـ ، (ليلة عرفة المباركة)، الموافق  31/ 08/ 2017 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

 

للمزيد: http://almodarresi.com/ar/archives/8443

           http://almodarresi.com/ar/archives/8445

الإصلاح ومكافحة الفساد ، سبيل ”النهضة الحسينية“

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٨٥ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴿٨٦

(سورة الأعراف المباركة)

.

الإصلاح ومكافحة الفساد ، سبيل النهضة الحسينية

إعداد / بشير عباس

ان الاصلاح هو رسالة الانبياء وهدف الائمة المعصومين وهو كذلك رسالة أبي عبد الله الحسين صلوات الله عليه. ففي اول خطبة ألقاها في مكة المكرمة وكانت انطلاقة ثورته العظيمة، قال عليه السلام: (واعلموا اني لم أخرج إشرا ولا بطراً ولا مفسداً ولاظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي …).
وحينما ندرس القرآن الكريم نجد انه يبين لنا بوضوح ان الله قد أصلح الكون، بمعنى انه تعالى خلق الكون والخليقة على أسس ثابتة حكيمة و رشيدة. أنّى توجهت و نظرت وتعمقت، لم تجد في هذه الفضاءات الرحيبة وفي هذه الاجرام العظيمة، وفي كل شيء صغير او كبير من أصغر ذرة الى اكبر مجرة، إلا النظام الدقيق والتدبير الحكيم، لا يشذ شيء عن ذلك، فهذا هو الصلاح والاصلاح. أما كل تغيير عن هذا المسار فهو الفساد بعينه، أي ان كل مخالفة لسنن الله في الحياة هي فساد وإفساد، ولذلك ربنا يقول في الآية الكريمة سورة الاعراف “ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها”. وهذه كانت مهمة الانبياء عليهم الصلاة والسلام، إنما بُعثوا لكي يقولوا للناس حين انحرفوا عن المسار الصحيح وافسدوا: (ان عذابا عظيما ينتظر المفسدين، ان لم تتوبوا الى الله، وإلا فان العاقبة السيئة هي المصير)، فاذا استجاب الناس رفع الله عنهم العذاب واصلح أمرهم، وإلا فان العذاب يُصب عليهم صبا، ويستأصلهم تعالى عن بكرة ابيهم. وهذه هي الدورة الرسالية في التاريخ وخلاصة كل ما نقرأه في القرآن المجيد من قصص الانبياء، تلك القصص الحق التي تتكرر في نبي وآخر ولكن بصور شتى.

(التطفيف) والفساد الاداري

لقد بعث الله تعالى نبيه شعيب مرتين، وهو من أهل (مدين)، مرةً الى منطقته ومرة الى غيرها، فحينما بُعث الى (مدين) كانت رسالته واضحة، وهي العودة الى عبادة الله، وعدم السرقة في الميزان، وهذه الحالة والظاهرة الفاسدة كانت سائدة في قوم شعيب، إذ لم يكن ليأخذ كل ذي حقٍ حقه، لذا خاطبهم نبيهم: “فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ”، فالبخس والتطفيف في المكيال والميزان، كلها مفردات للفساد والظلم بين الناس، وحذرهم شعيب عليه السلام، من ان هذا النهج سيتحول الى معول لتدمير اقتصادكم، فالاقتصاد الناجح والصاعد لا يمكن ان يتحقق بظلم الانسان لاخيه الانسان، وهذه سنّة الهية في الحياة. لنلاحظ بلادنا الاسلامية التي تمتلك بمعظمها الثروات المعدنية الهائلة والامكانيات الاقتصادية من زراعة وصناعة وأيدي عاملة وعقول، لكن مع ذلك نجدها في أسفل اقتصاديات العالم، فهي تأكل وتلبس وتسد معظم – إن لم نقل كل- احتياجاتها مما تصدره الدول ذات الاقتصاديات الناجحة.

هذا في عالم الدنيا، أما في الآخرة حيث الحساب يختلف كثيراً، فهو عسير وشديد، وربنا تعالى شديد اللهجة في مسألة الظلم وحقوق الناس فيما بينهم. هذا الظلم ربما يكون باشكال متعددة، او في جزئيات الامور التي لا يلتفت اليها البعض، مثل حركة كفتي الميزان أو (القبّان) في تعاملات الناس لاسيما على شكل بيع (الجملة) وليس المفرد الواضح الحجم، وربما يكون من خلال (بخس) الناس أشيائهم، كأن ألغي دور انسان عامل في سبيل الله وأحل محله بدوافع مختلفة، و ربما يكون الظلم بتعاطي الرشوة وخوض الفساد المالي والاداري، وغير ذلك كثير. لكن النتيجة واحدة، وهي الحساب العسير يوم القيامة، ففي الاحاديث أن أول شيء يوضع للحساب يوم القيامة مظالم الناس، فتفتح الدواوين، ويخرج كل ظالم ليرضي المظلوم بان يتنازل عن حقه، ومن الواضح انه لن يتنازل في ذلك اليوم المهول والعظيم، فالجميع بحاجة الى حسنات تجوز بهم الصراط ليتخلصوا من جحيم النار، فإما يأخذ المظلوم من حسنات الظالم، أو ان يلقي بسيئاته عليه…! بمعنى ان الخيارين أحلاهما مر!! لكن بالنتيجة المعادلة حقّة، لذلك يقول تعالى: “وقد خاب من حمل ظلما”. (طه /111).

لكن كيف يحمل الانسان الظلم يوم القيامة…؟!

من يغتصب قطعة من أرض جاره، مهما كانت صغيرة حتى وان كان شبراً واحداً، فانها تأتي يوم القيامة وقد اقتطعت من سبع أرضين، أي من عمق عشرات الكيلومترات في سطح الارض، ويتم تعليقها في رقبة ذلك الغاصب والمتعدي على الحقوق، فيطوف بها امام الخلائق في المحشر. وهذا بالنسبة لقطعة بسيطة من الارض، فما بالنا بالدور السكنية والاراضي الواسعة والبساتين وممتلكات الدولة والناس…؟! وهذه ايضاً من المعادلات الحكيمة والحقّة ، وليس لأحد الاعتراض، فهذا هو الاصلاح والصلاح، وجاء في مقابله الفساد والافساد، لنفترض انك تشتري سيارة من الشركة المصنعة. أول ما تبحث عن متانتها من حيث تركيب الاجزاء المتعددة من المحرك الى هيكل السيارة ومقاعدها وعجلاتها وغير ذلك، فاذا أجريت أي تغيير او تعديل في قطعة صغيرة هل تسير سيارتك بشكل صحيح؟ انها إن تحركت لبعض الوقت ستجلب لك الكارثة؟ وهذا ما يريد ان يبينه لنا ربنا تعالى وهو أحكم الحاكمين وخالق الكون والكائنات.

الفساد و الصدّ عن سبيل الله

عندما يتحدث ربنا تعالى عن الفساد فانه بالحقيقة يضيء لنا سبل الرشاد والنجاة بالمقابل، فالصلاح والاصلاح عامل يضمن سعادتنا في الحياة، لذا يبين تعالى المفردات الاخرى من منظومة الفساد والافساد في الحياة، تقول الآية الكريمة: “ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به”، (الاعراف /86)، بمعنى لا تغيروا المسار الطبيعي للحياة، فهنالك من يريد بناء مسجد او هيئة حسينية او مكتبة او أي مشروع ثقافي واجتماعي، فلا ينبغي أن يواجه الصدّ والمنع، فهذا سبيل الله وليس سبيل هذا وذاك. او يحصل ان مسلماً يروم أداء فريضة الحج فيحال دون ذلك لاسباب معينة، وهذا عين الصد عن سبيل الله، و قد لا يحصل الصدّ بقرار صريح ومباشر بحيث يورط المسؤول… إنما من خلال الوعيد والترهيب او حتى التضليل بحيث يتخلّى الناس عن سبيل المعروف، وبذلك فان الانسان المؤمن لن يجد الطريق الذي يعمل بايمانه وعلى الصراط المستقيم الذي رسمه الله تعالى. “وتبغونها عوجا” بمعنى ان هنالك محاولات لأن يكون العمل او البذل وفق الصراط المرسوم من هذا وذاك، وبما ينسجم مع المصالح والمنافع، وفي نفس سياق الآية الكريمة: ” وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ “، وليعلم الناس جميعاً انهم ليسوا أول من سكن هذه الارض، فقد مرّ علينا أناس كثيرون وأمم جاءت وبادت وتجربة المفسدين قائمة، فلماذا لا يستفيد انسان اليوم من تلكم التجارب حتى لايبتلى بعاقبة المفسدين؟

في آية اخرى ربنا يقول: “وسكنتم في مساكن الذين ظلموا انفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الامثال * وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وان كان مكرهم لتزول منه الجبال”. (ابراهيم /45) ان الحكام والمسؤولين في بلادنا يرون بأم أعينهم كيف ان هذا الزعيم وذاك يسحب ذليلاً بأيدي الثائرين وتسقط الانظمة مثل أوراق الخريف، وقد كان بعض أولئك يصفون شعوبهم الثائرة بـ (الجرذان)، وكانوا بحركة بسيطة من القلم يحكمون باعدام الآلاف من الناس، لكن في نهاية المطاف وجدوا انفهسم امام الموت الزؤام… كل ذلك وغيره يجب ان يكون عبرة لمن يعتبر، لكن تبقى مشكلة البشر هي التكبر والتعالي والعزّة بالأثم. بالرغم من التشابه والتطابق في الممارسات والنتائج بين هذا النظام الفاسد وذاك وبين هذا الحاكم الطاغية وذاك، إلا اننا نجد من يكابر ويجادل في المعادلة الإليهة باني (لست منهم….)!

الإصلاح مهمة الجميع

السؤال الذي يثور امامنا الآن: من الذي عليه إصلاح الامور…؟
هل هي الحكومة وأجهزة الدولة؟ أم الحوزة العلمية ومراجع الدين؟ أم الخطباء والمفكرون والمثقفون؟ واذا كان الجواب لأحد الخيارات المطروحة او كلها – مثلاً- فهل يعني ذلك ان يجلس سائر الناس ينتظرون الاصلاح يأتيهم على طبق من ذهب فينتقون منه ما يشاؤون؟!

هذا المنطق الذي يتبعه الكثير ويعبر عن اسلوب التبرير والتنصّل من المسؤولية، لا يقبله منّا الله تعالى، وهو منطق مرفوض، إنما المسؤولية جماعية، والاصلاح مهمة كل فرد في المجتمع، الصغير والكبير والمرأة والرجل، المتعلم وغيره. وهذا مصداق الآية الكريمة: “إنا عرضنا الأمانة على السموات والارض والجبال فأبين ان يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوماً جهولا”، فالذي حمل الامانة كان انساناً بغض النظر عن اوصافه، وإذن؛ فالمسؤولية ليست خاصة بالعلماء ولا الخطباء ولا الوزراء او غيرهم، إنما على كل انسان مسؤولية حمل الامانة المتمثلة في الاصلاح والتزام طريق الرشاد وليس الفساد. ثم ألم يقل ربنا تعالى: “وأن تردوا الامانات الى أهلها”، فهل نجتمع عند الراحة والعافية والمكاسب لنحصل على كل شيء، لكن عند تحمل مسؤولية الاصلاح يتنصّل وينسحب الجميع ويلقي كلٌ بالمسؤولية على الآخر…؟! ثم أين يكون منّا الحديث النبوي الشريف: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). طبعاً مع فارق الحجم في تحمل المسؤولية، فربما يكون واجب الطبيب اكبر من الموظف، او واجب عالم الدين والمرجع اكبر من واجب الطالب في الحوزة العلمية وهكذا… وفي الحديث الشريف: (ان الله تعالى يغفر للجاهل سبعين ذنباً قبل ان يغفر للعالم ذنبا واحدا)… لكن في كل الاحوال يبقى تحمل المسؤولية من واجب الجميع.

عاشوراء .. رمز الاصلاح

علّمنا الامام الحسين عليه السلام كما علمتنا نهضته الكبرى ان الاصلاح ليس من مسؤولية شخص واحد، انما هي على كل انسان أنى كان مستواه ومكانته، فعندما كان عليه السلام يطلق نداءاته عالياً بالنصرة والانضمام الى جبهة الحق، إنما كان يوجه خطابه للآلاف المؤلفة من المغرر بهم في جيش الضلال والباطل، وايضاً الى اهل الكوفة الذين غدروا به، وكذلك يوجه نداءه للتاريخ والاجيال، وينقل التاريخ ان الى جانب الحر اهتدى اشخاص عديدون وانضموا الى معسكر الامام عليه السلام بعد ان سمعوا و وعوا النداء وتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل. وإلا ما الذي كان يجبر الحر وهو قائد عسكري ورجل ذو مكانة وهيبة في الكوفة من أن يخسر كل شيء في حياته؟ وكذلك الحال بالنسبة لزهير بن القين الذي كان معروفاً بانه (عثماني الهوى)، وغيرهم فضلوا نصرة الحق والقيم والمبادئ على نصرة الطاغية والحصول على حفنة من الاموال الوسخة.

ان نداءات الامام الحسين عليه السلام ما تزال تتردد عبر الاجيال، ومع قرب شهر محرم الحرام وصفر وتجدد الاحزان على مصاب أبي عبد الله الحسين واهل بيته واصحابه، فان الزائرين من كل حدبٍ وصوب والمعزين يهتفون بصوت واحد: (لبيك داعي الله… ان كان لم يجبك بدني عند استغاثتك، فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري). هذه التلبية بالحقيقة تمثل نصرة المبادئ والقيم التي استشهد من اجلها الحسين عليه السلام، وهي مبادئ السماء والقرآن الكريم واقتلاع جذور الفساد والانحراف في الامة.
إذن؛ نعرف ان سبيل الامام الحسين عليه السلام هو اجراء عملية اصلاحية واسعة وشاملة ودائمة تستمر حتى قيام الامام الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه، فهو عليه السلام سيرفع راية الامام الحسين، ورب سائل: ولماذا يحمل الامام الحجة راية جده الحسين عليهما السلام؟ سيجيبنا الامام نفسه عجل الله فرجه بنفس ما قاله جده الحسين عليه السلام: (إنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر).

لا نكون جنوداً للفساد

ان كل ظواهر الفساد والانحراف لن تأتي قطعاً من خارج الواقع الذي نعيشه، إنما هي من صميم الواقع، وكما أسلفنا فان الله تعالى أنعم علينا وعلى البشرية بنعمة الهداية “إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا” (الانسان /3)، فالانسان بامكانه ان يشق طريق الفساد بنفسه إن شاء ذلك، وإن لم يشأ فلا قدرة في الكون تجبره على سلوك طريق الانحراف والقيام باعمال الفساد، حتى الشيطان الرجيم ليس له سلطان على الانسان. وعليه بدلاً من ان يكون جندياً في سبيل الفساد، حريٌ بكل انسان شريف و ذو لب أن يكون جندياً في سبيل الاصلاح. واذا كل انسان تحمل مسؤولية الاصلاح ومكافحة الفساد أياً كان وفي أي مكان، فان الحياة تصبح جميلة وهانئة للجميع، وهذا لن يتحقق اذا كنا متفرقين، كلٌ يسير في اتجاه، انما بالوحدة والعمل الجماعي، وهذا بدوره لن يتحقق إلا من خلال إصلاح ذات البين وازالة كل عوامل التباعد والشقاق. ثم ان جدار الوحدة المرصوص لن يدع مجالاً او ثغرة للشيطان ان ينفذ ويفسد النفوس ويبعدها عن الدين، والعكس بالعكس، لذا على الجميع، وكلٌ من موقعه ان يحاول تضييق شقة الخلاف بين المؤمنين وعدم الخوض في نقاط الخلاف وتبادل كلمات الغيبة والنميمة والتنابز بالالقاب. فهذه آيات القرآن الكريم تحذرنا من خطورة الغيبة والتهمة والتنابز بالالقاب و السخرية من الاخرين وايضاً من العصبية والحميّة. كل هذا يُعد خطوات مهمة على طريق الاصلاح وتقوية قواعد الامة واركانها لتكون حقاً النموذج الراقي والناجح الذي اراده لنا الله تعالى ونبيه.

.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 21/ ذو الحجة/ 1432 هـ ، الموافق 17/ تشرين الثاني – نوفمبر/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

 

إصرار الجميع على الحكم تهدد ”ديمقراطية العراق“

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴿٧٦ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿٧٧قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿٧٨ 

(سورة القصص المباركة)

.
إصرار الجميع على الحكم تهدد ديمقراطية العراق بتجربة (كنوز قارون)

إعداد / بشير عباس

تسائلت طويلاً؛ لماذا بيّن ربنا سبحانه وتعالى قصة قارون وبصورة مفصلة في ختام (سورة القصص)؟
إن (سورة القصص) تبين لنا معالم الحركة الرسالية، وكيف ان الله تعالى ينقذ امة مستضعفة كبني اسرائيل عبر قيادة يختارها الله لهم، ويصطنعها لنفسه. في بداية السورة نقرأ قصة فرعون، ثم نقرأ سنة الله في البشر حيث يقول:وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ” ثم يبين كيفية ظهور هذه القيادة في قوله تعالى: “واوحينا الى ام موسى ان ارضعيه” ثم نقرأ سياق القصة وكيف ان الله حافظ على موسى عليه السلام؟ وبعد ان بلغ مرحلة الشباب كيف كوّن حركة رسالية سرية ومن ثم بسبب حادثة النزاع بين من هو من شيعته ومن هو عدوه، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه. ومن ثم خرج من مصر الى مدين وبالتالي عاد ومعه الرسالة والى اخر القصة…؟ وكيف انتصر ربنا لموسى ولبني اسرائيل وكيف وصلوا الى الحكم وتحققت ارادة الله وقال: “وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي، من خلال هذه القصة يتبين لنا ان قصة بني اسرائيل مع موسى عليه السلام كانت بيد الله تعالى من بداية انعقاد نطفة موسى عليه السلام، وحتى تحقيق النصر الالهي على فرعون.
إذن؛ فماهي مناسبة قصة قارون في هذا السياق؟

قارون .. وعبرة الاختبار بالمال

ان قصة قارون تبدأ من حيث تنتهي أزمة بني اسرائيل ومشكلتهم مع الحاكم الظالم والطاغية الدموي المعروف (فرعون)، فبعد تحقيق الانتصار بدأت الاموال والامكانات والسلطة والوجاهات والوزارات تنهال عليهم، بمعنى انهم دخلوا الامتحان الصعب، ففي الوقت الذي كانوا مستضعفين في الارض، وكان احدهم لا ينام مع زوجته باطمئنان في بيته لوجود جواسيس فرعون الذين يبحثون عن الاولاد الذكور ليذبحوهم، كان الجميع مؤمنين متوسلين بالله، لكن بعد الانتصار واستحصال عوامل القوة والقدرة من مال وجاه، نسوا ربهم وتاريخهم وخرج منهم شخص مثّل الشر كله ومعه اتباع اسمه (قارون).
في هذه السورة المباركة يتحدث ربنا تعالى عن هارون ويقول: هذا الرجل كان من قوم موسى فبغى عليهم، لكن لماذا اتخذ هذا الموقف وتحول الى خنجر في ظهرهم؟

من الواضح ان القرآن الكريم لم يأت ليكون كتاب تاريخ، انما هو كما الشمس، اذا تغيب يوماً فانها تشرق بعدها من جديد وعلى يوم جديد، كذلك القرآن الكريم، علينا ان نقرأه كل يوم ونستفيد من آياته ونطبقه على واقعنا الذي نعيشه اليوم وغداً والى يوم القيامة، حتى لا نقع فيما وقع فيه الاخرون. وهنا قارون كان احد افراد بني اسرائيل “إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى، فكان معهم يصلي ويصوم ويتعبد ويشارك في التخطيط والعمل السري و… غير ذلك، لكن الذي حدث هو البغي… “فَبَغَى عَلَيْهِمْ”، أي انقلب عليهم و تمرد على الطريق الصحيح، ثم “وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ”، فقد اصبحت لديه اموال هائلة. طبعاً في تلك الايام لم تكن المصارف والبنوك التي يودعون فيها الاموال، انما كانت توضع في خزائن او مخازن كبيرة لها مفاتيح، وكانت هذه المفاتيح كبيرة جداً مما كان يقتضي استدعاء حمالين لحملها، لكن نصحه قومه وقالوا: “إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ”.

ان مشكلة البعض من البشر انهم يستبعدون من حيث لا يشعرون ان المال وكل اسباب القوة والقدرة تدوم لهم وانها يوماً ما ستنفصل عنهم الى الابد، وحالهم في ذلك حال الطفل الصغير الذي يتركز ذهنه ومطلبه على لعبة صغيرة يرغب بامتلاكها، فينسى جوعه وعطشه وكل شيء، وعندما يحصل عليها تراه يطير في الفرح السرور كما لو انه ملك الدنيا بأسرها. ان المال لم ينقذ يوماً انساناً من قدرٍ محتوم باصطدام سيارته او سقوط طائرته في الجو، وان رحل عن هذه الدنيا الفانية لن يتمكن قطعاً من اصطحاب فلس واحد الى بيته الصغير والجديد (القبر) سوى قطعتين من قماش الكفن. صحيح إن المال من عوامل السعادة، لكن هناك عوامل اخرى. إذن؛ هنالك بعض الاشخاص ما ان يحصل على شيء من المال او الجاه والمنصب، فانه يتصور انه حصل على كل شيء، فينسى اهله ومجتمعه، وعندما يكون خلف طاولة الادارة او الرئاسة يتكلم وكأنه طاغوت، بل يبدأ يتفرعن حتى على عائلته واولاده. لكن بعد ان يطرد من الوظيفة او يخسر منصبه لسبب او لآخر، فانه سيكون في نظر الناس والمجتمع انساناً ممسوخاً، حتى عائلته لن ترد السلام عليه، ولسان حالهم؛ انك عندما كنت مسؤولاً وصاحب منصب لم تكن ترد السلام، والان نحن اليوم لا نسلم عليك! ادرسوا حياة الطغاة الذين يزاحون عن مواقعهم، تجدون جميع الناس يتبرؤن منهم. لننظر الى الجيش المصري الذي يتولى ادارة البلاد حالياً، ألم يكن يوماً ما تحت إمرة حسني مبارك؟ لكن من الذي يعتقل هذا الرئيس المخلوع ؟ أليس الجيش نفسه؟ إذن؛ لا مجال للفخر والتعالي لمجرد امتلاك شيء من النقود او المنصب.
وفي سياق الآيات الكريمة يقول تعالى: “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ان بامكان الانسان ان يشتري الاخرة بما عنده من المال، ثم له ان يعيش عيشة راضية في هذه الحياة الدنيا ويوفر القدر المعقول من الراحة والاستقرار. طبعاً هنالك بعض التفاسير تذهب الى ان الاية “ولا تنسى نصيبك من الدنيا”، بمعنى (لا تنسى كفنك)، لأنه الوحيد الذي يأتي معك الى القبر.
إحدى النسوة سافرت الى الحج ، وبعد عودتها أعطت زوجها هدية من الحج عبارة عن (كفن)! تقول: لما قدمت الهدية الى زوجي ذهب الى الغرفة المجاورة وتأخر قليلاً، فتقول: ذهبت الى الغرفة لارى سبب تأخره ، فرأيته مرتدياً الكفن وهو يحرك يده و رجله، قلت له: يا رجل ماذا بك…؟! قال: حوطت بدني بهذا الكفن لأرى هل هو ما قياسي أم لا؟! فاذا رأنا ملك الموت او جاءني منكر ونكير فكيف اخرج معهم؟! قالت له: لكن لماذا ترفع يدك وتدخلها في داخل الكفن، قال: ابحث عن الجيوب…! قالت: وما تفعل بها؟ قال: إذن؛ واين اضع الشيكات…؟!! طبعاً كان الرجل من المؤمنين، لكنه فعل ذلك ليوضح لي ولامثالي ان الكفن يكون دون جيوب حتى توضع فيها الاموال، فهذا الكفن هو الوحيد الذي يأتي مع الانسان الى القبر.

الطغيان يولد الفساد

في سياق الآية الكريمة يقول تعالى: “وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.
البعض يقول: ان الاموال التي بحوزتي انما انا الذي كسبتها بجهدي وبالرشاوى التي دفعتها لهذا وذاك، وليس كما تقولون انها من الله تعالى…!!
بالحقيقة؛ اذا لم نكن قادرين على تطبيق القرآن الكريم فلماذا نقرأه إذن؟ ان النقود الحرام تولد الحرام في المجتمع. ان الاموال التي تأتي من مصدر الحرام تتسبب بتلويث وتهديم المجتمع، كما ان المرأة التي تخرج الى الشارع بزينتها وتبرجها فتسبب تلوّث البيئة الاجتماعية والاخلاقية، وذلك عندما ينظر اليها هذا الشاب وذاك الرجل، او ذلك الشاب الذي يرفع صوت الاغاني من مسجل سيارته فانه يلوث البيئة الاخلاقية في المجتمع ايضاً. هذه الحالات مشابهة تماماً لمن يأتي وسط الشارع النظيف وتحت سماء زرقاء وهواء عليل ويحرق عجلة سيارة كبيرة ويحدث دخاناً أسوداً فهل يسكت عليه الناس وينظرون اليه…؟!
كذلك فعل (قارون)، فقد خرب البيئة الاخلاقية لدى بني اسرائيل، وفي هذه الاثناء تحسّر البعض وقال: يا ليتني اكون مثل (قارون)، املك الاموال واسير امام الناس بكل فخر وتكبر، وهم يخضعون لي ويطيعون أمري. لكن وسط كل هذا الغرور والتعالي، واذا بالارض تهتزّ بهذا الطاغية ثم تتشقق وتتمدد لتبتلع كنوزه وخزائنه وكل مايملك مرة واحدة. وقد حصل ان قرى كاملة ابتلعتها الارض الى عمق عدة كيلومترات، فمات سكان تلكم القرى وذهبت معهم ممتلكاتهم وسياراتهم وبيوتهم وكل شيء.
ان الله تعالى ومن خلال قصة (قارون) يعطينا حكمة وفلسفة وعبرة حيث قال: “تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. هذه القصة يوردها الله تعالى في كتابه المجيد ليحذرنا بانكم؛ أيها المؤمنون الرساليون….! يا من عملتم في المهاجر وجربتم المنافي والسجون والتعذيب وخضتم الحياة القاسية، فاليوم وقد حصلتم على فرصة في هذه الحياة، لا يجب ان تنسوا ماضيكم وايمانكم ورساليتكم. فاذا حصل ذلك فان غضب الله تعالى ينزل على الناكر للجميل والنعمة الالهية، فالعذاب والغضب الالهي لم يأت على فرعون لان اسمه (فرعون)، فالمهم عنده تعالى هو المحتوى والقلب والعمل، فمن يفعل ما فعله فرعون وقارون فان غضب الله سيحلّ به وان كان يحمل اسماً جميلاً وحسناً، فان الله سيبدل الاسماء، فالبعض ربما يكون اسمه في الدنيا حسناً، لكن في الآخرة يكون قبيحاً وسيئاً! هذا ما فعله الامام الحسين يوم عاشوراء في كربلاء، فقد جاء اليه أناس يدعون بانهم شيعة علي بن ابي طالب عليه السلام، لكنهم جاؤوا يحاربون الامام الحسين! لذا بدّل الامام عليه السلام اسمهم وقال لهم: (يا شيعة آل ابي سفيان…)! بمعنى انتم لستم من شيعتنا انما من شيعة آل ابي سفيان لانكم في صف الاعداء.

الديمقراطية على الطريقة العراقية

خلال السنوات الماضية طبقنا نظام حكم بطريقة تسمي (الديمقراطية الغربية)، وتحدثت فيما مضى حول هذه الديمقراطية، بانها قامت في الغرب على أسس وقواعد لا توجد عندنا.
وهناك امر آخر في هذه الديقراطية، وهي انها تتضمن في نظامها السياسي ، جانب المعارضة الى جانب الحكم، لكن لم نر يوماً ديمقراطية يكون الجميع فيها حاكمون، بمعنى ان جميع الذين تم انتخابهم ويجلسون تحت قبة البرلمان يريدون ان يحكموا، فمن يقوّم هذا الحكم؟ واين المعارضة السياسية؟
اتصل بيّ جماعة وقالوا: نريد ان نشكل معارضة خارج العراق. فقلت : ولماذا خارج العراق؟! ألا توجد حرية في العراق؟ تعالوا واستفيدوا من القوانين والقواعد الدستورية لممارسة المعارضة السياسية ايجابياً، ولماذا يكون الانسان متشبث دائماً بالاسلوب العنيف وغير السلمي. بينما نحن بحاجة ماسّة الى هذه المعارضة لسببين:

الفائدة الاول: انه المعارضة سواء في داخل البرلمان او ضمن مجالس المحافظات او من خلال وسائل الاعلام وسائر وسائل المعارضة السلمية والشرعية الحكيمة، تقوم بدور تبيين اخطاء الحكم، والحديث الشريف يقول: (المؤمن مرآة أخيه المؤمن)، فربما يقوم المسؤول بعمل خاطئ فينبهونه عليه، حينئذ تكون الرؤية امامه واضحة، ولا يقول البعض: نعترض ونصحح، ولا أحد يطبق… فاذا جاء الكلام الصحيح والمنطقي فهنالك أناس طيبون في الحكم سيقبلون ويسمعون الكلام. فمن اساليب العمل الرسالي والديمقراطي والديني هو أن لا نتهم الاخرين من دون أدلة.

الفائدة الثانية: ان المعارضة تجمع الناس الطيبين الذين هم خارج اطار الحكم وتصنع منهم (حكومة ظل)، فمن يذهب الى فرنسا او بريطانيا او امريكا يرى هنالك حكومة منتخبة تمارس صلاحياتها وتحكم البلاد، والى جانبها هنالك (حكومة ظل) تشكلها المعارضة، وهؤلاء ايضاً لديهم حكومة بوزراء للخارجية والداخلية لكنهم لا يحكمون انما هم في الظل، فاذا حصل ان عجزت الحكومة الفعلية عن اداء عملها بشكل صحيح، وأجريت انتخابات جديدة، فان (حكومة الظل) ستكون جاهزة لتسلّم مهامها فوراً. بمعنى ان المعارضة بالحقيقة تقوم بدور تربية رجال الحكم المستقبلي.
هذه التجربة نفتقدها في ديمقراطيتنا بالعراق، فنحن نريد من الناس ان يتكلموا بكل صراحة ووضوح ودقة. لقد تعلمنا فترة من الزمان العمل تحت الارض وفي الاقبية بسبب الظروف الامنية، لكن اليوم اختلفت الحالة أنما المطلوب العمل في وضح النهار، فاذا يقول البعض: انا اخشى على موقعي السياسي وذاك يخشى من كلام الاخرين، ففي هذه الحالة لا نلوم الا انفسنا. فهذا النوع من الخوف والخشية هو الذي أتى بشخص مثل (صدام) ليحكم العراق ويفعل كل تلك الجرائم والويلات. اما اذا أصرّ الجميع على ان يكونوا وزراء ومدراء ورؤساء ويهيمنوا على الامكانات والقدرات، فانهم سيقعون في نفس الخطأ الذي وقع فيه جماعة قارون، فهو لم يكن وحده ، انما كان مع مجموعة هو على رأسهم حسب ما تشير الايات الكريمة.
فاذا حصلنا على الفائدتين، فنحن بالحقيقة سنجمع بين الامرين: بين ان نسدد الحكم وبين ان نؤيده وكذلك نربي طاقات لمستقبل البلد. وهذا في الواقع هو الذي نستفيده من الايات القرانية، وحسب فهمي للتاريخ، فان هنالك ايضاً كانت حكومات ظل بطريقة او باخرى، في العهود السابقة. وفي احاديث اهل البيت عليهم السلام ثمة كلمة غريبة يقول مضمون الحديث: (اذا لم يكن عند الانسان حكيم يرشده يكون ذليلاً)، لان الحكيم يرشد الانسان حتى لا يقع في الاخطاء الكبيرة والذي يقع في هذه الاخطاء الكبييرة سيكون ذليلاً.

.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 24/ جمادى الآخر/ 1432 هـ ، الموافق 26/ آيار– مايو/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.