معالم عودة الحضارة الاسلامية

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس،26/ محرم الحرام / 1441 هـ ، الموافق 09/26/ 2019 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

بصائر حسينية .. ابعاد عاشوراء


بصائر حسينية لسماحة المرجع الديني اية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله )التي القاها يوم الاثنين  27/ذي الحجة /1441هـ  الموافق 08/29 /2019م  بمناسبة  استشهاد الامام الحسين (عليه السلام)

بسم الله الرحمن الرحیم

((وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (68) وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (69) ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)))

امنا بالله

صدق الله العلي العظيم

و نحن نستقبل في هذه الايام شهر عظيما، و مناسبة كريمة شهر محرم الحرام و مناسبة عاشوراء،  لو فهمنا ابعاد هذه المناسبة و عقدنا العزم على ان نستفيد منها لكان هناك تطور عظيم في حياتنا، و قفزة هائلة في مسيرتنا،  ليس كافراد و انما كمجتمع اسلامي ناهض، نبشر به ان تكون ارهاصات ظهور امامنا الحجة – عجل الله فرجه-  مناسبة الغدير تمهيداً لعاشوراء الحسين و عاشوراء،   توطئة لظهور امامنا عليه السلام،  انها حلقات بعضها من بعض انها حقائق بالرغم من جهل الجاهلين،  و غفلة الغافلين و بالرغم كيد الكائدين و حسد الحاسدين فليمرغوا انوفهم في التراب و ليعيشوا في جحيم افكارهم الظالمة.

  منذ سقوط السبط الشهيد على ارض الطف،بدأت الدنيا تسير في اتجاه اخر، و كربلاء كانت بداية الانطلاقة و النهضة ، كانت التحول العظيم للامة، و لا  زلنا نحن كل عام نجد كيف تتموج هذه المناسبة لتشمل افاق جديدة كل عام، و كيف أن هناك اناس يجهلون الحسين سلام الله عليه،  بدأوا اليوم ليس فقط يعترفون و انما بدأوا يحملون راية الامام الحسين عليه السلام، باتجاه المستقبل الزاهر ان شاء الله.

  علينا نحن كخطباء و كمتحدثين بسم سيد الشهداء،  و كناطقين باسم هذه الثورة العظيمة التي استمرت، و تستمر باذن الله ،علينا ان نستعد كي ان نوجه الناس في الاتجاه الصحيح، فكلما كان الخطيب اكثر اهتماما بهذه المناسبة،  و كلما كان اكثر تفاعلا مع هذه المناسبة، كلما و فقه الله لاداء واجبه ،  و سيرفعه الله مكان عليا يغبطه الاخرون على هذا المقام العظيم، و ليس انا في موقف اتحدث معكم فيما اعرفه من مقام الخطباء و فيما يقيمون ذكرى مصاب الامام الحسين عليه السلام، و كيف أن  الله يجازيهم في الدنيا و الاخرة و إذ توجت حديثي بسورة النساء، و انا مهتم بهذه الاية،  { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا }، في هذه الاية يبشرنا الله، و يبشر كل من يسلك هذا الطريق بانه سيكون مع ابي عبدالله الحسين عليه السلام، و يبين هذا الدعاء الذي نستمر عليه صباحا و مساءا، في اعظم سورة في القران و هي سورة الحمد {اهدنا الصراط المستقيم}،  ليبين لعباده كيف يهديهم الصراط المستقيم، و سورة الحمد محورها هذه الكلمة،  فقبل ذلك ثناء لله الحمد، { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } محور هذه الكلمة،  يبينه الله،  ما هو الصراط المستقيم؟

 و من هم الذي انعم الله عليهم؟

 و ماهي الشروط الموضوعية التي لابد ان نوفرها في انفسنا لكي نكون ضمن هذه المسيرة؟

 و من العجيب  يحدثنا القران ، قبل هذه الاية في سياق الايات { كتبنا عليهم ان اقتلوا انفسكم او اخرجوا من دياركم ما فعلوه الا قليل منهم} مما يعني ان  هناك رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، رجال التضحية،  رجال العطاء، رجال يبحثون عن القمة، وايضا هناك رجال قضوا اعمارهم في الحضيض السافل،  من هم هؤلاء؟ هم الذين قال لهم الله : قاتلوا ، ولا تنتحروا، لان هذا القتال الذين تقاتلون فيه سيقودكم الى عداد الشهداء،  رغم ان ربنا لو ان كتبنا عليهم ما يوعظون به، لان هذا في منفعة الانسان، وليس  ضرره،  و اذن لاتيناهم من لدنا اجرا عظيما و لهديناهم صراطا مستقيما} ركزوا في هذه الكلمة و لهديناهم صراط ما هذا الصراط؟ ومع من؟

يبين ربنا هذا الصراط صراط من، الذين انعم الله عليهم ،سورة الحمد تقول صراط الذين انعمت عليهم، من الصديقين و الصالحين، اليس الحسين و اصحاب الحسين في هذه القائمة؟

 صحيح ليس نبي و لكن و صي النبي الاعظم، فهو اعظم من كثير من الانبياء السابقين، كما نحن – نعلم ذلك- لانها  من ضرورات ديننا .

ان هذه  الامة المختارة المصطفاة اعظم الامم، و نبيها اعظم الانبياء، و صدقيوها اعظم الصديقون و حسن اولئك رفيقا، و ربنا يبين ذلك الفضل من الله الذي يحصل لهذا الانسان بجهده و كفى بالله عليما،  نحن في هذا العام نستطيع ان نصل بهذه الافكار، التي ربما يستفيدون من بعضها في منابرها و مجالسهم، ربما مئات او الاف المجالس في العالم،  احدهم ذهب الى جبال الهملايا قريب من القمة، رايت مجلس الامام الحسين ع، و بعض في بعض الادغال في المناطق التي لم نسمع بها،فقد و فقهم لاحياء مجالس الامام الحسين، ولعل يصل هذا الكلام اليهم و امل من الله ان يصل الكلام ، و يوفقهم لتلقيه و الاستفادة من ما يرونه حسنا في مجالسهم ،و محافلهم حتى يكون كلامي في كربلاء الحسين ع، مصدراً للحديث في كل مكان للتحدث مع الناس ،لاننا  من جوار الامام الحسين ع، و حق جوار الامام و عندنا شرف الجوار ،و علينا ان نقوم بما علينا ما دمنا نحن في جوار السبط الشهيد، و هو حي و بحياته حياة قلوبنا بما جاء في الزيارة ،و اول شيء نطرحه هو ان نعيش كربلاء نعيش الحسين ،يعني ان يكون الامام الحسين  في وجداننا في ضميرنا ،وتكون ملحمة الامام الحسين ع ،و عاشوراء و زينب و الامام زين العابدين، و سائر ما يرتبط هذه المسيرة العظمى ليس في بعض الايام و انما على طول العام كيف اولا وثانيا لماذا

اولا: لماذا تريد ان تكون مع الحسين  فقط في الجنة؟

ام هنا اولا اكون اليوم مع الحسين هنا في هذه الحياة الدنيا، كيف احلم ان أكن مع الامام الحسين ع من هنا، و لنبدء ليس بكلمات،  و انما بروح و وجداننا، فقد رأيت اناس عاشوا بالحسين، انا اقول كلمة بحق من له حق عليّ، و هو والدتي رحم الله امواتكم و رحمها أنها، في حياتها لم تشرب ماء بارد ،تقول كيف اشرب ماءً بارداً و الحسين ذبح عطشانا ؟

  حتى في منتصف الليل و هي تقوم تطلب الماء عندما يأتون بماء بارد ، فتقول: عايشوا الامام الحسين ع في حياته، و كونوا معه في الدنيا، لتكونوا معه  عليه السلام في الاخرة ان شاء الله .

وهناك ببعض التوصيات

التوصية الاولي التي اقدم الحديث بها، اقامة الشعائر انظروا ربنا سبحانه و تعالى، يقول كلمة عظيمة في سورة الحج حول هذه الشعائر في الحقيقة، هي ظاهرا شعائر بل هي تعبير عن القلب، و من يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب ، يعني الظاهر يعكس الباطن، و نحن ينبغي ان لا نألوا جهدا في احياء الشعائر، و التفاعل مع الشعائر بالممكن كل بطريقته، الان في العالم عشرات الاساليب و المناهج لاحياء الشعائر كل واحد حسب ما يراه ما دام لا يخالف العقل و الشرع و الفطرة ،بعض الناس لا يعرفون ان هذه الشعائر هي وسيلة لمعالجة الروح بعضهم يعارضون شعيرة المشي يقولون : جعنا نبني البلد

 اقول : كل العام يبنون البلد حتى هذا المشي نستطيع ان، نبني البلد بهذه الشعائر تتحدثون عن الزيارة و يضعفونها، يتحدثون عن المجالس و يضعفونها و عن اي شي، مرتبط بالشعائر شعائر يجب ان تكون كل سنة افضل من السنة الماضية، و نفس الالتزام و ثم علماء خطباء اكاديميون، هؤلاء يجب ان يكونوا في مقدمة من يحيون الشعائر،لقد جاءني الكثير ممن اتوا مشيا ، او راكبين الى كربلاء،و كان حديثهم عن الامام الحسين ع اعظم من حديثنا، نحن من نتحدث  الشعائر هذا اولا

 و نحن يجب ان نتفاعل لا نقول الشعائر لعوام الناس، لا نقول هم  يجب يكونوا ، مع الامام الحسين ع هو اذا كان، العلماء و الخطباء و الاكاديميون في مقدمة الشعائر فان ذلك يوجب التلاحم بيننا و يوجب فيما ننتفع جميعنا و ننصهر، قبل يوم قرأت لمراسل اجنبي يقول،

 الشعب العراقي تتغير اخلاقه في شهرين محرم و صفر، مما  يعني ان اخلاق شعبنا يرتفع لماذا؟

لانه في هذه الشهرين ينصبغ بصبغة ابي عبد الله الحسين ع، ينصبغ بال بيته العباس و علي الاكبر و القاسم و اصحابهم.  المسألة الثانية بعد الشعائر نحن بحاجة الى نقرأ الامام الحسين، نقرأ الامام الحسين بوجدانه ، لا تقرء التاريخ كقضية قد فاتت الامام الحسين لم يمت ،استشهد  بصريح الايات القرانية ان الشهداء احياء عند ربهم يرزقون،  و بالزيارة انك حي و بحياتك حييت حياة شعيتك ، و معنى ذلك نحن حينما نقول الحسين ع لا نقول عن شخص بعيد عن شخص يعيش معنا نقرأه في وجداننا، حي واقع و الان موجود الان يعني نتعايش معه ،و هو يعيش معنا و نتبرك به هذه نقطه و هناك ايضا هنا نقاط اخرى اتحدث بها في احاديثي القادمة و ارجو من الله سبحانه و تعالى ان يرزقنا شفاعة الحسين ع يوم الورود و ان يجعل حياتنا كحياته و مماتي كمماته اللهم احيني حياة محمد و ال محمد و امتني ممات محمد و ال محمد و ارزقني شفاعتهم  و مودتهم و ولايتهم و ان يكون في الشهر الكريم تطور في حياتنا و في مسيرتنا و في اخلاقنا و في عقائدنا و في كل نعمك عندنا بحق محمد و ال محمد الطيبين الطاهرين.

تفسير سورة المعارج المباركة _الدرس السابع

(الإمتداد الطيبعي للدنيا في الاخرة)

كربلاء المقدسه _يوم الأحد 2019/03/03 م الموافق 26/جمادى الاخر /1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)عرض المزيد

تفسير سورة التحريم المباركة _الدرس الساد س

العنوان :على الانسان ان يتجاوز كل المحن والمصائب

كربلاء المقدسه _يوم الاثنين 2018/12/10م الموافق02/ربيع 2 /1440هـ

اسس نهوض الأمم والحضارات وعلل انهيارها بين قيم الرسالات وأغلال الجاهلية

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 14/ جمادى الاولى/ 1439 هـ ، الموافق  01/ شباط/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

بسم الله الرحمن الرحيم

{ فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ * إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ * هَاأَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.

صدق الله العليّ العظيم

( سورة محمد (ص) 36ــ 39)

 

ليس بين الله سبحانه وتعالى وبين احد من خلقه صلة قرابة ، وهذا هو جوهر التوحيد، فهو تعالى خالق الجميع، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد.

 ومادام الامر كذالك، فكيف وبماذا و لماذا يتفاضل الخلق فيما بينهم؟.

 انما يتفاضلون بأعمالهم، وبما تكسب أيديهم، ولا يظلم ربك أحدا. حتى الانبياء الذين فُضّلوا على سائر الخلق اُمتُحِنوا في الدنيا، وأنت تقرأ في كتاب الله المجيد قصص ابتلاءات  الانبياء ، من نبينا ادم الذي ابتلي بالنهي عن الأكل من الشجرة، ثم طرد من الجنة، ثم تاب وغفر الله ذنبه واجتباه، وهكذا الى سائر الانبياء و الأولياء كذلك.

 وانتم تعرفون قصص الائمة عليهم السلام وكيف ان البلاء كان عليهم  اكثر من أي إنسان أخر.  ولا يوم كيوم ابي عبد الله الحسين سلام الله عليه.

وحتى انهم ابتلوا في عالم  أخر قبل هذا العالم، فالصديقة الطاهرة سلام الله عليها التي تقول: صبت عليّ مصائب لو انها / صُبّت على الايام صِرن لياليا، ابتليت هي الاخرى في عالم اخر حتى جيء بها الى الدنيا، حوراء انسية، ونقرء في زيارتها عند قبر الرسول صل الله عليه واله وسلم ونقول: ان الله امتحنك قبل ان يخلقك.

 امتحان قبل الخلق في هذه الدنيا، وامتحان في عوالم اخرى، ولو عرفنا نحن هذه الحقيقة البسيطة؛ ان الله خالق ولا احد اعانه على خلقه، لا يحتاج الى احد، وانه عادل وحكيم، فلابد انه أعطى كل شيء وكل إنسان ما أعطاه بحكمته وبمسؤولية ذلك الانسان، حتى نحن البشر الذين امتحن الله أرادتنا في عالم اخر، لا نعرف متى، ولكن القران الكريم يقول :{ انا عرضنا الأمانة على السماوات و الارض والجبال فأبين ان يحملنها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا}.

 الانسان حمل الأمانة، وبقدر ماحملها وأدّاها ، رفعه سبحانه وجعله قريبا منه، وهذه الحقيقة لابد ان نستفيد منها رؤية شفافة وبصيرة نافذة لفلسفة الحياة.

لماذا بعض الشعوب تراها ترتفع وتتقدم بينما تتخلف شعوب اخرى؟. ثم لماذا ايضا أن تلك الشعوب التي وصلت الى القمة نجدها في مراحل سوداء في التاريخ تنحدر وتنهار هي الاخرى ؟ 

 هل ان الله سبحانه وتعالى يعطي لهذا الشعب او ذاك القوة والعزة والكرامة وكل شيء محاباة او لأنهم عملوا ؟ وهل يُضعف ويُذَل  ذاك الشعب الاخر بلا سبب؟. يقول ربنا سبحانه:{ ان الله لا يغير بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

الحديث هنا قد يكون عن شعوبنا، وعن شعوب العالم اليوم، فنحن لا ندور في حلقات تاريخية مفرغة، وانما ايضا نتحدث عن واقع نعايشه .

تعرفون ان القوة الكبرى في العالم اليوم، وتقريبا الرقم الاول في كل شيء، هي الولايات المتحدة الامريكية، وهكذا ايضا نسأل كيف نهضت اوربا ؟، ونحن لماذا وكيف تخلفنا ؟ وهل هناك سبيل الى ان نعود؟ وهل هؤلاء الذين تقدموا سيبقون على القمة الى الابد ام لهم يوم اخر كأيام مرت على عاد وثمود وال فرعون ونمرود؟ وتلك الحضارات التي سادت ثم بادت؟. تجدون احيانا انهم يحفرون وينقبون عن الاثار فيجدون حضارة ضخمة جدا مدفونة تحت الارض ، الناس و حضارتهم ايضا دفنت تحت الارض، لاتعلم أكان ذلك بزلزال عظيم، ام بحروب مدمرة، ام ببركان ثائر، ام غير ذلك من العوامل والاسباب، بالتالي دمرت شر تدمير.

و في شبه الجزيرة العربية شع نور الاسلام وبُعث سيدنا وحبيبنا المصطفى محمد  صل الله عليه واله سلم بتلك الرسالة الخاتمة، والتي يقول عنها ربنا سبحانه وتعالى في الآيات الخاتمة لسورة الانبياء:{ وما أرسلناك ألا رحمة للعالمين}، ومعنى ذالك ان الرسالات جأت  وقامت بدورها و أنتشرت ولكنها بسبب طواء  الزمان وتغيرات الحياة تقلص دورها، وتبقى رسالة الاسلام حتى تنتشر، ويظهره الله على الدين كله.

رسالة الاسلام، هذا الحدث العظيم الذي حدث في يوم مبعث النبي صل الله عليه واله وسلم، وفي ليلة القدر، تموج في المنطقة، وفي العالم العالم ، رغم أن الاسلام جاء وانتشر في هذه المنطقة نظيفا نقيا بلا أي شائبة شرك، ولكنه كما باقي الاديان الالهية،اصابه فيما بعد مااصابه من السلبيات والافكار  والصفات الجاهلية الهدامة لدى البشر الذين بعث النبي بالرسالة اليهم، فالبشر لديهم الكثير من السلبيات ، الكثير من الصفات التي كانت تدمرهم، كما الجاهليون الذين كانوا يشربون الطرق ويكلون القد والورق وكانوا اذلة خاسئين كما تقول الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، هؤلاء ما نسوا افكارهم وتقاليدهم وما نسوا القيم الفاسدة التي كانت تحكم حياتهم.

 وقد يسأل البعض: ترى لماذا نجد العرب لا يزالون يعيشون المأسي من يوم امرئ القيس الذي كان يقول لهم: قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل/ بسقط اللوى بين الدخول وحومل؟، وهم الى الان لازالوا يبكون!؟، على ماذا يبكون؟ مابها حياتهم ، تراه يبكي ويتذمر سواء اكان في صعود او نزول، يبكي ان كان لايملك شيئا وإن كان يملك ايضا، دائما في كفران بالنعم!؟. لأن تأثير “قفا نبكي..” لاتزال في عقلهم الباطن، نظرة احدهم سلبية سوداوية الى الحياة.

جاء الاسلام وتموج نوره، ولكن تأثر بهذه الافكار السلبية التي كانت سائدة ولاتزال، وهكذا ايضا كانت هناك ردة جاهلية بقيادة بني امية ، وقد قاومها الأئمة الاطهار سلام الله عليهم ابتداءاً من الامام  امير المؤمنين الذي قال له رسول الله صل الله عليه واله وسلم ““تقاتل على تأويل القرآن ، كما قاتلتُ على تنزيله “، وفي رواية : ” أنا أقاتل على التنزيل وعلي يقاتل على التأويل “، “، ما يعني انك تقاتلهم (قريش) وهم يتظاهرون بالدين ويحملون القرآن على الأسنة ويدعون الى التحاكم اليه!؟ لكن الامام علي عليه السلام بأيمانه وصدقه وشجاعته، بقربه من الله، بتوفيقه وبتوكله على الله، واجههم، وهكذا الامام الحسن المجتبى عليه السلام واجههم بطريقة و الأمام الحسين الشهيد في كربلاء سلام الله عليه واجههم، و الأمام زين العابدين عليه السلام ومن بعده من الائمة كل  واجههم  بطريقة معينة، الى ان اجتثوا من الارض ولم تبقى منهم الا بقايا قليلة ظهرت هذه الفترة في صورة داعش والسفيانيين الجدد، لكن انتهوا.

هذا الدين (الاسلام) دخل في وعاء الامة، هؤلاء البشر الذين كان وعائهم قذرا غير نظيف، محكوم بتقاليد وافكار الجاهلية، لذلك كان هناك دائما صراع بين اسلام النبي (ص)و القران و التوحيد، واسلام السلطة، اسلام الانتهازية و الفساد والذين تظاهروا بالاسلام، وبتالي حدث في فترات معينة  أن ذاك الاسلام الخاطئ انتصر شيئا ما، و تخلفنا نحن بسبب ان تلك القيم التي كانت في الجاهلية عادت، والقيم الدينية النقية ضعفت، ولكنها لم تنتهي.

 و من جهة أخرى تموج نور الاسلام و القرآن وكانت له امتدادات على عدة أطراف، بأتجاه أفريقيا وبإتجاه الشرق وصولا الى اسيا الوسطى وسهل الصين، وبإتجاه الغرب ايضا، لكن الانتشار بالسيف ليس هو المعيار وليس هو المهم، انما هناك طريق اخر  هو المهم وهو ان الاسلام من منذ فترة اسبانيا ومابعدها امتد الى اوربا وانتشر بالفكر والعلم والمعارف، حيث تقرؤون مثلا عن فترات محاكم التفتيش حينها في اوربا ولاسيما في اسبانيا، وكيف كان يتم حرق المصلحين والمفكرين والعلماء الاحرار،  فجاء انتشار الاسلام ومن خلاله انتشر الفكر الرسالي والمنهج المنطقي، ومن يدرس التاريخ بتمعن وانصاف سيجد ان الكثير من الفلاسفة الناهضين الذين برزوا في الغرب، من ايطاليا واسبانيا وفرنسا والمانيا وجزيرة بريطانيا وغيرها من مناطق اوربا، كانوا متأثرين بالمعارف والعلوم والنظم والفكر الاسلامي، وخصوصا فيما يتصل بطريقة ومنهجية التفكير، او المنطق بتعبير اخر. فضلا عن قصة الراهب والقس مارتن لوثر في المانيا ومن ثم تأثير حركته الاصلاحية الدينية على عموم اوربا بتأسيس البروتستانتية التي هي حركة اصلاحية تصحيحية و ثورة ضد انحرافات المسيحية، فكانت هناك حرك قوية ومستمرة في هذا الاتجاه، وانتقلت بسبب الاضطهاد من اوربا الى أمريكا لأن الدول الاوربية اتحدت في قتل واضطهاد هؤلاء البروتستانت،وكل المفكرين والعلماء الاحرار في تلك الحقبة الزمنية المظلمة.لذا فكثيرين من هؤلاء هاجروا الى امريكا، ، وكان لهم التأثير الاكبر في تأسيس نظام وحضارة جديدة، ثم من امريكا انعكست تلك بتاثيرها على اوربا ولاسيما  فرنسا في صورة الثورة الفرنسية الكبرى، فقد انطلقت تلك الثورة بفعل تاثير كبير من الموجودين حينها في امريكا التي لجأؤا اليها واحدثوا فيها ثورة تحررية فكرية ضد انحرافات المسيحية والكتيسة، وضد الافكار الخاطئة، والتوجه الى العزة والكرامة و الانسانية، هذه القيم التي بنت امريكا، ومن هناك عادت وتسربت الى فرنسا ومنها الى بريطانيا و المانيا وغيرها، وتحررت كل اوربا واتجهت نحو النهضة.

ان هذه القيم والاسس التي قامت عليها النهضة والتقدم والتحضر، و التي ينسبوها اليوم لهم، انما هي في الحقيقة كانت في جانب كبير منها من اشعاع وتموجات الإسلام..(1) وانا اليوم اقول الى من يحكم امريكا، ويحكمون تلك البلاد، انتم بقوتنا وحضارتنا وافكارنا صعدتم، و الأن تتهجمون علينا، وتثيروا المشاكل في بلادنا، وتتبجحون بأنفسكم وقوتكم و..،  فرويدا رويدا، فما انتم فيه وعليه اليوم لا يبقى لديكم إن استمر تهجكم هذا، وانا الان اقول كلامي هذا في بدايات هذه السنة 2018 ميلادية، و أواسط سنة 1439 هجرية، اقول هذا ولتحفظوه والتاريخ يسجل كلامي، وستجدون ما اقول لكم: انتم في امريكا لديكم  قيمتان اسستم حضارتكم عليها، قيمة الدين، افكار لوثر والربروتستانت، وعلى افكار الحرية والحقوق، ولديكم أيضا القيم او النوجهات البشرية الخاطئة ، كما كانت الجاهلية في بلادنا، فقد كان الامام الحسين سلام الله علية و في مقابله كان يزيد(لع)، فأحذروا، أن تسود لديكم الحالة اليزيدية ، فإنها لن تبقي لكم باقية.

 صحيح أن يزيد يجلس يوما ما في قصره ويعربد وينطق بكفرياته قائلا: لعبت هاشم بالملك فلا خبرا جاء ولا وحي نزل، لكن يزيد هذا كيف كان مآله ومصيره وكيف قتل واين قبره؟.

احذروا، فإن هذه الروح والنظرة والافكار الجاهلية قد تحرقكم وتقبركم في يوم ما ،لا تفكروا انكم وحدكم في هذا العالم تتحكمون به مثلما تريدون، الله هو خالق الكون ومدبره وسيده وليس انتم مهما امتلكنم من اسباب القوة، و نقول لكم ارجعوا الى قيمكم ان كنتم صادقين، وكما قال الامام الحسين سلام الله عليه لاتباع يزيد : “كونوا احرارا في دنياكم و ارجعوا الى أحسابكم وأنسابكم ان كنتم عربا كما تزعمون”، واليوم انتم ايضا ارجعوا الى  تاريخكم وأصولكم، فما تقولونه وتفعلونه ليس من القيم في شيىء انما افكار وتوجهات خاطئة فاسدة، وكأنك تريد ان تعيش وحدك في هذا العالم، تقول نحن اولا والبقية لاشيىء، هذه نهاية ، ففي يوم من الايام قال وتصرف نيرون على اساس مثل هذا ، فاذا به يحرق روما كلها ،وكذا فعل وقال هتلر وستالين مثل ذلك ، ومن قبل فعل وقال يزيد (لع) مثل ذلك وكذا فرعون ونمرود وامثالهم، قالوا مثل ذلك فأنتهوا وذهبوا ، لا تنازعوا الرب كبريائه فأن الله سبحانه وتعالى للظالمين بالمرصاد، يحطمكم، ولا يبقي شيء لديكم.

ان الحضارة والقوة والامكانيات لاتبقى حكرا وحصرا في مكان ما او اناس ما، هناك هبوط وصعود على مر التاريخ، { وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس }، وانظروا خلال القرن العشرين فقط كم من دولة صعدت واخرى نزلت، وهكذا ايضا حتى في موجات الهيمنة والاستحواذ من قبل القوى الاستكبارية خلال القرون الماضية، كيف واين كانت واين اصبحت البرتغال مثلا او اسبانيا، ثم بريطانيا وفرنسا وايطاليا والمانيا، والأن امريكا، فهي ايضا  لن تبقى الى دوما فوق القمة اذا استمرت بهذا النهج.

اما بالنسبة لنا كمسلمين، فإن خطاب الله تعالى لنا يقول في نهاية الاية التاسعة والثلاثين من سورة محمد (ص) :{وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ}. فنحن كذلك لايغنينا ويغير حالنا مجرد ادعائنا الاسلام، قأن ندعي الاسلام لا يعني أن كل شي لدينا، الاسلام ليس بالادعاء، بل يجب ان يتحول الى ايمان وعمل به، وليس الايمان بالتمني والتضني والكلام بل  وقر في القلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، عمل بالاركان ، كما ورد احاديث اهل البيت عليهم السلام (2).

  الايمان يحتاج الى قوة وعمل ومجاهدة، لذا فنحن كذلك كمسلمين اذا عدنا الى ايماننا وديننا والتزمنا به باللتي هي احسن قسوف نعود ونبدء من جديد،نغير من حالنا واوضاعنا، نتحرك ونبني ونحصن انفسنا وننهض ونكتسب القوة والعزة، وكذا هم ايضا، يستمرون اذا تقيدوا بقيمهم الصحيحة ، لئن الله لا يغير ما بقوم  حتى يغيروا ما بأنفسهم، اما اذا  تنكروا لهذه القيم ولم يلتزموا بها  واستكبروا في الارض، كما فعل فرعون وامثاله، فلن يدوم بهم الحال و بسبب وآخر سوف ينتهون.

وفي المقابل نحن ايضا يجب ان لا ننخدع ببعض المظاهر، بل نعود الى ديننا بكل ما فيه من قوة وعزة وكرامة وايمان.

ربنا تعالى يقول في الآيات الكريمة التي افتتحنا بها الحديث:{ فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ * إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ}. لا يريد سبحانه أن يأخذ منا ، بل هو الذي يعطينا ويرزقنا،{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} و يقول تعالى في الحديث القدسي: “يا بن آدم، لم أخلقك لأربح عليك، إنما خلقتك لتربح على، فاتخذني بدلا من كل شئ فإني ناصر لك من كل شئ”.

ثم يقول تعالى:{إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ } لو سألكم سبحانه كل أموالكم فهل تعطوها؟،كلا، فمن طبيعية البشر أن يبخل ويظن بماله، ومعنى بخل البشر ان الشح النفسي يظهر بصورة  سيئة. { هَاأَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء } اذا لم تنفق في سبيل الله فأنت  لا تحب نفسك، لأن هذا العطاء هو في الواقع يعود اليك مردودا ايجابيا  في الدنيا والاخرة . ثم وفي ختام هذه الايات يأتي الانذارالإلهي{ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.

 نسأل الله سبحانه وتعالى بحق محمد وال بيته الطيبين الطاهرين ان يسدد خطانا ويوفقنا الى أن نكون من الذين يبقون على الاستقامة و العمل الصالح وأن لا يجعلنا من الذين  يستبدل بهم غيرهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • إن تأثير الاسلام والحضارة الاسلامية، فكرا ومنطقا وعلما ومعارف في شتى المجالات، وفي الفلافسة والمفكرين في اوربا وغيرها، ومن ثم في حركات الاصلاح والنهضة الاوربية ، لاينكرها الا جاحد او جاهل، فتاثير الاسلام وقيمه وحضارته الكبير في وعي وفكر اوربا ، وبالتالي دوره الكبير في نهضة الغرب الحديثة  وما وصل إليه من تقدم ورقي ، اقر واشاد به قديما وحديثا، الكثير من كبار الفلاسفة والمفكرين والباحثين الغربيين، منهم على سبيل المثال لا الحصر الفرنسى جوستاف لوبون،  وجورج سارتون، وريتشارد كوك، و رينيه جيبون، ووليام مونتغمري ، وغيرهم الكثير،ممن لم يجدوا بدا الا أن يعترفوا أن الإسلام أنتج حضارة متميزة كانت هي أساساً في تشكيل عصر النهضة في أوروبا.

 

  • ـ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان “

 ـ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ):” ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن الإيمان ما خلص في القلب وصدقه الأعمال “

ـ عن الإمام علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله:”الإيمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، والإسلام ما جرى على اللسان “

– الإمام علي عليه السلام: “الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان”

ـ الإمام الباقر عليه السلام: “الإيمان إقرار وعمل، والإسلام إقرار بلا عمل “

ـ الإمام الصادق عليه السلام : ” الإيمان هو : الإقرار باللسان وعقد في القلب وعملٌ بالأركان”

ـ الإمام علي عليه السلام: “الإيمان والعمل أخوان توأمان ورفيقان لا يفترقان لا يقبل الله أحدهما إلا بصاحبه”

ـ الإمام علي عليه السلام: – “بالإيمان يستدل على الصالحات وبالصالحات يستدل على الإيمان، وبالإيمان يعمر العلم “

ـ الإمام الصادق عليه السلام: “الإيمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام وما ظهر من العمل به” .

ـ الإمام الصادق عليه السلام:” الإيمان ما استقرّ في القلب وأفضى به إلى الله عزّ وجلّ ، وصدّقه العمل بالطاعة لله ، والتسليم لأمره “

تفسير سورة مريم المباركة – الدرس الثالث

عنوان الدرس:تأثير الدعوة الى الله وتغير السنن.
كربلاء المقدسة، يوم الاثنين 2017/09/25م ، الموافق 04/ محرم الحرام/1439 هـ.

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثامن)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً (13) وَ رَبَطْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (14) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15)}

 صدق الله العلي العظيم

إحاطة الرب سبحانه لخليقته أمرٌ بيّن إذ كل ذرةٍ في هذا الوجود وأي مخلوقٍ حي أو غير حي تدبيره بيد الله سبحانه وفي كل وجوده مفتقرٌ إلى الله ، وملكوته بيد الله سبحانه ، ولكن ما الذي يجعلنا لا نستشعر بهذه الإحاطة ولا نتواصل مع الرب مباشرة ؟

بلى ؛ حين يبتلى أحدنا ببلاء صعب ويكون في حالاتٍ حرجة جداً يرى ربه ويحدث ربه بلا حجب ويسأله الخلاص من مخمصته ، ولكن هل ننتظر مجيء ساعات العسرة كي نتعرف على ربنا؟

كلا ؛ لابد من الإرتباط بالله قبل حين  ،كما فعل أصحاب الكهف الذين تأملوا في أمر السماوات والأرض وخلقتها فعلموا أنّ مقدّرها ومدبّر شؤونها ومديرها لا يمكن أن يكون الحجر أو البشر ، بل هو الله سبحانه الخالق العظيم ، وبتعظيمهم لله الخالق استصغروا كل الآلهة المزعومة من دونه ، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ” عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ”[1].

فحين يتجلى الله للعبد ويدرك عظمته بقدر وعاءه وظرفه سيصغر ما سواه في عينه ، ارأيت مثلاً – والله أجلّ وأعلى من الأمثلة- من يمتلك نور الشمس يعير إهتماماً بشمعة صغيرة ؟

العبرة التي أريد أن أستفيدها هنا ، أن الواحد منا يقدر أيضاً على الوصول إلى تلك المرحلة السامية، فبقدر ما يتمكن من التخلص من الحجب بينه وبين ربه يعرف ربه أكثر وأكثر.

مراحل حركة أصحاب الكهف

طوى أصحاب الكهف ثلاث مراحل حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه:

الأولى : كانت في تأملهم في الكون ، وعدم إمكان أن يكون بلا مكّون وخالق ، ولابدية حكمة وعظمة هذا الخالق لهذا الخلق.

الثانية : الإيمان بالله سبحانه وحده ورفض الإنداد من دونه.

الثالثة : إجتناب المجتمع الفاسد ، وهي من أصعب المراحل لفرض كل مجتمعٍ على أفراده مجموعة من العقوبات فيما لو خالف تقاليده وأحكامه ، وفي هذه المرحلة الصعبة تدخلت الإرادة الإلهية أكثر من ذي قبل وذلك بالربط على قلوبهم وتقوية إرادتهم ، قال الله سبحانه : { وَ رَبَطْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ}.

فحين تشتد العزيمة وتقوى الإرادة يرتبط القلب بالله سبحانه مباشرة ، فلا يحتاج إلى غيره ولا يتوكل على سواه ، كما كان من فعل النبي إبراهيم عليه السلام حين وضعوه في المنجنيق وهو مسلّمٌ أمره إلى الله ، ولا يأبه بعروض الملائكة لإنقاذه حتى ألقي فتلقاه جبرئيل في الهواء فقال : هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ ؟ فَقَالَ أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا حَسْبِيَ اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ فَاسْتَقْبَلَهُ مِيكَائِيلُ فَقَالَ إِنْ أَرَدْتَ أَخْمَدْتُ النَّارَ فَإِنَّ خَزَائِنَ الْأَمْطَارِ وَ الْمِيَاهِ بِيَدِي فَقَالَ لَا أُرِيدُ وَ أَتَاهُ مَلَكُ الرِّيحِ فَقَالَ لَوْ شِئْتَ طَيَّرْتُ النَّارَ قَالَ لَا أُرِيدُ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ فَاسْأَلِ اللَّهَ فَقَالَ : حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي[2].

وهكذا كان سيد الشهداء عليه السلام أيضاً ، حيث قال الإمام الباقر عليه السلام : ” لَمَّا الْتَقَى الْحُسَيْنُ عليه السلام وَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ قَامَتِ الْحَرْبُ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى‏ النَّصْرَ حَتَّى رَفْرَفَ عَلَى رَأْسِ الْحُسَيْنِ عليه السلام ثُمَّ خُيِّرَ بَيْنَ النَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِ وَ بَيْنَ لِقَاءِ اللَّهِ فَاخْتَارَ لِقَاءَ اللَّهِ”[3].

ما الذي حصل حين ربط الله على قلوب أصحاب الكهف ؟

{ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ }

ليس المراد من القيام هنا القيام البدني ( النهوض ) بل إعلان الإيمان ورفض الكفر ، ولكن كيف قاموا؟

كان قيامهم على مراحل ، فقد آمنوا بدين النبي عيسى عليه السلام ، والذي يبدو لنا من خلال بعض الإشارات التاريخية أن أحد حواريي النبي عيسى عليه السلام جاء إلى مدينتهم ورفض دخولها – لإشتراط السلطات السجود للأصنام قبل الدخول- وبقي في محيطها ، وكان يلتقي بهؤلاء النفر كلٌ على حدة ، فآمنوا وهم في مناصبهم المرموقة ( كان بعضهم مستشاراً للملك ).

وبعد الإيمان عاشوا فترةً من الزمن في جو التقية وكتمان الإيمان ، وهذه حالة طبيعية لكل حركة تحررية قبل قيامها العلني.

وفي المرحلة الثالثة أعلنوا عقيدتهم وصدعوا بها أنهم آمنا برب السماوات والأرض.

{لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (14)}

ولم يكتفوا بإعلان الإيمان بالله ، بل أعلنوا تحديهم ورفضهم لكل الآلهة المزيفة وبالتالي تحدّوا قومهم الكافرين ، كما فعل حبيب النجار ( مؤمن يس) حين أعلن قائلاً: { إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُون‏}[4].

والتعبير بـ ( لن ) يفيد التأبيد ، أي لا نعود إلى ما خرجنا منه أبداً ، وإلا فيكون قولنا شطط والذي يعني الإبتعاد عن الصواب والحقيقة.

ومن دلالات إستعمالهم للفظ الشطط أنهم هاجموا الكفار جميعاً بما يعتقدون به من خرفات وعقائد باطلة.

عن القيام

قام الناس تاريخياً لتحقيق أهداف مختلفة وكثيرة ، فمنهم من قام لرداءة الوضع الإقتصادي ، ومنهم من نهض وثار لإصلاح الوضع السياسي ، ومنهم من أراد بقيامه تحكيم قومية معينة ، أو غيرها من ألوان الثورات والنهضات ، ولكن جميعها لا تصطبغ بصبغة إلهية ، ولذلك لا تكون مباركة بل ولا يكون ضحاياها شهداء  ، فالحروب التي تشن لأجل المادة والأرض – لا لله – يكون القاتل والمقتول في النار.

فالرب سبحانه يؤيد القيام الذي يكون لأجله ولأجل دينه ، كما قال سبحانه : { يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامينَ لِلَّهِ}[5] ، وذلك لأن جميع المفاسد وضعت في بيت ومفتاحه الشرك بالله ، فنتيجة الشرك هي أنواع المفاسد ، ومبدأ الإصلاحات جميعاً وجوهرها هو الإيمان بالله سبحانه.

فأصحاب الكهف قاموا لله سبحانه ، ورفضوا كل نظامٍ بني على الكفر والشرك ، وأعلنوا عدم مجانبتهم للصواب بإختيارهم لطريق قومهم.

النظام أم الفوضى

{ هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً }

لقائلٍ أن يقول : إن لكل دولة نظامها و منظومتها الإدارية ، فإذا رفضنا كل الدول وكل القوى السياسية ، فإن ذلك سيؤدي إلى الفوضى والهرج.

الله سبحانه عيّن نظاماً للمجتمعات ، فلا يعني رفض تلك الأنظمة الفاسدة الرغبة في الفوضى ، بل هي دعوة إلى الخير والصلاح ، وذلك عبر جعل حق إدارة المجتمع وحكمه بيد من لديه برهان قطعي ودليل ثابت على أنه مرتبطٌ بالله سبحانه.

والأنبياء والأئمة لديهم جميعاً المعاجز التي تثبت إرتباطهم بالله سبحانه ، ومن بعد الأئمة تأتي مرتبة العلماء بالله ، وبالرغم من عدم إمتلاكهم للمعاجز ، إلا أن الضوابط التي جعلها الأئمة عليهم السلام للحاكم الشرعي ضوابط كثيرة وشديدة ، ينبغي أن تتوفر في العالم بصورة مستمرة كي يكون مؤهلاً للولاية.

بينما الكفار اتخذوا مجموعة من الأحجار كآلهة صغيرة لتقربهم إلى الله ، دون أن يكون لديهم دليلاً واحداً على صواب فعلهم ورجحانه:

{لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ }

فلابد أن يأتي كلُ مدعي – خصوصاً في الأمور المصيرية – بسلطانٍ بين ودليل قاطع وبرهان ساطع على ما يدعيه.

ومن هنا لا يصح قبول دعوة كل داعٍ دون التثبت من صدقه أو المطالبة بالدليل، وقد روي عن أبي ذر الغفاري أنه شكّك في صحة عبادة الصنم ، فأراد إختبار صنم قومه ، فحمل إليه قدحاً من اللبن وطلب منه أن يشرب ، ولما رآى لا يحرك ساكناً ظن أنه يستحيي منه ، فأبتعد عنه وراح يراقب الموقف من بعيد ، فجاء ثعلبٌ ليشرب اللبن وبعد شربه اللبن راح يبول على الصنم ، فأنشد أبو ذر : “وَ رَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبَانِ بِرَأْسِهِ * لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِب‏”.

والحجة المعتمدة هي العقل والوحي ، ودون قيامها لا يحق لأحد أن يتكلم في شأن الدين شيئاً حتى لو كان في أمرٍ بسيط وثانوي ، ومن هنا ترى فقهائنا يبذلون قصارى جهدهم في التثبت من حجية الفتوى التي يصدرونها ، وربما يتوقفون عن الإفتاء لعدم عثورهم على دليل قاطع.

الإفتراء على الله

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15)}

وفي نهاية الآية تحذيرٌ من يفتري على الله الكذب أو يجعل الله عرضةً لأيمانه الغموسة أو يشهد الله سبحانه على كلام الكذب ، إذ لا أظلم من مفتري الكذب على الله.

ومن المؤسف قيام البعض بتأسيس مذاهب وأديان مختلفة وباطلة لتحقيق مآربهم المادية ، دون الإلتفات إلى أن هذا من أعظم الذنوب بل هم أظلم الناس عند الله سبحانه ، ولا يغفر الله لهم ذنوبهم أبداً، لإنحراف الناس بإنحرافهم ، فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام : ” كَانَ رَجُلٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ طَلَبَ الدُّنْيَا مِنْ حَلَالٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا وَ طَلَبَهَا مِنْ حَرَامٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا إِنَّكَ قَدْ طَلَبْتَ الدُّنْيَا مِنْ حَلَالٍ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهَا فَطَلَبْتَهَا مِنْ حَرَامٍ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهَا أَ فَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْ‏ءٍ تُكْثِرُ بِهِ دُنْيَاكَ وَ تُكْثِرُ بِهِ تَبَعَكَ فَقَالَ بَلَى قَالَ تَبْتَدِعُ دِيناً وَ تَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسَ فَفَعَلَ فَاسْتَجَابَ لَهُ النَّاسُ فَأَطَاعُوهُ فَأَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا ثُمَّ إِنَّهُ فَكَّرَ فَقَالَ مَا صَنَعْتُ ابْتَدَعْتُ دِيناً وَ دَعَوْتُ النَّاسَ إِلَيْهِ وَ مَا أَرَى لِي تَوْبَةً إِلَّا أَنْ آتِيَ مَنْ دَعَوْتُهُ فَأَرُدَّهُ عَنْهُ فَجَعَلَ يَأْتِي أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَجَابُوهُ فَيَقُولُ إِنَّ الَّذِي دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ بَاطِلٌ وَ إِنَّمَا ابْتَدَعْتُهُ فَجَعَلُوا يَقُولُون‏ كَذَبْتَ هُوَ الْحَقُّ وَ لَكِنَّكَ شَكَكْتَ فِي دِينِكَ فَرَجَعْتَ عَنْهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَمَدَ إِلَى سِلْسِلَةٍ فَوَتَدَ لَهَا وَتِداً ثُمَّ جَعَلَهَا فِي عُنُقِهِ  وَ قَالَ لَا أَحُلُّهَا حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قُلْ لِفُلَانٍ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَوْ دَعَوْتَنِي حَتَّى تَنْقَطِعَ أَوْصَالُكَ مَا اسْتَجَبْتُ لَكَ حَتَّى تَرُدَّ مَنْ مَاتَ عَلَى مَا دَعَوْتَهُ إِلَيْهِ فَيَرْجِعَ عَنْهُ”[6].

ولعظيم ظلم المفتري على الله وكبير ذنبه ، فإن أغلب أصحاب التابوت في جهنم هم ممن حرّفوا الأديان الإلهية وأفتروا على الله الكذب ونسبوا إليه ديناً لم يأمر به.

نسأل الله سبحانه أن يربط على قلوبنا لمقارعة الكفر والطغيان.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تحف العقول : ص 159

[2] بحار الأنوار : ج68 ، ص 156

[3] اللهوف على قتلى الطفوف : ص 102

[4] سورة يس : الآية 25

[5] سورة المائدة : الآية 8

[6] من لايحضره الفقيه : ج 3 ، ص 573

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الخامس)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7) وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعيداً جُرُزاً (8)أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (9)}

                                       صدق الله العلي العظيم

تحوي هذه الآيات بصائر عدة وهامة ومؤثرة على حياة الإنسان ، نبيّن بعضها بإختصار من خلال سوق بعض التساؤلات، أولاها : ما هي الفلسفة الوجودية لخلقتنا في هذا العالم ؟ فهناك الكثير من النقاط المبهمة لنا في الحياة ، فنتسائل عن علة إستغناء الغني وإفتقار الفقير ، عن سبب نجاح الناجح و خسارة الخاسر ، عن موت هذا وحياة ذاك ، وتبقى هذه التساؤلات تدور في بال الإنسان لجهله بالإطار الكلي للأهداف السامية التي من أجلها خلقنا وبسببها جئنا إلى الحياة.

ولهذا السبب كثر تذكير القرآن الكريم والعترة الطاهرة بهذه النقطة ، وأكدوا على أن كل ما يجري في الحياة يجري في إطارٍ واحد وهدف واحد وهو الإبتلاء والفتنة.

ولكن لماذا الإبتلاء ولماذا الفتنة ؟

نؤجل الحديث عن ذلك قليلاً ، ولكن قبل ذلك لابد من الحديث عن وجودنا نحن البشر في هذا العالم ، وأساساً ماذا كنا وأين كنا ؟

يخطئ من يتصور أن سقوطه من بطن أمه أو وعيه على الدنيا هو ساعة وجوده الحقيقة ، بل الواقع أنا طوينا مراحل كثيرة حتى وصلنا إلى هذا العالم ، وبإنتظارنا مراحل طويلة وكثيرة بعد هذا العالم ، ومعرفة هذه الحقيقة مهمة جداً ، لكيلا يتصور الإنسان وجوده ملخصاً في هذه السنين.

وفي يوم القيامة حيث يحشر الناس يتصورون الدنيا كساعات بسيطة مرّت عليهم ، يوماً واحدٍ أو بعض يوم ، ولكن أغلب الناس في غفلةٍ عن هذه الحقيقة فيتشبثون في الدنيا بكل ما أوتو من قوة بينما يغفلون عن العوالم القادمة أو المراحل المنصرمة.

بين النور والنار

خلق الله سبحانه الجنة من النور وخلق جهنم من النار ، ثم أخذ ضغثاً من نور الجنة وضغثاً من نار جهنم ومزجهما ببعضهما البعض وخلق الدنيا من هذا المزيج – كما تدل على ذلك بعض النصوص- ، فالدنيا خليطٌ من النور والنار ، وهكذا البشر أيضاً ، وعلى الإنسان أن يتخلص من الجانب الناري ويخلص النورانية فيه ليصل إلى الجنة.

فالنار لا تدخل الجنة ، كما أن النور لا يعذب في النار ، وبغلبة أيٍ من الجانبين على الإنسان وطغيانه فيه يتعين مصيره الأبدي في العالم الآخر ، ومن الناس من تبقى شوائب نارية لديهم فيطهرها الله سبحانه في القبر أو في القيامة قبل الدخول في الجنة ، ولكن المؤمن يرغب أن يفتح عينه بعد الموت في وجه النبي الأعظم صلى الله عليه وآله.

وفي هذه النقطة تكمن حكمة الإمتحان ، وبالتأمل في كلمة الإبتلاء والتدقيق في إشتقاقاتها اللغوية نجدها تفيد إظهار المخفي والمستور ، فقوله سبحانه : { يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِر}[1] تعني ظهور سرائر الناس ، وهكذا هي كلمة الإبتلاء تعني إظهار بواطن الناس و حقائقهم.

ونحن البشر – كما قال الإمام الصادق عليه السلام – : “النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ”[2] ، والمعدن لا يكون خالصاً إلا بعد تخليصه من شوائب التراب والأدران وتفتتن بالنار لتخلص ، وهكذا الإنسان لابد من أن يدخل في الفتن المتتالية لتظهر جوهرته ، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام :” وَ لَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً وَ لَتُسَاطُنَّ سَوْطٍ الْقِدْرِ حَتَّى يَعْلُوا أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ وَ أَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُم‏”[3].

فبمختلف الصور يبتلى الإنسان ، فيكون الدهر له يوماً وعليه يوماً وتقلّب أموره ويبتلى بأنواع الإبتلاءات لكي يظهر ما خفي منه ، وربّ قائلٍ بأني ملتزمٌ بالدين ومؤمن بالله ، فلا حاجة للإبتلاء ، فيقال له أن البلاء للولاء ، فأولى الناس بالبلاء – كما في الأحاديث – هم الأنبياء ومن ثم الأوصياء ومن بعدهم الأمثل فالأمثل من الناس ، بل كلما زيد في إيمان الرجل زيد في بلاءه.

ويدل هذا على أن طبيعة الدنيا هي البلاء والإمتحان ، فلو لم تكن هكذا لما أبتلى الله سبحانه أحب خلقه إليه بألوان الإبتلاءات ، وكان أبو عبد الله الحسين عليه السلام في مسيره إلى العراق يقول : ”  مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ أَنَّ رَأْسَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ع أُهْدِيَ إِلَى بَغِيٍّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ”[4].

ولا يمكن لأحد أن يتوقع ماذا يكسب غداً أو ماذا سيجري عليه ، كما أنه لا يمكن أن يتوقع المرء لوناً من الإمتحان ، بل عليه أن يكون مستعداً لكل أنواعه متى أراد الله سبحانه لكيلا يفشل فيها – لا سمح الله-.

عظم إمكانيات البشر

البصيرة الأخرى المستفادة من هذه الآيات ، أن البشر ككتاب يحوي مئات الصفحات ، ولكن أغلب الناس لا يعرفون إلا جزءاً من أجزاء أنفسهم ، وصفحات كتابهم ، وبالتالي يستقلون شأنهم ومقامهم ، غافلين أن الله سبحانه خلقهم وأراد لهم مكانة سامية وأودعهم عظيم نعمه ، وفي نهاية المطاف يجازي المحسن بأعظم الجزاء ، والمسيء بأشد العقاب ، ولا يفعل ذلك مع سائر المخلوقات ، حتى أن الكافر يتمنى يوم القيامة أن يكون تراباً بعد أن يشاهد أخذ حق حيوانٍ من حيوانٍ آخر ، ثم يأمره أن يعود تراباً ، ولكن لا يكون ما يتمناه الكافر لأنه إنسانٌ مسؤول.

ويبدو لي أن من معاني قوله سبحانه : { وَ كانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْ‏ءٍ جَدَلا}[5] أن الإنسان أكثر مخلوقٍ فيه تعقيد وأعماق ، فالجدل والجدائل تعني خصال الشعر المتراكمة والمتداخلة ، وفيما ينسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام قوله : ” أتزعم انك جرمٌ صغير وفيك انطوى العالم الأكبر” وليس العالم الكبير قد إنطوى في الإنسان بل العالم الأكبر.

ومن هنا فإن الإنسان مطالبٌ بأستخراج هذه الكنوز والتسامي في الكمالات المختلفة العلمية والعملية ، وهذا الأمر من معاني الإبتلاء أيضاً.

فالإبتلاء يعني من جهة تمييز الجيد من الرديء والحسن من الفاسد ، ومن جهة اخرى تنمية الجانب الإيجابي والتكامل ، فالله سبحانه خلق الخلق ولا يريد منهم شيئاً بل يريد أن يعطيهم ويرزقهم ، قال سبحانه : { وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون‏ *  ما أُريدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُريدُ أَنْ يُطْعِمُون‏ *  إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتين‏}[6] ، وفي الحديث القدسي : ” يا ابن آدم لم أخلقك لأربح عليك إنما خلقتك لتربح‏ علي‏ “[7].

فعلينا أن نتقدم ونظهر ذلك العالم الأكبر المنطوي في داخل كل واحد منا ، يجب أن يكون يومنا أفضل من أمسنا وغدنا خيرٌ من يومنا والتكامل لا يقتصر على جانبٍ دون جانب .

ولو تركنا الجانب الفردي للإنسان إلى الجانب الحضاري له ، نجد التطور الهائل للبشرية كلما تقدم بهم الزمن ، فلو قارنت الإنسان البدائي مع الرجل الحضري لوجدت الفوارق الهائلة بينهما ، وهذا دليل القابلية الطبيعية للإنسان في التقدم المستمر لوجود رغبة التكامل في داخل البشر ، ومن هنا قال أبو عبد الله عليه السلام : ” مَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ وَ مَنْ كَانَ آخِرُ يَوْمَيْهِ شَرَّهُمَا فَهُوَ مَلْعُونٌ وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الزِّيَادَةَ فِي نَفْسِهِ كَانَ إِلَى النُّقْصَانِ أَقْرَبَ وَ مَنْ كَانَ إِلَى النُّقْصَانِ أَقْرَبَ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْحَيَاةِ”[8].

ونستفيد هذا المعنى للإبتلاء من قول الله سبحانه : { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} ، فالمطلوب هو الوصول إلى أحسن الأعمال ، لا حسنها ، وحتى لا أكثرها ، وقال الإمام الصادق عليه السلام : ” فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قَالَ لَيْسَ يَعْنِي أَكْثَرَ عَمَلًا وَ لَكِنْ أَصْوَبَكُمْ عَمَلًا”[9].

قطبا الحال والمستقبل

لكي يمتحن العبد ، جعل الله سبحانه في الدنيا قطبين ، وهما قطبا الحاضر والمستقبل ، ويتصارعان دوماً في داخل كل شخص ويضغطان عليه حتى تتبلور شخصيته، وبين هذين القطبين دوماً تضاد ، فمن فضّل الحاضر خسر المستقبل ، ومن رمى ببصره إلى المستقبل ربحمهما ، وفي بعض النصوص إشارة إلى هذه الحقيقة بأن الرزق الحرام يتقدم الحلال فإذا بادر الإنسان إلى الحرام إكتسب إثماً ومنع من الحلال ، أما إذا صبر وترك الحرام حظي بالرزق الحلال.

وهكذا يدخل تزيين الدنيا في إطار الإبتلاء والإمتحان ، ولابد أن يفطن المرء هذه الحقيقة ، ويعي أن زينة الدنيا تنتهي ، فالشباب والمال والمنصب وغيرها من زخارف الدنيا كلها تنتهي وتنقضي . وبكلمة جامعة :

اولاً: نحن مخلوقون من مزيج من نار ونور.

وثانياً : وجودنا وخلقتنا بهدف الإبتلاء والإمتحان .

ثالثا: ومن أهداف الإبتلاء التكامل والتقدم .

ورابعاً: وسيلة الإبتلاء هي التضاد بين الحاضر والمستقبل.

{ إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7) وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعيداً جُرُزاً}

فالأرض هي الأساس ، والزينة مضافةٌ إليها بهدف الإمتحان ، ولا تدوم الزينة ،بل تعود الأرض إلى صعيد جرز وأرض قاحلة.

وبعد بيان هذه الحقيقة الهامة عن الدنيا وهدف الخلقة ، يحكي السياق القرآني قصة أصحاب الكهف ، ويبدأ القصة بتساؤل عنهم حيث يقول الله سبحانه : { َمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً } ، وفي هذا التساؤل إشارة إلى أن قصة أصحاب الكهف ليست قصة مضت في عمق التاريخ فحسب ،بل هي حقيقة جارية على كل إنسان ، حيث عليه أن يختار طريقه بين أن يكون مع أصحاب الكهف – حال عدم إمكان مواجهة الطغاة- أو الخضوع للطغاة والصيرورة معهم ، ولعل في تلاوة الرأس الشريف لهذه الآية فوق الرماح إشارة إلى كونه عليه السلام في خط الحق وأعداءه يجسدون الباطل والطغيان.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الطارق : الآية 9

[2] الكافي : 8 ، ص 177

[3] عيون الحكم والمواعظ : ص 507

[4] الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد : ج2، ص 132

[5] سورة الكهف : الآية 54

[6] سورة الذاريات : الآية 56-58

[7] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج20 ، ص 319

[8] الآمالي : ص 668

[9] الكافي : ج2 ،ص 16

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثاني)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1) }

صدق الله العلي العظيم

 

كتابٌ لا عوج فيه

كل آية من آيات الكتاب تحوي في طياتها حقائق الكتاب كله ، وتتجلى فيها ما في سائر آيات القرآن ، إذ الحقائق التي يبينها الرب في الآية إما بالتصريح أو التلويح موجودة في الآيات الأخرى ، بل ربما حوت الآية الواحدة من الحقائق ما يفوق المجلدات من الكتب على إحتوائها.

بل وآيات القرآن الكريم يتجلى فيها كل حقائق الكون ، فهي بمثابة المرآة لما في الخليقة ، فكتاب التشريع مرآةٌ لعالم التكوين ، وقد سهل اليوم إدراك هذه الحقيقة بتطور علم الإستنساخ ،حيث يستنسخون حيواناً كاملاً من خلال أخذ خليةٍ واحدة ، لإحتواءها على كل الصفات التكوينية لذلك الحيوان أو النبات ، فيكون المستنسخ مطابقاً تماماً للأصل.

ومن هنا نجد كيف يستخرج الأئمة عليهم السلام كنوزاً من آيةٍ واحدة ، بل من حرفٍ واحد ، وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام راح يحدث تلميذه حبر الأمة ليلةً كاملة عن الباء في البسلمة حتى انفلج شعاع الفجر ، وهكذا نجدنا مطالبين بالتوقف عند الآية الواحدة لإستنطاقها والإنتفاع بحقائقها.

وفيما يرتبط بالآية الأولى من سورة الكهف لابد من بيان بعض البصائر التي يمكن إستفادتها منها :

البصيرة الأولى : حمد المنعم

أودع الله سبحانه المخلوقات كلها غريزة السعي نحو المنفعة ، فكل مخلوقٍ مغروزٌ على التحرك تجاه ما يوصل إليه المنفعة ، وهذه الغريزة من أهم الغرائز في كل مخلوق إن لم تكن أهمها ، وبالتوجه للمنفعة تنشأ بينه وبين المسبب لها علقة ، وهذه العلاقة على درجات:

فأولها الإستفادة من المنافع التي تصل إليه من خلال مصدرها ، فالإنسان – مثلاً – يسعى للإستفادة ممن يوصل إليه النفع ، وباستمرار وصول النفع ترتقي العلاقة إلى علاقة الحب ، أوليست النعم تصله عبر هذا المصدر وتلبي حاجاته ؟ فسيكون المصدر محبوباً.

وترتقي علاقة الحب حتى تصل إلى مرحلة إحترام المنعم وتقديسه بأكثر مما يستحق ، بل ربما وصل إلى درجات الشرك ، الذي على الإنسان أن يحذر من الوقوع فيه ولو في أيسر الدرجات ، ففي الدعاء : ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّكِّ وَ الشِّرْكِ[1] والشرك في حقيقته جذر أغلب السيئات والخبائث عند البشر.

وأول شركٍ يصدر من الإنسان هو شركه بعبادة آبائه ، ففي مرحلة الصبا يظنهم الذين يرزقونه، فيحبهم ، وتنمو المحبة لتتحول إلى التقديس ومن ثم العبادة ، حتى أن عبدة الأصنام عبدوها لإعتقادهم برسوخ أرواح أبائهم فيها.

وكذلك فإن عبّاد البقر والنجم والقمر والشمس والحجر ، كلهم عبدوها لإعتقادهم الخاطئ بأنها هي سبب منافعهم ، فالبقرة كانت مصدراً للخيرات ، والأجرام السماوية بأشعاعاتها وجاذبيتها هي الأخرى تنفع الإنسان.

فالحب تجاه شيءٍ أو حتى شخصٍ ما إن خرج عن إطاره الصحيح دخل في الشرك بالله سبحانه ، كما فعل اليهود بالنسبة إلى عزيرٍ عليه السلام حين قالوا بحلول الربوبية فيه ، والنصارى بالنسبة إلى النبي عيسى عليه السلام ، وكما فعل بعض الغلاة بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام والإمام الهادي عليه السلام أيضاً.

ولكن في مقابل من لم يلتفت إلى أن مصدر النعم كلها هو الله سبحانه لا الوسائل الظاهرية ، يكون المؤمن الذي يعرف المنعم الحقيقي ، ولذلك لابد أن يكون الحمد بألف ولام الإستغراق ، فالحمد كله لله سبحانه والحمد المطلق والحقيقي له تبارك وتعالى ، وكما قال ربنا : { الْحَمْدُ لِلَّهِ}.

بين النعمة والهداية إليها

ونعم الله سبحانه على نوعين : النعمة ذاتها ، والنوع الثاني الهداية إلى النعمة والتمكين من الإنتفاع بها ، أرأيت الذي يملك كنزاً تحت داره ولكن لا يعلم بوجوده أو لا يهتدي إليه سبيلاً هل ينفعه وجود الكنز ؟ كلا ، كذلك فإن الهداية التي يهدي الله سبحانه الإنسان بها إلى النعمة للإستفادة منها نعمةٌ عظيمة ، وكما قال الله سبحانه : { اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيم‏}[2] فأمام الإنسان ملايين الفرص للتسامي وبلوغ أعلى المراتب حتى يكون في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر ، ويكون قادراً على القول للشيء كن فيكون ، ولكن غفلته عن الطريق وتراكم حجب الجهل والشك والشرك والعصبية بينه وبين النعم الإلهية تحرمنا من الإنتفاع بها ولذلك نسأل الله أن يهدينا إليها وإلى سبيلها.

ومن هنا حمد الله سبحانه لأنه أنزل على عبده الكتاب : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ }، فبالرغم من أن محامد الله سبحانه ليست لجهةٍ واحدة ونعمه تعالى كثيرة ، ولكن هذه النعمة متممةٌ لسائر النعم مضافاً إلى أنها تمنع من تحوّل النعمة إلى نقمة على الإنسان، فالثروة والجمال والجاه والعلم كلها نعمٌ ولكن قد تصبح نقماً على الإنسان إن لم يحسن الإنتفاع بها.

البصيرة الثانية : لا عوج في الكتاب

{ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً}

في هذه العبارة بحثان

الأول : الله سبحانه أنزل علينا عبر نبيه العظيم كتاباً لا إعوجاج فيه ولا إنحراف ولا تعقيد ، ولكن لماذا التعبير بـ( لم يجعل له عوجاً ) ؟ فهل كان من المفترض أن يكون في الكتاب إعوجاج؟ أو هل يصدر من الله سبحانه شيئاً عوجا؟

بمراجعتي للتفاسي عن هذه الآية لم أجد من المفسرين من أجاب عن هذا السؤال ولكن من جهة تصديق القرآن بعضه بعضاً ، ربما يكون البيان التالي فيه إجابة للتساؤل السابق:

وهذه النقطة في فاتحة الكتاب ، فنحن نقرأ فيها : { اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيم‏}[3] ، يعني الصراط الذي لا إعوجاج فيه ، إذ للوصول إلى هدف ٍما هناك أكثر من طريق ولكن هناك طريقاً واحداً هو الأقرب والأصوب ، ولذلك نسأله سبحانه ذلك ، ولكن هل يكفي ذلك ؟ كلا بل هو : { صِراطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ الضَّالِّين‏}[4] ، ويعني ذلك : لكي يصل الإنسان إلى صراطٍ مستقيم عليه أن يتبرأ أولاً من الإعوجاج ، ويجتنب الإنحراف.

فأصل وجودنا – نحن البشر – ظلماني ولذلك فالميل الطبيعي فينا يكون إلى الشهوات والغفلة والإنحرافات ، ولابد أن تكون للإنسان شجاعة كافية للسير بخلاف ميولاته النفسية ، فيرفضها ليصل إلى الصراط الإلهي المستقيم وكما في سورة الزمر : { وَ الَّذينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَ أَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى‏ فَبَشِّرْ عِباد}[5].

فالخطوة الأولى للوصول إلى هدى الله تكمن في رفض الطغاة وعدم الخضوع لهم ، أما ذلك الذي يسبح ليل نهار بحمد الطغاة والظلمة فلن يصل إلى عبادة الله الحقيقية ، فالتبري من الظلمة مقدمٌ على التولي ، وشهادة التوحيد تبدأ برفض كل الآلهة المزيفة قبل أن تثبت وحدانية الله ( لا إله إلا الله ).

فالله الذي يهدي المؤمنين إلى صراطه المستقيم هو الذي يصونهم من الضلالة وأسوء منها يصونهم مما يسبب غضبه ، ومن هنا كان كتابه الحكيم كتاباً لا عوج فيه ، كتاباً طاهراً { لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون‏}[6] ، فبدون الطهر لا يمكن الإنتفاع بهدى الله، ولكن من أين الطهارة؟

اولاً من القرآن ذاته ، فقد قال الله سبحانه : { هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَة}[7] ، وثانياً من أعظم مبيّن للقرآن وهو النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ومن بعده أهل بيته الطاهرين.

فلا عوج في القرآن يعني أن الله خلقه مستقيما: {  قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقيم‏}[8] ، بل أنزله وليس للعوج والإنحراف إليه سبيلاً : { لا يَأْتيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَميد}[9].

الثاني: العوَج

كل متحدثٍ قد يحدث عن الوحي ( القرآن والعترة) فذاك كلام الله وأهل بيته ، وقد يتحدث بما يدور في خلجه ، فهو صادرٌ منه ، ولأن وجود الإنسان مشوب بشوائب الأحاسيس والعواطف وملوّث بالعصبيات والشهوات ، فإن كلامه لا يخلو من هذه الشوائب ، فيكون غالباً خليطاً بين الحق والباطل.

والبشر المليء بالأخطاء كلامه هو الآخر مليء بالإعوجاج وإن كان فيه نسَب متفاوتة من الحق ، وكما قيل في المثل ( ضل الأعرج أعوج) ، فلو حللنا كلام البشر حتى الكمليّن منهم والعرفاء ، لوجدنا فيه نسبة من الحق ولكن الحق المشوب بالإعوجاج.

ومن هنا كان علماؤنا يسعون إلى التمييز بين ما هو وحي وبين ما هو إضافات البشر ، فينقحون النسخ ويميزون بين ما هو نص المعصوم وبين ماهو بيان العلماء وتفسيرهم للنص ، لأن المطالب الوحيانية لو صبّت في قوالب أخرى – وإن كانت شعرية- لشابتها بعض الشوائب.

 

البصيرة الثالثة : عبودية النبي صلى الله عليه وآله

بالعود إلى قوله سبحانه : { أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ} نجد ذكر النبي الأعظم صلى الله عليه وآله بصفته عبداً لله سبحانه ، فهو صلى الله عليه وآله عبدٌ خاضع لله في كل سلوكياته ، مسلّمٌ لربه في جميع مواقفه.

فالنبي الذي جاء بهذا القرآن الذي لا إعوجاج فيه ، جعله الله سبحانه في مرتبةٍ قال عنه : { وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ *  إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى‏} [10] ، فكان النبي صلى الله عليه وآله ينطق بمر الحق أي بما هو حقٌ لا يشوبه باطل.

ونحن إذ نحب النبي الأعظم صلى الله عليه وآله حباً لا حد له ، إلا أن حبنا وإحترامنا وتقديسنا له صلى الله عليه وآله في إطار توحيد الله سبحانه ، فحين نصلي عليه وعلى أهل بيته ، لا نعتبره مستقلاً عن الله بل هو عبد الله ورسوله ، ولذلك نسأل من الله سبحانه أن يصلي عليه.

وربما تكون الصلوات على النبي وأهل بيته ( اللهم صلّ على محمدٍ وآل محمد) من أشرف الأذكار لهذه الجهة ، ففهيا ذكر الله والدعاء الذي هو مخ العبادة ، وفيها ذكرٌ للنبي الأعظم وذكر أهل بيته عليهم السلام ، وبالإلتفات إلى هذا الذكر الذي هو مخ التوحيد يبتعد الإنسان عن الشرك وأدرانه.

 

الكتاب القيّم

هناك بحثٌ مفصًل عن قيومية الكتاب نبين خلاصته ونؤجل تفصيله للبحث القادم ، وصفوته أن القرآن الكريم ليس كتاباً لا إعوجاج وشوائب فيه فحسب ، بل هو معيارٌ لسائر الأحاديث والكلمات ، فهو يكشف مدى إنحراف سائر الأحاديث  و الكتب السابقة.

ومن هنا على المؤمن أن يزيد من تلاوته للقرآن بل عليه أن يأنس بكتاب ربه ويقوي علاقته به،  ليستطيع أن يميز الحق عن الباطل بالقرآن الكريم ، حتى يكون القرآن الكريم شفيعاً له يوم القيامة.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام : ص 406

[2] سورة الفاتحة : الآية 6

[3] سورة الفاتحة : الآية 6

[4] سورة الفاتحة : الآية 7

[5] سورة الزمر : الآية 17

[6] سورة الواقعة : الآية 79

[7] سورة الجمعة : الآية 2

[8] سورة الحجر : الآية 41

[9] سورة فصلت : الآية 42

[10] سورة النجم : الآية 3-4

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الاول)

                                                                 بسم الله الرحمن الرحيم

 

{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَديداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنينَ الَّذينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2) ماكِثينَ فيهِ أَبَداً (3)}

صدق الله العلي العظيم

سورة الكهف ؛ الإسم والإطار العام

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

الحمد التام والشكر الدائم لله سبحانه الرحمن الذي وفقنا مرةً أخرى للإجتماع حول مائدة القرآن الكريم، فبعد أكثر من خمس وعشرين سنة لهذا المجلس القرآني المبارك الذي قام ولا يزال بتوفيق الله سبحانه ورعاية الرسول الأعظم وأهل بيته عليه وعليهم السلام، نجدنا نعيش نعمةً عظيمة بهذا التوفيق ونسأله سبحانه أن يديم علينا ذلك، ولابد لنا أيضاً أن نذكر اولئك الذين حضروا معنا وشاركونا طيلة سنين ولكنهم الآن رهن التراب، فنذكرهم ونبعث لهم بثواب مجالسنا هذه.

نسأل الله سبحانه أن يبعث بثواب مجالسنا هذه إلى أرواحهم وأن يرحمنا ويكتبنا من المرحومين.

بحوثٌ تمهيدية

وقبل أن نشرع في الحديث عن آيات سورة الكهف المباركة لابد أن نذكر ونذكّر ببعض الأمور:

الأمر الأول: الإنسان ومجالس الذكر

كيف نتعامل مع مثل هذه المجالس والمحافل؟ خصوصاً إذا علمنا أن الساعات التي أأخذها – كمتحدث – منكم سأُسأل عنها يوم القيامة، كما أنكم ستُسألون أيضاً عن صرفكم لأوقاتكم فيها، وقد قال الله سبحانه: (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ولَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلين‏}[1].

فإن لم تكن هذه المجالس أفضل الخيارات المتاحة فلابد من القيام بالأفضل، وإن كانت هي الفضلى فلابد من الإنتفاع بها خير إنتفاع.

وأنا أدعو الأخوة الحاضرين، بالاخص الطلاب الجامعيين والحوزويين، الى استغلال أجهزتهم الحديثة والإستفادة منها في مجالس العلم، وذلك من خلال التسجيل الصوتي لكي يتاح لهم إستماع البحث مجدداً وكتابة ما ينفعهم – أو يجدونه الأنفع – ليقوموا بنشره بعدئذ للآخرين، وذلك لأن الجميع مسؤولٌ أمام الهجمات الثقافية الهائلة التي يقوم بها الأعداء، وعلى كلّ مؤمن أن يتصدى لها ببث الهدى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال النبي الأعظم، صلى الله عليه وآله: “نَضَّرَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وبَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ، رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى غَيْرِ فَقِيهٍ، ورُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ”[2].

الأمر الثاني: الإطار العام للسور القرآنية

لكل سورة من السور القرآنية إطارٌ عام يرسم الهدف الخاص من السورة، بالرغم من إشتراكها مع سائر السور في الأهداف العامة، وبوعي الإطار العام والهدف الخاص للسورة والبحث عن المباحث المحورية للسورة نستفيد من السورة وآياتها أكثر، مضافاً إلى الإستفادة من إسم السورة لفهم الإطار العام، إذ نعتقد أن أسماء أغلب السور توقيفية أوحى بها الله سبحانه لنبيه.

نعم، هذا الأمر قد لا يتيسَّر لكل قارئ للقرآن، بل وحتى لا يلاحظها أغلب المفسِّرين، فتجدهم في تفسيرهم للسور القرآنية يذكرون الأهداف العامة والعناوين الكلية كالتوحيد والنبوة والمعاد وما أشبه، والسبب في ذلك ربما يعود إلى أنَّ القرآن الكريم كتابٌ فيه آيات متشابهات، إذ تجد القصة الواحدة تُذكر في أكثر من سورة، والحديث ذاته يتكرر في أكثر من موضع، ولكن بالرغم من ذلك تبقى هناك بحوث خاصة لابد من ملاحظتها في كل سورة.

القرآن الكريم كتاب العقيدة

الأساس في رؤيتنا ينبغي أن يكون في الرؤية العامة والكلية للحقائق، ومَنْ ضَعَفَ في الجوانب العامة فشل في تشخيص الحقائق في الجوانب الخاصة، أ رأيت الذي يخطئ طريق المدينة هل ينفعه بعدئذ العلم بشوارعها الفرعية؟

والعقائد هي تلك النظرة العامة، ومن هنا كان من الضروري تصحيح العقائد وترسيخها، ومع عدم ذلك فلا فائدة من حياتنا كلها، والهجمات الثقافية التي تعصف بأمتنا، نجدها اليوم تركز على جذر الثقافة أي العقيدة، فهناك من البلدان الإسلامية ما تأثر شبابها بهذه الهجمات حتى شكلوا تيارات إلحادية ينشرون كتبهم وعقائدهم الباطلة، ولو تساهلنا في البناء العقدي فلا فائدة حينئذ بتقوية أعمدة الثقافة والفكر الإسلامي، لأن البناء العالي على الأساس الرخو مهددٌ بالسقوط في كل لحظة.

والقرآن الكريم كتاب العقيدة الحقة، ولكن ليس على النحو المعهود في الكتب المتسلسلة، التي تأتي ببحوث التوحيد ومن ثم ببحوث النبوة والإمامة والبعث، بل الحديث العقائدي في القرآن الكريم يرتبط بكل أبعاد حياة الإنسان، فليس الحديث عن العقيدة في القرآن حديثٌ نظري، بل يرتبط بسلوكه الفردي والإجتماعي، بسلوكه في الجوانب العبادية والسياسية والإقتصادية.

وهذا هو منهج القرآن الكريم في سائر المباحث أيضاً، فالحديث عن الصلاة في القرآن الكريم يرتبط بالحديث عن ذكر الله، وهو حديث مرتبطٌ بالخشوع أيضاً، كما هو حديث عن تجنب الفحشاء والمنكر.

الأمر الثالث: إسم السورة

إسم السورة المبحوثة هو (الكهف) وكما ذكرنا أن لإسم السورة علاقةٌ بمحتواها، بل إن أسماء السور يرتبط أيضاً بحياة البشر، وعلى سبيل المثال فسورة البقرة تعد رمزاً للناحية الإقتصادية للمجتمعات البشرية، وليومنا هذا فإن الثروة الحيوانية تشكل جانباً هاماً من إقتصاد الدول، وبعد سورة البقرة تأتي سورة آل عمران التي تتحدث عن القيادة الربانية، وبطبيعة الحال فإن توفير المعيشة الجيدة مقدمة للأمر بإتباع القيادة الربانية، وكما لا تقوم حياة البشر بلا إقتصاد، كذلك لا تستمر بلا قيادة.

وبعد وجود القيادة لابد من بناء المجتمع الإيماني، ومحور المجتمع هي الأسرة، وذلك ما تتحدث عنه سورة النساء، وبعدها تأتي سورة المائدة التي تهدف بناء الحضارة، وهكذا هي السور القرآنية الأخرى تعالج قضايا الإنسان.

ولكن فهم ذلك بحاجة إلى التدبر العميق والتأمل الكثير، ومع ذلك لا يمكن الإعتماد على العقل بعيداً عن نصوص أهل البيت عليهم السلام.

وفي سورة (الكهف) المباركة بحوثٌ ثلاثة لم ترد في غيرها من السور القرآنية، وهي الحديث عن أصحاب الكهف، وقصة النبي موسى عليه السلام والعالِم، وكذلك قصة ذي القرنين.

ولكن ما هو الرابط بين هذه المباحث أو القصص الثلاث؟

الكهف هو الشق الصغير الحادث في الجبل وإن كان كبيراً سمي شِعباً، وعاش الإنسان البدائي في الكهوف للحفاظ على أمنه أولاً، وسلامته من الآفات الطبيعية كالحر والبرد ثانياً.

فلكي يحصل الإنسان على هذين النعمتين (الأمن والصحة) لجأ إلى الجبال في كهوفها وشعابها، فهو بحاجة دوماً إلى ملجأ يلجأ إليه سواء كان كهفاً أو بيتاً أو نفقاً تحت الأرض، ولكنه بالتالي يفتقر إلى ما يحميه أمام الأعداء أو الحوادث الطبيعية.

أنواع الملاجئ

وبالتدقيق نجد الملاجئ ثلاثة أنواع:

الأول: الملجأ أمام الطغاة، حيث يلتجئ المؤمنون إلى الله سبحانه أولاً، ومن ثم يهيئوا الأسباب المادية للحماية، فأصحاب الكهف آمنوا بنبي الله، وحين لم يقدروا على مواجهة الطاغية دقيانوس لجأوا إلى الله وطلبوا منه أن يحميهم من بطشه، فاستمسكوا بالعروة الوثقى كما قال الله سبحانه: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ فقد استَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ لاَ انْفِصامَ لَها)[3]، وقال الله سبحانه عنهم حين التجأوا به: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدا)[4]، وبذلك نعرف أن الإلتجاء إلى الله سبحانه بحاجة إلى التحرك، كالهجرة والتقية وتوفير الأسباب المادية (الكهف).

الثاني: العلم، فهو ملجأ من الأخطار، وقد أمر الله سبحانه نبيه موسى عليه لسلام بالذهاب إلى العالِم والتعلم منه، فالعلم بأنواعه النافعة يكون ملجأً للإنسان وقوة له.

الثالث: الدولة العادلة التي يذكرها الله سبحانه في سياق الحديث عن قصة ذي القرنين.

فالعلاقة بين القصص الثلاث في هذه السورة يتلخص في إسم (الكهف) الذي يُلجأ إليه في الملمات.

ملجأ المؤمنين

وفي هذا المجال لابد من التذكير بأن الملجأ ليس فقط هو ذلك الذي يحفظ أمن الإنسان في الحياة، بل الأهم أن يجد الإنسان الملجأ لآخرته ودنياه، وملجأ المؤمن في الملمات والمهمات، ملجأه في الدنيا والآخرة هم النبي وأهل بيته عليه وعليهم السلام، الذين جعل الله سبحانه ولايتهم حصناً من العذاب، ومحبتهم كهفاً من الأخطار، ففي الصلوات الشعبانية: ” اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدِ: الْكَهْفِ الْحَصِينِ، وغِيَاثِ الْمُضْطَرِّ الْمُسْتَكِينِ، ومَلْجَإِ الْهَارِبِينَ، وعِصْمَةِ الْمُعْتَصِمِينَ”[5].

وقال الإمام الرضا عليه السلام في حديث سلسلة الذهب: “لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي، فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ مِنْ عَذَابِي” ثم قال عليه السلام: “بِشُرُوطِهَا وأَنَا مِنْ شُرُوطِهَا”[6].

وفي حديثٍ آخر عنه عليه السلام أيضاً: “وَلَايَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ نَارِي”[7].

ومن هنا علينا أن لا نقصِّر في الإرتباط بأهل البيت عليهم السلام وتقوية العلاقة بهم، فإن لم نرسِّخ علاقتنا معهم في الدنيا فلربما زلّت أقدامنا يوم القيامة لا سمح الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الأعراف: الآية 6

[2] الأصول الستة عشر: ص 363

[3] سورة البقرة: الآية 256

[4] سورة الكهف: الآية 10

[5] مصباح المتهجد: ص 828

[6] الآمالي ( للصدوق ): ص 235

[7] المصدر.