تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الرابع عشر)

“وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْديلاً] (28)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

صحيح أنّ عالم الغيب مُحيط بعالم الشهود الذي نحن فيه، الّا أنّ البشر بإمكانه النفوذ اليه، يقول ربّنا تعالى: [وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنينٍ‏][1]

فهو تعالى ليس بخيلاً في اعطاء الغيب شريطة أن يكون الطريق الذي يسلكه البشر من أجل الوصول الى الغيب صحيحاً، ومن ذلك النفوذ الى الآخرة، ليس فقط الإيمان النظري بها بل ومعايشتها، حيث يعيش المؤمن الآخرة وهو في الدنيا، ذلك لأنّ خالق الآخرة هو خالق الدنيا كما جاء عن لسان النبي يوسف عليه السلام حيث قال: [أَنْتَ وَلِيِّي‏ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّني‏ مُسْلِماً وَ أَلْحِقْني‏ بِالصَّالِحينَ][2]

وجاء في الدعاء المروي عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّه قال: ((يا رَحْمنَ‏ الدُّنْيا وَ الآخِرَةِ وَ رَحِيمَهُما))[3]

وهكذا الدنيا مرآة الآخرة، فالنار في الآخرة هي نار الدنيا ولكنّها أشدّ 70 ضعفاً، وهكذا النعيم في الآخرة مُضاعف بأضعاف كثيرة عن نعم الرب سبحانه وتعالى لنا في الدنيا.

جاء الحديث الشريف: ((وَ اذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ‏ وَ عَطَشِكُمْ‏ فِيهِ جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ عَطَشَه‏))[4]

 وهكذا يعيش المؤمن الآخرة بكلّ وجوده، و حين يواجه ضغوطات الحياة فإنّه يتجاوزها بتذكّر الآخرة ولا يحزن على ما فاته من الدنيا، لأنّه يعي بوجدانه فناء الدنيا وبقاء الآخرة

 جاء في وصية الامام امير المؤمنين الى الحسن والحسين عليه السلام: ((أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أَنْ لَا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَ لَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا وَ قُولَا بِالْحَقِّ وَ اعْمَلُوا لِلْآخِرَة.))[5]

حينذاك يصبح المؤمن حُرّا، لأنّه يتجاوز كلّ العلائق المادّية و يقيس كلّ شيء بمقياس الآخرة، وذلك يوصله الى جعل التقوى محوراً لحياته.

ومن ذلك أيضاً معرفة الإنسان قُدرة الرب تعالى في الآخرة وبعث الخلائق تارة أخرى، فكما أن رّبنا تعالى خلق الانسان من نطفة أمشاج بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، هو أيضاً يُعيد خلقه في الآخرة.

يقول ربّنا تعالى: [نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ]

بالرغم من أنّ كلمة [شَدَدْنا أَسْرَهُمْ] تعني في الظاهر تقوية خلقهم، الّا أنّ لها معنى أشمل وهو وإسباغ النعم على الانسان وتهيئة كافّة العوامل لابقاء الانسان.

جاء في دعاء الامام الحسين عليه السلام في يوم عرفة:

((ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي‏ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ، بَيْنَ لَحْمٍ وَ جِلْدٍ وَ دَمٍ، لَمْ تُشْهِدْنِي بِخَلْقِي، وَ لَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي. ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيا تامّاً سَوِيّاً، وَ حَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً، وَ رَزَقْتَنِي مِنَ الْغَذاءِ لَبَناً مَرِيّاً، وَ عَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَواضِنِ‏، وَ كَفَّلْتَنِي الأُمَّهاتِ الرَّحائِمَ، وَ كَلَأْتَنِي‏ مِنْ طَوارِقِ الْجانِّ وَ سَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيادَةِ وَ النُّقْصانِ، فَتَعالَيْتَ يا رَحِيمُ يا رَحْمانُ.))[6]

فكم هي العوامل التي هيئها ربّنا تعالى من أجل الانسان لأجل العيش وهو ذات الرب المتعال الذي يبدّل جيل بعد آخر:

 [وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْديلاً]

أي جئنا بآخرين أمثالهم بديلا عنهم، بإهلاكهم، أو بجعلهم الحاكمين، ولو تأمّل الانسان في ذلك ليس فقط يصل الى معرفة الآخرة بل ويعيش الآخرة قبل موته.


[1] سورة التكوير، الآية:24.

[2] سورة يوسف، الآية: 101.

[3] الإقبال بالأعمال الحسنة (ط – الحديثة)، ج‏1، ص: 256.

[4] الأمالي( للصدوق)، النص، ص: 93

[5] روضة الواعظين و بصيرة المتعظين (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 136

[6] الإقبال بالأعمال الحسنة (ط – الحديثة)، ج‏2، ص: 75

تفسير سورة الجمعة المباركة _الدرس الخامس

معرفة قواعد الحكمة

كربلاء المقدسه _يوم الاثنين 2018/10/22م الموافق12/صفر الخير/1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)عرض المزيد

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الاول)


“لم يكن شيئاً مذكورا”

بسم الله الرحمن الرحيم

[هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً] (1)

صدق الله العلي العظيم

من الحديث

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ كَانَ جَزَاؤُهُ عَلَى اللَّهِ جَنَّةً وَ حَرِيراً، وَ مَنْ أَدْمَنَ قِرَاءَتَهَا قَوِيتَ نَفْسُهُ الضَّعِيفَةُ، وَ مَنْ كَتَبَهَا وَ شَرِبَ مَاءَهَا نَفَعَتْ وَجَعَ الْفُؤَادِ، وَ صَحَّ جِسْمُهُ، وَ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ».[1]

تفصيل القول

بالرغم من أنّ سور القرآن الكريم كلّها عظيمة الّا أنّ بعض السور تتجلّى عظمتها لنا، ونحن نأمل أن تكون شفيعة لنا كما سائرُ الآيات والسور، وكلّما اقترب روحنا مع روح القرآن نال شفاعته.

ما هو الاطار العام لهذه السورة؟

يبدو أن محور السورة المباركة بعد التدبّر في آياتها وفي اسمها المبارك وبالاستنارة بالروايات المباركة نجد أنّ المحور في السورة هو الشكر، لكن ليس المعنى المحدود للكلمة، إذ يتداعى الى الذهن معنى محدود، ولكن الصحيح أن نجنّب أنفسنا الحكم على المواضيع وفق الفهم الضيّق المحدود، بل نحاول النفوذ الى حقيقة الكلمة وواقعها.

فكلمة الماء قد تقال الى بدوي في الصحراء فيتبادر الى ذهنه غدير الماء وقد تقال الى بحّار ليداعى الى ذهنه المُحيط الواسع..هكذا الشكر لو تأمّلنا في معناه سنجد أنه في الواقع جذرٌ لشجرة الفضائل، فمن يملك الشكر يُعطى الايمان والصدق والتقوى وأغلب الفضائل.

ما رأيت الّا جميلا

لو أردنا أن نعرف بعض أبعاد الشكر علينا أن ندرس ذلك من خلال مدرسة عاشوراء، من دعاء الامام الحسين عليه السلام في عرفة الذي يُبيّن أبعاد الشكر المُختلفة، الى احداث عاشوراء وما بعد عاشوراء والى الكلمة العظيمة التي قالتها السيدة زينب عليها السلام لابن زياد حيث قالت: (ما رأيت الّا جميلاً).

لو فكّر الانسان في هذه الكلمة العظيمة سيجدها نتاج دعاء الامام الحسين يوم عرفة والمعاني العرفانية العظيمة والأبعاد المختلفة التي يشكر بها المولى ربّه، وهكذا علينا أن يُفكّر الانسان في ذلك، منذ بدء الخليقة والمراحل التي مرّ بها، حيث لم يكن مذكوراً، من مرحلة التقدير، الى عالم الاضلّة والاشباح، ثم الى عالم الذر، والاصلاب، ثم عالم الأرحام كما يقول الامام الحسين عليه السلام: ((ابْتَدَأْتَنِي بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ شَيْئاً مَذْكُوراً وَ خَلَقْتَنِي مِنَ التُّرَابِ ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي الْأَصْلَابَ آمِناً لِرَيْبِ الْمَنُونِ وَ اخْتِلَافِ الدُّهُورِ فَلَمْ أَزَلْ ظَاعِناً مِنْ صُلْبٍ إِلَى رَحِمٍ فِي تَقَادُمِ‏ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ وَ الْقُرُونِ الْخَالِيَة))[2]

تلك الحقائق تُبصّر الانسان بحقيقته وكيف انه لم يكن شيئاً مذكوراً ومن ذلك يستوعب الانسان حقيقة الشكر الذي يمثّل جذر الفضائل عند الانسان.

يقول رّبنا تعالى: [هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً]

قد اختلفوا في حرف «هل»، فقال بعضهم: أنّه هنا بمعنى (قد)، و قال آخرون: بل هو استفهام تقريري، يعرف السائل الجواب سلفا، و إنّما يطرح الكلام لأخذ الإقرار من الطرف الآخر.

و يبدو لي أنّ الكلمات تبقى بمعناها اللغوي عند الاستعمالات الأدبية المختلفة، إلّا أنّ هدف الاستخدام يختلف حسب السياق، فهل هنا- مثلا- جاء بمعنى الاستفهام، أمّا لما ذا جاء الاستفهام؟ فهو ليس شأن الكلمات إنّما هو شأن الذي استخدمها. و يكون مثل ذلك في عالم الماديات: السيارة التي تقوم بحمل الإنسان. أمّا إلى أين و لما ذا يتحرك الإنسان؟ فهذا ليس شأنها إنّما هو شأنه.

[عَلَى الْإِنْسانِ‏]

واستخدام كلمة الانسان للتدليل على حقيقته وطبعه.

[حينٌ مِنَ الدَّهْرِ]

ليس زماناً محدوداً، بل بقي على ذلك ما لا يُحصى من الزمان، وقد يعود كذلك أيضاً في عوالم تأتي.

[لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً]

كان شيئاً ولكن لم يكن مذكوراً، وكفى بذلك داعياً للتفكير عند الانسان ولكسب قيمة الشكر لأنعم الله تعالى.


[1] البرهان في تفسير القرآن، ج5، ص: 543.

[2] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 340