تفسير سورة النبأ المباركة _الدرس الرابع

مسؤولية الإنسان في هذه الحياة

تدبر في القران الكريم في سورة النبأ المباركة لسماحه المرجع المدرسي(دام ظله)
كربلاء المقدسه _ يوم الثلاثاء 2019/09/17م الموافق17/محرم الحرام/1441هـ

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الحادي عشر)

“يُحْيِيَ الْمَوْتى”

بسم الله الرحمن الرحيم

[أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (36) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ (37) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ (39) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏] (40)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

لا وجود لشيء عبثي في الحياة، سواءاً في خلقة الانسان أو في الارض والسماوات، هكذا وصل اليه العلم الحديث أنّ لكلّ شيء هدف مترابط مع سائر الخليقة، واذا كان ادقّ الاعضاء في الانسان لم يخلق عبثاً، فهل يمكن أن تكون كلّ خلقة الانسان عبثية؟! يقول ربّنا تعالى:

[أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ][1]

اذن نحن لم نُخلق عبثاً خصوصاً وأنّ خالقنا المتعال حكيم ومقتدر، وقد خلقنا في مراحل عدّة حيث نقلنا من صلب آباءنا الى أرحام الامهّات وتحوّلنا من نطفة صغيرة الى علقة ومضغفة ثم الى انسان نُفخ فيه الروح بأمره تعالى كلّ ذلك ليستيقن الانسان بقدرة الرب، ثمّ أنّه تعالى جاء بنا الى الحياة دون نقصٍ أو عاهة، لنزداد ايماناً به وشكراً لنعماءه.

يُترك سُدى؟!

في سورة القيامة كما في معظم السور القرآنية هناك ترابط بين بداية السورة و نهايتها حيث يقول ربّنا في بدء سورة القيامة:[أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ]

و في النهاية يقول تعالى:  [أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً]

احد طرق ابليس لاغواء البشر هو جعله يستهين بنفسه، ولا يُقدّر أهميّته، ونتيجة ذلك الشعور هو التحلّل من المسؤولية، بخلاف الآيات القرآنية التي تؤكّد أهميّة الانسان والتدقيق في خلقته:

[أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ (37) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى]

و كما أنّ هذه المراحل حتمية بالنسبة للإنسان فإنّ الآخرة هي الأخرى حتمية، و الفكرة هذه تفسّر ربط القرآن الدائم بين الحديث عن الآخرة و الحديث عن مراحل خلقة الإنسان و أطواره، التي يهتدي المتدبر فيها إلى معرفة ربه حيث هي آيات لطفه و حكمته و قدرته. و بعد تفكّر البشر في نفسه و خلقه يجب أن يطرح على نفسه هذا السؤال الحاسم:

[فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏]

فمن مصنعٍ واحد يُخرج الذكر والأنثى برغم الاختلاف الكبير الموجود في خلقتهم، وحكمة الاختلاف ايضاً هو التكامل، لأنّ كلّ جنس محتاج الى الآخر وعند الزواج يتكاملون.

فالله الذي بيّن لنا قدرته و خلقنا بمراحل، و في كل مرحلة بين لنا خكمته, وجلاله و كماله ألا يستطيع ان يبعثنا بعد موتنا؟

[أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏] (40)

من اكبر العقبات التي تحول دون ايمان الانسان بالآخرة هو التشكيك في امكانية المعاد، والقرآن الكريم يعالج تلك الاشكالية ببيان المزيد من آثار قدرة الله تعالى، سواءاً في خلقة الانسان، أو في خلق سائر الموجودات، يقول تعالى في سورة الحج:

[يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ][2]

فكلّ من يتقدّم بالعلم يتبيّن له عجزه عن المعرفة والاحاطة بالحقائق فضلاً عن خلق حتّى الذباب!

عدالة الله

وهكذا فوجود المعاد ضرورة لتحقيق العدالة الالهية، ففي وجدان الانسان ان العالم باكمله موجود على اساس الحق و العدل, ولكنه بذات الوقت يجد الظلم، والاضطهاد، فلابدّ إذن من وجود المعاد لجريان عدالة الرب المُتعال.

صبغة الهية

البصيرة الأخرى التي نستفيدها من الآيات الأخيرة من سورة القيامه هو اننا بعد الايمان بالرب تعالى وأنّه لم يخلقنا عبثاً، و ايماننا كذلك بيوم القيامة والمعاد، وأنّ الرب تعالى شاهدٌ علينا ورقيب على اعمالنا، اقول بعد أن يؤمن الانسان بذلك لابدّ أن تصبح حياته الهية، ولا ينحرف عن الصراط القويم يقول أمير المؤمنين عليه عليه السلام في وصيته لكميل:

((إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ النَّاسُ‏ ثَلَاثَةٌ عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ وَ هَمَجٌ‏ رَعَاعٌ‏أَتْبَاعُ كُل‏ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ فَيَهْتَدُوا وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ فَيَنْجُوا.))[3]

فالهمج الرعاع لم يعرفو حكمة الله من الخلق، وعاشو حياتهم بعيدين عن الله سبحانه و تعالى.

بالمقابل اذا نفذت حقائق القرآن في قلوبنا حينذاك سنكون ثابتين و لا نميل مع كل ريح.

فالايمان بالله يكون منطلق لكلّ حياتنا وتحرّكاتنا في الحياة.


[1] سورة المؤمنون، الآية: 115.

[2] سورة الحج، الآية: 73.

[3] تحف العقول، النص، ص: 170

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (العاشر)

“فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى (31) وَلكِنْ كَذَّبَ‏ وَ تَوَلَّى (32)ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى‏ (33)أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (34)ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏] (35)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

ليس سهلاً أن يزكّي الانسان نفسه، ويحتاج الانسان الى صعقة تهزّ كيانه من أجل الاستيقاظ ومواجهة النفس الأمّارة بالسوء، ولذلك تجد الآيات القرآنية تُمهّد للحديث عن الصلاة والتصديق بالحديث عن الفراق والموت.

يقول ربّنا تعالى: [فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى]

بون شاسع بين من يؤمن بالآخرة، ومن هو منها في شك،  ويشمل ذلك كلّ تفاصيل حياتهم، خصوصاً أنّ من يؤمن بالآخرة يرسم الحدود الصحيحة لنفسه، و يعي الواجبات التي على عاتقه، من الأقربين والى سائر المؤمنين، و كلمة [صَدَّقَ] لا تعني مجرّد الزكاة، بل كلّ الواجبات التي على عاتقه تجاه الغير.

وتارة تكون الصدقة بالمال وتارة بالفعل، وتارة بالكلمة الطيبة، بل وحتّى ازاحة الاذى عن الطريق صدقة، وهكذا لابدّ من البحث عن الواجبات والحقوق تجاه الغير.

وَ لا صَلَّى

نحن نجهل حقيقة الصلاة رغم أنّنا نؤدّيها، جوهر الصلاة تُنظّم علاقة الانسان بربّه المتعال ولذلك هي عمود الدين، واذا كان كلمة [صدّق] تُنظم العلاقة مع الخلق، فإنّ كلمة [صلّى] تُنظّم العلاقة مع الخالق العظيم.

في الصلاة معرفة الله، من سورة الحمد التي لو تدبّر الانسان فيها مائة مرة لوجد في كلّ مرّة حقائق جديدة ولا يصل الى منتهى العلم بها  وقد جاء في الحديث  أن عبدالله بن عباس جاء الى الامام امير المؤمنين  (عليه السلام) يسأله عن تفسير القرآن، فوعده بالليل، فلما حضر قال: «ما أول القرآن؟». قال: الفاتحة.

قال: «و ما أول الفاتحة؟» قال: بسم الله.

قال: «و ما أول بسم الله؟». قال: بسم.

 قال: الباء، فجعل (عليه السلام) يتكلم في الباء طول الليل، فلما قرب الفجر قال: «لو زادنا الليل‏ لزدنا».[1]

وهكذا لو تأمّلنا في كلّ معاني الصلاة سنجد فيها معرفة الله، ومعرفة انبياءه وسننه.

اذن لو أراد الانسان أن يطمئن يوم الفراق من الدنيا لابدّ أن نهتم بقوله: [فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى]

والصفة المقابلة لذلك هو قوله: [وَلكِنْ كَذَّبَ‏ وَ تَوَلَّى] فالتفكير الذاتي عند الانسان، و الظلم الاجتماعي، فهو التكذيب الناشئ من التكذيب بالله واليوم والآخر.

وهكذا قوله تعالى: [تَوَلَّى] في قِبال الصلاة والقُرب، حيث يبتعد عن الرب امّا بعدم اتيان الصلاة أو بالسهو عنها، واداءها كيفما اتفّق.

[ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى‏]

أصل التمطّي تمدّد البدن من الكسل، و هو من لوى مطاه أي ظهره. قالوا:

إنّه إشارة إلى التبختر على نهج القرآن في ذكر الصفات بالتصوير الظاهر. و لعلّه أعمّ من ذلك حيث يدل على حالة اللامسؤولية و الإشتغال باللهو و اللعب عن الجد و الاجتهاد.

ثم يتوعد اللّه من تكون صفاته التي مرّ ذكرها بالعذاب بعد العذاب فيقول:

[أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (34)ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏]

أي أنّك المسؤول عن الفعل، وتأكيد على المصير الذي ينتظره جاء في الحديث عن عبد العظيم الحسني قال‏: سألت محمد بن علي الرضا (ع) عن قول اللّه عزّ و جلّ: «الآيتين» قال: «يقول اللّه عزّ و جلّ: بعدا لك من خير الدنيا، و بعدا لك من خير الآخرة»[2].


[1] البرهان في تفسير القرآن، ج‏1، ص: 4.

[2] ( 1) نور الثقلين/ ج 5 ص 466.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (التاسع)

“كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ”

بسم الله الرحمن الرحيم


[وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ(27) ]

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول
الموت والفناء هو النهاية المحتومة لنا في الدنيا، فهو نهاية الدنيا وبداية الآخره والحساب، وهكذا علينا دائماً أن نحذر الموت وما بعده ونعمل له، خصوصاً أننّا لا نعلم متى واين ستكون النهاية كما يقول ربّنا تعالى:
[وَما تَدْري نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ‏ غَداً وَ ما تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ]
الايمان بالآخرة
ثمار كثيرة يحصل عليها الانسان بسبب ايمانه بالآخرة، وأهمّ تلك الثمار هي تقويت ارداته، حيث يزداد الانسان قوة في اتخاذ القرار، وذلك من خلال:
اولاً: تذكرّ الموت و ما بعده، حيث يجعل الفرد غير مُهتم بلذّات الدنيا، خصوصاً حين ينظر الى آثار السابقين ومصيرهم، حينها يتيقّن بفناء الدنيا فيغتنم فرصة العيش فيها بأفضل وجه يقول ربّنا تعالى: [وَسَكَنْتُمْ في‏ مَساكِنِ الَّذينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثال]‏
ثانياً: وبالإيمان بالآخرة يستسهل الانسان صِعاب الدُنيا، لأنّه يعلم أنّ ما يمرُّ عليه من الصعاب تنتهي.
[وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ]
و هي وجوه المجرمين حيث القيامة موعدهم مع الفضيحة و العذاب و الذل، و بسور وجوههم يحكي باطن نفوسهم المنطوية على اليأس و التشاؤم و الخوف ممّا ستلاقيه.
[تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ]
إنّ المجرمين يوم القيامة ليساورهم هاجس و رعب ينتظرهم من الدواهي، و هذا الهاجس يعدّ عذابا عظيما بذاته.
[كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ]
ثم ينقلنا السياق القرآني الى أشدّ الساعات على الانسان وهي ساعة الانتقال من الحياة الدنيا الى الآخرة.
كيف تخرج الروح؟
يبدء ملك الموت بإخراج الروح من الجسد، من قدمه ويصعد شيئاً فشيئاً الى أن يصل عند عظم التراقي، حيث تكون لحظة الانتقال من عالم الدنيا الى الآخرة، ويُبصر الانسان ما لم يكن يشاهده من قبل، فمن جهة يشاهد ملائكة العذاب ومن جهة اخرى يشهاد ملائكة الرحمة.
[وَ قيلَ مَنْ راقٍ]
أي و قال أهله: من راق؟ أي طبيب شاف يرقيه و يداويه‏، وأيّ رُقية تُكتب لشفاءه؟!
[إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ]
فاليه منتهى كلّ شيء، ويبدو أنّ الآية يغلب عليها جانب الرحمة، لأنّ فيها اسم الرب الذي يدلّ على رحمته تعالى.
جاء في الحديث الشريف عن أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام أنّه قال ((‏ إِنَّ أَوْحَشَ مَا يَكُونُ هَذَا الْخَلْقُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ يَوْمَ يُولَدُ وَ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَيَرَى الدُّنْيَا وَ يَوْمَ يَمُوتُ فَيَرَى الْآخِرَةَ وَ أَهْلَهَا وَ يَوْمَ يُبْعَثُ فَيَرَى أَحْكَاماً لَمْ يَرَهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا وَ قَدْ سَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى يَحْيَى فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاطِنِ وَ آمَنَ رَوْعَتَهُ فَقَالَ‏ وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا وَ قَدْ سَلَّمَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ع عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاطِنِ فَقَالَ‏ وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا.))
لكنّ المؤمن يعيش في بحبوحة النعم الالهية في الدنيا وفي الآخرة أيضاً فقد جاء في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام: ((يُفْتَحُ‏ لِوَلِيِ‏ اللَّهِ‏ مِنْ‏ مَنْزِلِهِ‏ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وَ تسعين [تِسْعُونَ‏] بَاباً يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَوْحُهَا وَ رَيْحَانُهَا وَ طِيبُهَا وَ لَذَّتُهَا وَ نُورُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ .
و قَالَ فَكُلَّمَا عَيَّرَهُ بِذَنْبٍ قَالَ سَيِّدِي لَسَعْيِي إِلَى النَّارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تُعَيِّرَنِي‏قَالَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَ تَذْكُرُ يَوْمَ كَذَا وَ كَذَا أَطْعَمْتَ جَائِعاً وَ وَصَلْتَ أَخاً مُؤْمِناً كَسَوْتَ يَوْماً حَجَجْتَ فِي الصَّحَارِي تَدْعُونِي مُحْرِماً أَرْسَلْتَ عَيْنَيْكَ فَرَقَا سَهِرْتَ لَيْلَةً شَفَقاً غَضَضْتَ طَرْفَكَ مِنِّي فَرَقَا فإذا [فَذَا] بِذَا أَمَّا مَا أَحْسَنْتَ فَمَشْكُورٌ وَ أَمَّا مَا أَسَأْتَ فَمَغْفُورٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ ابْيَضَّ وَجْهُهُ وَ سُرَّ قَلْبُهُ وَ وُضِعَ التَّاجُ عَلَى رَأْسِهِ وَ عَلَى يَدَيْهِ الْحُلِيُّ وَ الْحُلَلُ ثُمَّ يَقُولُ يَا جَبْرَئِيلُ انْطَلِقْ بِعَبْدِي فَأَرِهِ كَرَامَتِي فَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَدْ أَخَذَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَدْحُو بِهِ مَدَّ الْبَصَرِ فَيَبْسُطُ صَحِيفَتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ وَ هُوَ يُنَادِي‏ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فَإِذَا انْتَهَى إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ قِيلَ لَهُ هَاتِ الْجَوَازَ قَالَ هَذَا جَوَازِي مَكْتُوبٌ فِيهِ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ هَذَا جَوَازٌ جَائِزٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَسْمَعُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ أَلَا إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَدْ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدا فَإِذَا هُوَ بِشَجَرَةٍ ذَاتِ‏ ظِلٍّ مَمْدُودٍ وَ ماءٍ مَسْكُوبٍ‏ وَ ثِمَارٍ مهدلة [مُتَهَدِّلَةٍ] يَخْرُجُ مِنْ سَاقِهَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ فَيَنْطَلِقُ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَيَغْتَسِلُ مِنْهَا فَيَخْرُجُ عَلَيْهِ نَضْرَةُ النَّعِيمِ ثُمَّ يَشْرَبُ مِنَ الْأُخْرَى فَلَا يَكُونُ فِي بَطْنِهِ مَغْصٌ وَ لَا مَرَضٌ وَ لَا دَاءٌ أَبَداً وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُورا))
نسأل الله أن يرزقنا ذلك.
نحن لا ندري الى متى في هذه العالم و لكن نعلم انه لنا نهاية و ان باب الاخره هو الموت فيجب ان نتذكر دائما اهوال الوت و مابعده و في اللذات و الصعاب نفكر بالاخره و الحساب حتى نعيش بالسعاده في الدارين و نكون يوم القيامة من اصحاب اليمين .

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثامن)

“تُحبّون العاجلة”

بسم الله الرحمن الرحيم

[كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (20) وَ تَذَرُونَ‏ الْآخِرَةَ] (21)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

يتمنّى أغلب الناس أن يُصبحوا رجالاً صالحين، لكنّ اليأس يدبّ في داخلهم ويمنعهم من تحقيق أهدافهم، و من هنا علينا أن نبحث عن جذر اليأس، وهو ابليس الرجيم الذي اقسم بعزّة الرب أن يغوي البشر، و لطالما حذّرنا الرب من اتباع خطواته، لأنّه عدوٌ مُضلٌ مُبين، يقول ربّنا تعالى: [إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ‏ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ][1]

ففي لحظات اتخاذ القرار يوسوس اليه ابليس ويُخوّفه من فوت المصالح المادّية، أو قد يوسوس لأحد المُقرّبين ليُشكّل ضغط على الانسان.

لو استطاع الانسان أن يتخلّص من الخوف فإنّه يتحرر فكره وبالتالي يتخّذ القرار المناسب الذي يجعله في مسيرة التقوى.

وطريق ذلك بالاضافة الى الاستعاذة، اولاً: التوكّل على الرب المُتعال، خصوصاً في لحظات اتّخاذ القرار، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ((قَوِّ عَلَى خِدْمَتِكَ جَوَارِحِي وَ اشْدُدْ عَلَى الْعَزِيمَةِ جَوَانِحِي‏ وَ هَبْ لِيَ الْجِدَّ فِي خَشْيَتِكَ وَ الدَّوَامَ فِي الِاتِّصَالِ بِخِدْمَتِك‏))[2]

 ثانياً: أن يتخّذ الانسان القرار بأن يكون يومه افضل من أمسه، ويبقى في تسامي بشكل مستمر، كما يقول الامام امير المؤمنين عليه السلام: ((منِ اعْتَدَلَ يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ‏))[3]

وفي المستحّبات أيضاً يتدرّج الانسان في العمل بها.

ثالثاً: في مسيرة التقوى علينا البحث عن المؤمن ليكون مؤازراً لنا، والتعاون معه من أجل أعمال الخير كما يقول ربّنا تعالى: [وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوان][4]

 لأنّ يد الله مع الجماعة، وحتّى في القرارات التي يعمل بها الانسان بمفرده كالصيام المستحب مثلاً يندفع اليه اكثر لو بحث عن من يصوم معه، فضلاً عن الأعمال الاجتماعية الأخرى.

رابعاً: البحث عن الموجّه، الذي يُريه الطريق، كما يقول ربّنا تعالى: [فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ][5]

   وهو العالم الربّاني الذي نقتدي به.

تبليغ القرآن الكريم

المسؤولية الخامسة التي هي على عاتقنا تجاه القرآن الكريم هي مسؤولية التبليغ، وبالرغم من وجود وسائل التبليغ المختلفة التي لابدّ من الاستفادة منها الّا أنّ الذي نشر القرآن الى اقاصي البلاد هو المشافهة كما جاء في الحديث الشريف: ((نَضَّرَ اللَّهُ‏  مَنْ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا))[6]

لأنّ الخطاب المُباشر أبلغ أثراً في الناس، وهكذا على الانسان أن يتخذ قراراً بتبليغه للرسالة الى الناس.

الحكمة والموعظة الحسنة، واتخاذ الاسلوب المناسب، للتبليغ مهم في نجاحه.

يقول ربّنا تعالى: [كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ]

بالرغم من وجود النفس اللوامة، والقرآن الكريم الذي يُبيّن الحقائق الّا أنّ أغلب البشر يُحبّون العاجلة الاقرب لهم لأنّهم لا ينظرون الى المدى البعيد، بينما المؤمن ينظر الى المستقبل البعيد سواء في الدنيا أو حتّى ما يرتبط بيوم القيامة وعالم الخلود.

[وَ تَذَرُونَ‏ الْآخِرَةَ]

و علاج هذه المعضلة البشرية يتم بإيجاد التوازن في وعيه بين الحاضر و المستقبل، و ينتهج القرآن من أجل ذلك نهج التذكرة و التصوير لمشاهد الآخرة ممّا يزيدها حضوراً في وعيه، و هذا ما نقرأه في الآيات التالية من سورة القيامة المباركة.


[1] سورة آل عمران، الآية 175.

[2] مصباح المتهجد و سلاح المتعبد، ج‏2، ص: 849

[3] من لا يحضره الفقيه، ج‏4، ص: 382.

[4] سورة المائدة، الآية:2.

[5] سورة النحل، الآية 43.

[6] عدة الداعي و نجاح الساعي، ص: 28.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (السادس)

“فاتّبع قرآنه”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَإِذا قَرَأْناهُ‏ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ] (18)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

إحدى المسؤوليات التي تقع على عاتق البشر تجاه القرآن الكريم، جعله مصدراً للمعرفة، ووسيلة لتبصّر الحقائق، فالقرآن الكريم مرآة الحقائق، الكبيرة منها والصغيرة واهمّها معرفة الرب سبحانه وتعالى.

وخصوصاً تلك المعارف التي تتعارض مع مصلحة الانسان واهواءه، حيث تجد الكثير منّا لا يستطيع تجاوز تلك المصالح، و حُجُب الغفلة السميكة تحول دون ذلك الّا أنّ كلمات القرآن الكريم تكشف عن القلب تلك الحُجب، بمزيد من الإنذار.

اول الدين معرفته

لأنّ معرفة الله تعالى موجود في فطرة الانسان، لذلك أغلب الناس يبحثون عن الرب، الّا أنّه يخطئ أغلبهم في تلك المعرفة، فتجد البعض يعبدون الشمس، أو القمر، او الحجر، فهم قد اخطأوا الطريق، وطريق الحصانة من السقوط هو القرآن الكريم، يقول ربّنا تعالى:

[وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَميعا][1]

وهو القرآن والنبي واهل بيته الكرام، وبغير ذلك لا ضمان للوصول الى الله.

جاء في الحديث الشريف: ((لقد تجلى الله لخلقه بكلامه، ولكنهم لايبصرون))[2]

السؤال كيف نعرف الرب تعالى من القرآن؟

القرآن الكريم الذي لو نزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدّعاً أو كما قال تعالى:

[وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ‏ بِهِ الْمَوْتى‏ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَميعاً][3]

هو القرآن الذي تجلّى فيه الرب تعالى، كما تجلّى لموسى وخرّ موسى صعقاً! حين نتدبّر في اسماء الرب سبحانه وتعالى فيه وآياته نعرفه..

كما يقول تعالى: [وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ‏ بِها][4]

 أو حين نتدّبر في قصص آيات الله، في الانتقام من الظالمين، كعادٍ وثمود، وقوم نوح.

كمال الانقطاع اليك

وهكذا علينا أن ندعو ربّنا سبحانه وتعالى، أن يلهمنا معرفته كما نقرء في المناجاة الشعبانية قول الامام عليه السلام:

(( إِلَهِي هَبْ لِي كَمَالَ‏ الِانْقِطَاعِ‏ إِلَيْكَ وَ أَنِرْ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ حَتَّى تَخِرَقَ أَبْصَارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ الْعَظَمَة))[5]

لكي يتخلّص الانسان من العلائق المادّية، ويسموا في رحاب معرفة الله، هناك يرى الانسان ربّه بقلبه كما قال الامام  عليه السلام:

((لَمْ أَكُنْ لِأَعْبُدَ رَبًّا لَمْ أَرَهُ فَقَالَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ فَقَالَ لَمْ تَرَهُ الْأَبْصَارُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ بَلْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَان))[6]

وكما قال الامام الحسين عليه السلام:

((أَنْتَ الَّذِي أَشْرَقْتَ‏ الْأَنْوَارَ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِكَ حَتَّى عَرَفُوكَ وَ وَحَّدُوكَ [وَ وَجَدُوكَ‏] وَ أَنْتَ الَّذِي أَزَلْتَ الْأَغْيَارَ عَنْ قُلُوبِ أَحِبَّائِكَ حَتَّى لَمْ يُحِبُّوا سِوَاكَ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى غَيْرِكَ أَنْتَ الْمُونِسُ لَهُمْ حَيْثُ أَوْحَشَتْهُمُ الْعَوَالِمُ وَ أَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَهُمْ حَيْثُ اسْتَبَانَتْ لَهُمُ الْمَعَالِمُ [إِلَهِي‏] مَا ذَا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ وَ مَا الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ لَقَدْ خَابَ مَنْ رَضِيَ دُونَكَ بَدَلًا وَ لَقَدْ خَسِرَ مَنْ بَغَى عَنْكَ مُتَحَوَّلا))[7]

وهكذا بقراءتنا للقرآن الكريم والتدبّر في آياته نزيل الحُجب عن قلوبنا ونزداد معرفة بربّنا المتعال.


[1] سورة آل عمران، الآية: 103.

[2] بحار الأنوار :ج 89/ص107.

[3] سورة الرعد، الآية 31.

[4] سورة الأعراف، الآية: 180.

[5] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏2، ص: 678.

[6] روضة الواعظين و بصيرة المتعظين (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 33

[7] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 349.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الخامس)

“إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[لا تُحَرِّكْ‏ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ‏ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ]‏ (19)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

القرآن الكريم نزل على قلب نبيّنا الكريم صلّى الله عليه وآله، وهو ذات القرآن الذي بين الدفتين، وما نقرأه اليوم.

لكنّ القرآن الكريم ولدلائل عديدة لم يُقرء على الناس دفعة واحدة، ومن هنا جاء الامر الالهي بعدم الاستعجال في بيانه، أمّا الخوف من اندثاره فلا داعي له، لأنّ الذي انزل القرآن هو الضامن لجمعه وحفظه، كما يقول ربّنا تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ][1]

يقول ربّنا تعالى[لا تُحَرِّكْ‏ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ]

النهي الوارد في القرآن الكريم في خِطاب النبي صلّى الله عليه وآله لا يعني أبداً أنّ النبي كان يعمل به، ففي آيات عديدة ربّنا تعالى ينهي النبي صلّى الله عليه وآله من اطاعة الكفّار والمنافقين كما في قوله تعالى: [وَ لا تُطِعِ‏ الْكافِرينَ وَ الْمُنافِقينَ وَ دَعْ أَذاهُم‏][2]

فهل تعني الآية أنّ النبي كان يطيعهم! حاشاه، من هنا نفهم عدم صحّة ما ذهب اليه البعض في تفسير الآية من أنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان يُكرّر الآية لكي لا ينساها، والحال أنّ الرب تعالى يخاطب النبي في سورة الأعلى بقوله: [سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏][3]

كما أنّ الآيات القرآنية تأتي غالباً بصيغة، ايّاك اعني واسمعي يا جارة، ففي الظاهر الخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله بينما في الحقيقة لكلّ الناس.

بالحكمة والموعظة الحسنة

إذا كان الخطاب القرآني لنا، فما هو الواجب علينا فيما يرتبط بعدم الاستعجال في بيان القرآن، يُبيّن لنا ربّنا ذلك بقوله: [ادْعُ إِلى‏ سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ][4]

 فليس كلّ مكان يناسب كلّ كلام، وحتّى الآيات القرآنية لابدّ من التفكير في الآية التي تناسب الظرف في سبيل هداية الآخرين، وهو معنى الحِكمة الذي امرنا به ربّنا.

ثمّ يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ]

 لا يُمكن أنّ الرب تعالى يُرسل كتاباً، ليكون آخر رسالة الهية لكلّ البشرية والى يوم القيامة، ثمّ لا يجمعه!

النبي صلّى الله عليه وآله هو الذي جمع القرآن وبعد رحلته كان امير المؤمنين عليه السلام مشغولاً بجمع القرآن، ويبدو أنّ القرآن الذي جمعه عليه السلام كان فيه مضافاً للنص التأويلات التي يأتي بها امامنا الحجّة عجل الله فرجه الشريف حين ظهوره، ومعنى كلمة [قرآنه] يُقال بعد اتمام الشيء.

يصدّق بعضه بعضاً

ونستفيد من الآية أيضاً أنّ القرآن الكريم نص متكامل، بمعنى أنّه لابدّ من الايمان بجميع آياته ولا نصبح كالذين جعلو القرآن عضين و قالو نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

وهكذا القرآن الكريم يُصدّق بعضه بعضاً، والتدبّر في آياته لابدّ من التأمّل في كلّ القرآن الكريم.

يقول ربّنا : [فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ‏ قُرْآنَهُ] أي جميعه.

ليس هذا فحسب بل يقول ربّنا: [ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏]

فالذي انزل الكتاب، وارسل المُرسلين، حاضرٌ ورقيب، فمن يقرء القرآن الكريم، عليه أن يلتجئ الى الباري تعالى ليُنزل عليه نوراً لفهم حقائق القرآن.


[1] سورة الحجر، الآية 9.

[2] سورة الأحزاب، الآية:48.

[3] سورة الأعلى، الآية: 6.

[4] سورة النحل، الآية: 125.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الرابع)

“قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ‏ قُرْآنَهُ”

بسم الله الرحمن الرحيم

 [لا تُحَرِّكْ‏ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ‏ قُرْآنَهُ] (18)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

يستفاد من الآيات القرآنية أنّ عظمة شهر رمضان لعدّة أسباب، اولها لأنّه شهر انزل الله تعالى به القرآن كما يقول تعالى: [شَهْرُ رَمَضانَ‏ الَّذي أُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقان‏][1]

كما وأنّ عظمة الشهر لوجود ليلة القدر فيها، وأنّها خيراً من ألف شهر، أمّا السبب الثالث أنّه شهر الدعاء، وحديثنا في هذه الليالي عن القرآن الكريم.

تجلّي القرآن

والتساؤل الذي يُطرح قبل  عن سبب مقارنة ليلة القدر و فيها نزول القرآن بمصيبة الامام أمير المؤمنين عليه السلام وزيارة مؤكّدة للامام الحسين عليه السلام.

في الجواب على ذلك نقول: إنّ الله تعالى أتمّ حجته على الناس ومن أبعاد ذلك أنّه تعالى حينما أنزل القرآن جعل مصاديق، و هم اهل البيت عليهم السلام.

لذلك فإنّ الامام عليه السلام بمنزلة قرآن ناطق، وكما أنزل الله تعالى القرآن على قلب النبي صلّى الله عليه وآله في ليلة القدر تتنزّل الملائكة والروح في ليلة القدر  على امامنا الحجة (عج) بالأمر الحكيم في ليلة القدر.

القرآن بصيرة

السؤال الآخر، المطروح عن العلاقة بين النفس اللوامة، وعن يوم القيامة وبين الحديث القرآن الكريم؟

الجواب على ذلك أنّ الله تعالى الذي اودع الانسان المعارف في فطرته، بيّن تفصيل تلك المعارف في القرآن الكريم، ومن هنا فالقرآن مُكمّل للعقل والفطرة، ومن يستطيع أن يقرء القرآن بحيث يبلور عقله، فإنّه يفهم القرآن الكريم.

مسؤوليتنا تجاه القرآن

خمس واجبات على عاتقنا تجاه القرآن الكريم.

اولاً: تلاوة القرآن الكريم وحفظه.

ثانياً: التدبر في آيات القرآن الكريم.

ثالثاً: جعل القرآن منطلقاً في فهم المعرفة.

رابعاً: أن نبني أنفسنا بالقرآن.

خامساً: أن ندعوا للقرآن.

وسنأتي الى بيان ذلك تباعاً.

تلاوة القرآن الكريم وحفظه.

وخصوصاً في الليل حيث يقول ربّنا تعالى: [قُمِ‏ اللَّيْلَ إِلاَّ قَليلاً (2)نِصْفَهُ‏ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَليلاً (3)أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ‏ الْقُرْآنَ تَرْتيلاً] (4)

ويتسامى الانسان في مدراج الكمال بتلاوته القرآن، وهكذا فتلاوة القرآن وحفظه يقي الانسان في شرّ الفتن كما قال النبي صلّى الله عليه وآله: ((فَإِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْفِتَنُ‏ كَقِطَعِ‏ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَ مَاحِلٌ مُصَدَّقٌ وَ مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَ مَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّار))[2]

افلا يتدّبرون

المسؤولية الثانية التي هي على عاتقنا تجاه القرآن الكريم هو التدبّر في آياته الشريفة كما اكّد على ذلك ربّنا في آيات عديدة من القرآن الكريم، كما في قوله عزّ وجل: [أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها][3]

يفهم القرآن من خوطب به

صحيح أنّ القرآن الكريم يفهمه الائمة الاطهار عليهم السلام لأنّهم خوطبوا به، الّا أنّ ذلك لا يعني عدم مشروعية التدبّر في المُحكمات، إذ لا شكّ أن الفهم الكامل عندهم عليهم السلام، و من هنا فطريق معرفة القرآن ايضاً لا يكون بمعزل عن الرويات الشريفة، يقول ربّنا تعالى:

[هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ‏ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذينَ في‏ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْويلِهِ][4]

 فالمتشابه ما تشابه على صاحبه، والمحكم خلاف ذلك، بمعنى أنّه ربّما تكون الآية الواحدة من المحكمات عند أحد، ومتشابهة عند آخر.

اذن الادعاء أنّنا نفهم كلّ القرآن، و الآيات الشريفة جميعها مُحكمات اتجاه خاطئ، كما والادّعاء على أنّنا لا نفقه من الآيات الشريفة شيء أيضاً خطأ، إنّما التدبّر يكون في سياق المُحكمات التي نؤمن بها ونعمل بها، أمّا المتشابهات فنؤمن بها ولكن علينا الرجوع لمعرفتها الى الراسخون في العلم.


[1] سورة البقرة، الآية 185

[2] الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏2، ص: 599.

[3] سورة  محمد، الآية 24.

[4] سورة آل عمران، الآية 7.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثالث)

“عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ‏ وَ أَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ (14) وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ‏] (15)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

في بدء القيامة بيّن ربّنا تعالى المحكمتان التي يتحاسب بهما كلّ انسان، من المحكمة الداخلية المتمثّلة بالنفس اللوامة، والى محكمة العدل الالهية في يوم القيامة، و في ذات السياق تأتي الآيات 13-15لتؤكد وتفصّل تلك الحقيقة، من أجل تكريس قيمة المسؤولية عند الانسان.

احصاه الله ونسوه

لا شيء يُعدم في الكون، هكذا يقول العلم الحديث، فالطاقة تتحوّل من صورة الى اخرى وقد تتلاشى في الفضاء ولكن تبقى موجودة، اقول: كما الاشياء لا تُعدم كذلك اعمال الانسان تبقى، سواءاً الصالحة منها كالصلاة او الطالحة كالكذب تبقى موجودة، حتى لو نساها الانسان كما يقول ربّنا تعالى: [يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَميعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ‏ اللَّهُ وَ نَسُوهُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهيدٌ][1]

ويقول ربّنا تعالى: [وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً][2]

من الاهداف المهمّة التي على الانسان تعقّبها في الحياة هو أن يمحي الأعمال السيئة ويحوّلها عدماً، وذلك من خلال الاستغفار، حيث يمحي آثار الذنوب، بل ويتفضّل الرب سبحانه وتعالى على المؤمنين بأن يُنسيهم ذنوبهم أيضاً، لأنّ الانسان لا يتحمّل عتاب الرب سبحانه وتعالى له حتّى وإن يعقبه غفران.

يقول ربّنا تعالى: [يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ‏ وَ أَخَّرَ]

قال الإمام الباقر (ع): «بما قدّم من خير و شر، و ما أخّر ممّا سنّ من سنّة، ليستنّ بها من بعده، فإن كان شرا كان عليه مثل وزرهم، و لا ينقص من وزرهم شي‏ء، و إن كان خيرا كان له مثل أجورهم، و لا ينقص من أجورهم شي‏ء»[3].

[بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ]

هذه الآية هي محور سورة القيامة المباركة، حيث يُبيّن ربّنا مشكلة البشر في عدم الاصغاء للنفس اللوامة، وعدم الاكتراث للمحكمة الالهية، وهو التبرير، حيث أنّ النفس البشرية تستخدم المزيد من الاساليب لتقريب الانسان من فعل المعصية، فتارة تطوّع له كما طوّعت لقابيل في قتل اخيه هابيل، وتارة تسوّل كما عند السامري، وتارة تُزيّن المعصية، و تارة تُبرّر للانسان فعله للمعصية.

وورود التاء في قوله [بَصيرَةٌ] هو للمبالغة، أي أنّ الانسان يعرف نفسه جيّداً.

 [وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ]

اصل التبرير كذب، وهدفه خداع الذات، ذلك أنّ النفس اللوامّة حينما لا تضعف عند الانسان بسبب عدم العمل وفقها، وحين تقوى النفس الأمّارة، يلجئ الى الكذب لتبرير أخطاءه وعلينا لمواجهة ذلك، أن نلوم أنفسنا على الكذب، بأن نقوم بمحاسبة الذات وبذلك نستطيع أن نُرمّم النفس اللوامة.

ولأنّ البشر يبرّر لنفسه دائماً يأتي القرآن الكريم ويقطع الحجة على الانسان فيقول: [وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ]

ويزداد الامر خطورة حينما يأخذ منحى اجتماعي ومؤسساتي، فبدل أن يكون التبرير في شخص أصبح يشكّل تيّار، ويبثّ آلاف الشُبهات الواهية للناس.

لكن يبقى حجّة الرب تعالى على الانسان تامّة لأنّه اعطاه البصيرة في دينه بالرغم من كلّ الشبهات والتبريرات، ولذلك تجلّي في الأحكام الشرعية ايضاً فقد جاء في الحديث

قال زرارة: سألت أبا عبد اللّه (الإمام الصادق (ع)): ما حدّ المرض الذي يفطر صاحبه؟ قال: «بل الإنسان على نفسه بصيرة، هو أعلم بما يطيق‏.»[4]


[1] سورة المجادلة، الآية 6.

[2] سورة الكهف، الآية 49.

[3] ( 4) تفسير القمّي ج 2 ص 397.

[4] ( 1) المصدر.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الاول)

“لا أُقْسِمُ‏ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[لا أُقْسِمُ‏ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1)وَ لا أُقْسِمُ‏ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ‏ (3) بَلى‏ قادِرينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ‏ (4)بَلْ يُريدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ]

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

محكمتان أمام الانسان، لو فكّر بها جيّداً لجعل كلّ حياته تنتظم وفقهما، المحكمة الأولى هي محكمة العدل الالهي في يوم القيامة، حيث يقول ربّنا تعالى: [وَ نَضَعُ الْمَوازينَ‏ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى‏ بِنا حاسِبينَ][1]

فكلّ الأفعال سواءاً كانت صغيرة او كبيرة احاصها الرب تعالى حتّى لو نساها الانسان، وفي يوم القيامة يُحاسب عليها.

أمّا المحكمة الأخرى فهي النفس اللوامة التي هي بخلاف النفس الأمّارة بالسوء في داخل الانسان تلومه وتدفعه الى المزيد من فِعل الصالحات واجتناب المُحرّمات ومن هنا يجد الانسان في داخله التناقض الدائم بين الهوى (النفس الأمّارة) والهدى (النفس اللوامة) التي تكون حُجّة على الانسان لا يستطيع نكرانها أبداً.

ومن هنا تجد المؤمنين يُنظّمون حياتهم وفق هاتين المحكمتين، فما من موقف يمرّ فيه الّا ويتبّصر بما يُرشده عقله ويتذكّر وقوفه أمام خالقه وبالتالي يتّخذ الموقف الصحيح

 ومن هنا يقول ربّنا تعالى في سورة القيامة: [لا أُقْسِمُ‏ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1)وَ لا أُقْسِمُ‏ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ]

قيل أنّ لا نافية، أو زائدة، أنّها تفيد معنى القسم، و أنّ ما يليها من كلام/ 143 في منزلة من الوضوح لا داعي معها إلى القسم‏[2] أو أنّ ما وراءها من حقيقة نقسم بها عظيمة نجلّها عن القسم، و هما معا يفيدان معنى التفخيم.

‏لكنّ السؤال عن الثمرة المترتّبة عن الايمان بالمحكمة الالهية سواء في داخل الانسان أو في يوم القيامة؟

في الجواب على ذلك نقول:

أولاً: من يؤمن بمحكمة الذات فإنّه يبلورها، وطريق ذلك هو اتّباعها، فكلّما اتّبع الانسان جانب النور في داخله و صغى الى نفسه اللوامة، بلورها، جاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: ((مَنْ غَلَبَ‏ عَقْلُهُ‏ هَوَاهُ‏ أَفْلَحَ مَنْ غَلَبَ هَوَاهُ عَقْلَهُ افْتَضَحَ.))[3]

 ثانياً: بالنسبة الى يوم القيامة على الانسان استحضارها، لما آتاه الله من القدرة على التخيّل, لأجل ترسيخها في الوجدان.

ومن هنا تجد اولياء الله تعالى يستحضرون الآخرة دائماً، إن كان بتمرغهم على الرمال الحارقة كما كان يفعل ابوذر الغفاري، أو بحفر قبورهم و ما اشبه، كلّ ذلك يأتي في سبيل استحضار الحساب الالهي.

ونتيجة الايمان بالمحكمة الالهية هو تحمّل المسؤولية، والانضباط وِفق السُنن الالهية والنظام الكوني الجاري في الخليقة، ومن هنا نجد أنّ ذات السبب أي عدم تحمّل المسؤولية هو سبب الكفر بالآخرة عند غير المؤمنين، ظنّاً منهم أنّ ذلك يُلقي بالمسؤولية عنهم، والحال أنّ عدم الاعتراف بالمسؤولية هو جريمة يستحقّ مرتكبها عذاباً مُضاعفاً، مرّة لعدم العمل بالمسؤولية ومرّة أخرى لعدم الاعتراف بها.

سورة القيامة المُباركة جاءت لتثبّت فكرة المسؤولية تجاه المحكمة الالهية، و ردّ الشُبهات التي يتذّرع بها البشر لعدم ايمانهم بيوم القيامة.

ومن تلك الشبهات ما اشار اليه ربّنا سبحانه بقوله: [أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ]

و جذر هذا التصور نجده حينما نبحث عنه في جهل الإنسان بقدرة ربه التي لا تحدّ، و تقييم شؤون الخلائق بما فيها البعث و النشور من خلال قياساته الذاتية و قدراته المحدودة، دون أن يعرف أنّ للكائنات العظيمة التي خلقها اللّه من جبال و وهاد و أراضي و بحار و سموات و مجرّات .. أنّ لها مقاييس أخرى لا تقاس بذاته.

و لهذا فإنّه حيث يجد نفسه عاجزة عن جمع عظام الموتى يحسب الأمر مستحيلا، أمّا لو عرف ربّه لتغيّر تصوّره و موقفه، و آمن بالآخرة.

[بَلى‏ قادِرينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ‏]

ليس فقط العظام الصلبة بل حتّى الأجزاء الدقيقة في خلقة الانسان يُعيدها الرب، وكلمة: [نُسَوِّيَ] للتدليل على الانتهاء من الشيء بكلّ تفاصيله.

[بَنانَهُ‏]

سعى علماء البشر كثيراً ليصنعو يداً تشبه يد الانسان، في امكانية تفاعلها مع مختلف المؤثرات، لكنّهم عجزوا فاصبع الانسان الذي يتعامل مع ادقّ الامور، هي تمسك الامور الكبيرة أيضاً، ومن عظمة الخِلقة أيضاً أنّ عدم التشابه بين بصمات البشر بتاتاً إذ أنّ لكلّ شخص بصمته الخاصّة.

لكنّ مشكلة البشر الكبرى هو أنّه يريد اتباع هوى نفسه، وهو السبب الذي يدعوه لعدم الايمان بالآخرة.    


[1] سورة الانبياء، الآية: 47.

[2] ( 1) راجع سورة الواقعة عند الآيتين( 75- 76) و ما يليها.

[3] مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، ج‏11، ص: 212.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الخامس عشر)

“إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ”

بسم الله الرحمن الرحيم


(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبيلاً (29) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكيماً (30)يُدْخِلُ‏ مَنْ يَشاءُ في‏ رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَليماً)

صدق الله العلي العظيم


تفصيل القول
من خصائص سور القرآن الكريم حُسن الختام، وما فيه من بصائر مُرتبطة بسائر مواضيع السورة، وفي ختام سورة الانسان المُباركة بصائر عدّة أيضاً.
البصيرة الأولى: التذكرة
حيث يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ]
ماذا تعني التذكرة؟ ولماذا ذُكرت بمشتقّاتها المختلفة ممّا يقرب 250 مرّة في القرآن الكريم؟
في الاجابة نقول إنّ فرصة التكامل عند البشر تكاد لا تنتهي، وهي أكثر بكثير ممّا ادركها البشر بالفعل، وطريق الوصول الى تلك الفُرص هو التذكّر، لأنّ ترسيخ المعارف والحقائق في القلب، وبلورتها في الوجدان هو الذي يجعل البشر في مسيرة التكامل.
ذلك أنّ مُشكلة البشر الحقيقية هي غفلته عن الحقائق الكُبرى و هو بالتذكرة يرسّخ تلك الحقائق في القلب, يقول ربّنا تعالى: [وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ‏ الْمُؤْمِنينَ]
وهكذا فإنّ الحقائق الكبرى موجودة في فطرة الانسان، وما ذُكر في هذه السورة المباركة من حقائق أيضاً كلّها تذكرة، والأنبياء جاءوا يذكّرو الناس بتلك الحقائق، التي من اهمّها حقيقة الولاية.
ومن هنا نجد الرويات التي تأتي في تبيان التذكرة، تشير الى ذلك المعنى، ففي الحديث عن أبي الحسن الماضي- عليه السّلام-(( قال: قلت: [إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ.]قال- عليه السّلام-: الولاية.))
لأنّ من لا يقبل الولاية، فإنّه لا يتجاوز الامتحانات الأخرى، وهكذا على الانسان أن يجعل التذكرة برنامجاً لحياته من أجل تغيير جذري في شخصيته.
ثم يقول ربّنا تعالى: [فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبيلاً]
خرية الاختيار
ربّنا سبحانه وتعالى ميّز البشر عن باقي المخلوقات بأن منحه حق الانتخاب، ومن لا يستفيد من ذلك الحق فإنّه يفقد الميزة الاساسية للإنسان، ويصبح مصداقاً لقول امير المؤمنين عليه السلام حيث قال: ((هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ‏ كُلِ‏ نَاعِقٍ‏ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيح‏.))
لأنّه لم يستمع القول فيتّبع أحسنه، ولم يتحمّل مسؤولية اخطاءه، فتراه يلقي مسؤولية اخطاءه على الآخرين، بينما على الانسان أن يتحمّل مسؤولية الاختيار عنده، ولا يبقى في مرحلة اللا اختيار لأنّ ذلك يعني الاختيار الخاطئ.
الصراط المستقيم
والسبيل الذي علينا أن نسلكه هو الذي قال عنه ربّنا في فاتحة الكتاب [اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ]‏
وهو صراط اهل البيت الذين انعم الله عليهم، ولا سبيل آخر لنا ولا صراط مستقيم غير صراطهم.
ثمّ يقول ربّنا تعالى: [وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ]
في اللحظات الصعبة على الانسان أن يتوكّل على ربّه فيجبر به ضعف ارادته، لأنّ ارادة المخلوق متّصلة بارادة الله الخالق المُتعال و لا تنشأ لمخلوق مشيئة بدون إذنه، فيسلب البعض توفيق الهداية و يهبه لآخرين.
[إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكيماً]
و لكن ليس اعتباطا، بل على أساس علمه بحال المخلوق و حكمته البالغة.
[يُدْخِلُ‏ مَنْ يَشاءُ في‏ رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَليماً]
و تنتهي السورة بالرحمة، لما ذُكر فيها من النعم الكثيرة التي منحها البشر للمخلوقين، فهو تعالى سبقت رحمته غضبه، ووسعت رحمته كلّ شيء ولكنّه أيضاً أعدّ للظالمين ومن يستحقّون العقاب عذاباً اليماً.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الرابع عشر)

“وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْديلاً] (28)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

صحيح أنّ عالم الغيب مُحيط بعالم الشهود الذي نحن فيه، الّا أنّ البشر بإمكانه النفوذ اليه، يقول ربّنا تعالى: [وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنينٍ‏][1]

فهو تعالى ليس بخيلاً في اعطاء الغيب شريطة أن يكون الطريق الذي يسلكه البشر من أجل الوصول الى الغيب صحيحاً، ومن ذلك النفوذ الى الآخرة، ليس فقط الإيمان النظري بها بل ومعايشتها، حيث يعيش المؤمن الآخرة وهو في الدنيا، ذلك لأنّ خالق الآخرة هو خالق الدنيا كما جاء عن لسان النبي يوسف عليه السلام حيث قال: [أَنْتَ وَلِيِّي‏ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّني‏ مُسْلِماً وَ أَلْحِقْني‏ بِالصَّالِحينَ][2]

وجاء في الدعاء المروي عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّه قال: ((يا رَحْمنَ‏ الدُّنْيا وَ الآخِرَةِ وَ رَحِيمَهُما))[3]

وهكذا الدنيا مرآة الآخرة، فالنار في الآخرة هي نار الدنيا ولكنّها أشدّ 70 ضعفاً، وهكذا النعيم في الآخرة مُضاعف بأضعاف كثيرة عن نعم الرب سبحانه وتعالى لنا في الدنيا.

جاء الحديث الشريف: ((وَ اذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ‏ وَ عَطَشِكُمْ‏ فِيهِ جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ عَطَشَه‏))[4]

 وهكذا يعيش المؤمن الآخرة بكلّ وجوده، و حين يواجه ضغوطات الحياة فإنّه يتجاوزها بتذكّر الآخرة ولا يحزن على ما فاته من الدنيا، لأنّه يعي بوجدانه فناء الدنيا وبقاء الآخرة

 جاء في وصية الامام امير المؤمنين الى الحسن والحسين عليه السلام: ((أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أَنْ لَا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَ لَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا وَ قُولَا بِالْحَقِّ وَ اعْمَلُوا لِلْآخِرَة.))[5]

حينذاك يصبح المؤمن حُرّا، لأنّه يتجاوز كلّ العلائق المادّية و يقيس كلّ شيء بمقياس الآخرة، وذلك يوصله الى جعل التقوى محوراً لحياته.

ومن ذلك أيضاً معرفة الإنسان قُدرة الرب تعالى في الآخرة وبعث الخلائق تارة أخرى، فكما أن رّبنا تعالى خلق الانسان من نطفة أمشاج بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، هو أيضاً يُعيد خلقه في الآخرة.

يقول ربّنا تعالى: [نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ]

بالرغم من أنّ كلمة [شَدَدْنا أَسْرَهُمْ] تعني في الظاهر تقوية خلقهم، الّا أنّ لها معنى أشمل وهو وإسباغ النعم على الانسان وتهيئة كافّة العوامل لابقاء الانسان.

جاء في دعاء الامام الحسين عليه السلام في يوم عرفة:

((ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي‏ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ، بَيْنَ لَحْمٍ وَ جِلْدٍ وَ دَمٍ، لَمْ تُشْهِدْنِي بِخَلْقِي، وَ لَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي. ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيا تامّاً سَوِيّاً، وَ حَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً، وَ رَزَقْتَنِي مِنَ الْغَذاءِ لَبَناً مَرِيّاً، وَ عَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَواضِنِ‏، وَ كَفَّلْتَنِي الأُمَّهاتِ الرَّحائِمَ، وَ كَلَأْتَنِي‏ مِنْ طَوارِقِ الْجانِّ وَ سَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيادَةِ وَ النُّقْصانِ، فَتَعالَيْتَ يا رَحِيمُ يا رَحْمانُ.))[6]

فكم هي العوامل التي هيئها ربّنا تعالى من أجل الانسان لأجل العيش وهو ذات الرب المتعال الذي يبدّل جيل بعد آخر:

 [وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْديلاً]

أي جئنا بآخرين أمثالهم بديلا عنهم، بإهلاكهم، أو بجعلهم الحاكمين، ولو تأمّل الانسان في ذلك ليس فقط يصل الى معرفة الآخرة بل ويعيش الآخرة قبل موته.


[1] سورة التكوير، الآية:24.

[2] سورة يوسف، الآية: 101.

[3] الإقبال بالأعمال الحسنة (ط – الحديثة)، ج‏1، ص: 256.

[4] الأمالي( للصدوق)، النص، ص: 93

[5] روضة الواعظين و بصيرة المتعظين (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 136

[6] الإقبال بالأعمال الحسنة (ط – الحديثة)، ج‏2، ص: 75

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثالث عشر)

“يحبّون العاجلة”

بسم الله الرحمن الرحيم

[إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقيلاً] (27)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

ما هو العامل الذي يجعل البشر يُفضّلون الدنيا على الآخرة، فتراهُم يُحبّون العاجلة؟ ولماذا تجد البعض على العكس من ذلك يتجاوز حدود الدنيا، فينظر الى العاقبة؟ وبالتالي كيف نُصبح نحن من الصنف الثاني؟

بين الحُر وعمر ابن سعد

لو تأمّلنا سنجد أنّ ذات العامل يجعل عاقبة الحر في أعلى علّيين حيث كان على يقين بالآخرة فقال: ((انى والله أخير نفسى بين الجنة والنار، فوالله لا اختار على الجنة شيئا، ولو قطعت وحرقت)).

بينما تجد عاقبة عمر ابن سعد في أسفل سافلين، حين انشد:

يقولون إن الله خالق جنة * ونار وتعذيب وغل يدين

فإن صدقوا مما يقولون إنني * أتوب إلى الرحمن من سنتين

 وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمة * وملك عقيم دائم الحجلين

 ولكنها الدنيا بخير معجل * وما عاقل باع الوجود بدين

أي انّه لم يكن على يقين من وجود الآخرة، وشكّه دفعه الى فعل تلك الجرائم.

ضعف البصيرة

الفرق الأوّل بين الصنف الأوّل والثاني أنّ الذي يؤمن بالآخرة بصيرته شفّافة فيكون بعيد المدى، ومن هنا على الانسان أن يجد في داخله تحوّلاً كبيراً من أجل تنمية البصيرة عنده.

وطريق ذلك اولاً التقريب بيننا وبين تلك الحقائق، بالحضور والاعتبار من الذين سبقونا بالرحيل عن الحياة، وترسيخ حقيقة الموت وأنّنا لاحقون بهم، وثمرة ذلك مضافاً الى امتلاك البصيرة وبُعدِ المدى، هو امتلاك الصبر على ابتلاءات الدنيا.

وهكذا علينا أن نجعل الايمان بالآخرة محور ثقافتنا، ولو تأمّلنا في خُطب نهج البلاغة سنصل الى ذلك المعنى بوضوح، أنّ امير المؤمنين عليه السلام في ايام خلافته كان يوجّه الناس الى الآخرة والعمل لأجلها، يقول عليه السلام في بعض خطبه: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ أَهْلَهَا بِوَدَاعٍ وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ آذَنَتْ‏ بِاطِّلَاعٍ أَلَا وَ إِنَّ الْمِضْمَارَ الْيَوْمَ وَ السِّبَاقَ غَداً أَلَا وَ إِنَ‏ السَّبَقَ‏ الْجَنَّةُ وَ الْغَايَةَ النَّارُ أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ‏ مَهَلٍ‏ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ يَحُثُّهُ عَجَلٌ فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَ لَمْ يَضُرَّهُ أَمَلُه.‏‏))[1]

ضعف هذا المحور في الثقافة الدينية يؤثّر بشكلٍ كبير على كافّة سلوكيات الانسان، وسرعان ما يسقط هؤلاء في امتحانات الحياة.

يقول ربّنا تعالى[إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقيلاً]

ومن الآية نفهم أنّ حبّ الدنيا هو الحجاب الذي يحول بين الإنسان و بين الإيمان بالآخرة، و أنّ الطريق لخرق هذا الحجاب هو حضور يوم القيامة العصيب في وعيه بتذكّر مواقفه الرهيبة و مشاهده الثقيلة.

فما دُمنا نواجه امامنا يوماً ثقيلاً، لابدّ أن نتجاوز صعوبات الحياة الدنيا، بينما من يجعل الايمان بالآخرة محور حركته في الحياة يسعد في الدارين.

بغير حساب

جاء في الرواية عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قَالَ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَ يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يُسْمِعُ آخِرَهُمْ كَمَا يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ، يَقُولُ: أَيْنَ أَهْلُ الصَّبْرِ فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ‏[2]، فَتَسْتَقْبِلُهُمْ زُمْرَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مَا كَانَ صَبْرُكُمْ هَذَا الَّذِي صَبَرْتُمْ فَيَقُولُونَ: صَبَّرْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَ صَبَّرْنَاهَا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ. قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: صَدَقَ عِبَادِي، خَلُّوا سَبِيلَهُمْ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

قَالَ: ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ آخَرُ، يُسْمِعُ آخِرَهُمْ كَمَا يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ، فَيَقُولُ: أَيْنَ أَهْلُ الْفَضْلِ. فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، فَتَسْتَقْبِلُهُمْ زُمْرَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَيَقُولُونَ: مَا فَضْلُكُمْ هَذَا الَّذِي نُودِيتُمْ بِهِ فَيَقُولُونَ: كُنَّا يُجْهَلُ عَلَيْنَا فِي الدُّنْيَا فَنَحْتَمِلُ وَ يُسَاءُ إِلَيْنَا فَنَعْفُو. قَالَ:

فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (تَعَالَى): صَدَقَ عِبَادِي، خَلُّوا سَبِيلَهُمْ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

قَالَ: ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ)، يُسْمِعُ آخِرَهُمْ كَمَا يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ، فَيَقُولُ: أَيْنَ جِيرَانُ اللَّهِ (جَلَّ جَلَالُهُ) فِي دَارِهِ فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، فَتَسْتَقْبِلُهُمْ زُمْرَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مَا ذَا كَانَ عَمَلُكُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَصِرْتُمْ بِهِ الْيَوْمَ جِيرَانَ اللَّهِ (تَعَالَى) فِي دَارِهِ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَتَحَابُّ فِي اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ). وَ نَتَبَاذَلُ فِي اللَّهِ، وَ نَتَوَازَرُ فِي اللَّهِ. فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: صَدَقَ عِبَادِي خَلُّوا سَبِيلَهُمْ لِيَنْطَلِقُوا إِلَى جِوَارِ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): فَهَؤُلَاءِ جِيرَانُ اللَّهِ فِي دَارِهِ، يَخَافُ النَّاسُ وَ لَا يَخَافُونَ، وَ يُحَاسَبُ النَّاسُ وَ لَا يُحَاسَبُونَ.))[3]


[1] الغارات (ط – القديمة)، ج‏2، ص: 436.

[2] ( 1) أي جماعة من الناس.

[3] الأمالي (للطوسي)، النص، ص: 103.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثاني عشر)

“وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (24) وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصيلاً] (25)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

مهما ارتفع البشر في درجات الايمان، الّا أنّه يبقى بحاجة ماسّة الى توفيق الباري تعالى له في امتحانات الحياة، فهو بحاجة الى التوكّل على الله سبحانه وتعالى، حتّى أنبياء الله العِظام تجدهم يستمدّون القوّة منه تعالى في كل آن، واللحظة التي يعتمد فيه البشر على نفسه هي لحظة سقوطه وخسارته.

ومن هنا تجد أنّ القرآن الكريم  ما إن يتحدّث عن الصبر والاستقامة، حتّى يتحدّث عن الذكر والتوكّل كما جاء في قوله تعالى: [فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ] الى قوله:[وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصيلاً]

ففي كلّ واقعة لربّنا تعالى حُكم، فلم يُخصّص ربّنا تعالى الحُكم لمكان دون آخر أو لواقعة دون أخرى بل إنّ أحكام الله شاملة ومن أجل تطبيق هذا الحُكم لابدّ من الصبر والاستقامة: [وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً] والخطاب وإن كان ظاهره للنبي صلّى الله عليه وآله، ولكنّه في الواقع لكلّ المسلمين، وطريق الاستقامة اذن هو الذكر.

بين الاستقامة والذكر

حينما يذكر الانسان ربّه ويتوّكل عليه فإنّه يتجاوز كلّ التحدّيات والصِعاب، فهو ينتصر حتّى وإن كانت المعادلات المادّية تقول خلاف ذلك، وخير دليلٍ على ذلك التاريخ الاسلامي، ففي معركة بدر مثلاً لم يكن المسلمين اكثر عدّة و تجهيزاً من الاعداء ولكنّهم بالتوكّل على الله انتصروا في فترة وجيزة وهكذا كلّ الحروب التي انتصروا فيها لم يكونوا اقوى من الناحية المادّية.

ربّنا سبحانه يقول: [فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ][1]

الى أن يقول: [وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ‏ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرينَ][2]

هذه الآيات تُلخّص سورة هود التي جاءت لبيان امثلة من استقامة الانبياء عليهم السلام، ففي الآية أمر بالاستقامة، و تحذير من الطغيان الناشئ من الانتصار، كما يقول ربّنا في سورة النصر [فَسَبِّحْ‏ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً][3]

 حيث إنّ آفة الطغيان بعد نزول النعمة من اكبر مشاكل البشر، بعد ذلك يؤكّد ربّنا تعالى مرّة أخرى أنّ طريق الوصول الى الاستقامة هو الذكر المُتمثّل بالصلاة حيث يقول ربّنا تعالى: [وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ‏ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ]

وهذه الصلوات تذهب بالسيئات، وسوف تعيد إليك إيمانك المفقود و تذهب بالآثار السلبية الباقية في‏ قلبك‏.

وفي سورة الاسراء بيان وتأكيد لتلك الحقيقة أيضاً في قوله سبحانه وتعالى: [وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ‏ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَ إِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَليلاً][4]

 الى قوله سبحانه وتعالى: [أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ‏ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً][5]

الإنسان الذي يحمل الرسالة لا بد ان يضع في اعتباره انه سوف يتعرض للضغوط الاجتماعية، و المادية، و من ضمن هذه الضغوط (الإخراج و التهجير و المقاطعة الاجتماعية و الإيذاء)، لعل الآية تشير الى سنة إلهية، قضاها الرب لعباده: ان رسل اللّه، و الذين هم يسيرون على نهجهم، أوتاد الأرض، فمن دونهم تسيخ بأهلها، بهم يحفظ اللّه العصاة ان يدمرهم شر تدمير، فاذا طغى الناس و اخرجوا هؤلاء من بلادهم فان العذاب يصبّ عليهم صبا.

 ثم يأتي الأمر بالصلاة لدلوك الشمس اي زوالها، وهي أهمّ الصلوات، [إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ]‏ غسق- دلجة- ظلمة- بمعنى واحد و هو شدة الظلام، و شموله، و لعله يتم عند منتصف الليل.

[وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً]

 قرآن الفجر هو صلاة الصبح، و صلاة الصبح مشهودة من قبل ملائكة الليل و ملائكة النهار، وهكذا في الآيات بيانٌ لأوقات الصلاة.

ومن يستعين بالصلاة والذكر فإنّ ربّنا تعالى يؤيده ويُبّت اقدامه، يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ الَّذينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ‏ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتي‏ كُنْتُمْ تُوعَدُونَ][6]

ممّا يدلّ على استمرارية التأييد من الرب سبحانه وتعالى لعبده المؤمن.

في هذه الآية من سورة الانسان ربّنا يقول: [وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصيلاً]

أغلب البشر يجهلون عظمة  الصلاة الذكر ولو أنّهم لم يكونوا كذلك كانوا يعشقون الصلاة ولأصبحوا مصداقاً للحديث الشريف القائل: [لَوْ عَلِمَ‏ الْمُصَلِّي‏ مَا يَغْشَاهُ مِنْ الرَّحْمَةِ لَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ.][7]

الصلاة صِلة مع الله الذي يخضع له من في السماوات والأرض، والانسان المؤمن يستمدّ عزيمته منها.


[1] سورة هود، الآية : 112.

[2] سورة هود، الآية : 114.

[3] سورة النصر، الآية: 3.

[4] سورة الاسراء، الآية: 76.

[5] سورة الاسراء، الآية: 78.

[6] سورة فصّلت، الآية:30.

[7] عيون الحكم و المواعظ (لليثي)، ص: 417

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الحادي عشر)

“نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزيلاً (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً](24)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

بالرغم من أنّ معارف البشر متشعبّه ومتنوّعة، الّا أنّ جذر كلّ المعارف مرتبط بأصول عقلية وفطرية عند الإنسان؛ وكلّما كانت تلك الأصول أكثر وضوحاً كان الوصول الى المعارف أسهل والاستفادة منها بشكل صحيح، وبالعكس كلّما كانت تلك الأصول غير واضحة كان الوصول الى العلم أصعب.

ولو تأمّلنا سنجد أنّ من أهداف الآيات القرآنية هو ايصالنا الى تلك الأصول (الحِكمة)، وهو الذي كان عليه أصحاب النبي (ص) المُخلصين الذين كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء، وحوو علوماً شتّى لأنّهم كانوا حُكماء.

وهكذا تُحدّد الحِكمة الهدف من العلم، وهذه هي مشكلة البشر حيث يهتمّ بتهيئة الوسائل ويضيع الهدف، ذلك الهدف الذي لابدّ أن يُحدّد اتجاه المسير، وكيفية الاستفادة من العلم، فنجد فلاسفة البشر ضاعوا بالبحث عن القيم التي تُنظّم سلوك المجتمعات، كلّ ذلك لأنّ البشر فقد الحِكمة، والقرآن الكريم هو كتاب الحِكمة الذي يُبيّن للبشر أهداف وجوده في الحياة.

كيف نأنس مع القرآن؟

لكنّ السؤال المهم هو في كيفية الاستفادة من القرآن والأنس مع آياته المباركات؟

آيات عديدة في القرآن الكريم تتعرّض الى الإجابة عن هذا التساؤل نختار اربع منها ثم نعود للآية الكريمة من سورة الإنسان.

الآية الاولى: قوله سبحانه وتعالى: [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها][1]

تدلّ الآية المُباركة أنّ طريق الاستفادة من آيات القرآن الكريم هو التخلّص من أقفال القلب، من الإعراض عن القرآن والخوف من تحمّل مسؤولية مضامين الآيات المباركات، الى التخلّص من المسبقات الفكرية التي تكون حاجزاً من الاستفادة من آيات الذكر الحكيم،

أرأيت من يذهب الى العين الصافية لكنّه يحمل معه مياه ملوّثة ليشرب منها! هذا حال الكثير من الناس الذين يبحثون في القرآن ما يوافق آراءهم الفكرية، لا أن يجعل القرآن منطلقاً للمعرفة.

الآية الثانية: قوله سبحانه وتعالى: [أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ‏ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلينَ][2]

التدبر من كلمة الدبر، أي النهاية فمن القرآن يبدأ المؤمن فيسير بعقله، و على ضوء الآية، الى الحقائق، فيرى ماذا تريد الآية و أين هو واقعها الخارجي، و تطبيقها الحي، وهذا هو التعامل المطلوب مع الآيات الكريمة.

الآية الثالثة: قوله سبحانه وتعالى: [كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ‏ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ][3]

القرآن مبارك ومن تجلّيات ذلك أنّ الانسان لو صرف عمره في التدبّر فيه سيجد المزيد من المعارف لأنّه يتجدّد، وكلمة [مُبارَكٌ] يعني أيضاً أنّه يتشعّب الى سائر العلوم والمعارف.

[وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ]

  فليس الغاية من القرآن هو الوصول الى معلومات جديدة فقط، بل أنّ القرآن الكريم لابدّ أن يؤثّر في القلب وبالتالي في سلوك الانسان، ومن هنا نجد أنّ القرآن الكريم في وصف العلماء يقول: [ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ][4]

واستخدامه كلمة [الذكر] بدل العلم للتدليل على أنّ الاتباع لابدّ أن يكون للعلماء الربّانيين.

الآية الرابعة: قوله سبحانه وتعالى: [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلافاً كَثيراً][5]

يستحيل أن تجد كتاباً جامعاً لدستور الحياة بكلّ أبعادها، ثم يكون بهذا الانسجام و الدقة و التناغم، و هكذا تجد القرآن يُصدّق بعضه بعضاً، وربّما تجد تبيين كلمة في اوّل القرآن في آخره.

يقول ربّنا تعالى في سورة الانسان: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزيلاً]

في الآية ثلاث تأكيدات من إنّ وتكرار ضمير المتكلم مع الغير والإتيان بالمفعول المطلق كلّ ذلك للتأكيد.

[نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزيلاً]

أي منجّما و ليس دفعة واحدة، و ذلك يتماشى مع هدف القرآن، ويجعل البشر قريباً لإدراك الحقائق.

[فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً]

في سبيل تطبيق القرآن الكريم لابدّ من تجنّب التأثير الذي يأتي من أصناف مختلفة من الناس:

الصنف الأول: هم الفسّاق الذين يتعارض تطبيق الدين مع اهواءهم.

الصنف الثاني: حين يتحوّل ذلك الى تيّار في المجتمع له دوافع سياسية، ويخطّطون من أجل الصد عن سبيل الله وعن تطبيق آيات الذكر الحكيم وحملته من المعصومين و من تبعهم من العلماء الربّانيين.

خطّ المنافقين في الأمّة يُشكّلون ضغطاً كبيراً لتحريف الآيات وفقاً لمصالحهم وأهواءهم.

الصنف الثالث: وهم الكفّار الذين يعادون الحق بصورة صريحة وواضحة.

وهكذا نجد القيادات الربّانية كانت دائماً تتبّع الآيات القرآنية ولا ترضخ للضغوط الداخلية والخارجية، أو الحكومات السياسية الطاغوتية وتاريخنا حافل بامثلة كثيرة من تلك البطولات.


[1] سورة محمد، الآية: 24.

[2] سورة المؤمنون، الآية: 68.

[3] سورة ص، الآية: 29.

[4] سورة النحل، الآية:43.

[5] سورة النساء، الآية 82.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (السابع)

“لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَوَقاهُمُ‏ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً](11)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

ماذا يوجد في الجنان من النعيم؟ حتّى أنّك تجد عباد الله المخلصون يزهدون عن كلّ ما في الدنيا لنيلها، والخلود فيها، وهكذا تجد الشوق الى الجنّة عُدّ من دعائم الصبر الذي هو أصل الإيمان، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ((فمن اشتاق‏ الى‏ الجنّة سلا عن الشّهوات))[1].  إنّهم عرفوا حقيقة الدنيا وزوالها، وأنّ الدار الآخرة هي الحيوان، فتراهم يصبرون أياماً قليلة لتعقبها راحة أبدية.

النبي عيسى عليه السلام والغلام

مرّ النبي عيسى عليه السلام على قرية، ونقل غلاماً من حياة عادّية الى أفضل حياة حيث زوّجه بابنة الملك، و لَمْ يَكُنْ لِلْمَلَكِ وَلَدٌ غَيْرُ هَذِهِ الِابْنَةِ فَجَعَلَهُ الْمَلِكُ وَلِيَّ عَهْدِهِ وَ وَارِثَ مِلْكِهِ وَ أَمَرَ خَوَاصَّهُ وَ أَعْيَانَ مَمْلَكَتِهِ بِبَيْعَتِهِ وَ طَاعَتِهِ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ مَاتَ الْمَلِكُ فَأَجْلَسُوا الْغُلَامَ عَلَى سَرِيرِ الْمَلِكِ وَ أَطَاعُوهُ وَ سَلَّمُوا إِلَيْهِ خَزَائِنَهُ فَأَتَاهُ عِيسَى عليه السلام فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لِيُوَدِّعَهُ فَقَالَ الْغُلَامُ أَيُّهَا الْحَكِيمُ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ حُقُوقاً لَا أَقُومُ بِشُكْرِ وَاحِدٍ مِنْهَا وَ لَكِنْ عَرَضَ فِي قَلْبِي الْبَارِحَةَ أَمْرٌ لَوْ لَمْ تُجِبْنِي عَنْهُ لَمْ أَنْتَفِعْ بِشَيْ‏ءٍ مِمَّا حَصَّلْتَهَا لِي فَقَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ الْغُلَامُ إِنَّكَ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ تَنْقُلَنِي مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ الْخَسِيسَةِ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ فِي يَوْمَيْنِ فَلِمَ لَا تَفْعَلُ هَذَا لِنَفْسِكَ وَ أَرَاكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَمَّا أَحْفَى فِي السُّؤَالِ قَالَ لَهُ عِيسَى:

إِنَّ الْعَالِمَ بِاللَّهِ وَ بِدَارِ ثَوَابِهِ وَ كَرَامَتِهِ وَ الْبَصِيرَ بِفِنَاءِ الدُّنْيَا وَ خِسَّتِهَا لَا يَرْغَبُ إِلَى هَذَا الْمُلْكِ الزَّائِلِ وَ إِنَّ لَنَا فِي قُرْبِهِ تَعَالَى وَ مَعْرِفَتِهِ وَ مَحَبَّتِهِ لَذَّاتٍ رُوحَانِيَّةً لَا تُعَدُّ تِلْكَ اللَّذَّاتُ الْفَانِيَةُ عِنْدَهَا شَيْئاً فَلَمَّا أَخْبَرَ بِعُيُوبِ الدُّنْيَا وَ آفَاتِهَا وَ نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَ دَرَجَاتِهَا قَالَ الْغُلَامُ فَلِي عَلَيْكَ حُجَّةٌ أُخْرَى لِمَ اخْتَرْتَ لِنَفْسِكَ مَا هُوَ أَوْلَى وَ أَحْرَى وَ أَوْقَعْتَنِي فِي هَذِهِ الْبَلِيَّةِ الْكُبْرَى فَقَالَ عِيسَى ع إِنَّمَا اخْتَرْتُ لَكَ ذَلِكَ لِأَمْتَحِنَكَ فِي عَقْلِكَ وَ ذَكَائِكَ وَ لِيَكُونَ لَكَ الثَّوَابُ فِي تَرْكِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُيَسَّرَةِ لَكَ أَكْثَرَ وَ أَوْفَى وَ تَكُونَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِكَ فَتَرَكَ الْغُلَامُ الْمُلْكَ وَ لَبِسَ أَثْوَابَهُ الْبَالِيَةَ وَ تَبِعَ عِيسَى عليه السلام.

ثلاثة أبعاد هامّة تجعل المؤمن يرغب في الآخرة ويزهد عن الدنيا.

اولاً: النجاة من النار، حيث يجد المؤمن نفسه في بحبوحة الرحمة الالهية بينما يُعّذب غيره في النار، إنّ تلك نعمة عظيمة يرغب بها المؤمن، يقول تعالى:

[فمَنْ زُحْزِحَ‏ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُور][2]

  ويقول تعالى: [وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ][3]

الدعاء بالخلاص من النار بعد طلب الحسنة في الآخرة يعني أهميّة تلك النعمة الالهية، لأنّه قد يُعذّب الانسان في النار آلاف السنوات ثم يدخل الجنة، ومن هنا نقرء في دعاء الامام الحسين عليه السلام في عرفة، ((اللّهمّ حاجتى الّتى ان‏ اعطيتنيها لم يضرّنى ما منعتنى و ان منعتنيها لم ينفعنى ما اعطيتنى أسألك فكاك رقبتى من النّار.))

ثانياً: الترحيب الذي يُستقبل به أهل الجنة كما يقول ربّنا تعالى: [وَ سيقَ الَّذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ‏ فَادْخُلُوها خالِدينَ][4]

ويقول تعالى: [إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ‏ مَشْكُوراً][5]

ثالثاً: هو أنّهم يُسقون من شرابٍ طهور، يُطهّر قلوبهم من الأمراض والأدران، ويضاعف قوتهم الجسدية أضعافاً مضاعفة يقول ربّنا تعالى: [وَ سَقاهُمْ‏ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً][6]

فهو يطهّر كلّ الأمراض الظاهرية والباطنية، ونحن علينا أن نُقرّب أنفسنا من صفات أهل الجنّة وذلك من خلال تزكية أنفسنا، من الأغلال والأحقاد والحسد والكبر، حينذاك سنعيش الجنّة ونحن في الدنيا، ونكون من أهل الجنّة في الآخرة أيضاً.


[1] الغارات (ط – الحديثة)، ج‏1، ص: 136.

[2] سورة آل عمران، الآية185.

[3] سورة البقرة، الآية: 201.

[4] سورة الزمر، الآية 73.

[5] سورة الإنسان، الآية 22.

[6] سورة الإنسان، الآية21.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (السادس)

“يُطْعِمُونَ‏ الطَّعامَ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَ يُطْعِمُونَ‏ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكيناً وَ يَتيماً وَ أَسيراً] (8)

صدق الله العلي العظيم

من الحديث

عن ابن عبّاس قال: ((مرض الحسن و الحسين فعادهما جدّهما و وجوه العرب، و قالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا؟ فنذر صوم ثلاثة أيّام إن شفاهما اللّه سبحانه، و نذرت فاطمة (عليها السلام) و كذلك فضة، فبرءا و ليس عندهم شي‏ء، فاستقرض علي- عليه السلام- ثلاثة أصوع من شعير من يهودي، و روي: أنّه أخذها ليغزل له صوفا، و جاء به إلى فاطمة فطحنت صاعا منها فاختبزته و صلّى علي (ع) المغرب و قرّبته إليهم فأتاهم مسكين يدعوهم و سألهم فأعطوه و لم يذوقوا إلّا الماء، فلمّا كان اليوم الثاني أخذت صاعا و طحنته و اختبزته و قدّمته إلى علي (ع) فإذا يتيم بالباب يستطعم فأعطوه و لم يذوقوا إلّا الماء، فلما كان اليوم الثالث عمدت الباقي فطحنته و اختبزته و قدّمته إلى علي (ع) فإذا أسير بالباب يستطعم فأعطوه و لم يذوقوا إلّا الماء، فلمّا كان اليوم الرابع و قد قضوا

نذورهم أتى علي و معه الحسن و الحسين- عليهم السلام- إلى النبي- صلّى اللّه عليه و آله- و بهما ضعف فبكى رسول اللّه (ص) و نزل جبرئيل بسورة:[هل أتى]))[1].

تفصيل القول

دين الرب سبحانه وتعالى كما كلّ مخلوقاته كامل، فهو شاملٌ لأبعاد الحياة المُختلفة، ابتداءاً من العقائد، والى الأخلاق والآداب، والتشريعات، والنظام السياسي و..الخ، ومن الأبعاد الهامّة التي جاء بها الاسلام هو البُعد الإجتماعي، ولو بحثنا في الواجبات الدينية سنجد أنّ ما لا يقل عن 60% من الواجبات مرتبطة بالبُعدِ الإجتماعي،والتي يلخّصها حديث النبي صلّى الله عليه وآله حين قال: ((كُلُّكُمْ‏ رَاعٍ‏ وَ كُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.))[2]

ونحن بمناسبة الحديث عن الإطعام للطبقات المستضعفة، والموقف الذي خلّده القرآن الكريم ليكون لنا عبرة وبرنامج عمل، بمناسبة ذلك نتحدّث عن بعض الواجبات الاجتماعية التي اكّد عليها القرآن الكريم.

المسؤولية الأولى: التواصي.

الواجب الأوّل هو التواصي الذي يكون بين المؤمنين على اختلاف اعمارهم و مكانتهم، بلا فرق بين صغير وكبير وحاكمٍ ومحكوم، فعلى الجميع العمل بالتواصي، في سورة العصر حيث يُبيّن ربّنا تعالى طريق النجاة من الخُسر الذي يشمل كلّ انسان يقول ربّنا: [إِلاَّ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ][3]

وهو يشمل ارشاد الجاهل والدعوة الى الله، كما ويشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، كلّ ذلك لأنّ الانسان قد تخور عزيمته في مواجهة هوى نفسه ووساوس الشيطان الرجيم، ويأتي التواصي ليجبر هذا النقص، يقول ربّنا تعالى: [ادْعُ‏ إِلى‏ سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ][4]

فالحِكمة تعني درك الزمان، وهكذا الموعظة الحسنة التي تعني اختيار الأسلوب الصحيح لأجل تحقيق الهدف من التواصي وهو جبران النقص الارادة في الروح.

 المسؤولية الثانية: التشاور

يقول ربّنا تعالى: [وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ بَيْنَهُمْ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ][5]

لأنّ ربّنا تعالى أعطى لكلّ شخص نسبة من العقل، فهو ينظر الى الحقائق من زاوية مُعيّنة وهكذا يأتي التشاور وجمع عقول الناس قوّة عقلية، يقول النبي (ص): ((أعلم الناس من جمع‏ علم‏ الناس‏ الى‏ علمه .))[6]

وهكذا على الانسان أن يجعل من التشاور برنامجاً لحياته، سواءاً على صعيد الأسرة والتشاور مع الزوجة والأولاد، أو على صعيد عموم المجتمع.

المسؤولية الثالثة: التعاون.

في عالم اليوم نجد تشاور آلاف العلماء من أجل تحقيق انجاز علمي مُعيّن، وهذه سُنّة الحياة وُضعت بحيث تقدّم البشر مُرتبط بالتعاون فيما بينهم، ونتيجته القوّة في العمل، وفي اطار المجتمع الاسلامي لابدّ من تنمية روح التعاون بين ابناءه كما يقول الرب المُتعال:

[وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوان‏][7]

المسؤولية الرابعة: الإحسان

لأنّ في المجتمع طبقات مُستضعفة لابدّ من الإحسان اليها، ومن دون العمل بهذه المسؤولية لا تكتمل المسؤوليات الإجتماعية.

الإحسان والبذل الاقتصادي ليس هامشياً في الدين بل هو من صلب الدين الإسلامي، ولعلّ المصداق الأوضح له هو (الإطعام) وطالما أكّد الدين الحنيف عليه إن من خلال الكفّارات التي جُعلت اطعام للمساكين، أو الحث عليه وتشجيع ابناء المجتمع على اطعام الطعام، لماذا؟ لأنّ أوّل حق للبشر على بني جنسه أن لا يبقى جاعاً وقد قال النبي صلّى الله عليه وآله: (( لِكُلِ‏ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ.))[8] حيث أنّه يشمل حتّى غير الإنسان فكيف بالبشر.

يقول ربّنا تعالى: [وَ يُطْعِمُونَ‏ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكيناً وَ يَتيماً وَ أَسيراً]

اولئك الأبرار الذين يشربون من كأسٍ كان مزاجها كافوراً، وينعمون في النعيم الأبدي في الجنّة، كان حياتهم العطاء و الإحسان، وعلينا أن نقتدي بفعالهم أيضاً للحوق بهم.

ولابدّ من البحث عن الطبقات المحرومة لأجل الإطعام من المساكين، الى الأيتام الذين لابدّ من توفير الحنان والرعاية لهم مع توفير الطعام، كما ويهتمّ الاسلام بالأسير الذي ليس بمسلم، وهذه الرؤية الشمولية التي نتعلّمها من كتاب الله في الإحسان الى الطباقت المستضعفة.


[1] ( 1) مجمع البيان/ ج 10 ص 405 بنقل صاحب نور الثقلين.

[2] بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏72، ص: 38.

[3] سورة العصر، الآية: 3.

[4] سورة النحل، الآية: 125.

[5] سورة الشورى، الآية .38.

[6] الحياة / ترجمه احمد آرام، ج‏1، ص: 66

[7] سورة المائدة، الآية : 2.

[8] جامع الأخبار(للشعيري)، ص: 139.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثاني)


“مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏”

بسم الله الرحمن الرحيم

[هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً(1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ نَبْتَليهِ فَجَعَلْناهُ سَميعاً بَصيراً (2)]

صدق الله العلي العظيم

من الحديث

عن زرارة قال‏ سألت أبا جعفر (الإمام الباقر)- عليه السلام- عن قوله: «الآية» فقال: «كان شيئا و لم يكن مذكوراً»[1]

تفصيل القول

وجدان الانسان مستودع المعارف، حيث أنّ كلّ الحقائق التي يُسئل عنها الانسان يوم القيامة موجودة في داخله، ولكن بصورة مُجملة، وبالايمان والعلم تتحوّل الحقائق الى تفصيل.

فنعلم بوجداننا أنّنا لم نكن شيئاً، أو لم نكن مذكورين، حيث كُنّا في علم الله وفي العوالم التي سبق هذا العالم، ونعلم بوجداننا أيضاً أنّ هناك خالقاً حوّلنا من عالم الى عالم وجاء بنا الى هذه الحياة، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، تلك النعم التي ليس فقط لا نستطيع شكرها، بل ولا نستطيع ادراكها وعدّها، اقول: الآن وبعد التحوّل الذي حدث لنا، وقد أصبح الانسان شيئاً مذكوراً، لابدّ من التساؤل عن الهدف من الوجود، خصوصاً وأنّنا نعلم حكمته تعالى وتقديره، فلابدّ من البحث عن الحِكمة والهدف من الوجود؟

الآية الثانية من السورة تُجيب عن ذلك بقوله تعالى:

[إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ نَبْتَليهِ]

فالهدف هو الابتلاء والامتحان، ولكن قبل أن نخوض في تفصيل ذلك نتساءل عن مع قوله: [نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏] ليكون مدخلاً للحديث عن الابتلاء.

معنى الأمشاج كما في اللغة هو الاختلاط الذي لا يمكن فصله، فهو يعني أولاً: اختلاط ماء الرجل بالمرأة كما جاء في الحديث عن الإمام الباقر (ع): «ماء الرجل و المرأة اختلطا جميعا»[2]

ثانياً: معنى الآية هو امتزاج النور حيث نفخ الرب سبحانه وتعالى من روحه في الانسان والنار حيث الطين الذي خُلق منه، ويمكن التدليل على هذا المعنى مضافاً للروايات الواردة في بيان ذلك الى العلاقة بين كلمة [أَمْشاجٍ‏] [نَبْتَليهِ] حيث أن مقتضى الابتلاء هو الثنائية في خلقة الانسان بين البُعد الالهي والبُعد الدوني المرتبط بطبيعة البشر.

الابتلاء هدف الحياة

اذن جوهر الحياة الذي يعيه الانسان بوجدانه هو الابتلاء ، ومقتضاه تعدد الاختيارات ممّا يعطي للانسان حق الانتحاب، ذلك الحق الذي اعطاه الرب بنسبة أو بأخرى لكلّ المخلوقات كما قال تعالى: [ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعينَ‏] (11)

 لكن الاختيار بمقدار كبير جُعل للانسان و نتيجة ذلك أن مسؤوليته أيضاً تتعاظم وبالتالي جزاؤه ايضاً عظيم للمطيعين وعقابه شديد للعاصين.


[1] نور الثقلين، ج 5 ص 468.

[2] نور الثقلين، ج 5 ص 469.

تفسير سورة المعارج المباركة _الدرس الثالث

العنوان :على الانسان ان يعايش المستقبل

كربلاء المقدسه _يوم الاحد2019/02/24 م الموافق18/جمادى الاخر /1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)

تفسير سورة المعارج المباركة _الدرس الثاني

العنوان :الجهل يغر ابن ادم ويهوي به الى الهلاك

كربلاء المقدسه _يوم السبت 2019/02/23 م الموافق17/جمادى الاخر /1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)

تفسير سورة الحاقة المباركة _الدرس التاسع

العنوان: ماهي الوسيلة المتاحة للانسان بعلم الغيب

كربلاء المقدسه _يوم الاحد2019/02/17 م الموافق11/جمادى الاخر /1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)

تفسير سورة الحاقة المباركة _الدرس السابع

العنوان :رحمة وحلم الرب لعباده

كربلاء المقدسه _يوم الاربعاء 2019/02/13 م الموافق07/جمادى الاخر /1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)

تفسير سورة القلم المباركة _الدرس الثاني عشر

العنوان:التسلم المطلق لله

كربلاء المقدسه _يوم السبت 2019/01/20م الموافق13/جمادى الاول /1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)

تفسير سورة القلم المباركة _الدرس السابع

العنوان :ماهي العلاقة بين التسبيح بااهل الجنة

كربلاء المقدسه _يوم الاحد 2019/01/13م الموافق06/جمادى الاول /1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)

تفسير سورة الملك المباركة _الدرس الرابع عشر

العنوان :الايمان تحول نوعي للوصول الى الايمان السامي

كربلاء المقدسه _يوم الاحد 2018/12/30م الموافق22/ربيع 2 /1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)