تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (السابع)

“فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَإِذا قَرَأْناهُ‏ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ(18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏] (19)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

ورد في مقطع من المناجاة الشعبانية قول الامام عليه السلام: ((إِلَهِي إِنَّ مَنِ انْتَهَجَ بِكَ‏ لَمُسْتَنِيرٌ))[1]

فمن ينتهج المنهج الربّاني، يستنير بهُدى الوحي، ومن هنا علينا أن نسعى لكي نجعل القرآن منطلقاً للتبصّر الحقائق، ومعرفة الذات.

وكما جاء في الحديث الشريف عن الامام الباقر عليه السلام قال: ((اعْرِضْ‏ نَفْسَكَ‏ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كُنْتَ سَالِكاً سَبِيلَهُ زَاهِداً فِي تَزْهِيدِهِ رَاغِباً فِي تَرْغِيبِهِ خَائِفاً مِنْ تَخْوِيفِهِ فَاثْبُتْ وَ أَبْشِرْ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ مَا قِيلَ فِيكَ وَ إِنْ كُنْتَ مُبَايِناً لِلْقُرْآنِ فَمَا ذَا الَّذِي يَغُرُّكَ مِنْ نَفْسِكَ))[2]

وهكذا لكلّ شيء ميزان، وميزانُ معرفة الحقائق القرآن الكريم، ابتداءاً من أهمّ المعارف وهي معرفة الرب سبحانه وتعالى، حيث تجلّى الرب سبحانه وتعالى لعباده في كتابه، والى اسماء الله سبحانه وتعالى التي تكون طريقاً لمعرفته.

وطريق ذلك أن نتدّبر في الاسماء الحسنى ونطبّقها في واقعنا في معرفة الواقع، ومن ثمّ معرفة سُنن الرب المُتعال.

فربّنا تعالى خلق السماوات والأرض بالحق، وكما في خلقة الكون كذلك في الامم أجرى ربّنا سُنناً وجعل للبشر القدرة على فهم تلك الحقائق.

وسيعلم الذين ظلموا

من سُنن الرب تعالى الجارية في خلقه هي قوله سبحانه وتعالى: [وَ سَيَعْلَمُ‏ الَّذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ][3]

وللنظر الى التاريخ وِفق هذه السُنّة لنجد التطبيقات الكثيرة لها في الواقع.

أو قوله سبحانه وتعالى: [ وَلَيَنْصُرَنَ‏ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ][4]

كما في معرفة التاريخ لابدّ أن نأخذ هذه السُنّة مشعلاً لمعرفة الحقائق في المستقبل.

أو قوله سبحانه وتعالى: [ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏][5]

هذه  السُنن ثابة وجارية في الكون، لو طبّقناها على واقعنا، فإنّنا بذلك سنفهم الواقع اولاً ونصل الى ما فيه كمال وسعادة المجتمع ايضاً.


[1] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏2، ص: 678.

[2] تحف العقول، النص، ص: 284.

[3] سورة الشعراء، الآية 227.

[4] سورة الروم، الآية 40.

[5] سورة الرعد، الآية 11.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثامن)

“جَزاهُمْ‏ بِما صَبَرُوا”

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَجَزاهُمْ‏ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَريراً (12) مُتَّكِئينَ‏ فيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فيها شَمْساً وَ لا زَمْهَريراً] (13)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

السور الثلاث الأخيرة من الجزء التاسع والعشرون، تتكامل فيما بينها، فبينما تتحدّث سورة القيامة عن احداث ذلك اليوم العظيم، نجد أنّ سورة الدهر تتحدّث عن الجنّة ونعيمها غالباً، وسورة المرسلات تتحدّث غالباً عن العذاب.

وفي اطار الحديث عن النِعم في الجنة يُحدّثنا ربّنا تعالى عن جزاء المؤمنين، ورحمته تعالى التي هي أساس النعم في الجنّة، وكما أنّ رحمة الرب المُتعال غير متناهية كذلك نعمه في الجنّة لا تنتهي، حيث يزداد المؤمن نعماً من ربّه باستمرار، ويبقى خالداً في النعيم، ولكن لا بمعنى استقلاله في الوجود، فهو يبقى مخلوقاً مُحتاجاً الى الخالق تعالى الغني بالذات.

شوّقني يابن رسول الله

يأتي ابو بصير الى الامام الصادق عليه السلام فيقول له جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ شَوِّقْنِي..

كما مرّ أنّ الشوق يرتبط بالصبر الذي هو من دعائم الايمان، و طلب ابو بصير وهو في تلك المرتبة الجليلة يطلب من الامام أن يشوّقه يدلّ على أنّ من مسؤولية الانسان المؤمن إذا وجد في نفسه ضعف أمام التحدّيات والضغوطات، أو خارت عزيمته بسببٍ أو بآخر أن يعالج سبب ذلك بالشوق أو الشفق أو باستذكار النعم الالهية عليه أو ما أشبه.

قال الامام عليه السلام لأبي بصير:

 ((يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ الْجَنَّةَ تُوجَدُ رِيحُهَا مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ‏.

 وَ إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا لَوْ نَزَلَ بِهِ الثَّقَلَانِ الْجِنُّ وَ الْإِنْسُ لَوَسِعَهُمْ طَعَاماً وَ شَرَاباً وَ لَا يَنْقُصُ مِمَّا عِنْدَهُ شَيْ‏ءٌ وَ إِنَّ أَيْسَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَيُرْفَعُ لَهُ ثَلَاثُ حَدَائِقَ فَإِذَا دَخَلَ أَدْنَاهُنَّ رَأَى فِيهَا مِنَ الْأَزْوَاجِ وَ الْخَدَمِ وَ الْأَنْهَارِ وَ الثِّمَارِ مَا شَاءَ اللَّهُ‏ فَإِذَا شَكَرَ اللَّهَ وَ حَمِدَهُ قِيلَ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ إِلَى الْحَدِيقَةِ الثَّانِيَةِ فَفِيهَا مَا لَيْسَ فِي الْأُولَى فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَعْطِنِي هَذِهِ فَيَقُولُ لَعَلِّي‏.. إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا فَيَقُولُ رَبِّ هَذِهِ هَذِهِ فَإِذَا هُوَ دَخَلَهَا وَ عَظُمَتْ‏ مَسَرَّتُهُ شَكَرَ اللَّهَ وَ حَمِدَهُ.

 قَالَ: فَيُقَالُ افْتَحُوا لَهُ بَابَ الْجَنَّةِ وَ يُقَالُ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَإِذَا قَدْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الْخُلْدِ وَ يَرَى أَضْعَافَ مَا كَانَ فِيمَا قَبْلُ فَيَقُولُ عِنْدَ تَضَاعُفِ مَسَرَّاتِهِ رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ الَّذِي لَا يُحْصَى إِذْ مَنَنْتَ عَلَيَّ بِالْجِنَانِ وَ أَنْجَيْتَنِي مِنَ النِّيرَانِ فَيَقُولُ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ وَ أَنْجِنِي مِنَ النَّارِ.

 قَالَ أَبُو بَصِيرٍ فَبَكَيْتُ، وَ قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ زِدْنِي..

 قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهَراً فِي حَافَتَيْهَا جَوَارٍ نَابِتَاتٌ إِذَا مَرَّ الْمُؤْمِنُ بِجَارِيَةٍ أَعْجَبَتْهُ قَلَعَهَا وَ أَنْبَتَ اللَّهُ مَكَانَهَا أُخْرَى..[1]

يقول ربّنا تعالى: [وَجَزاهُمْ‏ بِما صَبَرُوا]

الصبر من الايمان بمثابة الرأس من الجسد، وهو يعني الغاء حاجز الزمان بين الفعل والجزاء، وبالتالي يعيش الانسان الصابر الجنّة ونعيمها ويكون ذلك داعياً لفعل الطاعة واجتناب المعصية ويكون جزاؤهم [جَنَّةً وَ حَريراً]

و لعلّ في الآية إشارة إلى أنّ إخلاص الإنسان في عمله، و خروجه من حبّ‏ الذات (حبّ التظاهر و الإطراء) عند الإنفاق بالذات، بحاجة إلى إرادة عالية و صبر عظيم يقاوم بهما تحدّيات النفس و الشيطان.

[مُتَّكِئينَ‏ فيها عَلَى الْأَرائِكِ]

جمع أريكة، و هي الأسرّة المحشوّة على أفضل وجه، ويتكئ الانسان بعد أن يفرغ من عمله، وهكذا أهل الجنّة ينعمون بما عملو في الدنيا.

[لا يَرَوْنَ فيها شَمْساً وَ لا زَمْهَريراً]

 و الشمس كناية عن الحرّ، أمّا الزمهرير فهو البرد الشديد.


[1] بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏8، ص: 121

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثالث)

شاكِراً أو كَفُوراً

بسم الله الرحمن الرحيم

[إِنَّا هَدَيْناهُ‏ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً] (3)

صدق الله العلي العظيم

من الحديث

قال أمير المؤمنين عليه السلام: ((ألنّعمة موصولة بالشّكر و الشّكر موصول بالمزيد و هما مقرونان في قرن فلن ينقطع المزيد من اللّه تعالى حتّى ينقطع الشّكر من الشّاكر.))[1]

تفصيل القول

من طبيعة كلّ انسان وجود النور والظلام في داخله، فمن جهة الجانب النوراني الذي منّ ربّنا تعالى به على الانسان، ومن جهة أخرى الجانب الظلماني الذي هو مقتضى خلقته وطبيعته، لكن ربّنا تعالى أعطى للانسان فرصة الاختيار لكي يتحوّل ويخرج من الظلمات الى النور، لكنّ هذا التحوّل ليس ظاهرياً فحسب وإنّما تحوّل ماهوي مرتبط بجوهر الانسان.

وكما لا يمكن ادراك الفاصلة بين الجنّة والنار، لا يمكن ادراك الفوارق بين من يغلّب جانب النور في داخله على الظلام والعكس.

ومن الصفات المهمة التي لابدّ من تغييرها في جوهر الانسان هو الانتقال من كفران النعم الى شكرها، يقول ربّنا تعالى: [إِنَّا هَدَيْناهُ‏ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً]

لكن ما هو الشكر؟

مبدء الشكر من معرفة النفس وحقيقة المخلوقية والعبودية للخالق الذي أحسن خلق الانسان بعد أن لم يكن شيئاً مذكورا، وبتلك المعرفة تتجلّى عند الانسان النعم الالهية، ليس فقط في بدو وجودها بل وفي استمرارها، فنعمة البصر مثلاً هي نعمة متجددة كلّ آن، وحين يصل الى هذا المستوى الرفيع من العرفان للنعم الإلهية، يصل الى القناعة في حياته والرضا بما قسم الله له، وكما جاء في بعض الأدعية  عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ صَبْرَ الشَّاكِرِينَ‏ لَكَ وَ عَمَلَ الْخَائِفِينَ مِنْكَ وَ يَقِينَ الْعَابِدِينَ لَك‏))[2]

وهكذا هي العلاقة بين الصبر والشكر حيث أنّ شعور المرء بالنِعم الإلهية يجعله صابراً على البلاء والنقص في حياته.

الشكر غذاء الروح

وكما يحتاج الجسد الى غذاء، كذلك الروح وغذاءه الشكر، وهكذا نقرء في الدعاء: ((اللّهمَّ إنّي أسألُكَ العافِيَةَ، وَتَمامَ العافِيَةِ، وَدَوامَ العافِيَةِ، وَالشُّكرَ على العافِيَةِ))[3]

العافية وهي مجمع النعم، بحاجة الى شكر، فما خصّنا الرب سبحانه وتعالى مثلاً من نعمة الولاية، لم تأتي اعتباطاً ولم تُعطى الى كلّ الناس، وعلينا أن نعرف قيمة تلك النعمة الالهية.

وبعد معرفة النعمة والتحسس بها يأتي الإحساس بالمسؤولية تجاه النعمة، فالأمن مثلاً نعمة الهية لابد من التحسس بها وتحمّل المسؤولية تجاهها.

والتعاطي الايجابي مع كلّ الحياة والنظر الى ايجابيات الواقع، كلّ ذلك ينتج من الشكر، وله اكبر الأثر في الحياة الكريمة والسعادة للمؤمن في الحياة.

و من هذا ينتج زيادة النعمة كما قال ربّنا تعالى: [وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ‏ لَأَزيدَنَّكُمْ][4]

ومن يملك الشكر فإنّه يملك الحكمة كما يقول ربّنا تعالى:[وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّه‏][5]

 بمعنى أنّ كل الحكمة تتلخّص في الشكر، نسأل أن يجعلنا من الشاكرين.


[1] غرر الحكم و درر الكلم، ص: 118.

[2] مصباح المتهجد و سلاح المتعبد، ج‏2، ص: 802.

[3] مكاتيب الأئمة عليهم السلام، ج‏4، ص: 263

[4] سورة ابراهيم، الآية 7.

[5] سورة لقمان، الآية 12.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الاول)


“لم يكن شيئاً مذكورا”

بسم الله الرحمن الرحيم

[هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً] (1)

صدق الله العلي العظيم

من الحديث

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ كَانَ جَزَاؤُهُ عَلَى اللَّهِ جَنَّةً وَ حَرِيراً، وَ مَنْ أَدْمَنَ قِرَاءَتَهَا قَوِيتَ نَفْسُهُ الضَّعِيفَةُ، وَ مَنْ كَتَبَهَا وَ شَرِبَ مَاءَهَا نَفَعَتْ وَجَعَ الْفُؤَادِ، وَ صَحَّ جِسْمُهُ، وَ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ».[1]

تفصيل القول

بالرغم من أنّ سور القرآن الكريم كلّها عظيمة الّا أنّ بعض السور تتجلّى عظمتها لنا، ونحن نأمل أن تكون شفيعة لنا كما سائرُ الآيات والسور، وكلّما اقترب روحنا مع روح القرآن نال شفاعته.

ما هو الاطار العام لهذه السورة؟

يبدو أن محور السورة المباركة بعد التدبّر في آياتها وفي اسمها المبارك وبالاستنارة بالروايات المباركة نجد أنّ المحور في السورة هو الشكر، لكن ليس المعنى المحدود للكلمة، إذ يتداعى الى الذهن معنى محدود، ولكن الصحيح أن نجنّب أنفسنا الحكم على المواضيع وفق الفهم الضيّق المحدود، بل نحاول النفوذ الى حقيقة الكلمة وواقعها.

فكلمة الماء قد تقال الى بدوي في الصحراء فيتبادر الى ذهنه غدير الماء وقد تقال الى بحّار ليداعى الى ذهنه المُحيط الواسع..هكذا الشكر لو تأمّلنا في معناه سنجد أنه في الواقع جذرٌ لشجرة الفضائل، فمن يملك الشكر يُعطى الايمان والصدق والتقوى وأغلب الفضائل.

ما رأيت الّا جميلا

لو أردنا أن نعرف بعض أبعاد الشكر علينا أن ندرس ذلك من خلال مدرسة عاشوراء، من دعاء الامام الحسين عليه السلام في عرفة الذي يُبيّن أبعاد الشكر المُختلفة، الى احداث عاشوراء وما بعد عاشوراء والى الكلمة العظيمة التي قالتها السيدة زينب عليها السلام لابن زياد حيث قالت: (ما رأيت الّا جميلاً).

لو فكّر الانسان في هذه الكلمة العظيمة سيجدها نتاج دعاء الامام الحسين يوم عرفة والمعاني العرفانية العظيمة والأبعاد المختلفة التي يشكر بها المولى ربّه، وهكذا علينا أن يُفكّر الانسان في ذلك، منذ بدء الخليقة والمراحل التي مرّ بها، حيث لم يكن مذكوراً، من مرحلة التقدير، الى عالم الاضلّة والاشباح، ثم الى عالم الذر، والاصلاب، ثم عالم الأرحام كما يقول الامام الحسين عليه السلام: ((ابْتَدَأْتَنِي بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ شَيْئاً مَذْكُوراً وَ خَلَقْتَنِي مِنَ التُّرَابِ ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي الْأَصْلَابَ آمِناً لِرَيْبِ الْمَنُونِ وَ اخْتِلَافِ الدُّهُورِ فَلَمْ أَزَلْ ظَاعِناً مِنْ صُلْبٍ إِلَى رَحِمٍ فِي تَقَادُمِ‏ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ وَ الْقُرُونِ الْخَالِيَة))[2]

تلك الحقائق تُبصّر الانسان بحقيقته وكيف انه لم يكن شيئاً مذكوراً ومن ذلك يستوعب الانسان حقيقة الشكر الذي يمثّل جذر الفضائل عند الانسان.

يقول رّبنا تعالى: [هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً]

قد اختلفوا في حرف «هل»، فقال بعضهم: أنّه هنا بمعنى (قد)، و قال آخرون: بل هو استفهام تقريري، يعرف السائل الجواب سلفا، و إنّما يطرح الكلام لأخذ الإقرار من الطرف الآخر.

و يبدو لي أنّ الكلمات تبقى بمعناها اللغوي عند الاستعمالات الأدبية المختلفة، إلّا أنّ هدف الاستخدام يختلف حسب السياق، فهل هنا- مثلا- جاء بمعنى الاستفهام، أمّا لما ذا جاء الاستفهام؟ فهو ليس شأن الكلمات إنّما هو شأن الذي استخدمها. و يكون مثل ذلك في عالم الماديات: السيارة التي تقوم بحمل الإنسان. أمّا إلى أين و لما ذا يتحرك الإنسان؟ فهذا ليس شأنها إنّما هو شأنه.

[عَلَى الْإِنْسانِ‏]

واستخدام كلمة الانسان للتدليل على حقيقته وطبعه.

[حينٌ مِنَ الدَّهْرِ]

ليس زماناً محدوداً، بل بقي على ذلك ما لا يُحصى من الزمان، وقد يعود كذلك أيضاً في عوالم تأتي.

[لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً]

كان شيئاً ولكن لم يكن مذكوراً، وكفى بذلك داعياً للتفكير عند الانسان ولكسب قيمة الشكر لأنعم الله تعالى.


[1] البرهان في تفسير القرآن، ج5، ص: 543.

[2] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 340

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الرابع)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

{ قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (4) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)}.

صدق الله العلي العظيم

 

يتأرجح البشر بين الهوى والهدى، فالنفس والشيطان يسولان له جانب الهوى أبداً، بينما عقله وضميره وأهل الذكر من حوله يدعونه إلى الهدى.

فإذا إتبع هوى نفسه فإنه سيرى كل شيء في الحياة، من نافذة الهوى ويقيس كل شيء بحسب ما ينفعه أو يضره، بينما إذا إتبع الهوى كان له نظرة واقعية وموضوعية لكل شيء.

ومن هنا، إذا إتبع المرء هواه فإنه لا يرى لأحدٍ أو لشيءٍ حقاً إلا ذاته أو ما إرتبط بها، ومن ثم سيدخل في إطار الظلم للآخرين، فإذا رأى لأبيه أو أمه أو من حوله حقاً ما، فذلك من زاية نفسه وذاته، لأنه يرى نفسه المحور في الوجود، ترى كيف يمكن الخلاص من هذه الحالة؟ ولماذا أسرّ الظالمون النجوى ولم يصرحوا بما لديهم من مخالفات للرسالة؟

أسرّوا قولهم لأنه ليس حقاً، فكانوا يريدون إستقطاب الآخرين معهم، إذ قد يريد البعض عمل عملٍ ما في بعض الأحيان دون أن يتحمل مسؤوليته، فيسعى لطرقٍ ملتوية تخلصه من ذلك.

ومن هنا فإن الإنسان مطالب بأن لا يرى الأمور من نافذة العواطف والمصالح والمسبقات الذهنية، ولذلك فإنا كلفنا بأن نطلب من الله الهداية إلى الصراط المستقيم، لأن النفس الأمارة بالسوء لا تتركنا لحظة واحدة، كأمواج البحر التي ترمي المركب بعيداً عن الشاطئ.

وهكذا كان لزاماً البحث عن مقياس يعرف به الإنسان الحق والباطل، فما هو ذلك المقياس؟

المقياس هو الله سبحانه، فمن خلال الرجوع إليه عبر الوسائل يمكن التمييز بين الحق والباطل، وبين الهدى والهوى، إذ لكل ميزانٍ في العالم أصلٌ يرجع إليه، كما في ميزان الوزن والوقت حيث يرجع إلى الأصل إذا حصل الخلاف فيها، وأصل الحق الذي يرجع إليه إذا إختلف فيه هو الله سبحانه، ومن هنا قال الله سبحانه:

  • {قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ}

يعلمه، ويحدد الحق منه عن الباطل، كما أنه سبحانه يعلم نجوى الذين أسروه.

  • { وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ}

سميعٌ بما يقول الناس وعليمٌ بدوافعهم.

عقبات الهدى

سورة الأنبياء وردت للإيمان بهم عليهم السلام، وفي البدء لابد من التمهيد لذلك عبر بيان العقبات وسبل ومواجهتها، ومن تلك العقبات المسبقات الذهنية، التي هي أخطر ما لدى الإنسان من موانع في طريق الإيمان، فهي تخلق الثقافة الباطلة والمهيمنة على الإنسان، وحينذ فلابد أن يحكّم الإنسان عقله على نفسه دوماً لكيلا تؤثر فيه مسبقاته، والسبيل إلى ذلك هو ذكر الله سبحانه دوماً قال الله سبحانه:{ ُوَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسيتَ وَ قُلْ عَسىأَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدا}[1].

 

الآية المبصرة

  • { فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)}

بعد تلك التهم، طالبوا النبي صلى الله عليه وآله بأن يسأل ربه بتسيير جبال تهامة لكي يتسنى لهما الزراعة في مكة كآيةٍ ليؤمنوا به، وحين سأل النبي صلى الله عليه وآله ربه ذلك فأوحى إليه الله أنه يفعل ما يريدون ولكن إن لم يؤمنوا بعدئذٍ سيعذبهم عذاباً شديداً، ولكن النبي صلى الله عليه وآله سأل ربه أن لا يفعل ذلك رحمةً بهم.

وكل آيةٍ مبصرةٍ أرسلها الله سبحانه على قومٍ في التاريخ، إنتهت بدمار الذين لم يؤمنوا بها، كآيات موسى عليه السلام التسع، حيث إنتهى المطاف بإغراق قوم فرعون وإدخالهم النار، وكذا ناقة النبي صالح عليه السلام، وقوم ثمود الذين عقرواها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها.

ومن هنا، إذا سأل أحدنا حاجةً من ربه فأستجاب له عليه أن يؤدي شكر تلك النعمة بالقول والعمل، وإلا سيكون مصيرها إلى الزوال أولأً، وربما إنقلاب الحال إلى الأسوء ثانياً.

  • { ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) }

كما قريش، طلب الأقوام السابقة من أنبيائهم أن يأتوا بآية مبصرة، ولكنهم حين لم يؤمنوا بها أهلكهم الله سبحانه، فإذا كفر هؤلاء فسيكون مصيرهم ذات المصير.

  • {وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ}

في الآية الثالثة من السورة، ذكر الرب سبحانه إعتراض الكفار على كون المرسل بشراً كما هم، والحال أن إرادة الرب سبحانه تقتضي ذلك، حيث يرسل إلى البشر من هو منهم وقريب إليهم، فلا وجه للإعتراض، خصوصاً أن العرب كانوا يعرفون برسالات الأنبياء السابقين، وأنهم – الأنبياء- لم يكونوا من الملائكة أو الجان، بل كانوا بشراً أيضاً.

ولفظ ” الرجال” لا يعنى منه صفة الذكورية فقط، بل يراد منه توفر كل صفات الرجولة في النبي المرسل، فالنبي تتوفر فيه صفتان:

الأولى: صفة ذاتية، فهو مختارٌ من أفضل الناس.

والثانية: الوحي الذي يعتبر صفةً موضوعية للنبي.

  • فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)}.

سؤال أهل الذكر سبيل للوصول إلى الحقيقة تكلمةً للمنجهية التي ذكرناها سابقاً.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الكهف: الآية 24

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الاول)

                                                                 بسم الله الرحمن الرحيم

 

{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَديداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنينَ الَّذينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2) ماكِثينَ فيهِ أَبَداً (3)}

صدق الله العلي العظيم

سورة الكهف ؛ الإسم والإطار العام

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

الحمد التام والشكر الدائم لله سبحانه الرحمن الذي وفقنا مرةً أخرى للإجتماع حول مائدة القرآن الكريم، فبعد أكثر من خمس وعشرين سنة لهذا المجلس القرآني المبارك الذي قام ولا يزال بتوفيق الله سبحانه ورعاية الرسول الأعظم وأهل بيته عليه وعليهم السلام، نجدنا نعيش نعمةً عظيمة بهذا التوفيق ونسأله سبحانه أن يديم علينا ذلك، ولابد لنا أيضاً أن نذكر اولئك الذين حضروا معنا وشاركونا طيلة سنين ولكنهم الآن رهن التراب، فنذكرهم ونبعث لهم بثواب مجالسنا هذه.

نسأل الله سبحانه أن يبعث بثواب مجالسنا هذه إلى أرواحهم وأن يرحمنا ويكتبنا من المرحومين.

بحوثٌ تمهيدية

وقبل أن نشرع في الحديث عن آيات سورة الكهف المباركة لابد أن نذكر ونذكّر ببعض الأمور:

الأمر الأول: الإنسان ومجالس الذكر

كيف نتعامل مع مثل هذه المجالس والمحافل؟ خصوصاً إذا علمنا أن الساعات التي أأخذها – كمتحدث – منكم سأُسأل عنها يوم القيامة، كما أنكم ستُسألون أيضاً عن صرفكم لأوقاتكم فيها، وقد قال الله سبحانه: (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ولَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلين‏}[1].

فإن لم تكن هذه المجالس أفضل الخيارات المتاحة فلابد من القيام بالأفضل، وإن كانت هي الفضلى فلابد من الإنتفاع بها خير إنتفاع.

وأنا أدعو الأخوة الحاضرين، بالاخص الطلاب الجامعيين والحوزويين، الى استغلال أجهزتهم الحديثة والإستفادة منها في مجالس العلم، وذلك من خلال التسجيل الصوتي لكي يتاح لهم إستماع البحث مجدداً وكتابة ما ينفعهم – أو يجدونه الأنفع – ليقوموا بنشره بعدئذ للآخرين، وذلك لأن الجميع مسؤولٌ أمام الهجمات الثقافية الهائلة التي يقوم بها الأعداء، وعلى كلّ مؤمن أن يتصدى لها ببث الهدى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال النبي الأعظم، صلى الله عليه وآله: “نَضَّرَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وبَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ، رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى غَيْرِ فَقِيهٍ، ورُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ”[2].

الأمر الثاني: الإطار العام للسور القرآنية

لكل سورة من السور القرآنية إطارٌ عام يرسم الهدف الخاص من السورة، بالرغم من إشتراكها مع سائر السور في الأهداف العامة، وبوعي الإطار العام والهدف الخاص للسورة والبحث عن المباحث المحورية للسورة نستفيد من السورة وآياتها أكثر، مضافاً إلى الإستفادة من إسم السورة لفهم الإطار العام، إذ نعتقد أن أسماء أغلب السور توقيفية أوحى بها الله سبحانه لنبيه.

نعم، هذا الأمر قد لا يتيسَّر لكل قارئ للقرآن، بل وحتى لا يلاحظها أغلب المفسِّرين، فتجدهم في تفسيرهم للسور القرآنية يذكرون الأهداف العامة والعناوين الكلية كالتوحيد والنبوة والمعاد وما أشبه، والسبب في ذلك ربما يعود إلى أنَّ القرآن الكريم كتابٌ فيه آيات متشابهات، إذ تجد القصة الواحدة تُذكر في أكثر من سورة، والحديث ذاته يتكرر في أكثر من موضع، ولكن بالرغم من ذلك تبقى هناك بحوث خاصة لابد من ملاحظتها في كل سورة.

القرآن الكريم كتاب العقيدة

الأساس في رؤيتنا ينبغي أن يكون في الرؤية العامة والكلية للحقائق، ومَنْ ضَعَفَ في الجوانب العامة فشل في تشخيص الحقائق في الجوانب الخاصة، أ رأيت الذي يخطئ طريق المدينة هل ينفعه بعدئذ العلم بشوارعها الفرعية؟

والعقائد هي تلك النظرة العامة، ومن هنا كان من الضروري تصحيح العقائد وترسيخها، ومع عدم ذلك فلا فائدة من حياتنا كلها، والهجمات الثقافية التي تعصف بأمتنا، نجدها اليوم تركز على جذر الثقافة أي العقيدة، فهناك من البلدان الإسلامية ما تأثر شبابها بهذه الهجمات حتى شكلوا تيارات إلحادية ينشرون كتبهم وعقائدهم الباطلة، ولو تساهلنا في البناء العقدي فلا فائدة حينئذ بتقوية أعمدة الثقافة والفكر الإسلامي، لأن البناء العالي على الأساس الرخو مهددٌ بالسقوط في كل لحظة.

والقرآن الكريم كتاب العقيدة الحقة، ولكن ليس على النحو المعهود في الكتب المتسلسلة، التي تأتي ببحوث التوحيد ومن ثم ببحوث النبوة والإمامة والبعث، بل الحديث العقائدي في القرآن الكريم يرتبط بكل أبعاد حياة الإنسان، فليس الحديث عن العقيدة في القرآن حديثٌ نظري، بل يرتبط بسلوكه الفردي والإجتماعي، بسلوكه في الجوانب العبادية والسياسية والإقتصادية.

وهذا هو منهج القرآن الكريم في سائر المباحث أيضاً، فالحديث عن الصلاة في القرآن الكريم يرتبط بالحديث عن ذكر الله، وهو حديث مرتبطٌ بالخشوع أيضاً، كما هو حديث عن تجنب الفحشاء والمنكر.

الأمر الثالث: إسم السورة

إسم السورة المبحوثة هو (الكهف) وكما ذكرنا أن لإسم السورة علاقةٌ بمحتواها، بل إن أسماء السور يرتبط أيضاً بحياة البشر، وعلى سبيل المثال فسورة البقرة تعد رمزاً للناحية الإقتصادية للمجتمعات البشرية، وليومنا هذا فإن الثروة الحيوانية تشكل جانباً هاماً من إقتصاد الدول، وبعد سورة البقرة تأتي سورة آل عمران التي تتحدث عن القيادة الربانية، وبطبيعة الحال فإن توفير المعيشة الجيدة مقدمة للأمر بإتباع القيادة الربانية، وكما لا تقوم حياة البشر بلا إقتصاد، كذلك لا تستمر بلا قيادة.

وبعد وجود القيادة لابد من بناء المجتمع الإيماني، ومحور المجتمع هي الأسرة، وذلك ما تتحدث عنه سورة النساء، وبعدها تأتي سورة المائدة التي تهدف بناء الحضارة، وهكذا هي السور القرآنية الأخرى تعالج قضايا الإنسان.

ولكن فهم ذلك بحاجة إلى التدبر العميق والتأمل الكثير، ومع ذلك لا يمكن الإعتماد على العقل بعيداً عن نصوص أهل البيت عليهم السلام.

وفي سورة (الكهف) المباركة بحوثٌ ثلاثة لم ترد في غيرها من السور القرآنية، وهي الحديث عن أصحاب الكهف، وقصة النبي موسى عليه السلام والعالِم، وكذلك قصة ذي القرنين.

ولكن ما هو الرابط بين هذه المباحث أو القصص الثلاث؟

الكهف هو الشق الصغير الحادث في الجبل وإن كان كبيراً سمي شِعباً، وعاش الإنسان البدائي في الكهوف للحفاظ على أمنه أولاً، وسلامته من الآفات الطبيعية كالحر والبرد ثانياً.

فلكي يحصل الإنسان على هذين النعمتين (الأمن والصحة) لجأ إلى الجبال في كهوفها وشعابها، فهو بحاجة دوماً إلى ملجأ يلجأ إليه سواء كان كهفاً أو بيتاً أو نفقاً تحت الأرض، ولكنه بالتالي يفتقر إلى ما يحميه أمام الأعداء أو الحوادث الطبيعية.

أنواع الملاجئ

وبالتدقيق نجد الملاجئ ثلاثة أنواع:

الأول: الملجأ أمام الطغاة، حيث يلتجئ المؤمنون إلى الله سبحانه أولاً، ومن ثم يهيئوا الأسباب المادية للحماية، فأصحاب الكهف آمنوا بنبي الله، وحين لم يقدروا على مواجهة الطاغية دقيانوس لجأوا إلى الله وطلبوا منه أن يحميهم من بطشه، فاستمسكوا بالعروة الوثقى كما قال الله سبحانه: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ فقد استَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ لاَ انْفِصامَ لَها)[3]، وقال الله سبحانه عنهم حين التجأوا به: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدا)[4]، وبذلك نعرف أن الإلتجاء إلى الله سبحانه بحاجة إلى التحرك، كالهجرة والتقية وتوفير الأسباب المادية (الكهف).

الثاني: العلم، فهو ملجأ من الأخطار، وقد أمر الله سبحانه نبيه موسى عليه لسلام بالذهاب إلى العالِم والتعلم منه، فالعلم بأنواعه النافعة يكون ملجأً للإنسان وقوة له.

الثالث: الدولة العادلة التي يذكرها الله سبحانه في سياق الحديث عن قصة ذي القرنين.

فالعلاقة بين القصص الثلاث في هذه السورة يتلخص في إسم (الكهف) الذي يُلجأ إليه في الملمات.

ملجأ المؤمنين

وفي هذا المجال لابد من التذكير بأن الملجأ ليس فقط هو ذلك الذي يحفظ أمن الإنسان في الحياة، بل الأهم أن يجد الإنسان الملجأ لآخرته ودنياه، وملجأ المؤمن في الملمات والمهمات، ملجأه في الدنيا والآخرة هم النبي وأهل بيته عليه وعليهم السلام، الذين جعل الله سبحانه ولايتهم حصناً من العذاب، ومحبتهم كهفاً من الأخطار، ففي الصلوات الشعبانية: ” اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدِ: الْكَهْفِ الْحَصِينِ، وغِيَاثِ الْمُضْطَرِّ الْمُسْتَكِينِ، ومَلْجَإِ الْهَارِبِينَ، وعِصْمَةِ الْمُعْتَصِمِينَ”[5].

وقال الإمام الرضا عليه السلام في حديث سلسلة الذهب: “لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي، فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ مِنْ عَذَابِي” ثم قال عليه السلام: “بِشُرُوطِهَا وأَنَا مِنْ شُرُوطِهَا”[6].

وفي حديثٍ آخر عنه عليه السلام أيضاً: “وَلَايَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ نَارِي”[7].

ومن هنا علينا أن لا نقصِّر في الإرتباط بأهل البيت عليهم السلام وتقوية العلاقة بهم، فإن لم نرسِّخ علاقتنا معهم في الدنيا فلربما زلّت أقدامنا يوم القيامة لا سمح الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الأعراف: الآية 6

[2] الأصول الستة عشر: ص 363

[3] سورة البقرة: الآية 256

[4] سورة الكهف: الآية 10

[5] مصباح المتهجد: ص 828

[6] الآمالي ( للصدوق ): ص 235

[7] المصدر.