علينا العمل بواجباتنا الدينية قبل المطالبة بإصلاح الآخرين

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴿٢٦﴾ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴿٢٧ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴿٢٨ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٢٩

(سورة ص المباركة)

علينا العمل بواجباتنا الدينية قبل المطالبة بإصلاح الآخرين

من اعظم الدروس التي نستوحيها من القرآن الكريم والتي نفهمها ونعيها من خلال نظرتنا الى الخليقة من حولنا، ومن خلال السير في مختلف العلوم التي تكشف لنا حقائق الاشياء، هي ان الكون الذي نحن نعيش فيه ذات انظمة دقيقة، لايمكن اختراقها أو تغييرها ولا يمكن الاصطدام معها. ومن يصطدم مع الانظمة التي وضعت للخليقة من حولنا فلا يلومن الا نفسه.
إن الانظمة المحيطة بنا والتي تدخل في أدق الاجزاء في حياتنا وتشمل ايضا كل شيء في الطبيعة، تعود الى كلمة واحدة ركز عليها القران الكريم وهي (الحق) الذي يعني الشيء الثابت الذي لايمكن تجاوزه أو انكاره.
لنأت بنظام الجاذبية مثالاً… فالمعروف ان حركة الكواكب والنجوم والاقمار المحيطة بنا، محكومة بنظام الجاذبية، وهذا النظام هو الذي جعل هذه الاجرام الكبيرة التي بعضها اكبر من شمسنا بملايين المرات والشمس اكبر من ارضنا بملايين الاضعاف والارض اكبر منا بملايين الاضعاف، تكون معلقة بالسماء، “فلا اقسم بمواقع النجوم وانه لقسم لو تعلمون عظيم”، بمعنى أننا اذا حملنا الشمس من مكانها و وضعناها في مكان آخر، فان نظام الكون برمته سيختلّ. وستتعرض كل الانجم والشموس والاقمار للاضطراب والفوضى و يصطدم بعضها ببعض، لأن المسافة بين الشمس والارض وبين الارض والشمس وبينها وبين الكواكب محسوبة بدقة متناهية، ولا مجال للتغير قيد أنملة، وإلا لانتهى كل شيء في الكون والحياة.

هذا النظام الدقيق الموجود في الكون موجود ايضا في جسم الانسان، مثلاً؛ هنالك غدد مسؤولة عن تنظيم عمل الجهاز الهضمي، وهنالك حلايا تنظم بشكل دقيق عملية تحويل الطعام المهضوم الى طاقة وتوزعها على اعضاء الجسم بشكل دقيق وعادل، وهذا تجسيد واضح للنظام وللحق وللسنن الالهية التي تحكم الحياة. ولذا لا نجد أحداً يجهل حقيقة أنه اذا ألقى بنفسه من شاهق فانه سيرتطم بالارض وتتهشم عظامه تطبيقاً لنظام الجاهلية. لكن هنالك من يقول: (لايهمني) أو (لا أتأثر) ويأكل ما يريد حتى وأن كان الطعام غير سليم، لكن عندما تستلمه المعدة فانه سيصطدم بالجهاز الهضمي وتبدأ الاوجاع والاسقام، وربما يستفحل المرض حتى يؤدي بصاحبه الى الموت. وهذا ما ينهانا عنه الاسلام حيث تقول الآية المباركة: “ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة”. إذن؛ لا مجال للخطأ او الخلل في نظام الخليقة، وهذا ما اراد ان يثبته العالم الانجليزي تشارلز دارون عندما زعم بوجود حلقات مفقودة في نظام الخليقة، وحاول – بزعمه- ايجاد الربط بينهما، لكن مع ذلك، ثبت أن لا وجود لهذا الفراغ الذي يدعيه دارون، فكل شيء متكامل وموجود في هذه الحياة، وليس هنالك من شيء على باطل.

وفي النداء الالهي الى النبي داود يبين ربنا تعالى هذه الحقيقة في (سورة ص) حيث يؤكد بانه انما جعل داود خليفة له تعالى بشرط واحد، هو ان لا يصطدم مع النظام الكوني اي لا يصطدم مع الحق: “وما خلقنا السموات والارض وما بينهما باطلا”، وبعد هذه الحقيقة، هل يجوز للانسان الذي يعيش تحت هذه السماء وعلى سطح هذه الارض الفسيحة، أن يعمل باطلاً…؟ واذا افترضنا انه فعل ذلك، فهل معنى ذلك ان كل شيء انتهى؟ كلا… إنما المتضرر الوحيد سيكون الانسان الذي اصطدم مع سنن الله واصطدم مع الحق فتكون عاقبته الموت .
جاء رجل ذات يوم الى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ائذن لي بالمعصية…! فقال له: قد ائذن لك ولكن بثلاثة شروط: أن تخرج من مملكة الرب وان تقاوم الموت وان لا تأكل من رزق الله ثم اعصي الله…. قال الرجل: ليس لي الى ذلك سبيلا، فقال صلى الله عليه وآله: اذن لا تعصي ربك.

من هنا يأتي الخطاب الإلهي في هذه السورة الى نبيه داود عليه السلام: “يا داود” إن الخلافة التي تملكها في الارض ليست من صنع نفسك، وليس بوسعك أن تقول (كوّنت نفسي)! كما يردد ذلك البعض من الناس، إنما مصدر هذا الملك والقدرة هو صاحب الملك والقدرة اللامتناهية. “يا داود انا جعلناك خليفة في الارض” لكن ماهو الهدف؟ “فاحكم بين الناس بالحق”، إن كلمة الحق تتجلى في الآية اللاحقة: “وماخلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا”، بمعنى انه لابد من ان تكون الحكومة بالحق، لأن نظام الكون والخليقة بأسره قائم على الحق وليس على الباطل، أما اذا خضع الحكم للاهواء لفسدت الارض، لذا يقول تعالى: “ولا تتبع الهوى”، هذا الهوى هو الذي يجعلنا نبتعد عن الحق، وهو بمعنى الحب والشهوات والغضب ويعني ايضا المصالح والحزبيات والعصبيات وكل ما يتصل بغير الحق مما يضغط على الانسان باتجاه معين. إذن؛ من اجل ان تستقيم على الحق، لا بد ان تتجنب الهوى بكل تفاصيله، فالذي يخضع الى الهوى بمقدار 10% لا يخضع الى الحق.
ويحذرنا القرآن الكريم من مغبة الانزلاق نحو الهوى، لأن ذلك سيبعدنا عن الله تعالى، “ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله”، و سبيل الله هو الحق، فاذا اتبعت الهوى تكون مثل انسان يسير على حافة وادي سحيق ثم تضربه رياح عاتية فتحرفه عن الطريق ليقع في الوادي. لكن ماذا بعد الضلال…؟ “ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب”. ان الله تعالى يقول: (اعطيناكم فرصة لتوافقون انفسكم مع الحق) وهي تجربة وامتحان في هذه الدنيا، ثم ورائكم الحساب، فالانسان الذي يريد ان يحكم بين الناس لابد ان يتبع الحق وان لا يتبع الهوى ويفكر دائما ان هناك حساباً. في الحديث الشريف (يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل ان يغفر للعالم ذنب واحد).

كان الامام زين العابدين (ع) يرفع سوطه وهو على دابته متوجهاً الى مكة وكان البعير يتلكأ في تلك الايام، وقبل ان ينزل السوط على البعير يقول: (لولا خشية يوم الحساب)، وكان هذا ديدنه طوال خمسة وعشرين مرة ذهب فيها الى حج بيت الله الحرام ولم يضرب بعيره ولا مرة واحدة.
هذا النظام الكوني اذا انعكس على وجودنا وحياتنا، نكون حقاً بخير، ونعرف أن كل شيء بميزان، لندخل – مثلاً- الى مبنى ونعرف أنها مزودة بكاميرات مراقبة سرية، فهل سيكون سلوكنا وتحركاتنا كما لو لم تكن هنالك أية كاميرا مراقبة؟ وهذا ما تجلّى في موقف نبي الله يوسف مع زوجة العزيز (زليخا)، وحينما روادته عن نفسه قامت وغطت صنماً من حجر كان قريباً منها: فقال لها يوسف: لماذا فعلتي هذا؟ قالت: اني لاستحي منه! فقال لها: أ تستحين من هذا الصنم ولا تستحين من الله؟
هذا المستوى من الدقة في التعامل مع سنن وأنظمة الحياة، ليس بالضرورة مقتصرة على الانبياء والحكام ومن يملكون التاج والصولجان، إنما قد يكون المعني موظفاً بسيطاً او عاملاً او مزارعاً او فرد في المجتمع، أن يقرأ هذا الآية الكريمة: “ياداود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى”، فنحن يجب ان نسعى من اجل الوصول الى هذه المرحلة. بعض الناس يحاول ان يلقي بالمسؤولية على الاخرين، وأنهم يجب ان يكونوا على الحق ويحققوا له ما يريده، فان وجد حكومة يجعل المسؤولية على كاهل الحكومة، وان وجد مجتمع يحمله المسؤولية ايضاً، أما هو فلا مسؤولية عليه سوى أن يلقي باللوم على هذا الطرف أو ذاك، ويبقى هو بعيد عن اللوم وعن المساءلة، كما لو ان الخطأ والباطل يصدر من الآخرين دائماً. وهذه ثقافة غير صحيحة، فلابد ان نبدأ بانفسنا، ثم نتحرك على الأهل والأسرة ثم العشيرة وبعد ذلك المجتمع، مع عدم تبرئة المقصرين من المسؤولين ومن بيدهم الحل والعقد، ولا أن يسكت الانسان عن الباطل، لكن لا يجب ان تكون مقارعة هذا الباطل من خلال التنصّل عن المسؤولية، وتعظيم أخطاء الاخرين. لنفترض هنالك فساد مالي واداري، فما هو دور من يتكلم عن هذا الفساد؟ هل سيسلك نفس الطريق ويقوم بما يفعله الاخرون؟

في ظل الحراك السياسي في مختلف البلاد، والذي أؤمن به، على الناس ان يقولوا كلمة الحق ويدافعوا عن حقهم وعن حقوق الاخرين، وأن يقاوموا الظلم والباطل، لكن لا يجب ان يكون هذا التحرك في نهاية المطاف وسيلة لتبرير تقاعس وجهل البعض عن دورهم الحقيقي. إن المجتمع حينما يكون نظيفاً وفاعلاً ويعمل بواجباته ويقول الحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فان هذا المجتمع يكون صالحاً وسيقيّض الله تعالى له قادة صالحين. ولكن حينما يكون العكس فحتى الصالح لا يستطيع ان يحكمهم بما يريد. وقد قالها الامام امير المؤمنين عليه السلام: (ويلكم…! افسدتم عليّ رأيي)

حصل أن أحد قادة جيش الامام عليه السلام ألقي عليه القبض وهو يرتكب معصية (شرب الخمر) فجاؤوا بالشهود عليه ثم أمر الامام بأن يقام عليه الحد امام الناس، وبعد أن أكملوا حد الجلد عليه، قام وقال للإمام عليه السلام: يا امير المؤمنين… البقاء معك ذل والخروج من عندك كفر، فقال له الامام عليه السلام: بل هذا هو العز. أي ان يطبق القانون على الانسان العادي وايضاً على الضابط او المسؤول الكبير. لذا نعرف أن المجتمع في عهد أمير المؤمنين لم يكن يتحمل علي بن ابي طالب عليه السلام،…! لذلك قال عليه السلام: (ملئتم قلبي قيحا).

ونحن ايضاً يجب ان لا نهمل جانبا على حساب جانب آخر، ويجب على المجتمعات ان تهتم بنفسها وبتربية ابنائها، وأن تجعل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في سلّم أولوياتها، وفي نفس الوقت تتحدث عن الحكومات. لا أن يكون هنالك من يسرف في استخدام الماء أو في الكهرباء ثم يقول: لماذا الخدمات قليلة؟! إن هذا الذي يقول هذا الكلام هو أحد افراد الشعب الذي من حقه الماء والكهرباء والطرق وغيرها، ويجب عليه ان يعمل بواجبه في المحافظة على هذه الخدمات، إذن، عندما نقوم جميعاً بواجباتنا الشرعية نستطيع حينئذ بالمطالبة والاحتجاج، بمعنى أن نردف المطالبة بحقوقنا مع العمل بواجباتنا، ولذا يقول تعالى في سياق الآيات المذكورة آنفاً: “ام نجعل الذين امنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض ام نجعل المتقين كالفجار”. ثم يبين تعالى هذه السنة الالهية الدائمة: “كتاب انزلناه”، و الكتاب بمعنى الشيء الثابت، إنه القرآن الكريم الذي لا يتغير منذ نزوله على صدر النبي الأكرم قبل اكثر من الف واربعئمة سنة،ويبقى مصوناً الى يوم القيامة. “كتاب انزلناه اليك مبارك”. بمعنى اذا اتبعتم هذا الكتاب تتنزل عليكم البركات، منها البركة في العمر، وفي النعم الالهية، فعندما يجعل الله تعالى البركة في في الانسان نراه يستفيد من نعم الله التي اسبغها عليه. “كتاب انزلناه عليك مبارك ليدبروا اياته”، أي يتفكروا في آياته ويطبقوها على المحيط الذي يعيشونه.
من هنا علينا ان نتفهم مسؤولياتنا في الحياة، وان نطبق القرآن الكريم بالشكل الصحيح، وأن نوحد صفوفنا على أعدائنا بالتوكل على الله تعالى.

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 05/ ربيع الآخر/ 1432 هـ ، الموافق 10/ آذار – مارس/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

في العراق سقط ”الصنم“ ولكن ”الصنمية“ باقية

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٩٠وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّـهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّـهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴿٩١ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّـهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٩٢ وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴿٩٣

(سورة النحل المباركة)

.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 28/ ربيع الأول/ 1432 هـ ، الموافق 03/ آذار – مارس/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

”حركة الجماهير“ والعودة الى ”الجذور الدينية“

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّـهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴿١٥يَهْدِي بِهِ اللَّـهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿١٦

(سورة المائدة المباركة)

حركة الجماهير والعودة الى الجذور الدينية

هل يمكن لامةٍ صاغتها يد الوحي وقادها نبيٌ كنبينا الاكرم صلى الله عليه وآله، ذلك المثل الاعلى في الخلق العظيم، أن تعيش الويل والثبور، والتخلف والتبعية، والقمع والدكتاتورية؟ ما هذه المفارقة…؟!
إن الله تعالى رفع شأن الامة الاسلامية وجعلها فوق الامم، وأراد لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، وأن تكون شاهدة على سائر الأمم والبشرية الى يوم القيامة، كما كان الرسول شاهداً عليها. لكن هذه الأمة اليوم عبارة عن خمسين دويلة، وليس دولة اسلامية واحدة، وخمسين مجتمع وليس مجتمعاً اسلامياً واحداً، علماً انها تملك مثل القرآن الكريم كتاباً عظيماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيه كل ما يحتاجه الانسان، وهو القائل في الآية الكريمة: “كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا”.

إنه لسؤال عريض وكبير ما يزال يتردد صداه في كل أفق ويبحث عن إجابة، في وقت يشهد عالمنا الاسلامي والعربي المزيد من الاحتقانات والاضطراب. وبما إن (الحاجة أم الاختراع)، فانه بازدياد حالة الألم والضغط، يزداد وعي الانسان فيندفع للبحث عن النجاة، وقبل ذلك التفكير بموضوعية في كيفية الخروج من الازمة. وما شهدته البلاد الاسلامية من تغيير في رأس النظام الحاكم في تونس ومن مطالبة جماهيرية كبيرة بالتغيير في مصر، وربما يتكرر المشهد في مناطق أخرى، ما هو بالحقيقة سوى تجسيد لهذا الألم الذي يضرب جسد الامة الاسلامية، لكن “هل الى خروج من سبيل”؟

الابتعاد عن الكتاب والعترة
هنالك مكراً كبّاراً تعرضت له الامة الاسلامية، الهدف منه الفصل بين الرسالة وبين الامة، والرسالة تتمثل في الرسول وامتداداته وهم أهل بيته، كما تتمثل بالقرآن الكريم، وإذن، الرسالة تتمثل في كتاب وامام. وفي شريعة وقائد.
إن الله تعالى حينما يذكرنا في (سورة آل عمران) بضرورة الوحدة وعدم الاختلاف وتجاوز الصراعات الجانبية، يسمي الاختلاف كفراً يقول تعالى: “وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيات اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * يا ايها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن وانتم مسلمون * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ” (سورة آل عمران /101-103)، هنا الاعتصام يكون تطبيقا للآية السابقة “وكيف تكفرون وانتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله”، وتحديداً هذه كانت رسالة النبي صلى الله عليه وآله و وصيته، بل أكاد اقول هي أعظم وصاياه حينما قال: (اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي). لكن كيف تم الفصل بين الكتاب وعترة النبي وبين الامة ؟
اذا ارادت الامة الى ان تعود الى مجدها والى سابق قوتها و وحدتها وسلامتها، لابد ان تعرف بدايةً كيف تم الفصل بينها وبين الكتاب والعترة؟ ثم تعقد العزم الشديد والراسخ لتجاوز هذه العقبات التي وضعت بين الامة وبين الوحي المتمثل في الكتاب والرسول واهل بيته.

أولاً: الفصل بين الأمة والقرآن الكريم
تم ذلك عندما قيل للناس بان الكتاب نُزّل على طائفة خاصة من الناس وفي ظروف خاصة ايضاً، كأن يكون القرآن الكريم نزل على اهل مكة وأهل المدينة قبل اربعة عشر قرناً وحسب، واليوم فانه بالنسبة للجيل الجديد بمنزلة الكتاب التراثي والتاريخي مقدساً، فبدء الناس يقرأون القرآن الكريم ليس كما انزل على المجتمع الاسلامي الأول، وانما كما تشاء اهوائهم وحزبياتهم وما غيرها من التصنيفات الاجتماعية، فأخذوا ببعض الكتاب وتركوا البعض الآخر، وقد حذر القرآن من هذه الظاهرة منذ البداية: “أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض”، هنا القرآن الكريم يسمي حالة الانتقائية منه بمنزلة (الكفر).
وقد حصل من هذا القبيل في الساحة السياسية العراقية اواسط القرن الماضي، وتحديداً أيام المد الماركسي، حيث بدأ البعض ينتقون من القرآن الكريم ما يتوافق مع افكارهم، فكانوا يسلطون الضوء على آية واحدة، يكتبوها و يقرأوها ويحفظوها ثم يفسروها بالشكل الذي يخدمهم، وبعد طيّ صفحتهم من التاريخ السياسي في العراق، جاءت جماعة أخرى ومارست نفس العمل وأخذوا بآية تخدم توجهاتهم الفكرية والثقافية التي لا تتفق مع الفكر الاسلامي بشيء. وقد فعلها الرئيس المصري السابق أنور السادات عندما وقع وثيقة الاستسلام للكيان الصهيوني بعد حرب تشرين عام 1973 التي كادت ان تقوض اركان الكيان الصهيوني، فرفع الآية الكريمة شعاراً ومبرراً لذهابه الى القدس المحتلة عام 1977 وتقبيله الزعماء الاسرائيليين: ” وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” (الأنفال /61)، علماً ان الآية السابقة تصدح بالاستعداد للقتال وإرهاب العدو بكل ما أوتي المسلمين من قوة: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”.
والبعض الآخر يدعو للتقوى والالتزام بالتعاليم الدينية فيقرأ الآية الكريمة “يا ايها الناس اتقوا ربكم…”، ولا يكمل تتمة الآية حيث تقول: “وابتغوا اليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون”، لأن هذه التتمة ستهدي الناس الى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، هذه بس نصف الاية يجيبها والنصف الثاني يتركه. هذه الحالة الفصل بين القرآن والامة تم بهذا الاسلوب انه ابعاد القرآن عن الواقع الحاضر كأن الآيات ما نزلت لهذا الواقع وائمة اهل البيت (ع)، بينما القرآن الكريم كالشمس التي تشرق كل يوم يعمّ ضياؤها وشعاعوها اركان الأرض دون استثناء.

نعم؛ هنالك قنوات فضائية ومحطات اذاعية خاصة بالقرآن الكريم، تقدم أنواع واشكال متعددة من التلاوة، كما هو موجود في المدارس والمجالس رسماً وشكلاً وليس مضموناً، وإذن، اذا اردنا العودة الى القرآن الكريم، لابد من الأخذ به كاملةً دون نقصان.
لننظر الى مفردة (الظلم) في القرآن الكريم، وكم مرة جاءت هذه المفردة بصيغ تحذيرية واستنكارية ليتجنبها الانسان في كل زمان ومكان، مرة يقول: “وقد خاب من حمل ظلما”، ومرة يقول: “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم” ومرة يقول: “وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون” وآيات اخرى كثيرة تذم هذه الصفة وتدينها بشدة، لكن مع ذلك يأتي شخص يبتدع حديثاً و ينسبه كذباً و زوراً الى رسول الله صلى الله عليه وآله ويقول: (اذا غلب عليكم شخص بالسيف فاتبعوه حتى ولو كان ظالماً)! هذا التحدي الصارخ لحديث السماء، نجده شعاراً ومبدأ للحكام الظلمة والطغاة يرفعونه على امتداد جغرافية بلدانهم ويكممون من خلاله أفواه شعوبهم.
إن الظلم مفردة واضحة غير قابلة للتفسير والتأويل، وخير من نجده يقتبس من هذه الآيات في حديثه عن الظلم هو الامام علي بن أبي طالب عليه السلام حيث يقول: (والله لو اعطيت الاقاليم السبع بما تحت افلاكها على ان اظلم نملة في جلب شعير اسلبها ما فعلت)، إن الامام يقول ذلك لانه يعلم علم اليقين مآل الظالم ومصيره، ثم إن الظلم يبقى ظلماً سواء أكان على يد زعيم البلد او الوزير او المدير، او كان على يد انسان يظلم جاره في حقه، فبهذا المقدار سيظلم نفسه ويلقى الخسران المبين.

ثانياً: الفصل بين الأمة والعترة
هذا الفصل تم بعد ان فُصلت الأمة عن سيرة نبيها الأكرم، وبما ان أهل بيته الكرام هم بالحقيقة امتداد له، فان الفصل هنا يكون قطعياً، والهدف من هذا أن يقولبوا الأمة بقوالب خاصة تخدم مصالح معينة في الزمن الحاضر، فبعد ان كانت الأمة ذات جذور و إرث عظيم، اذا بها تفقد البصيرة والطريق، فهي عاجزة اليوم عن فهم القرآن الكريم وعن الأخذ بنهج الرسول الأكرم وأهل بيته صلوات الله عليهم، ولا تعمل باحكام الدين ولا تفسر الامور حسب رؤية الكتاب المجيد او حسب روآيات النبي واهل بيته فاختلط الحابل بالنابل، واذا ترى الأمة تبتلى بالافكار المستوردة والدخيلة من هنا وهناك، وهذا بالضبط هو نقطة الانفجار التي دعت الأمة لأن تفكر في نفسها ومصيرها وهويتها. وهذا لن يتم إلا بالعودة الى القرآن الكريم.

العودة الى الرسول الأكرم
نعيش هذه الايام بين ذكرى رحيل الرسول الأكرم و بين ذكرى ولادته المباركة، فهي ايام الرسول الأكرم بامتياز، ولو إن كل حياتنا مرهونة بالحقيقة للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله، لذا من الجدير بالمؤمنين كافة أن يقفوا كل يوم أو كل اسبوع مرة على الأقل باتجاه المدينة المنورة واينما كانوا ويقولوا: (السلام عليك يا رسول الله… السلام عليك يا خير خلق الله… السلام عليك ايها المصطفى، السلام عليك يا احمد… السلام عليك يا محمد…). إن هنالك اسلوب وطريقة للسلام على النبي وفق الاحاديث المأثورة عن اهل البيت، وكيف تبين مدى شكرك لله أولاً وللنبي صلى الله عليه وآله ثانياً، حينما انقذك الله به من الضلالة. الامام الصادق (ع) يقول: (ان الله خلق ملكا فطلب من الله ان يعطيه سمعاً بقدر ما اعطى لكل البشر، فاعطاه الله ما اراد، ثم كلفه بان من كان في شرق الارض او غربها و سلّم على النبي، أن يبلغ هذا الملك السلام الى النبي صلى الله عليه وآله، ثم ينقل رد السلام من النبي الى صاحب السلام، كأن يقول له: (… وعليك السلام يا فلان)! وإذن؛ يجب ان نعيش مع نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله.

إن عامة المسلمين يُكنون الحب والولاء لنبيهم الكريم، لكن المشكلة وجود الحجب والفواصل التي فصلتهم طيلة الفترة الماضية عن سيرته العطرة و توجيهاته الحكيمة، وقد أمرنا ربنا تعالى بأن نتخذ أسوة: “ولكم في رسول الله أسوة حسنة”. كما فعلت الايادي الخبيثة والمشبوهة فعلها عندما تقولوا على النبي الأكرم باحاديث كاذبة منها ما ورد بان: من لعنته فلعنتي تصبح رحمة عليه…)!! وقد فات ذلك الواضع الذي أتخم بالمال الحرام كيف إن لعنة الله لا تصبح رحمة، فيما لعنة الرسول تصبح رحمة؟!! إن السبب والدافع واضح جداً، هو إن بعض الناس الذين لعنهم النبي صراحة يتخلصون من الحرج والمنبوذية في الامة وعلى مدى التاريخ. إن هذه الكلمات الشاذة لا تنسجم مع سائر محمكات الروآيات ومحكمات الآيات، لذا يجب ان نجعلها جانبا، فعندنا محكمات لابد نفهم ونفتح عقلنا على القرآن الكريم وعلى كلام النبي وعلى سيرته وعلى كلمات العترة الطاهرة، ولو ان بعض الناس لا يزالون يفتشون عن رواية معينة في سيرة أهل البيت عليهم السلام تتوافق مع أهوائهم ومصالحهم ويتركون سائر الروآيات. هناك عشرات الروآيات والآيات القرآن ية لا يقرؤها حتى لا يتحملون المسؤولية، وهذه في الحقيقة نهاية الامة.

دروس الحسين و زينب عليهما السلام
معروف إن الانسان يبحث في الحياة دائماً عن أمرين: الامن والسلام، الامر الآخر: الطعام، والسلام اهم من الطعام لان الانسان حينما يفقد الطعام قد يفقد جانباً من حياته، لكن اذا فقد السلام فقد كل شيء.
واليوم نشهد بلداً اسلامياً عريقاً وذو أهمية كبيرة على الساحة السياسية والحضارية وهي مصر يتعرض أمنها للاهتزاز كما تعرضت من قبل لقمة الناس وكرامتهم الى الخطر، لذا فان ما يحدث في مصر ليس بالهيّن بل هو خطير، لأن مصر دولة عربية كبرى ودولة افريقية كبيرة وهناك الازهر الشريف وهنالك تاريخ لهذه الدولة في قيادة العرب، وفي قيادة الحالة الدينية في العالم الاسلامي من خلال الازهر، اعتقد انما يجري هناك يمثل عودة نسبية الى روح القرآن الكريم وسيرة أهل البيت عليهم السلام، لان القرآن الكريم أمرنا بان نضحي في سبيل الله وان نقاتل ونجاهد، والجهاد في القرآن الكريم فريضة، فقد أمرنا القرآن الكريم مرةً بالجهاد حق جهاده، ومرةً بالجهاد بكلمة مفردة بدون (حق جهاده)، وجعل الجهاد في سبيل الله وحق القتال في سبيله وحتى الشهادة في سبيله، كل ذلك جعلها قيمة اساس في الدين. واذا قرأنا القرآن الكريم كما أنزل وليس كما تميل مصالحنا، أو كمن يحذفون آيات الجهاد والقتال يقول (إنها خاصة بتاريخ معين وبأناس معينين)، نجد ان هذا الجهاد يتجسد في الجماهير الصامدة في (ميدان التحرير) وسط العاصمة المصرية القاهرة، وهم يواصلون حركتهم بكل شجاعة ولم يأبهوا بالذين سقطوا منهم شهداء. وربما لا تكون صدفة تزامن الحركة الجماهيرية الطامحة للتغيير في البلاد العربية مع ايام محرم وصفر، وما اذا كانت ثمة روح حسينية عصفت بالنظام السياسي في تونس وتضرب حالياً النظام القائم في مصر، والدليل على ذلك التأثير الكبير الذي تتركه الفضائيات على الرأي العام العربي والاسلامي بما نقلته من عبق شهادة ابي عبد الله الحسين عليه السلام وايضا ما حملته من دروس صبر واستقامة زينب الكبرى عليها السلام في ايام الاربعين، فهذا النسيم هو الذي يُحيي النفوس فتنتعش وتعود اليها الحياة، ولابد من وجود الروح الكبيرة والنفوس الطيبة والابية، ولا بد ان يكون هناك سمعٌ شهيد يستوعب هذه الدروس والنسائم الروحانية الالهية والحسينية الزينبية.

كما إن دماء الامام الحسين عليه السلام التي أريقت على أرض كربلاء روّت شجرة الحرية والكرامة للانسانية جمعاء، فضلاً عن انها أحيت الأمة الاسلامية، فان استشهاد أي انسان مظلوم كفيل بأن يُحيي أمة كاملة، إن سلاح المظلومية والمطالبة بالحقوق من شأنه تغيير المعادلات في كل زمان ومكان. من هنا حريٌّ بكل المسؤولين في كل مكان ان يعتبروا إن كانوا من أولي الابصار، لا أن يقولوا ان هذه قضية خاصة بالشخص (الفلاني…) او المكان (الفلاني….)، انها سنن الله تعالى الثابتة و الواحدة في الحياة والكون، فهي تتحقق في مصر وفي تونس وفي العراق وفي أي بقعة من العالم، ومن لم يلتقط الاشارة فان العاصفة والاعصار سيقتلعه ويطيح به، فهو تعالى ينتقم ويثأر لدم المظلوم عاجلاً أم آجلاً، وبالامكان استباق الاحداث، و(الوقاية خير من العلاج)، ولو كان هذا الرئيس او ذلك قد قام بالاصلاحات المطلوبة قبل حين من الزمان، أو اذا تراجعوا عن النتائج المزورة والمسبقة للانتخابات الرئاسية، لما حدث ما يحدث اليوم حيث نشهد ان الناس يسقطون جرحى وشهداء برصاص السلطة الجائرة او تدهسهم عجلات المدرعات وسيارات الشرطة والجيش. إنهم بذلك يدفعون ثمن العناد والاصرار لبقاء شخص واحد على سدة الحكم.
لكن مع كل ذلك فان الأمل يبقى قائماً وموجوداً بتحقيق التغيير من دون اراقة الدماء والنزول الى الشوارع وتكبد الخسائر والمعاناة، لكن بشرط العودة الحقيقية الى القرآن الكريم والى الرسول الأكرم وأهل بيته صلوات الله عليهم، وهذا يتطلب وجود قلوب واعية ونفوس مستعدة للتغيير قبل فوات الآوان.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 30/ صفر الخير/ 1432 هـ ، الموافق 03/ شباط – فبراير/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

”الحسين“ كنزٌ تليدٌ تستعيد به الأمة قوتها

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ۚ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١١١﴾ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١٢ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ﴿١١٣ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينََ ﴿١١٤ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٥

(سورة هود المباركة)

 

الحسين (عليه السلام). . كنزٌ (تليدٌ) تستعيد به الأمة الإسلامية قوتها في العالم

 

لكل عصر فتنة، والفتنة التي يعيشها العالم اليوم، هي فتنة (العولمة) التي تعني إلغاء الحدود والتمايز بين الشعوب والأمم، مثل الهوية والخصوصية والتقاليد، فيكون العالم كله – كما يعبرون- قرية واحدة.
في السابق كانت الشعوب على اختلاف اشكالها وانتماءاتها، تعيش ضمن حدودد جغرافية معينة، لها ظروفها الخاصة ومشاكلها الخاصة أيضاً، هذه المشاكل ربما تكون ناشئة من مشاكل تتصل بالصراع بين بني البشر انفسهم، مثل الحروب والغارات والظلم والتجاوزات وغيرها، وتسمى في القرآن الكريم بـ (البأساء)، وهنالك الصراع مع الطبيعة وكوارثها مثل السيول والزلازل ومظاهر الجفاف وغيرها، وتسمى في لغة القران الكريم بـ (الضرّاء). ولكل شعب وأمة ثقافتها الخاصة وامكاناتها للتعامل مع هذه الظروف الصعبة، ولكن حينما تقارب العالم مع بعضه، وانفتحت الشعوب على بعضها، فان تلكم المشاكل لم تعد محلية خاصة ولا حتى اقليمية، إنما امتدت لتصبح مشاكل دولية، بمعنى إن المشكلة في هذه الدولة او لدى ذاك الشعب ربما تأخذ ابعاداً دولية وعالمية.
في مطلع القرن الماضي، كانت ثمة مشاكل حدودية بين المانيا وبعض الدولل المجاورة في اوربا، وكانت المانيا تدّعي عائدية بعض المناطق اليها، لكن ما لبثت هذه المشكلة الحدودية البسيطة ان تحولت الى حرب عالمية أطلق عليها الحرب العالمية الأولى، فانظمت اليها النمسا وامبراطورية المجر، و وقفت في الجبهة المقابلة بريطانيا وفرنسا. استمرت الحرب أربع سنوات احرقت الحرث والنسل، واستخدمت في تلك الحرب اسلحة لم يعهدها الانسان من قبل، بل كانت تلك الحرب الفرصة الاولى لباكورة الاسلحة التي نرى اجيالها المتطورة حالياً لاسيما اسلحة الدمار الشامل. وبعدها اندلعت الحرب العالمية الثانية، والتي شهدت ايضاً اصطفاف قوى كبرى مثل روسيا وامريكا الى جانب الدول الاوربية، فكانت حرباً ضروساً وطاحنة راح ضحيتها الملايين من البشر. وبعد الحروب العالمية شهد العالم (اقتصاد عالمي) بظهور شركات كبرى مثل شركة (bp) وهي مختصر (برتش بتروليوم) البريطانية المختصة باستخراج واستثمار النفط، فقد امتد نفوذها في جميع بلدان النفط الشرق أوسطية. وفي مرحلة أخرى شهدنا وسائل الاعلام العالمية مثل وكالات الانباء العالمية المتواجدة في كل مكان، ثم القنوات الفضائية التي تعد اليوم بالمئات، ومن ثم دخول الشبكة المعلوماتية العنكبوتية (الانترنت) الى الساحة لتعلن عن ان العالم حقاً اصبح قرية صغيرة. وبذلك فقد اصبح الاقتصاد عالمياً من خلال منظمة التجارة العالمية، كما اصبحت الثقافة عالمية من خلال وسائل الاعلام والاتصال المتطورة والسهلة التداول. وبذلك فقد اصبحت الشركات الكبرى تتدخل في شؤون الناس واصبحت الجيوش والقواعد العسكرية منتشرة في كل مكان من العالم، وباتت البوارج الحربية في المحيطات والبحار والطائرات في الاجواء تجوب العالم، بل ربما تجد الانسان ان طائرة تحوم حوله في الأعالي وهو من دون طيار مهمتها التجسس والتقاط الصور الخاصة. وبكلمة؛ لم يعد بامكان أحد على هذا الكوكب القول أنه بمعزل عن العالم، أو ان العالم لايمكنه التدخل في شؤونه.
التحدّي بالوعي
اذا قلنا أن العالم يعيش فتنة (العولمة)، ليس بمعنى أن هذه الفتنة لها دلالةة سلبية او انها مدعاة للشر، فقد تكون عامل خير لان الله تعالى يمتحن البشر بالظروف الصعبة والمحن، أو بتعبير القرآن الكريم بالسراء والضراء، الامر الذي يستوجب الوقوف بقوة أمام هذا التحدي الكبير، وهذا بحاجة الى وعي واستراتيجية وامكانات كافية لكي نستوعب هذا الخطر الجديد. لكن ما هو ذلك الوعي وما هي تلك الاستراتيجية وماهي تلك الامكانات؟
قبل ان نستلهم من القرآن الكريم كيفية تحديد الاستراتيجية واستخدام الوعيي وكيفية استخدام الامكانات لابد من مقدمة…
من عادات الانسان أنه يدخر (القرش الابيض ليومه الأسود)، بمعنى أن الناس عادة ما يفكرون بالحاجات والملمّات التي قد تداهمهم في المستقبل، لذا كان البعض يدخر الاحجار القديمة أو المجوهرات و يحافظ عليها، تحسباً لليوم الذي يكون فيه بحاجة ماسة الى المال كأن يحصل حادث قتل بحاجة الى ديّة، او هناك مشروع زواج او علاج لمرض خطير وغير ذلك من الحاجات الضرورية، وهذا يطلق عليه في اللغة العربية (التّلاد) أو المال القديم الموروث.
هذا ما يتعلق بالجانب المادي، فنحن المسلمين، اين ذخائرنا و (تلادنا)…؟
نحن الان في ظرف استثنائي ونعيش حاجة ماسّة للركائز والذخائر، فقد بدأتت أجراس الخطر تقرع، و المشاكل والازمات تترى و بشدة، فكيف السبيل؟ ومن اين نأتي بالقوة الكافية لكي نواجه تحديات الفتنة العالمية؟
الوعي أولاً
على الانسان ان يعترف بواقعه الذي يعيشه، لا أن يرسم لنفسه صورة وهمية لاا تمت الى الواقع بصلة. ونحن كأمة اسلامية؛ علينا ان نعترف بواقعنا المتخلف والمرير، صحيح أننا أمة ذات حضارة تاريخية، وأمة لاتغيب عنها الشمس بوجود الاسلام في كل مكان، وصحيح ايضاً أن عدد نفوسنا مليار ونصف من البشر، وكذلك صحيح أننا نمتلك الامكانات والقدرات الهائلة، لكن هذا لن يغير من الواقع المتخلف والمتردي شيئاً، وليس أدل على ذلك وجود اكثر من ستين دولة اسلامية، ثم نشهد تفكك دولة لتصبح دولتين كما يحصل اليوم لبلد مثل السودان الذي تعرض لضغوط طوال السنوات الماضية لتلبية مطالب سكان الجنوب المسيحيين لاجراء الاستفتاء على الانفصال، وهو أمر واقع وبات تحصيلاً حاصلاً، لأن فيما بعد الانفصال سنشهد المشاكل والازمات بين الدولتين الجديدتين.
بالرغم من ضخامة الشعارات التي رُفعت في العقود السابقة، لكن لم نشهد اتحادد دولتين او اكثر في دولة واحدة، والمشكلة قد لاتكون في المال، فكثير من دولنا تملك المال والثروة، لكن نراها عاجزة اليوم عن مواجهة شبح الارهاب الذي بات مرضاً فتاكاً يهدد الأمن والسلم العالميين.
إن الوعي يجب أن يكون بهذا الواقع مع تجنب التبجح والتكبر و ايضاً اليأس والقنوط،، فلا نيأس ولا نستسلم للواقع، فهو واقعنا ومصاب بالفساد والتخلف ولابد لنا من معالجته قبل ان يستفحل المرض وتكون الامور أصعب بكثير مما هي عليه اليوم.
الاستراتيجية ثانياً
اذا اردنا حقاً ان نستلهم من القرآن الكريم دروساً استراتيجية، أمامنا ثلاث نقاط فيي هذا الطريق:
1- الاستعداد الكامل… فاذا اردنا خوض الحرب يجب ان نكون أهلاً لها، يقول الامامم الحسن المجتبى (ع): (لا تبارز احداً وان بارزك أحد فاستجب له ولو ان جبلاً بغى على جبل لهده)، فمن الخطأ أن يخوض الانسان صراعاً فيكون سبباً لمشاكل العالم، لكنه يتحدى ويقف اذا ما اراد به الاخرون سوءاً ومكروا به مكرا كبارا، حينئذ يقول: انا رجل التحدى والله تعالى يعينه، ثم انه تعالى يمدح المؤمنين لانهم ينتصرون اذا ظُلموا، كما يأمر بالاعتداء بالمثل يقول: “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا”، إن الاعتداء والعدوان من حيث المبدأ يُعد عملاً محرماً، لكنه جائز كرد فعل.
ما من شيء اقوى من شعب مظلوم يدافع عن نفسه لان الله تعالى وعده بالتأييدد والتسديد، يقول: “ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم”، بمعنى ان رب العزة ومليك السموات والارض والذي بيده كل شيء يجعل يده في يد ذلك الشعب المظلوم الذي يدافع عن حقه، قيل لأمير المؤمنين عليه السلام: ما هي المسافة بين الارض والسماء؟ قال : دعوة مظلوم… بمعنى ان دعوة المظلوم تصل بسرعة الى البارئ عزّ وجلّ.
2- إن التحدي يجب ان يخرج من نطاقه المحلي والاقليمي ليبلغ المستوىى العالمي، والسبب في ذلك أن التحدي الذي نشهده أمامنا هو تحدي عالمي، فعندما ينشرون أمامنا شبكة معلومات عنكبوتية ويبثون من خلالها الافكار السامة والمواقع الاباحية والشبهات والاهانات ضد الرسول الأكرم وأهل بيته صلوات الله عليهم، علينا نحن ايضاً أن نستخدم نفس الوسيلة، ونقدم الافكار الاسلامية الجميلة المنبعثة من القرآن الكريم ومن سيرة الرسول الأكرم واهل بيته المعصومين. لنزيد من المواقع على (الانترنت) باللغات الحيّة في العالم، واللغة الصينية مثالاً، لأن الصين تسوّق لنا مختلف المنتوجات والسلع الاستهلاكية وتصل بلادنا، وقد طالت صناعتهم ما نحتاجه من مظاهر العزاء على الامام الحسين عليه السلام. وذات مرة سأل أحد الاخوة عن وجود عبارة (يا حسين) على (جوراب) يباع على قارعة الطريق، وهذا يدل على جهل الشركة المنتجة بقدسية الاسم وهوية المجتمع، فاذا كان ثمة موقع لنا على الانترنت باللغة الصينية كان بالامكان توجيه رسالة الى هذه الشركة وسائر الشركات المنتجة بأنكم ربما تلحقون الضرر وتسيئون الى مصالحكم بجهلكم واقع المسلمين. طبعاً هناك صفحات على (الانترنت) حول الإمام الحسين لكنها قليلة بمبادرة من الصينيين انفسهم.
زارني قبل اربع سنوات شخص من الهند جاء الى كربلاء لزيارة الإمام الحسين عليهه السلام، بادرته بالسؤال: لماذا جئت الى كربلاء قال: لأزور الحسين…! قلت له: وماذا يعني لك الحسين؟! قال: بطل ضحّى من اجل الانسانية… دافع عن القيم المُثلى. هذا الشخص الزائر وبالرغم من ان رؤيته للامام الحسين تختلف ولا تنسجم مع رؤيتنا وإيماننا، بل واكثر من ذلك تبين فيما بعد انه في بلاده (الهند) يُعد أحد الرموز التي تُعبد من دون الله تعالى، فقد كشف لي احد اعضاء مجلس النواب ان (150) مليون انسان في الهند يعبدون هذا الشخص!! ومع ذلك يأتي هكذا شخص لزيارة الامام الحسين عليه السلام.
لا ينبغي لأحد التصور ان افكاره وكلامه الذي يطرحه على العالم ستعود عليه، وأنن لا فائدة منها، هناك قلوب صافية وأسماع واعية. إذن؛ لا بد ان يكون عملنا وتحدينا خارج حدود مكاننا، فقد مضى ذلك الزمن الذي ندافع فيه عن سور البيت، إنما يجب ان ندافع عن البيت من مصدر الخطر، فلو ان اخواننا الذين يحاربون الارهاب في أي بلد فكروا بمهاجمة الارهاب في عقر داره ولا ينتظروه يأتي الى بيتهم وينجح بتوجيه ضرباته اليهم، لكان الوضع مختلفاً متاماً، والمعروف (أن افضل وسيلة للدفاع الهجوم). إذن؛ علينا ان نوسع نطاق المخاطبين في المجالس الحسينية في العالم، لتشمل غير المسلمين من المسيحيين في اوربا وامريكا أو من الهندوس في الهند وغيرها وحتى أتباع سائر الديانات والمذاهب، فهؤلاء جميعهم له القابلية على الاستجابة لنداء الامام الحسين عليه السلام.
3- من اجل مواجهة ظافرة لهذا التحدي يجب ان يكون كلامنا قوياً ومنطقاً رصيناً لاا تشوبه شائبة، ربما يكون الحديث عاطفياً لاسباب وظروف معينة، ولا اشكال في ذلك، لكن في الوقت نفسه يجب ان يكون عقلائياً ومستنداً على أسس متينة، لننظر الى كلام البارئ عزّ وجلّ، وايضاً الى كلمات النبي واهل بيته، نجد انها لا تأتي من فراغ، إنما يصحبها البرهان والدليل والحجة. ان كلامنا وافكارنا تظهر لوسائل الاعلام العالمية، فلابد ان يكون الكلام دقيقاً وموثقاً حتى يترك أثره المطلوب، وهذه مسؤولية حوزاتنا العلمية وعلمائنا وكتابنا ليتعبوا انفسهم في التأليف والتحقيق والدراسة.
ما هي امكاناتنا؟
لقد اصبحنا في وضع صعب للغاية حيث العالم يواجهنا بمختلف الوسائل المتطورةة والمعقدة، فما نملك في المقابل؟
نحن نملك (التّلاد)… الذي أشرنا اليه في بداية الحديث، وهو (تلاد) عظيم. تقرأ فيي (دعاء الندبة)، مخاطبين الامام الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشريف: (بنفسي أنت من تِلاد نِعمٍ لا تضاهى)، فنحن نسمي إمامنا الحجة بـ (التلاد) وهو يعني في اللغة العربية المال القديم والموروث، فهو الإرث العظيم، وكذلك سائر الأئمة المعصومين، كما ان الامام الحسين عليه السلام يشكل بالنسبة لنا (تِلاداً) عظيماً، لذا فهو عظيمٌ و تليد. انه من ركائزنا ومن ذخائرنا الاصلية، فاذا عرفنا كيف نبين مصابه وقضيته للعالم، أنئذ نتمكن من مواجهة الثقافة العالمية. عندنا مواقف بطولية وحالات مؤثرة في واقعة الطف، مثل قصة الطفل الرضيع ومواقف أبي الفضل العباس عليه السلام وغيرها. لننظر كيف يتعامل المسيحيون مع إرثهم الديني وكيف أنهم يقدسون أي شيء يعود الى نبيهم عيسى عليه السلام، ونحن نعلم انه عليه السلام لم يقتل ولم يتعذب كما يتصور المسيحيون اليوم، إنما رفعه الله اليه، أما نحن المسلمين لدينا الامام الحسين… مرقده وقضيته ونداءاته وعندنا ايضاً الائمة المعصومين عليهم، الامر يفرض علينا اغتنام الفرصة واستثمار هذه الارث الخالد الذي تركه لنا أئمتنا الكرام.
لقد انطلقت قوافل السير على الاقدام صوب كربلاء ابتداء من اخر نقطة في جنوبب العراق، وفي هذا الشتاء حيث يمر الزائرون عبر الصحارى القفار، يتحدون مخاطر الطريق وصعوباته، نسمع من يقول: ان الشعب العراقي يعيش ازمة اقتصادية وسياسية وامنية، نعم؛ انه كذلك، لكنه ليس في أزمة دينية، انه يسيطر على مقدرات نفسه ومحافظ على متبنياته، ربما يقول هنالك مشكلة اقتصادية او معيشية، لكنه لا يقول لهذا السبب لن اذهب سيراً على الاقدام لزيارة الامام الحسين، او لديّ مشكلة سياسية فلا أقيم موكباً او هيئة حسينية، بلغني أن التنافس على قدم وساق للحصول على مكان على الطريق الطويل بين المدن الجنوبية وكربلاء المقدسة بين المواكب والهيئات ليحضوا برقعة من الارض يخدمون من خلالها زوار الامام الحسين عليه السلام، وهذه هي البطولة حقاً.
ان الفخر ليس فيمن يقوم بزيارة الامام الحسين عليه السلام، وهو خارج من بيتهه ومن فراش نومه الوثير والناعم، إنما الفخر كل الفخر لذلك الانسان المعدم و الفقير المهدد في مستقبله وفي مسكنه، لكنه ينسى كل شيء ويشدّ الرحال سيراً على الاقدام ويقول: (يا حسين). في بعض مناطق العراق هنالك غابات تتخلل الطريق الى كربلاء المقدسة، فقال بعض الاخوة لاصدقائهم لا تذهبوا لوجود ذئاب مفترسة، لكنهم أصروا على الذهاب والزيارة، وبعد فترة بحثنا عنهم فلم نعثر سوى على احذيتهم…!
علينا ان نستخرج هذا (التلاد) العظيم… هذا الكنز التاريخي ونتوكل على اللهه ونتحدى الصعوبات، وهذا الارث لا يخصّ المسلمين وحسب، إنما يشمل حتى المسيحيين الذين يجاوروننا، فعندما يواجهون تحديّاً كالذي حصل في العراق من قبل أيادي الارهاب الدموية، فان عليهم ان يتعلموا الصمود والتحدي من الامام الحسين عليه السلام، إن المسيحيين يفكرون اليوم بمغادرة العراق، لكن عليهم ان يعرفوا ان في العراق تلالاً من اجساد ابنائنا، مع ذلك صمدنا وتحدينا.
وليس فقط المسيحيون من يستفيد من هذا (التلاد) الكنز، بل بوسع العالم كله انن يستلهم من روح التضحية والصمود والبطولة التي جسدها الامام الحسين و ابو الفضل العباس و علي الاكبر، ويتخذونها علاجاً لمشاكلهم وأزاماتهم، هناك مليار فقير في العالم لايمكن حل مشكلتهم و بروح الاسلام وبروح القرآن الكريم وإلا بروح أبي عبد الله الحسين (ع). إذن، نحن لدينا الروح والجوهر وليس فقط المظهر، ولدينا (التلاد) نستفيد منها لتقوية انفسنا ونتحدى المشاكل والازمات وهي هذه هي وظيفتنا ومسؤوليتنا.

 

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 01/صفر الخير/ 1432 هـ ، الموافق 06/كانون الثاني – يناير/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.