تفسير سورة النبأ المباركة _الدرس الخامس

كيف نتحلى بروح التقوى؟

تدبر في القران الكريم في سورة النبأ المباركة لسماحه المرجع المدرسي(دام ظله)
كربلاء المقدسه _ يوم الاربعاء 2019/09/18م الموافق18/محرم الحرام/1441هـ

تفسير سورة النبأ المباركة _الدرس الرابع

مسؤولية الإنسان في هذه الحياة

تدبر في القران الكريم في سورة النبأ المباركة لسماحه المرجع المدرسي(دام ظله)
كربلاء المقدسه _ يوم الثلاثاء 2019/09/17م الموافق17/محرم الحرام/1441هـ

تفسير سورة المرسلات المباركة _الدرس الرابع

بين النجاة والهلاك .. فهم السنن الالهية للكون

كربلاء المقدسه _يوم الاربعاء 2019/08/21م الموافق19/ذي الحجة/1440هـ تدبرفي القران الكريم لسماحه المرجع المدرسي (دام ظله)

تفسير سورة المرسلات المباركة _الدرس الثالث

التكذيب بكلام الله .. سبب لنهاية اللإمم

كربلاء المقدسه _يوم الثلاثاء 2019/08/20م الموافق18/ذي الحجة/1440هـ تدبرفي القران الكريم لسماحه المرجع المدرسي (دام ظله)

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (العاشر)

“فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى (31) وَلكِنْ كَذَّبَ‏ وَ تَوَلَّى (32)ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى‏ (33)أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (34)ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏] (35)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

ليس سهلاً أن يزكّي الانسان نفسه، ويحتاج الانسان الى صعقة تهزّ كيانه من أجل الاستيقاظ ومواجهة النفس الأمّارة بالسوء، ولذلك تجد الآيات القرآنية تُمهّد للحديث عن الصلاة والتصديق بالحديث عن الفراق والموت.

يقول ربّنا تعالى: [فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى]

بون شاسع بين من يؤمن بالآخرة، ومن هو منها في شك،  ويشمل ذلك كلّ تفاصيل حياتهم، خصوصاً أنّ من يؤمن بالآخرة يرسم الحدود الصحيحة لنفسه، و يعي الواجبات التي على عاتقه، من الأقربين والى سائر المؤمنين، و كلمة [صَدَّقَ] لا تعني مجرّد الزكاة، بل كلّ الواجبات التي على عاتقه تجاه الغير.

وتارة تكون الصدقة بالمال وتارة بالفعل، وتارة بالكلمة الطيبة، بل وحتّى ازاحة الاذى عن الطريق صدقة، وهكذا لابدّ من البحث عن الواجبات والحقوق تجاه الغير.

وَ لا صَلَّى

نحن نجهل حقيقة الصلاة رغم أنّنا نؤدّيها، جوهر الصلاة تُنظّم علاقة الانسان بربّه المتعال ولذلك هي عمود الدين، واذا كان كلمة [صدّق] تُنظم العلاقة مع الخلق، فإنّ كلمة [صلّى] تُنظّم العلاقة مع الخالق العظيم.

في الصلاة معرفة الله، من سورة الحمد التي لو تدبّر الانسان فيها مائة مرة لوجد في كلّ مرّة حقائق جديدة ولا يصل الى منتهى العلم بها  وقد جاء في الحديث  أن عبدالله بن عباس جاء الى الامام امير المؤمنين  (عليه السلام) يسأله عن تفسير القرآن، فوعده بالليل، فلما حضر قال: «ما أول القرآن؟». قال: الفاتحة.

قال: «و ما أول الفاتحة؟» قال: بسم الله.

قال: «و ما أول بسم الله؟». قال: بسم.

 قال: الباء، فجعل (عليه السلام) يتكلم في الباء طول الليل، فلما قرب الفجر قال: «لو زادنا الليل‏ لزدنا».[1]

وهكذا لو تأمّلنا في كلّ معاني الصلاة سنجد فيها معرفة الله، ومعرفة انبياءه وسننه.

اذن لو أراد الانسان أن يطمئن يوم الفراق من الدنيا لابدّ أن نهتم بقوله: [فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى]

والصفة المقابلة لذلك هو قوله: [وَلكِنْ كَذَّبَ‏ وَ تَوَلَّى] فالتفكير الذاتي عند الانسان، و الظلم الاجتماعي، فهو التكذيب الناشئ من التكذيب بالله واليوم والآخر.

وهكذا قوله تعالى: [تَوَلَّى] في قِبال الصلاة والقُرب، حيث يبتعد عن الرب امّا بعدم اتيان الصلاة أو بالسهو عنها، واداءها كيفما اتفّق.

[ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى‏]

أصل التمطّي تمدّد البدن من الكسل، و هو من لوى مطاه أي ظهره. قالوا:

إنّه إشارة إلى التبختر على نهج القرآن في ذكر الصفات بالتصوير الظاهر. و لعلّه أعمّ من ذلك حيث يدل على حالة اللامسؤولية و الإشتغال باللهو و اللعب عن الجد و الاجتهاد.

ثم يتوعد اللّه من تكون صفاته التي مرّ ذكرها بالعذاب بعد العذاب فيقول:

[أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (34)ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏]

أي أنّك المسؤول عن الفعل، وتأكيد على المصير الذي ينتظره جاء في الحديث عن عبد العظيم الحسني قال‏: سألت محمد بن علي الرضا (ع) عن قول اللّه عزّ و جلّ: «الآيتين» قال: «يقول اللّه عزّ و جلّ: بعدا لك من خير الدنيا، و بعدا لك من خير الآخرة»[2].


[1] البرهان في تفسير القرآن، ج‏1، ص: 4.

[2] ( 1) نور الثقلين/ ج 5 ص 466.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (التاسع)

“كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ”

بسم الله الرحمن الرحيم


[وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ(27) ]

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول
الموت والفناء هو النهاية المحتومة لنا في الدنيا، فهو نهاية الدنيا وبداية الآخره والحساب، وهكذا علينا دائماً أن نحذر الموت وما بعده ونعمل له، خصوصاً أننّا لا نعلم متى واين ستكون النهاية كما يقول ربّنا تعالى:
[وَما تَدْري نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ‏ غَداً وَ ما تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ]
الايمان بالآخرة
ثمار كثيرة يحصل عليها الانسان بسبب ايمانه بالآخرة، وأهمّ تلك الثمار هي تقويت ارداته، حيث يزداد الانسان قوة في اتخاذ القرار، وذلك من خلال:
اولاً: تذكرّ الموت و ما بعده، حيث يجعل الفرد غير مُهتم بلذّات الدنيا، خصوصاً حين ينظر الى آثار السابقين ومصيرهم، حينها يتيقّن بفناء الدنيا فيغتنم فرصة العيش فيها بأفضل وجه يقول ربّنا تعالى: [وَسَكَنْتُمْ في‏ مَساكِنِ الَّذينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثال]‏
ثانياً: وبالإيمان بالآخرة يستسهل الانسان صِعاب الدُنيا، لأنّه يعلم أنّ ما يمرُّ عليه من الصعاب تنتهي.
[وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ]
و هي وجوه المجرمين حيث القيامة موعدهم مع الفضيحة و العذاب و الذل، و بسور وجوههم يحكي باطن نفوسهم المنطوية على اليأس و التشاؤم و الخوف ممّا ستلاقيه.
[تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ]
إنّ المجرمين يوم القيامة ليساورهم هاجس و رعب ينتظرهم من الدواهي، و هذا الهاجس يعدّ عذابا عظيما بذاته.
[كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ]
ثم ينقلنا السياق القرآني الى أشدّ الساعات على الانسان وهي ساعة الانتقال من الحياة الدنيا الى الآخرة.
كيف تخرج الروح؟
يبدء ملك الموت بإخراج الروح من الجسد، من قدمه ويصعد شيئاً فشيئاً الى أن يصل عند عظم التراقي، حيث تكون لحظة الانتقال من عالم الدنيا الى الآخرة، ويُبصر الانسان ما لم يكن يشاهده من قبل، فمن جهة يشاهد ملائكة العذاب ومن جهة اخرى يشهاد ملائكة الرحمة.
[وَ قيلَ مَنْ راقٍ]
أي و قال أهله: من راق؟ أي طبيب شاف يرقيه و يداويه‏، وأيّ رُقية تُكتب لشفاءه؟!
[إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ]
فاليه منتهى كلّ شيء، ويبدو أنّ الآية يغلب عليها جانب الرحمة، لأنّ فيها اسم الرب الذي يدلّ على رحمته تعالى.
جاء في الحديث الشريف عن أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام أنّه قال ((‏ إِنَّ أَوْحَشَ مَا يَكُونُ هَذَا الْخَلْقُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ يَوْمَ يُولَدُ وَ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَيَرَى الدُّنْيَا وَ يَوْمَ يَمُوتُ فَيَرَى الْآخِرَةَ وَ أَهْلَهَا وَ يَوْمَ يُبْعَثُ فَيَرَى أَحْكَاماً لَمْ يَرَهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا وَ قَدْ سَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى يَحْيَى فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاطِنِ وَ آمَنَ رَوْعَتَهُ فَقَالَ‏ وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا وَ قَدْ سَلَّمَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ع عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاطِنِ فَقَالَ‏ وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا.))
لكنّ المؤمن يعيش في بحبوحة النعم الالهية في الدنيا وفي الآخرة أيضاً فقد جاء في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام: ((يُفْتَحُ‏ لِوَلِيِ‏ اللَّهِ‏ مِنْ‏ مَنْزِلِهِ‏ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وَ تسعين [تِسْعُونَ‏] بَاباً يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَوْحُهَا وَ رَيْحَانُهَا وَ طِيبُهَا وَ لَذَّتُهَا وَ نُورُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ .
و قَالَ فَكُلَّمَا عَيَّرَهُ بِذَنْبٍ قَالَ سَيِّدِي لَسَعْيِي إِلَى النَّارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تُعَيِّرَنِي‏قَالَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَ تَذْكُرُ يَوْمَ كَذَا وَ كَذَا أَطْعَمْتَ جَائِعاً وَ وَصَلْتَ أَخاً مُؤْمِناً كَسَوْتَ يَوْماً حَجَجْتَ فِي الصَّحَارِي تَدْعُونِي مُحْرِماً أَرْسَلْتَ عَيْنَيْكَ فَرَقَا سَهِرْتَ لَيْلَةً شَفَقاً غَضَضْتَ طَرْفَكَ مِنِّي فَرَقَا فإذا [فَذَا] بِذَا أَمَّا مَا أَحْسَنْتَ فَمَشْكُورٌ وَ أَمَّا مَا أَسَأْتَ فَمَغْفُورٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ ابْيَضَّ وَجْهُهُ وَ سُرَّ قَلْبُهُ وَ وُضِعَ التَّاجُ عَلَى رَأْسِهِ وَ عَلَى يَدَيْهِ الْحُلِيُّ وَ الْحُلَلُ ثُمَّ يَقُولُ يَا جَبْرَئِيلُ انْطَلِقْ بِعَبْدِي فَأَرِهِ كَرَامَتِي فَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَدْ أَخَذَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَدْحُو بِهِ مَدَّ الْبَصَرِ فَيَبْسُطُ صَحِيفَتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ وَ هُوَ يُنَادِي‏ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فَإِذَا انْتَهَى إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ قِيلَ لَهُ هَاتِ الْجَوَازَ قَالَ هَذَا جَوَازِي مَكْتُوبٌ فِيهِ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ هَذَا جَوَازٌ جَائِزٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَسْمَعُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ أَلَا إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَدْ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدا فَإِذَا هُوَ بِشَجَرَةٍ ذَاتِ‏ ظِلٍّ مَمْدُودٍ وَ ماءٍ مَسْكُوبٍ‏ وَ ثِمَارٍ مهدلة [مُتَهَدِّلَةٍ] يَخْرُجُ مِنْ سَاقِهَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ فَيَنْطَلِقُ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَيَغْتَسِلُ مِنْهَا فَيَخْرُجُ عَلَيْهِ نَضْرَةُ النَّعِيمِ ثُمَّ يَشْرَبُ مِنَ الْأُخْرَى فَلَا يَكُونُ فِي بَطْنِهِ مَغْصٌ وَ لَا مَرَضٌ وَ لَا دَاءٌ أَبَداً وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُورا))
نسأل الله أن يرزقنا ذلك.
نحن لا ندري الى متى في هذه العالم و لكن نعلم انه لنا نهاية و ان باب الاخره هو الموت فيجب ان نتذكر دائما اهوال الوت و مابعده و في اللذات و الصعاب نفكر بالاخره و الحساب حتى نعيش بالسعاده في الدارين و نكون يوم القيامة من اصحاب اليمين .

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثامن)

“تُحبّون العاجلة”

بسم الله الرحمن الرحيم

[كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (20) وَ تَذَرُونَ‏ الْآخِرَةَ] (21)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

يتمنّى أغلب الناس أن يُصبحوا رجالاً صالحين، لكنّ اليأس يدبّ في داخلهم ويمنعهم من تحقيق أهدافهم، و من هنا علينا أن نبحث عن جذر اليأس، وهو ابليس الرجيم الذي اقسم بعزّة الرب أن يغوي البشر، و لطالما حذّرنا الرب من اتباع خطواته، لأنّه عدوٌ مُضلٌ مُبين، يقول ربّنا تعالى: [إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ‏ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ][1]

ففي لحظات اتخاذ القرار يوسوس اليه ابليس ويُخوّفه من فوت المصالح المادّية، أو قد يوسوس لأحد المُقرّبين ليُشكّل ضغط على الانسان.

لو استطاع الانسان أن يتخلّص من الخوف فإنّه يتحرر فكره وبالتالي يتخّذ القرار المناسب الذي يجعله في مسيرة التقوى.

وطريق ذلك بالاضافة الى الاستعاذة، اولاً: التوكّل على الرب المُتعال، خصوصاً في لحظات اتّخاذ القرار، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ((قَوِّ عَلَى خِدْمَتِكَ جَوَارِحِي وَ اشْدُدْ عَلَى الْعَزِيمَةِ جَوَانِحِي‏ وَ هَبْ لِيَ الْجِدَّ فِي خَشْيَتِكَ وَ الدَّوَامَ فِي الِاتِّصَالِ بِخِدْمَتِك‏))[2]

 ثانياً: أن يتخّذ الانسان القرار بأن يكون يومه افضل من أمسه، ويبقى في تسامي بشكل مستمر، كما يقول الامام امير المؤمنين عليه السلام: ((منِ اعْتَدَلَ يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ‏))[3]

وفي المستحّبات أيضاً يتدرّج الانسان في العمل بها.

ثالثاً: في مسيرة التقوى علينا البحث عن المؤمن ليكون مؤازراً لنا، والتعاون معه من أجل أعمال الخير كما يقول ربّنا تعالى: [وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوان][4]

 لأنّ يد الله مع الجماعة، وحتّى في القرارات التي يعمل بها الانسان بمفرده كالصيام المستحب مثلاً يندفع اليه اكثر لو بحث عن من يصوم معه، فضلاً عن الأعمال الاجتماعية الأخرى.

رابعاً: البحث عن الموجّه، الذي يُريه الطريق، كما يقول ربّنا تعالى: [فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ][5]

   وهو العالم الربّاني الذي نقتدي به.

تبليغ القرآن الكريم

المسؤولية الخامسة التي هي على عاتقنا تجاه القرآن الكريم هي مسؤولية التبليغ، وبالرغم من وجود وسائل التبليغ المختلفة التي لابدّ من الاستفادة منها الّا أنّ الذي نشر القرآن الى اقاصي البلاد هو المشافهة كما جاء في الحديث الشريف: ((نَضَّرَ اللَّهُ‏  مَنْ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا))[6]

لأنّ الخطاب المُباشر أبلغ أثراً في الناس، وهكذا على الانسان أن يتخذ قراراً بتبليغه للرسالة الى الناس.

الحكمة والموعظة الحسنة، واتخاذ الاسلوب المناسب، للتبليغ مهم في نجاحه.

يقول ربّنا تعالى: [كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ]

بالرغم من وجود النفس اللوامة، والقرآن الكريم الذي يُبيّن الحقائق الّا أنّ أغلب البشر يُحبّون العاجلة الاقرب لهم لأنّهم لا ينظرون الى المدى البعيد، بينما المؤمن ينظر الى المستقبل البعيد سواء في الدنيا أو حتّى ما يرتبط بيوم القيامة وعالم الخلود.

[وَ تَذَرُونَ‏ الْآخِرَةَ]

و علاج هذه المعضلة البشرية يتم بإيجاد التوازن في وعيه بين الحاضر و المستقبل، و ينتهج القرآن من أجل ذلك نهج التذكرة و التصوير لمشاهد الآخرة ممّا يزيدها حضوراً في وعيه، و هذا ما نقرأه في الآيات التالية من سورة القيامة المباركة.


[1] سورة آل عمران، الآية 175.

[2] مصباح المتهجد و سلاح المتعبد، ج‏2، ص: 849

[3] من لا يحضره الفقيه، ج‏4، ص: 382.

[4] سورة المائدة، الآية:2.

[5] سورة النحل، الآية 43.

[6] عدة الداعي و نجاح الساعي، ص: 28.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (السادس)

“فاتّبع قرآنه”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَإِذا قَرَأْناهُ‏ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ] (18)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

إحدى المسؤوليات التي تقع على عاتق البشر تجاه القرآن الكريم، جعله مصدراً للمعرفة، ووسيلة لتبصّر الحقائق، فالقرآن الكريم مرآة الحقائق، الكبيرة منها والصغيرة واهمّها معرفة الرب سبحانه وتعالى.

وخصوصاً تلك المعارف التي تتعارض مع مصلحة الانسان واهواءه، حيث تجد الكثير منّا لا يستطيع تجاوز تلك المصالح، و حُجُب الغفلة السميكة تحول دون ذلك الّا أنّ كلمات القرآن الكريم تكشف عن القلب تلك الحُجب، بمزيد من الإنذار.

اول الدين معرفته

لأنّ معرفة الله تعالى موجود في فطرة الانسان، لذلك أغلب الناس يبحثون عن الرب، الّا أنّه يخطئ أغلبهم في تلك المعرفة، فتجد البعض يعبدون الشمس، أو القمر، او الحجر، فهم قد اخطأوا الطريق، وطريق الحصانة من السقوط هو القرآن الكريم، يقول ربّنا تعالى:

[وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَميعا][1]

وهو القرآن والنبي واهل بيته الكرام، وبغير ذلك لا ضمان للوصول الى الله.

جاء في الحديث الشريف: ((لقد تجلى الله لخلقه بكلامه، ولكنهم لايبصرون))[2]

السؤال كيف نعرف الرب تعالى من القرآن؟

القرآن الكريم الذي لو نزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدّعاً أو كما قال تعالى:

[وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ‏ بِهِ الْمَوْتى‏ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَميعاً][3]

هو القرآن الذي تجلّى فيه الرب تعالى، كما تجلّى لموسى وخرّ موسى صعقاً! حين نتدبّر في اسماء الرب سبحانه وتعالى فيه وآياته نعرفه..

كما يقول تعالى: [وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ‏ بِها][4]

 أو حين نتدّبر في قصص آيات الله، في الانتقام من الظالمين، كعادٍ وثمود، وقوم نوح.

كمال الانقطاع اليك

وهكذا علينا أن ندعو ربّنا سبحانه وتعالى، أن يلهمنا معرفته كما نقرء في المناجاة الشعبانية قول الامام عليه السلام:

(( إِلَهِي هَبْ لِي كَمَالَ‏ الِانْقِطَاعِ‏ إِلَيْكَ وَ أَنِرْ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ حَتَّى تَخِرَقَ أَبْصَارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ الْعَظَمَة))[5]

لكي يتخلّص الانسان من العلائق المادّية، ويسموا في رحاب معرفة الله، هناك يرى الانسان ربّه بقلبه كما قال الامام  عليه السلام:

((لَمْ أَكُنْ لِأَعْبُدَ رَبًّا لَمْ أَرَهُ فَقَالَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ فَقَالَ لَمْ تَرَهُ الْأَبْصَارُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ بَلْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَان))[6]

وكما قال الامام الحسين عليه السلام:

((أَنْتَ الَّذِي أَشْرَقْتَ‏ الْأَنْوَارَ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِكَ حَتَّى عَرَفُوكَ وَ وَحَّدُوكَ [وَ وَجَدُوكَ‏] وَ أَنْتَ الَّذِي أَزَلْتَ الْأَغْيَارَ عَنْ قُلُوبِ أَحِبَّائِكَ حَتَّى لَمْ يُحِبُّوا سِوَاكَ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى غَيْرِكَ أَنْتَ الْمُونِسُ لَهُمْ حَيْثُ أَوْحَشَتْهُمُ الْعَوَالِمُ وَ أَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَهُمْ حَيْثُ اسْتَبَانَتْ لَهُمُ الْمَعَالِمُ [إِلَهِي‏] مَا ذَا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ وَ مَا الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ لَقَدْ خَابَ مَنْ رَضِيَ دُونَكَ بَدَلًا وَ لَقَدْ خَسِرَ مَنْ بَغَى عَنْكَ مُتَحَوَّلا))[7]

وهكذا بقراءتنا للقرآن الكريم والتدبّر في آياته نزيل الحُجب عن قلوبنا ونزداد معرفة بربّنا المتعال.


[1] سورة آل عمران، الآية: 103.

[2] بحار الأنوار :ج 89/ص107.

[3] سورة الرعد، الآية 31.

[4] سورة الأعراف، الآية: 180.

[5] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏2، ص: 678.

[6] روضة الواعظين و بصيرة المتعظين (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 33

[7] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 349.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الخامس)

“إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[لا تُحَرِّكْ‏ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ‏ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ]‏ (19)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

القرآن الكريم نزل على قلب نبيّنا الكريم صلّى الله عليه وآله، وهو ذات القرآن الذي بين الدفتين، وما نقرأه اليوم.

لكنّ القرآن الكريم ولدلائل عديدة لم يُقرء على الناس دفعة واحدة، ومن هنا جاء الامر الالهي بعدم الاستعجال في بيانه، أمّا الخوف من اندثاره فلا داعي له، لأنّ الذي انزل القرآن هو الضامن لجمعه وحفظه، كما يقول ربّنا تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ][1]

يقول ربّنا تعالى[لا تُحَرِّكْ‏ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ]

النهي الوارد في القرآن الكريم في خِطاب النبي صلّى الله عليه وآله لا يعني أبداً أنّ النبي كان يعمل به، ففي آيات عديدة ربّنا تعالى ينهي النبي صلّى الله عليه وآله من اطاعة الكفّار والمنافقين كما في قوله تعالى: [وَ لا تُطِعِ‏ الْكافِرينَ وَ الْمُنافِقينَ وَ دَعْ أَذاهُم‏][2]

فهل تعني الآية أنّ النبي كان يطيعهم! حاشاه، من هنا نفهم عدم صحّة ما ذهب اليه البعض في تفسير الآية من أنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان يُكرّر الآية لكي لا ينساها، والحال أنّ الرب تعالى يخاطب النبي في سورة الأعلى بقوله: [سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏][3]

كما أنّ الآيات القرآنية تأتي غالباً بصيغة، ايّاك اعني واسمعي يا جارة، ففي الظاهر الخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله بينما في الحقيقة لكلّ الناس.

بالحكمة والموعظة الحسنة

إذا كان الخطاب القرآني لنا، فما هو الواجب علينا فيما يرتبط بعدم الاستعجال في بيان القرآن، يُبيّن لنا ربّنا ذلك بقوله: [ادْعُ إِلى‏ سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ][4]

 فليس كلّ مكان يناسب كلّ كلام، وحتّى الآيات القرآنية لابدّ من التفكير في الآية التي تناسب الظرف في سبيل هداية الآخرين، وهو معنى الحِكمة الذي امرنا به ربّنا.

ثمّ يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ]

 لا يُمكن أنّ الرب تعالى يُرسل كتاباً، ليكون آخر رسالة الهية لكلّ البشرية والى يوم القيامة، ثمّ لا يجمعه!

النبي صلّى الله عليه وآله هو الذي جمع القرآن وبعد رحلته كان امير المؤمنين عليه السلام مشغولاً بجمع القرآن، ويبدو أنّ القرآن الذي جمعه عليه السلام كان فيه مضافاً للنص التأويلات التي يأتي بها امامنا الحجّة عجل الله فرجه الشريف حين ظهوره، ومعنى كلمة [قرآنه] يُقال بعد اتمام الشيء.

يصدّق بعضه بعضاً

ونستفيد من الآية أيضاً أنّ القرآن الكريم نص متكامل، بمعنى أنّه لابدّ من الايمان بجميع آياته ولا نصبح كالذين جعلو القرآن عضين و قالو نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

وهكذا القرآن الكريم يُصدّق بعضه بعضاً، والتدبّر في آياته لابدّ من التأمّل في كلّ القرآن الكريم.

يقول ربّنا : [فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ‏ قُرْآنَهُ] أي جميعه.

ليس هذا فحسب بل يقول ربّنا: [ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏]

فالذي انزل الكتاب، وارسل المُرسلين، حاضرٌ ورقيب، فمن يقرء القرآن الكريم، عليه أن يلتجئ الى الباري تعالى ليُنزل عليه نوراً لفهم حقائق القرآن.


[1] سورة الحجر، الآية 9.

[2] سورة الأحزاب، الآية:48.

[3] سورة الأعلى، الآية: 6.

[4] سورة النحل، الآية: 125.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثالث)

“عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ‏ وَ أَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ (14) وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ‏] (15)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

في بدء القيامة بيّن ربّنا تعالى المحكمتان التي يتحاسب بهما كلّ انسان، من المحكمة الداخلية المتمثّلة بالنفس اللوامة، والى محكمة العدل الالهية في يوم القيامة، و في ذات السياق تأتي الآيات 13-15لتؤكد وتفصّل تلك الحقيقة، من أجل تكريس قيمة المسؤولية عند الانسان.

احصاه الله ونسوه

لا شيء يُعدم في الكون، هكذا يقول العلم الحديث، فالطاقة تتحوّل من صورة الى اخرى وقد تتلاشى في الفضاء ولكن تبقى موجودة، اقول: كما الاشياء لا تُعدم كذلك اعمال الانسان تبقى، سواءاً الصالحة منها كالصلاة او الطالحة كالكذب تبقى موجودة، حتى لو نساها الانسان كما يقول ربّنا تعالى: [يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَميعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ‏ اللَّهُ وَ نَسُوهُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهيدٌ][1]

ويقول ربّنا تعالى: [وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً][2]

من الاهداف المهمّة التي على الانسان تعقّبها في الحياة هو أن يمحي الأعمال السيئة ويحوّلها عدماً، وذلك من خلال الاستغفار، حيث يمحي آثار الذنوب، بل ويتفضّل الرب سبحانه وتعالى على المؤمنين بأن يُنسيهم ذنوبهم أيضاً، لأنّ الانسان لا يتحمّل عتاب الرب سبحانه وتعالى له حتّى وإن يعقبه غفران.

يقول ربّنا تعالى: [يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ‏ وَ أَخَّرَ]

قال الإمام الباقر (ع): «بما قدّم من خير و شر، و ما أخّر ممّا سنّ من سنّة، ليستنّ بها من بعده، فإن كان شرا كان عليه مثل وزرهم، و لا ينقص من وزرهم شي‏ء، و إن كان خيرا كان له مثل أجورهم، و لا ينقص من أجورهم شي‏ء»[3].

[بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ]

هذه الآية هي محور سورة القيامة المباركة، حيث يُبيّن ربّنا مشكلة البشر في عدم الاصغاء للنفس اللوامة، وعدم الاكتراث للمحكمة الالهية، وهو التبرير، حيث أنّ النفس البشرية تستخدم المزيد من الاساليب لتقريب الانسان من فعل المعصية، فتارة تطوّع له كما طوّعت لقابيل في قتل اخيه هابيل، وتارة تسوّل كما عند السامري، وتارة تُزيّن المعصية، و تارة تُبرّر للانسان فعله للمعصية.

وورود التاء في قوله [بَصيرَةٌ] هو للمبالغة، أي أنّ الانسان يعرف نفسه جيّداً.

 [وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ]

اصل التبرير كذب، وهدفه خداع الذات، ذلك أنّ النفس اللوامّة حينما لا تضعف عند الانسان بسبب عدم العمل وفقها، وحين تقوى النفس الأمّارة، يلجئ الى الكذب لتبرير أخطاءه وعلينا لمواجهة ذلك، أن نلوم أنفسنا على الكذب، بأن نقوم بمحاسبة الذات وبذلك نستطيع أن نُرمّم النفس اللوامة.

ولأنّ البشر يبرّر لنفسه دائماً يأتي القرآن الكريم ويقطع الحجة على الانسان فيقول: [وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ]

ويزداد الامر خطورة حينما يأخذ منحى اجتماعي ومؤسساتي، فبدل أن يكون التبرير في شخص أصبح يشكّل تيّار، ويبثّ آلاف الشُبهات الواهية للناس.

لكن يبقى حجّة الرب تعالى على الانسان تامّة لأنّه اعطاه البصيرة في دينه بالرغم من كلّ الشبهات والتبريرات، ولذلك تجلّي في الأحكام الشرعية ايضاً فقد جاء في الحديث

قال زرارة: سألت أبا عبد اللّه (الإمام الصادق (ع)): ما حدّ المرض الذي يفطر صاحبه؟ قال: «بل الإنسان على نفسه بصيرة، هو أعلم بما يطيق‏.»[4]


[1] سورة المجادلة، الآية 6.

[2] سورة الكهف، الآية 49.

[3] ( 4) تفسير القمّي ج 2 ص 397.

[4] ( 1) المصدر.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الاول)

“لا أُقْسِمُ‏ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[لا أُقْسِمُ‏ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1)وَ لا أُقْسِمُ‏ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ‏ (3) بَلى‏ قادِرينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ‏ (4)بَلْ يُريدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ]

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

محكمتان أمام الانسان، لو فكّر بها جيّداً لجعل كلّ حياته تنتظم وفقهما، المحكمة الأولى هي محكمة العدل الالهي في يوم القيامة، حيث يقول ربّنا تعالى: [وَ نَضَعُ الْمَوازينَ‏ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى‏ بِنا حاسِبينَ][1]

فكلّ الأفعال سواءاً كانت صغيرة او كبيرة احاصها الرب تعالى حتّى لو نساها الانسان، وفي يوم القيامة يُحاسب عليها.

أمّا المحكمة الأخرى فهي النفس اللوامة التي هي بخلاف النفس الأمّارة بالسوء في داخل الانسان تلومه وتدفعه الى المزيد من فِعل الصالحات واجتناب المُحرّمات ومن هنا يجد الانسان في داخله التناقض الدائم بين الهوى (النفس الأمّارة) والهدى (النفس اللوامة) التي تكون حُجّة على الانسان لا يستطيع نكرانها أبداً.

ومن هنا تجد المؤمنين يُنظّمون حياتهم وفق هاتين المحكمتين، فما من موقف يمرّ فيه الّا ويتبّصر بما يُرشده عقله ويتذكّر وقوفه أمام خالقه وبالتالي يتّخذ الموقف الصحيح

 ومن هنا يقول ربّنا تعالى في سورة القيامة: [لا أُقْسِمُ‏ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1)وَ لا أُقْسِمُ‏ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ]

قيل أنّ لا نافية، أو زائدة، أنّها تفيد معنى القسم، و أنّ ما يليها من كلام/ 143 في منزلة من الوضوح لا داعي معها إلى القسم‏[2] أو أنّ ما وراءها من حقيقة نقسم بها عظيمة نجلّها عن القسم، و هما معا يفيدان معنى التفخيم.

‏لكنّ السؤال عن الثمرة المترتّبة عن الايمان بالمحكمة الالهية سواء في داخل الانسان أو في يوم القيامة؟

في الجواب على ذلك نقول:

أولاً: من يؤمن بمحكمة الذات فإنّه يبلورها، وطريق ذلك هو اتّباعها، فكلّما اتّبع الانسان جانب النور في داخله و صغى الى نفسه اللوامة، بلورها، جاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: ((مَنْ غَلَبَ‏ عَقْلُهُ‏ هَوَاهُ‏ أَفْلَحَ مَنْ غَلَبَ هَوَاهُ عَقْلَهُ افْتَضَحَ.))[3]

 ثانياً: بالنسبة الى يوم القيامة على الانسان استحضارها، لما آتاه الله من القدرة على التخيّل, لأجل ترسيخها في الوجدان.

ومن هنا تجد اولياء الله تعالى يستحضرون الآخرة دائماً، إن كان بتمرغهم على الرمال الحارقة كما كان يفعل ابوذر الغفاري، أو بحفر قبورهم و ما اشبه، كلّ ذلك يأتي في سبيل استحضار الحساب الالهي.

ونتيجة الايمان بالمحكمة الالهية هو تحمّل المسؤولية، والانضباط وِفق السُنن الالهية والنظام الكوني الجاري في الخليقة، ومن هنا نجد أنّ ذات السبب أي عدم تحمّل المسؤولية هو سبب الكفر بالآخرة عند غير المؤمنين، ظنّاً منهم أنّ ذلك يُلقي بالمسؤولية عنهم، والحال أنّ عدم الاعتراف بالمسؤولية هو جريمة يستحقّ مرتكبها عذاباً مُضاعفاً، مرّة لعدم العمل بالمسؤولية ومرّة أخرى لعدم الاعتراف بها.

سورة القيامة المُباركة جاءت لتثبّت فكرة المسؤولية تجاه المحكمة الالهية، و ردّ الشُبهات التي يتذّرع بها البشر لعدم ايمانهم بيوم القيامة.

ومن تلك الشبهات ما اشار اليه ربّنا سبحانه بقوله: [أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ]

و جذر هذا التصور نجده حينما نبحث عنه في جهل الإنسان بقدرة ربه التي لا تحدّ، و تقييم شؤون الخلائق بما فيها البعث و النشور من خلال قياساته الذاتية و قدراته المحدودة، دون أن يعرف أنّ للكائنات العظيمة التي خلقها اللّه من جبال و وهاد و أراضي و بحار و سموات و مجرّات .. أنّ لها مقاييس أخرى لا تقاس بذاته.

و لهذا فإنّه حيث يجد نفسه عاجزة عن جمع عظام الموتى يحسب الأمر مستحيلا، أمّا لو عرف ربّه لتغيّر تصوّره و موقفه، و آمن بالآخرة.

[بَلى‏ قادِرينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ‏]

ليس فقط العظام الصلبة بل حتّى الأجزاء الدقيقة في خلقة الانسان يُعيدها الرب، وكلمة: [نُسَوِّيَ] للتدليل على الانتهاء من الشيء بكلّ تفاصيله.

[بَنانَهُ‏]

سعى علماء البشر كثيراً ليصنعو يداً تشبه يد الانسان، في امكانية تفاعلها مع مختلف المؤثرات، لكنّهم عجزوا فاصبع الانسان الذي يتعامل مع ادقّ الامور، هي تمسك الامور الكبيرة أيضاً، ومن عظمة الخِلقة أيضاً أنّ عدم التشابه بين بصمات البشر بتاتاً إذ أنّ لكلّ شخص بصمته الخاصّة.

لكنّ مشكلة البشر الكبرى هو أنّه يريد اتباع هوى نفسه، وهو السبب الذي يدعوه لعدم الايمان بالآخرة.    


[1] سورة الانبياء، الآية: 47.

[2] ( 1) راجع سورة الواقعة عند الآيتين( 75- 76) و ما يليها.

[3] مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، ج‏11، ص: 212.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الخامس عشر)

“إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ”

بسم الله الرحمن الرحيم


(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبيلاً (29) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكيماً (30)يُدْخِلُ‏ مَنْ يَشاءُ في‏ رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَليماً)

صدق الله العلي العظيم


تفصيل القول
من خصائص سور القرآن الكريم حُسن الختام، وما فيه من بصائر مُرتبطة بسائر مواضيع السورة، وفي ختام سورة الانسان المُباركة بصائر عدّة أيضاً.
البصيرة الأولى: التذكرة
حيث يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ]
ماذا تعني التذكرة؟ ولماذا ذُكرت بمشتقّاتها المختلفة ممّا يقرب 250 مرّة في القرآن الكريم؟
في الاجابة نقول إنّ فرصة التكامل عند البشر تكاد لا تنتهي، وهي أكثر بكثير ممّا ادركها البشر بالفعل، وطريق الوصول الى تلك الفُرص هو التذكّر، لأنّ ترسيخ المعارف والحقائق في القلب، وبلورتها في الوجدان هو الذي يجعل البشر في مسيرة التكامل.
ذلك أنّ مُشكلة البشر الحقيقية هي غفلته عن الحقائق الكُبرى و هو بالتذكرة يرسّخ تلك الحقائق في القلب, يقول ربّنا تعالى: [وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ‏ الْمُؤْمِنينَ]
وهكذا فإنّ الحقائق الكبرى موجودة في فطرة الانسان، وما ذُكر في هذه السورة المباركة من حقائق أيضاً كلّها تذكرة، والأنبياء جاءوا يذكّرو الناس بتلك الحقائق، التي من اهمّها حقيقة الولاية.
ومن هنا نجد الرويات التي تأتي في تبيان التذكرة، تشير الى ذلك المعنى، ففي الحديث عن أبي الحسن الماضي- عليه السّلام-(( قال: قلت: [إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ.]قال- عليه السّلام-: الولاية.))
لأنّ من لا يقبل الولاية، فإنّه لا يتجاوز الامتحانات الأخرى، وهكذا على الانسان أن يجعل التذكرة برنامجاً لحياته من أجل تغيير جذري في شخصيته.
ثم يقول ربّنا تعالى: [فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبيلاً]
خرية الاختيار
ربّنا سبحانه وتعالى ميّز البشر عن باقي المخلوقات بأن منحه حق الانتخاب، ومن لا يستفيد من ذلك الحق فإنّه يفقد الميزة الاساسية للإنسان، ويصبح مصداقاً لقول امير المؤمنين عليه السلام حيث قال: ((هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ‏ كُلِ‏ نَاعِقٍ‏ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيح‏.))
لأنّه لم يستمع القول فيتّبع أحسنه، ولم يتحمّل مسؤولية اخطاءه، فتراه يلقي مسؤولية اخطاءه على الآخرين، بينما على الانسان أن يتحمّل مسؤولية الاختيار عنده، ولا يبقى في مرحلة اللا اختيار لأنّ ذلك يعني الاختيار الخاطئ.
الصراط المستقيم
والسبيل الذي علينا أن نسلكه هو الذي قال عنه ربّنا في فاتحة الكتاب [اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ]‏
وهو صراط اهل البيت الذين انعم الله عليهم، ولا سبيل آخر لنا ولا صراط مستقيم غير صراطهم.
ثمّ يقول ربّنا تعالى: [وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ]
في اللحظات الصعبة على الانسان أن يتوكّل على ربّه فيجبر به ضعف ارادته، لأنّ ارادة المخلوق متّصلة بارادة الله الخالق المُتعال و لا تنشأ لمخلوق مشيئة بدون إذنه، فيسلب البعض توفيق الهداية و يهبه لآخرين.
[إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكيماً]
و لكن ليس اعتباطا، بل على أساس علمه بحال المخلوق و حكمته البالغة.
[يُدْخِلُ‏ مَنْ يَشاءُ في‏ رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَليماً]
و تنتهي السورة بالرحمة، لما ذُكر فيها من النعم الكثيرة التي منحها البشر للمخلوقين، فهو تعالى سبقت رحمته غضبه، ووسعت رحمته كلّ شيء ولكنّه أيضاً أعدّ للظالمين ومن يستحقّون العقاب عذاباً اليماً.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الرابع عشر)

“وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْديلاً] (28)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

صحيح أنّ عالم الغيب مُحيط بعالم الشهود الذي نحن فيه، الّا أنّ البشر بإمكانه النفوذ اليه، يقول ربّنا تعالى: [وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنينٍ‏][1]

فهو تعالى ليس بخيلاً في اعطاء الغيب شريطة أن يكون الطريق الذي يسلكه البشر من أجل الوصول الى الغيب صحيحاً، ومن ذلك النفوذ الى الآخرة، ليس فقط الإيمان النظري بها بل ومعايشتها، حيث يعيش المؤمن الآخرة وهو في الدنيا، ذلك لأنّ خالق الآخرة هو خالق الدنيا كما جاء عن لسان النبي يوسف عليه السلام حيث قال: [أَنْتَ وَلِيِّي‏ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّني‏ مُسْلِماً وَ أَلْحِقْني‏ بِالصَّالِحينَ][2]

وجاء في الدعاء المروي عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّه قال: ((يا رَحْمنَ‏ الدُّنْيا وَ الآخِرَةِ وَ رَحِيمَهُما))[3]

وهكذا الدنيا مرآة الآخرة، فالنار في الآخرة هي نار الدنيا ولكنّها أشدّ 70 ضعفاً، وهكذا النعيم في الآخرة مُضاعف بأضعاف كثيرة عن نعم الرب سبحانه وتعالى لنا في الدنيا.

جاء الحديث الشريف: ((وَ اذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ‏ وَ عَطَشِكُمْ‏ فِيهِ جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ عَطَشَه‏))[4]

 وهكذا يعيش المؤمن الآخرة بكلّ وجوده، و حين يواجه ضغوطات الحياة فإنّه يتجاوزها بتذكّر الآخرة ولا يحزن على ما فاته من الدنيا، لأنّه يعي بوجدانه فناء الدنيا وبقاء الآخرة

 جاء في وصية الامام امير المؤمنين الى الحسن والحسين عليه السلام: ((أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أَنْ لَا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَ لَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا وَ قُولَا بِالْحَقِّ وَ اعْمَلُوا لِلْآخِرَة.))[5]

حينذاك يصبح المؤمن حُرّا، لأنّه يتجاوز كلّ العلائق المادّية و يقيس كلّ شيء بمقياس الآخرة، وذلك يوصله الى جعل التقوى محوراً لحياته.

ومن ذلك أيضاً معرفة الإنسان قُدرة الرب تعالى في الآخرة وبعث الخلائق تارة أخرى، فكما أن رّبنا تعالى خلق الانسان من نطفة أمشاج بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، هو أيضاً يُعيد خلقه في الآخرة.

يقول ربّنا تعالى: [نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ]

بالرغم من أنّ كلمة [شَدَدْنا أَسْرَهُمْ] تعني في الظاهر تقوية خلقهم، الّا أنّ لها معنى أشمل وهو وإسباغ النعم على الانسان وتهيئة كافّة العوامل لابقاء الانسان.

جاء في دعاء الامام الحسين عليه السلام في يوم عرفة:

((ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي‏ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ، بَيْنَ لَحْمٍ وَ جِلْدٍ وَ دَمٍ، لَمْ تُشْهِدْنِي بِخَلْقِي، وَ لَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي. ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيا تامّاً سَوِيّاً، وَ حَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً، وَ رَزَقْتَنِي مِنَ الْغَذاءِ لَبَناً مَرِيّاً، وَ عَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَواضِنِ‏، وَ كَفَّلْتَنِي الأُمَّهاتِ الرَّحائِمَ، وَ كَلَأْتَنِي‏ مِنْ طَوارِقِ الْجانِّ وَ سَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيادَةِ وَ النُّقْصانِ، فَتَعالَيْتَ يا رَحِيمُ يا رَحْمانُ.))[6]

فكم هي العوامل التي هيئها ربّنا تعالى من أجل الانسان لأجل العيش وهو ذات الرب المتعال الذي يبدّل جيل بعد آخر:

 [وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْديلاً]

أي جئنا بآخرين أمثالهم بديلا عنهم، بإهلاكهم، أو بجعلهم الحاكمين، ولو تأمّل الانسان في ذلك ليس فقط يصل الى معرفة الآخرة بل ويعيش الآخرة قبل موته.


[1] سورة التكوير، الآية:24.

[2] سورة يوسف، الآية: 101.

[3] الإقبال بالأعمال الحسنة (ط – الحديثة)، ج‏1، ص: 256.

[4] الأمالي( للصدوق)، النص، ص: 93

[5] روضة الواعظين و بصيرة المتعظين (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 136

[6] الإقبال بالأعمال الحسنة (ط – الحديثة)، ج‏2، ص: 75

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (التاسع)

“رضوان من الله”

بسم الله الرحمن الرحيم


(وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْليلاً (14) وَ يُطافُ‏ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَواريرَا (15)قَواريرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْديراً)

صدق الله العلي العظيم


تفصيل القول
لذّات البشر في الحياة لها مراتب، ومن يستطيع أن يستفيد منها بصورة صحيحة يترّفع عن الشهوات الغير مشروعة، وهكذا نجد أنّ مشكلة الذين يرتكبون المفاسد الأخلاقية أنّهم لم يستفيدوا من النعم بصورة صحيحة وبالتالي لم يصلوا الى الاطئمان والسعادة، بخلاف المؤمن الذي يعيش السعادة، لأنّه لا يتعدّى حدود الرب المتعال في الحياة تجده يلتذّ بالنعم الإلهية ويعيش السعادة في الحياة.
يقول ربّنا تعالى في سورة آل عمران: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ‏ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنينَ وَ الْقَناطيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ]
فغريزة بناء الأسرة وحُبّ البنين، أو امتلاك ما يمنح الانسان مكانة اجتماعية من القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة و الخيل المسوّمة..الخ كلُّ ذلك متاعُ الحياة الدينا ولا يُقاس بما عند الرب سبحانه وتعالى، ومن هنا تجد المؤمن يستفيد من اللذات (المتاع) بأفضل صورة في اطار مرضاة الرب سبحانه وتعالى، فلا ينعزل عن الحياة وينتهج الرُهبانية التي نهى عنها النبي (ص) حين قال لعثمان ابن مضعون: )) إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْنَا الرَّهْبَانِيَّةَ إِنَّمَا رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي‏ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّه‏))
لذة العافية
من الأبعاد المهّمة في الاستفادة والتلذذ بالنعمة هو النظر الى من فُضّلنا عليهم بالنعم،
جاء في الحديث الشريف:
((اكثر النظر الى‏ من فضلت عليه فان ذلك من ابواب الشكر))
ولكن فيما يرتبط بالأبعاد المعنوية، علينا النظر الى من هو أعلى منّا منزلة، وهكذا تُعرف تلك النعمة بوضوح حينما يُشرف أهل الجنّة على النار، فيشكرون الباري عزّ وجلّ على ما أنعم عليهم، جاء في الحديث عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: «مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً إِلَّا جَعَلَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلًا وَ فِي النَّارِ مَنْزِلًا فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَشْرِفُوا فَيُشْرِفُونَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ وَ تُرْفَعُ لَهُمْ مَنَازِلُهُمْ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ مَنَازِلُكُمُ الَّتِي لَوْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ لَدَخَلْتُمُوهَا يَعْنِي النَّارَ قَالَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً مَاتَ فَرَحاً لَمَاتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَرَحاً لِمَا صُرِفَ عَنْهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ النَّارِ ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ فَيَنْظُرُونَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ فَيُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ مَنَازِلُكُمُ الَّتِي لَوْ أَطَعْتُمْ رَبَّكُمْ لَدَخَلْتُمُوهَا قَالَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً مَاتَ حُزْناً لَمَاتَ أَهْلُ النَّارِ حُزْناً فَيُورَثُ هَؤُلَاءِ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ وَ يُورَثُ هَؤُلَاءِ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ‏ [أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ]».
ليس في الآخرة فحسب بل النظر في الابتلاءات عند الناس في الدنيا تزيدنا تحسساً بنعم الباري تعالى علينا.
النعم والاحساس بالفراغ
يبحث الانسان عن اللذّة التي توصله الى الاطمئنان، ويشعر بداخله بالحاجة للوصول الى تلك اللذّة، ولكنّه ما إن يصل الى نعمةٍ ما فإنّه سُرعان ما يشعر بعدم الوصول الى مبتغاه فيبحث عن لذّة أخرى وهكذا الى أن يشعر بالفراغ.
لكنّ الواقع أنّ قلب الانسان يبحث الله، ولذّة مناجاته، والقُرب منه، و تلك هي اللذّة الحقيقية التي نقرء عنها في مناجاة المريدين للامام زين العابدين أنّه قال: ((وَلا تَقْطَعْني عَنْكَ، وَلا تُبْعِدْني مِنْكَ، يا نَعيمي وَجَنَّتي، وَيا دُنْيايَ وَآخِرَتي،))
تلك اللذة التي يشعر بها حجّاج بيت الله الحرام، وزوّار الحسين عليه السلام، حيث يشعرون لحظة من نسيم الحُبّ الالهي، والشعور بالقُرب منه.
و هذه هي النعمة العُظمى في الجنّة جاء في الحديث عن الامام زين العابدين في وصف أهل الجنّة: ((فَيَمْكُثُونَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ إِنَّ الْجَبَّارَ يُشْرِفُ‏ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ أَوْلِيَائِي وَ أَهْلَ طَاعَتِي وَ سُكَّانَ جَنَّتِي فِي جِوَارِي أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وَ أَيُّ شَيْ‏ءٍ خَيْرٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ نَحْنُ فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُنَا وَ لَذَّتْ أَعْيُنُنَا مِنَ النِّعَمِ فِي جِوَارِ الْكَرِيمِ قَالَ فَيَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا نَعَمْ فَأْتِنَا بِخَيْرٍ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رِضَايَ عَنْكُمْ وَ مَحَبَّتِي لَكُمْ خَيْرٌ وَ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ قَالَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ يَا رَبَّنَا رِضَاكَ عَنَّا وَ مَحَبَّتُكَ لَنَا خَيْرٌ لَنَا وَ أَطْيَبُ لِأَنْفُسِنَا ثُمَّ قَرَأَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع هَذِهِ الْآيَةَ: [وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏].))
من يعيش بذلك الرضا في الحياة فإنّه يعيش الجنّة وهو في الدنيا.
سيدّي بحبّك لي
اشتدّ بالناس العطش في مكّة ومنعت السماء قطرها، ولم تنفع صلاة الاستقاء منهم ومن العبّاد والنسّاك ، حتّى التجأ الناس الى الامام زين العابدين عليه السلام، جاء الى بيت الله، وخرّ ساجداً وهو يقول: سَيِّدِي‏ بِحُبِّكَ‏ لِي إِلَّا أَسْقَيْتَهُمُ الْغَيْثَ فَمَا اسْتَتَمَّ الْكَلَامَ حَتَّى أَتَاهُمُ الْغَيْثُ كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ ثُمَّ وَلَّى عَنَّا قَائِلًا
مَنْ عَرَفَ الرَّبَّ فَلَمْ تُغْنِهِ‏ مَعْرِفَةُ الرَّبِّ فَهَذَا شَقِيٌ‏
مَا ضَرَّ فِي الطَّاعَةِ مَا نَالَهُ‏ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَ مَا ذَا لَقِيَ‏
مَا يَصْنَعُ الْعَبْدُ بِعِزِّ الْغِنَى‏ وَ الْعِزُّ كُلُّ الْعِزِّ لِلْمُتَّقِي‏


وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْليلاً (14) وَ يُطافُ‏ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَواريرَا (15)قَواريرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْديراً
تفصيل القول
لذّات البشر في الحياة لها مراتب، ومن يستطيع أن يستفيد منها بصورة صحيحة يترّفع عن الشهوات الغير مشروعة، وهكذا نجد أنّ مشكلة الذين يرتكبون المفاسد الأخلاقية أنّهم لم يستفيدوا من النعم بصورة صحيحة وبالتالي لم يصلوا الى الاطئمان والسعادة، بخلاف المؤمن الذي يعيش السعادة، لأنّه لا يتعدّى حدود الرب المتعال في الحياة تجده يلتذّ بالنعم الإلهية ويعيش السعادة في الحياة.
يقول ربّنا تعالى في سورة آل عمران: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ‏ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنينَ وَ الْقَناطيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ]
فغريزة بناء الأسرة وحُبّ البنين، أو امتلاك ما يمنح الانسان مكانة اجتماعية من القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة و الخيل المسوّمة..الخ كلُّ ذلك متاعُ الحياة الدينا ولا يُقاس بما عند الرب سبحانه وتعالى، ومن هنا تجد المؤمن يستفيد من اللذات (المتاع) بأفضل صورة في اطار مرضاة الرب سبحانه وتعالى، فلا ينعزل عن الحياة وينتهج الرُهبانية التي نهى عنها النبي (ص) حين قال لعثمان ابن مضعون: )) إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْنَا الرَّهْبَانِيَّةَ إِنَّمَا رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي‏ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّه‏))
لذة العافية
من الأبعاد المهّمة في الاستفادة والتلذذ بالنعمة هو النظر الى من فُضّلنا عليهم بالنعم،
جاء في الحديث الشريف:
((اكثر النظر الى‏ من فضلت عليه فان ذلك من ابواب الشكر))
ولكن فيما يرتبط بالأبعاد المعنوية، علينا النظر الى من هو أعلى منّا منزلة، وهكذا تُعرف تلك النعمة بوضوح حينما يُشرف أهل الجنّة على النار، فيشكرون الباري عزّ وجلّ على ما أنعم عليهم، جاء في الحديث عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: «مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً إِلَّا جَعَلَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلًا وَ فِي النَّارِ مَنْزِلًا فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَشْرِفُوا فَيُشْرِفُونَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ وَ تُرْفَعُ لَهُمْ مَنَازِلُهُمْ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ مَنَازِلُكُمُ الَّتِي لَوْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ لَدَخَلْتُمُوهَا يَعْنِي النَّارَ قَالَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً مَاتَ فَرَحاً لَمَاتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَرَحاً لِمَا صُرِفَ عَنْهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ النَّارِ ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ فَيَنْظُرُونَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ فَيُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ مَنَازِلُكُمُ الَّتِي لَوْ أَطَعْتُمْ رَبَّكُمْ لَدَخَلْتُمُوهَا قَالَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً مَاتَ حُزْناً لَمَاتَ أَهْلُ النَّارِ حُزْناً فَيُورَثُ هَؤُلَاءِ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ وَ يُورَثُ هَؤُلَاءِ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ‏ [أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ]».
ليس في الآخرة فحسب بل النظر في الابتلاءات عند الناس في الدنيا تزيدنا تحسساً بنعم الباري تعالى علينا.
النعم والاحساس بالفراغ
يبحث الانسان عن اللذّة التي توصله الى الاطمئنان، ويشعر بداخله بالحاجة للوصول الى تلك اللذّة، ولكنّه ما إن يصل الى نعمةٍ ما فإنّه سُرعان ما يشعر بعدم الوصول الى مبتغاه فيبحث عن لذّة أخرى وهكذا الى أن يشعر بالفراغ.
لكنّ الواقع أنّ قلب الانسان يبحث الله، ولذّة مناجاته، والقُرب منه، و تلك هي اللذّة الحقيقية التي نقرء عنها في مناجاة المريدين للامام زين العابدين أنّه قال: ((وَلا تَقْطَعْني عَنْكَ، وَلا تُبْعِدْني مِنْكَ، يا نَعيمي وَجَنَّتي، وَيا دُنْيايَ وَآخِرَتي،))
تلك اللذة التي يشعر بها حجّاج بيت الله الحرام، وزوّار الحسين عليه السلام، حيث يشعرون لحظة من نسيم الحُبّ الالهي، والشعور بالقُرب منه.
و هذه هي النعمة العُظمى في الجنّة جاء في الحديث عن الامام زين العابدين في وصف أهل الجنّة: ((فَيَمْكُثُونَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ إِنَّ الْجَبَّارَ يُشْرِفُ‏ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ أَوْلِيَائِي وَ أَهْلَ طَاعَتِي وَ سُكَّانَ جَنَّتِي فِي جِوَارِي أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وَ أَيُّ شَيْ‏ءٍ خَيْرٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ نَحْنُ فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُنَا وَ لَذَّتْ أَعْيُنُنَا مِنَ النِّعَمِ فِي جِوَارِ الْكَرِيمِ قَالَ فَيَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا نَعَمْ فَأْتِنَا بِخَيْرٍ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رِضَايَ عَنْكُمْ وَ مَحَبَّتِي لَكُمْ خَيْرٌ وَ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ قَالَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ يَا رَبَّنَا رِضَاكَ عَنَّا وَ مَحَبَّتُكَ لَنَا خَيْرٌ لَنَا وَ أَطْيَبُ لِأَنْفُسِنَا ثُمَّ قَرَأَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع هَذِهِ الْآيَةَ: [وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏].))
من يعيش بذلك الرضا في الحياة فإنّه يعيش الجنّة وهو في الدنيا.
سيدّي بحبّك لي
اشتدّ بالناس العطش في مكّة ومنعت السماء قطرها، ولم تنفع صلاة الاستقاء منهم ومن العبّاد والنسّاك ، حتّى التجأ الناس الى الامام زين العابدين عليه السلام، جاء الى بيت الله، وخرّ ساجداً وهو يقول: سَيِّدِي‏ بِحُبِّكَ‏ لِي إِلَّا أَسْقَيْتَهُمُ الْغَيْثَ فَمَا اسْتَتَمَّ الْكَلَامَ حَتَّى أَتَاهُمُ الْغَيْثُ كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ ثُمَّ وَلَّى عَنَّا قَائِلًا
مَنْ عَرَفَ الرَّبَّ فَلَمْ تُغْنِهِ‏ مَعْرِفَةُ الرَّبِّ فَهَذَا شَقِيٌ‏
مَا ضَرَّ فِي الطَّاعَةِ مَا نَالَهُ‏ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَ مَا ذَا لَقِيَ‏
مَا يَصْنَعُ الْعَبْدُ بِعِزِّ الْغِنَى‏ وَ الْعِزُّ كُلُّ الْعِزِّ لِلْمُتَّقِي‏

تلك هي المرتبة السامية حيث يحبهم الله ويحبونه ورضي عنهم ورضو عنه، هذا في الدنيا أمّا في الجنة فرضوان من الله اكبر، يقول ربّنا تعالى: [وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها]
ليس لأنّ فيها شمسا و حرّا، بل هي كناية عن تناسب أشجار الجنة و حالة الرفاه المهيّأة لأهلها بحيث تغطّي فوقهم. و لكنّها في نفس الوقت قريبة ثمارها إليهم، ميسّرة عليهم تناولها.
[وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْليلاً]
و المفعول المطلق «تذليلا» يفيد التأكيد و المبالغة، أي أنّها مذلّلة أيّما تذليل،
[وَ يُطافُ‏ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَواريرَا]
و لعلّ الآنية المطاف بها هي التي يستقلّ الولدان فيها أكواب الشراب، أو التي يكون فيها الشراب الذي يصبّ في الأكواب بعدئذ، أو هي أواني الأكل و الفواكه التي يحملها الولدان إلى أولياء اللّه عزّ و جل. بينما الأكواب هي الكؤوس التي لها مقبض و عروة، و في صنعتها الرائعة تتجلّى قدرة اللّه و كرامته لأوليائه.
[قَواريرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْديراً]
قال الإمام الصادق (ع): «ينفذ البصر في فضّة الجنة كما ينفذ في الزجاج‏))
و لن يستطيع بشر تصوّر شي‏ء من نعيم الجنة على حقيقتها أبدا، رزقنا الله واياكم الجنّة بحق محمد وآل محمد.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (السابع)

“لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَوَقاهُمُ‏ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً](11)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

ماذا يوجد في الجنان من النعيم؟ حتّى أنّك تجد عباد الله المخلصون يزهدون عن كلّ ما في الدنيا لنيلها، والخلود فيها، وهكذا تجد الشوق الى الجنّة عُدّ من دعائم الصبر الذي هو أصل الإيمان، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ((فمن اشتاق‏ الى‏ الجنّة سلا عن الشّهوات))[1].  إنّهم عرفوا حقيقة الدنيا وزوالها، وأنّ الدار الآخرة هي الحيوان، فتراهم يصبرون أياماً قليلة لتعقبها راحة أبدية.

النبي عيسى عليه السلام والغلام

مرّ النبي عيسى عليه السلام على قرية، ونقل غلاماً من حياة عادّية الى أفضل حياة حيث زوّجه بابنة الملك، و لَمْ يَكُنْ لِلْمَلَكِ وَلَدٌ غَيْرُ هَذِهِ الِابْنَةِ فَجَعَلَهُ الْمَلِكُ وَلِيَّ عَهْدِهِ وَ وَارِثَ مِلْكِهِ وَ أَمَرَ خَوَاصَّهُ وَ أَعْيَانَ مَمْلَكَتِهِ بِبَيْعَتِهِ وَ طَاعَتِهِ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ مَاتَ الْمَلِكُ فَأَجْلَسُوا الْغُلَامَ عَلَى سَرِيرِ الْمَلِكِ وَ أَطَاعُوهُ وَ سَلَّمُوا إِلَيْهِ خَزَائِنَهُ فَأَتَاهُ عِيسَى عليه السلام فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لِيُوَدِّعَهُ فَقَالَ الْغُلَامُ أَيُّهَا الْحَكِيمُ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ حُقُوقاً لَا أَقُومُ بِشُكْرِ وَاحِدٍ مِنْهَا وَ لَكِنْ عَرَضَ فِي قَلْبِي الْبَارِحَةَ أَمْرٌ لَوْ لَمْ تُجِبْنِي عَنْهُ لَمْ أَنْتَفِعْ بِشَيْ‏ءٍ مِمَّا حَصَّلْتَهَا لِي فَقَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ الْغُلَامُ إِنَّكَ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ تَنْقُلَنِي مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ الْخَسِيسَةِ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ فِي يَوْمَيْنِ فَلِمَ لَا تَفْعَلُ هَذَا لِنَفْسِكَ وَ أَرَاكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَمَّا أَحْفَى فِي السُّؤَالِ قَالَ لَهُ عِيسَى:

إِنَّ الْعَالِمَ بِاللَّهِ وَ بِدَارِ ثَوَابِهِ وَ كَرَامَتِهِ وَ الْبَصِيرَ بِفِنَاءِ الدُّنْيَا وَ خِسَّتِهَا لَا يَرْغَبُ إِلَى هَذَا الْمُلْكِ الزَّائِلِ وَ إِنَّ لَنَا فِي قُرْبِهِ تَعَالَى وَ مَعْرِفَتِهِ وَ مَحَبَّتِهِ لَذَّاتٍ رُوحَانِيَّةً لَا تُعَدُّ تِلْكَ اللَّذَّاتُ الْفَانِيَةُ عِنْدَهَا شَيْئاً فَلَمَّا أَخْبَرَ بِعُيُوبِ الدُّنْيَا وَ آفَاتِهَا وَ نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَ دَرَجَاتِهَا قَالَ الْغُلَامُ فَلِي عَلَيْكَ حُجَّةٌ أُخْرَى لِمَ اخْتَرْتَ لِنَفْسِكَ مَا هُوَ أَوْلَى وَ أَحْرَى وَ أَوْقَعْتَنِي فِي هَذِهِ الْبَلِيَّةِ الْكُبْرَى فَقَالَ عِيسَى ع إِنَّمَا اخْتَرْتُ لَكَ ذَلِكَ لِأَمْتَحِنَكَ فِي عَقْلِكَ وَ ذَكَائِكَ وَ لِيَكُونَ لَكَ الثَّوَابُ فِي تَرْكِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُيَسَّرَةِ لَكَ أَكْثَرَ وَ أَوْفَى وَ تَكُونَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِكَ فَتَرَكَ الْغُلَامُ الْمُلْكَ وَ لَبِسَ أَثْوَابَهُ الْبَالِيَةَ وَ تَبِعَ عِيسَى عليه السلام.

ثلاثة أبعاد هامّة تجعل المؤمن يرغب في الآخرة ويزهد عن الدنيا.

اولاً: النجاة من النار، حيث يجد المؤمن نفسه في بحبوحة الرحمة الالهية بينما يُعّذب غيره في النار، إنّ تلك نعمة عظيمة يرغب بها المؤمن، يقول تعالى:

[فمَنْ زُحْزِحَ‏ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُور][2]

  ويقول تعالى: [وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ][3]

الدعاء بالخلاص من النار بعد طلب الحسنة في الآخرة يعني أهميّة تلك النعمة الالهية، لأنّه قد يُعذّب الانسان في النار آلاف السنوات ثم يدخل الجنة، ومن هنا نقرء في دعاء الامام الحسين عليه السلام في عرفة، ((اللّهمّ حاجتى الّتى ان‏ اعطيتنيها لم يضرّنى ما منعتنى و ان منعتنيها لم ينفعنى ما اعطيتنى أسألك فكاك رقبتى من النّار.))

ثانياً: الترحيب الذي يُستقبل به أهل الجنة كما يقول ربّنا تعالى: [وَ سيقَ الَّذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ‏ فَادْخُلُوها خالِدينَ][4]

ويقول تعالى: [إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ‏ مَشْكُوراً][5]

ثالثاً: هو أنّهم يُسقون من شرابٍ طهور، يُطهّر قلوبهم من الأمراض والأدران، ويضاعف قوتهم الجسدية أضعافاً مضاعفة يقول ربّنا تعالى: [وَ سَقاهُمْ‏ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً][6]

فهو يطهّر كلّ الأمراض الظاهرية والباطنية، ونحن علينا أن نُقرّب أنفسنا من صفات أهل الجنّة وذلك من خلال تزكية أنفسنا، من الأغلال والأحقاد والحسد والكبر، حينذاك سنعيش الجنّة ونحن في الدنيا، ونكون من أهل الجنّة في الآخرة أيضاً.


[1] الغارات (ط – الحديثة)، ج‏1، ص: 136.

[2] سورة آل عمران، الآية185.

[3] سورة البقرة، الآية: 201.

[4] سورة الزمر، الآية 73.

[5] سورة الإنسان، الآية 22.

[6] سورة الإنسان، الآية21.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (السادس)

“يُطْعِمُونَ‏ الطَّعامَ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَ يُطْعِمُونَ‏ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكيناً وَ يَتيماً وَ أَسيراً] (8)

صدق الله العلي العظيم

من الحديث

عن ابن عبّاس قال: ((مرض الحسن و الحسين فعادهما جدّهما و وجوه العرب، و قالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا؟ فنذر صوم ثلاثة أيّام إن شفاهما اللّه سبحانه، و نذرت فاطمة (عليها السلام) و كذلك فضة، فبرءا و ليس عندهم شي‏ء، فاستقرض علي- عليه السلام- ثلاثة أصوع من شعير من يهودي، و روي: أنّه أخذها ليغزل له صوفا، و جاء به إلى فاطمة فطحنت صاعا منها فاختبزته و صلّى علي (ع) المغرب و قرّبته إليهم فأتاهم مسكين يدعوهم و سألهم فأعطوه و لم يذوقوا إلّا الماء، فلمّا كان اليوم الثاني أخذت صاعا و طحنته و اختبزته و قدّمته إلى علي (ع) فإذا يتيم بالباب يستطعم فأعطوه و لم يذوقوا إلّا الماء، فلما كان اليوم الثالث عمدت الباقي فطحنته و اختبزته و قدّمته إلى علي (ع) فإذا أسير بالباب يستطعم فأعطوه و لم يذوقوا إلّا الماء، فلمّا كان اليوم الرابع و قد قضوا

نذورهم أتى علي و معه الحسن و الحسين- عليهم السلام- إلى النبي- صلّى اللّه عليه و آله- و بهما ضعف فبكى رسول اللّه (ص) و نزل جبرئيل بسورة:[هل أتى]))[1].

تفصيل القول

دين الرب سبحانه وتعالى كما كلّ مخلوقاته كامل، فهو شاملٌ لأبعاد الحياة المُختلفة، ابتداءاً من العقائد، والى الأخلاق والآداب، والتشريعات، والنظام السياسي و..الخ، ومن الأبعاد الهامّة التي جاء بها الاسلام هو البُعد الإجتماعي، ولو بحثنا في الواجبات الدينية سنجد أنّ ما لا يقل عن 60% من الواجبات مرتبطة بالبُعدِ الإجتماعي،والتي يلخّصها حديث النبي صلّى الله عليه وآله حين قال: ((كُلُّكُمْ‏ رَاعٍ‏ وَ كُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.))[2]

ونحن بمناسبة الحديث عن الإطعام للطبقات المستضعفة، والموقف الذي خلّده القرآن الكريم ليكون لنا عبرة وبرنامج عمل، بمناسبة ذلك نتحدّث عن بعض الواجبات الاجتماعية التي اكّد عليها القرآن الكريم.

المسؤولية الأولى: التواصي.

الواجب الأوّل هو التواصي الذي يكون بين المؤمنين على اختلاف اعمارهم و مكانتهم، بلا فرق بين صغير وكبير وحاكمٍ ومحكوم، فعلى الجميع العمل بالتواصي، في سورة العصر حيث يُبيّن ربّنا تعالى طريق النجاة من الخُسر الذي يشمل كلّ انسان يقول ربّنا: [إِلاَّ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ][3]

وهو يشمل ارشاد الجاهل والدعوة الى الله، كما ويشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، كلّ ذلك لأنّ الانسان قد تخور عزيمته في مواجهة هوى نفسه ووساوس الشيطان الرجيم، ويأتي التواصي ليجبر هذا النقص، يقول ربّنا تعالى: [ادْعُ‏ إِلى‏ سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ][4]

فالحِكمة تعني درك الزمان، وهكذا الموعظة الحسنة التي تعني اختيار الأسلوب الصحيح لأجل تحقيق الهدف من التواصي وهو جبران النقص الارادة في الروح.

 المسؤولية الثانية: التشاور

يقول ربّنا تعالى: [وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ بَيْنَهُمْ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ][5]

لأنّ ربّنا تعالى أعطى لكلّ شخص نسبة من العقل، فهو ينظر الى الحقائق من زاوية مُعيّنة وهكذا يأتي التشاور وجمع عقول الناس قوّة عقلية، يقول النبي (ص): ((أعلم الناس من جمع‏ علم‏ الناس‏ الى‏ علمه .))[6]

وهكذا على الانسان أن يجعل من التشاور برنامجاً لحياته، سواءاً على صعيد الأسرة والتشاور مع الزوجة والأولاد، أو على صعيد عموم المجتمع.

المسؤولية الثالثة: التعاون.

في عالم اليوم نجد تشاور آلاف العلماء من أجل تحقيق انجاز علمي مُعيّن، وهذه سُنّة الحياة وُضعت بحيث تقدّم البشر مُرتبط بالتعاون فيما بينهم، ونتيجته القوّة في العمل، وفي اطار المجتمع الاسلامي لابدّ من تنمية روح التعاون بين ابناءه كما يقول الرب المُتعال:

[وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوان‏][7]

المسؤولية الرابعة: الإحسان

لأنّ في المجتمع طبقات مُستضعفة لابدّ من الإحسان اليها، ومن دون العمل بهذه المسؤولية لا تكتمل المسؤوليات الإجتماعية.

الإحسان والبذل الاقتصادي ليس هامشياً في الدين بل هو من صلب الدين الإسلامي، ولعلّ المصداق الأوضح له هو (الإطعام) وطالما أكّد الدين الحنيف عليه إن من خلال الكفّارات التي جُعلت اطعام للمساكين، أو الحث عليه وتشجيع ابناء المجتمع على اطعام الطعام، لماذا؟ لأنّ أوّل حق للبشر على بني جنسه أن لا يبقى جاعاً وقد قال النبي صلّى الله عليه وآله: (( لِكُلِ‏ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ.))[8] حيث أنّه يشمل حتّى غير الإنسان فكيف بالبشر.

يقول ربّنا تعالى: [وَ يُطْعِمُونَ‏ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكيناً وَ يَتيماً وَ أَسيراً]

اولئك الأبرار الذين يشربون من كأسٍ كان مزاجها كافوراً، وينعمون في النعيم الأبدي في الجنّة، كان حياتهم العطاء و الإحسان، وعلينا أن نقتدي بفعالهم أيضاً للحوق بهم.

ولابدّ من البحث عن الطبقات المحرومة لأجل الإطعام من المساكين، الى الأيتام الذين لابدّ من توفير الحنان والرعاية لهم مع توفير الطعام، كما ويهتمّ الاسلام بالأسير الذي ليس بمسلم، وهذه الرؤية الشمولية التي نتعلّمها من كتاب الله في الإحسان الى الطباقت المستضعفة.


[1] ( 1) مجمع البيان/ ج 10 ص 405 بنقل صاحب نور الثقلين.

[2] بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏72، ص: 38.

[3] سورة العصر، الآية: 3.

[4] سورة النحل، الآية: 125.

[5] سورة الشورى، الآية .38.

[6] الحياة / ترجمه احمد آرام، ج‏1، ص: 66

[7] سورة المائدة، الآية : 2.

[8] جامع الأخبار(للشعيري)، ص: 139.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الخامس)

“يوفون بالنذر”

بسم الله الرحمن الرحيم

[يُوفُونَ‏ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً] (7)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

بون شاسع بين الانسان الشاكر والكفور، إذ أنّ الشُكر ليس مجرّد اذكار في اللسان بل يرتبط بمجمل حياة الانسان، وفي الآية السابعة من سورة الانسان الُمباركة يُبيّن ربّنا تعالى بعض صفات الانسان الشاكر، حيث يقول ربّنا: [يُوفُونَ‏ بِالنَّذْرِ]

اوّل صفة يبّنها ربّنا تعالى هو الوفاء بالنذر وهو يشمل الالتزام بالمواثيق الشخصية التي يعطيها الانسان، ولكن هناك معنى اوسع واشمل للوفاء بالنذر وهو ما يبيّنه الامام الرضا عليه السلام حيث يقول: «[يوفون بالنذر] الذي أخذ عليهم من ولايتنا»[1]، وعنه قال‏: «يوفون للّه بالنذر الذي أخذ عليهم في الميثاق من ولايتنا».[2]

فالوفاء بالنذر يعني الوفاء بذلك الميثاق الذي كان في عالم الذر.

المواثيق وفلسفة التاريخ

لو بحثنا في التاريخ الانساني عن سرّ نهوض الحضارات وتقدّمها أو شيخوتها و انهيارها سنجد أنّ ذلك عائدٌ الى الالتزام بالمواثيق، فحينما يلتزم مجموعة من البشر ولسبب ما بالعهود فيما بينهم أو ما يسمّى (بالعقد الاجتماعي) فإنّهم يشكّلون المُدنيات والتقدّم، وحينما تخور عزائمهم، و ينقضون العهود، ولا يلتزمون بالمواثيق، فإنّ الحضارة تشيخ وتموت.

وسبب اجتماع البشر والتزامهم بالمواثيق قد تكون الأخطار التي تُحيط بهم ويضطرّون بسببها الى التعاون والتكاتف، وهو سبب تشكّل أكثر الحضارات البشرية، أو قد يكون خطراً خارجياً من عدوٍ يريد أن يفتك بهم أو ما شابه، ولكن هناك سبب ثالث تغافل كُتّاب التاريخ عنه عمداً، وهي الحضارات التي منشئها السماء، ويأتي بها الأنبياء الى الأرض، وبالتالي المواثيق الالهية التي تكون سبباً في نشوء المدنيات والحضارات، فمع نزول أوّل البشر كانت الحضارة الإلهية حاضرة انشأها النبي آدم عليه السلام ثم استمرّت مع شيث و ادريس النبي عليهم السلام وحينما بدء البشر بالانحراف عن تلك الحضارة ارسل الله تعالى النبي نوح عليه السلام لإصلاح مسير الحضارة..وهكذا جاء الأنبياء بحضارات للبشرية لعلّ أهمّها كانت الحضارة الاسلامية التي جاء بها النبي الكريم محمد صلّى الله عليه وآله، والتي لا نشك أنّ لها أكبر الأثر في تقدّم البشرية.

ربّنا سبحانه وتعالى يقول: [يُوفُونَ‏ بِالنَّذْرِ]

وهو ذاته الميثاق الذي أخذه النبي (صلى الله عليه وآله) من المؤمنين مراراً من بيعة الشجرة والى بيعة الغدير.

ربّما يكون السبب في نقض العهود عند الناس هو انتهاء الداعي اذا كان خطراً خارجياً أو داخلياً اجتمع بسببه الناس، ولعلاج ذلك لابدّ من معرفة أن وجود العدو من طبيعة الحياة التي قال عنها ربّنا تعالى: [وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حينٍ][3]

وبالتالي فدواعي الالتزام بالمواثيق تبقى مستمرّة.

أما الطريق الثاني الذي يكون داعياً لاستمرار الالتزام بالمواثيق حين لا يكون الداعي مرتبط بالمصالح المادّية، بل حين تكون الدوافع معنوية، وهذا ما تُبيّنه الآية الكريمة من سورة الانسان حيث يقول ربّنا تعالى: [يُوفُونَ‏ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً]

فالخوف من الآخرة هو الدافع لوفاءهم بالنذر و التزامهم بالعهود والمواثيق، وخصوصاً ذلك الميثاق الذي كان في عالم الذر.

وهكذا لابدّ أن نجعل الخوف من الآخرة مِحور لثقافتنا في الحياة، وجذراً لفهم حقائق الحياة.

[وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً]

الحديث عن القيامة يأتي بذكر اليوم دائماً، صحيح أنّه خمسين ألف سنة، ولكن يبقى يوماً واحداً لا استراحة فيه ولا تعطيل.

ذلك اليوم العبوس القمطرير الذي كان شرّه مسطيراً شاملاً وعظيما، وهكذا علينا أن ننُمّي في داخلنا جذر الايمان بالله والخوف من الآخرة و ليكون ذلك دافعاً للوفاء بالنذر عندنا يقول ربّنا تعالى في سورة النحل: [وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ.][4]

وبذلك يفلح المؤمن في الدارين..نسأل الله أن يوفّقنا لذلك.


[1] ( 1) نور الثقلين/ ج 5 ص 477.

[2] ( 2) المصدر/ ص 478.

[3] سورة البقرة، الآية 36.

[4] سورة النحل، الآية:  91.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثاني)


“مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏”

بسم الله الرحمن الرحيم

[هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً(1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ نَبْتَليهِ فَجَعَلْناهُ سَميعاً بَصيراً (2)]

صدق الله العلي العظيم

من الحديث

عن زرارة قال‏ سألت أبا جعفر (الإمام الباقر)- عليه السلام- عن قوله: «الآية» فقال: «كان شيئا و لم يكن مذكوراً»[1]

تفصيل القول

وجدان الانسان مستودع المعارف، حيث أنّ كلّ الحقائق التي يُسئل عنها الانسان يوم القيامة موجودة في داخله، ولكن بصورة مُجملة، وبالايمان والعلم تتحوّل الحقائق الى تفصيل.

فنعلم بوجداننا أنّنا لم نكن شيئاً، أو لم نكن مذكورين، حيث كُنّا في علم الله وفي العوالم التي سبق هذا العالم، ونعلم بوجداننا أيضاً أنّ هناك خالقاً حوّلنا من عالم الى عالم وجاء بنا الى هذه الحياة، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، تلك النعم التي ليس فقط لا نستطيع شكرها، بل ولا نستطيع ادراكها وعدّها، اقول: الآن وبعد التحوّل الذي حدث لنا، وقد أصبح الانسان شيئاً مذكوراً، لابدّ من التساؤل عن الهدف من الوجود، خصوصاً وأنّنا نعلم حكمته تعالى وتقديره، فلابدّ من البحث عن الحِكمة والهدف من الوجود؟

الآية الثانية من السورة تُجيب عن ذلك بقوله تعالى:

[إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ نَبْتَليهِ]

فالهدف هو الابتلاء والامتحان، ولكن قبل أن نخوض في تفصيل ذلك نتساءل عن مع قوله: [نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏] ليكون مدخلاً للحديث عن الابتلاء.

معنى الأمشاج كما في اللغة هو الاختلاط الذي لا يمكن فصله، فهو يعني أولاً: اختلاط ماء الرجل بالمرأة كما جاء في الحديث عن الإمام الباقر (ع): «ماء الرجل و المرأة اختلطا جميعا»[2]

ثانياً: معنى الآية هو امتزاج النور حيث نفخ الرب سبحانه وتعالى من روحه في الانسان والنار حيث الطين الذي خُلق منه، ويمكن التدليل على هذا المعنى مضافاً للروايات الواردة في بيان ذلك الى العلاقة بين كلمة [أَمْشاجٍ‏] [نَبْتَليهِ] حيث أن مقتضى الابتلاء هو الثنائية في خلقة الانسان بين البُعد الالهي والبُعد الدوني المرتبط بطبيعة البشر.

الابتلاء هدف الحياة

اذن جوهر الحياة الذي يعيه الانسان بوجدانه هو الابتلاء ، ومقتضاه تعدد الاختيارات ممّا يعطي للانسان حق الانتحاب، ذلك الحق الذي اعطاه الرب بنسبة أو بأخرى لكلّ المخلوقات كما قال تعالى: [ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعينَ‏] (11)

 لكن الاختيار بمقدار كبير جُعل للانسان و نتيجة ذلك أن مسؤوليته أيضاً تتعاظم وبالتالي جزاؤه ايضاً عظيم للمطيعين وعقابه شديد للعاصين.


[1] نور الثقلين، ج 5 ص 468.

[2] نور الثقلين، ج 5 ص 469.

تفسير سورة المزمل المباركة _الدرس الاول

_مواجهة التيارات الفاسدة_

كربلاء المقدسه _يوم الثلاثاء2019/03/26م الموافق 18/رجب الاصب/1440هـ تدبر القران الكريم لسماحه السيد المرجع المدرسي(دام ظله)عرض المزيد

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الرابع)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

{ قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (4) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)}.

صدق الله العلي العظيم

 

يتأرجح البشر بين الهوى والهدى، فالنفس والشيطان يسولان له جانب الهوى أبداً، بينما عقله وضميره وأهل الذكر من حوله يدعونه إلى الهدى.

فإذا إتبع هوى نفسه فإنه سيرى كل شيء في الحياة، من نافذة الهوى ويقيس كل شيء بحسب ما ينفعه أو يضره، بينما إذا إتبع الهوى كان له نظرة واقعية وموضوعية لكل شيء.

ومن هنا، إذا إتبع المرء هواه فإنه لا يرى لأحدٍ أو لشيءٍ حقاً إلا ذاته أو ما إرتبط بها، ومن ثم سيدخل في إطار الظلم للآخرين، فإذا رأى لأبيه أو أمه أو من حوله حقاً ما، فذلك من زاية نفسه وذاته، لأنه يرى نفسه المحور في الوجود، ترى كيف يمكن الخلاص من هذه الحالة؟ ولماذا أسرّ الظالمون النجوى ولم يصرحوا بما لديهم من مخالفات للرسالة؟

أسرّوا قولهم لأنه ليس حقاً، فكانوا يريدون إستقطاب الآخرين معهم، إذ قد يريد البعض عمل عملٍ ما في بعض الأحيان دون أن يتحمل مسؤوليته، فيسعى لطرقٍ ملتوية تخلصه من ذلك.

ومن هنا فإن الإنسان مطالب بأن لا يرى الأمور من نافذة العواطف والمصالح والمسبقات الذهنية، ولذلك فإنا كلفنا بأن نطلب من الله الهداية إلى الصراط المستقيم، لأن النفس الأمارة بالسوء لا تتركنا لحظة واحدة، كأمواج البحر التي ترمي المركب بعيداً عن الشاطئ.

وهكذا كان لزاماً البحث عن مقياس يعرف به الإنسان الحق والباطل، فما هو ذلك المقياس؟

المقياس هو الله سبحانه، فمن خلال الرجوع إليه عبر الوسائل يمكن التمييز بين الحق والباطل، وبين الهدى والهوى، إذ لكل ميزانٍ في العالم أصلٌ يرجع إليه، كما في ميزان الوزن والوقت حيث يرجع إلى الأصل إذا حصل الخلاف فيها، وأصل الحق الذي يرجع إليه إذا إختلف فيه هو الله سبحانه، ومن هنا قال الله سبحانه:

  • {قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ}

يعلمه، ويحدد الحق منه عن الباطل، كما أنه سبحانه يعلم نجوى الذين أسروه.

  • { وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ}

سميعٌ بما يقول الناس وعليمٌ بدوافعهم.

عقبات الهدى

سورة الأنبياء وردت للإيمان بهم عليهم السلام، وفي البدء لابد من التمهيد لذلك عبر بيان العقبات وسبل ومواجهتها، ومن تلك العقبات المسبقات الذهنية، التي هي أخطر ما لدى الإنسان من موانع في طريق الإيمان، فهي تخلق الثقافة الباطلة والمهيمنة على الإنسان، وحينذ فلابد أن يحكّم الإنسان عقله على نفسه دوماً لكيلا تؤثر فيه مسبقاته، والسبيل إلى ذلك هو ذكر الله سبحانه دوماً قال الله سبحانه:{ ُوَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسيتَ وَ قُلْ عَسىأَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدا}[1].

 

الآية المبصرة

  • { فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)}

بعد تلك التهم، طالبوا النبي صلى الله عليه وآله بأن يسأل ربه بتسيير جبال تهامة لكي يتسنى لهما الزراعة في مكة كآيةٍ ليؤمنوا به، وحين سأل النبي صلى الله عليه وآله ربه ذلك فأوحى إليه الله أنه يفعل ما يريدون ولكن إن لم يؤمنوا بعدئذٍ سيعذبهم عذاباً شديداً، ولكن النبي صلى الله عليه وآله سأل ربه أن لا يفعل ذلك رحمةً بهم.

وكل آيةٍ مبصرةٍ أرسلها الله سبحانه على قومٍ في التاريخ، إنتهت بدمار الذين لم يؤمنوا بها، كآيات موسى عليه السلام التسع، حيث إنتهى المطاف بإغراق قوم فرعون وإدخالهم النار، وكذا ناقة النبي صالح عليه السلام، وقوم ثمود الذين عقرواها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها.

ومن هنا، إذا سأل أحدنا حاجةً من ربه فأستجاب له عليه أن يؤدي شكر تلك النعمة بالقول والعمل، وإلا سيكون مصيرها إلى الزوال أولأً، وربما إنقلاب الحال إلى الأسوء ثانياً.

  • { ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) }

كما قريش، طلب الأقوام السابقة من أنبيائهم أن يأتوا بآية مبصرة، ولكنهم حين لم يؤمنوا بها أهلكهم الله سبحانه، فإذا كفر هؤلاء فسيكون مصيرهم ذات المصير.

  • {وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ}

في الآية الثالثة من السورة، ذكر الرب سبحانه إعتراض الكفار على كون المرسل بشراً كما هم، والحال أن إرادة الرب سبحانه تقتضي ذلك، حيث يرسل إلى البشر من هو منهم وقريب إليهم، فلا وجه للإعتراض، خصوصاً أن العرب كانوا يعرفون برسالات الأنبياء السابقين، وأنهم – الأنبياء- لم يكونوا من الملائكة أو الجان، بل كانوا بشراً أيضاً.

ولفظ ” الرجال” لا يعنى منه صفة الذكورية فقط، بل يراد منه توفر كل صفات الرجولة في النبي المرسل، فالنبي تتوفر فيه صفتان:

الأولى: صفة ذاتية، فهو مختارٌ من أفضل الناس.

والثانية: الوحي الذي يعتبر صفةً موضوعية للنبي.

  • فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)}.

سؤال أهل الذكر سبيل للوصول إلى الحقيقة تكلمةً للمنجهية التي ذكرناها سابقاً.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الكهف: الآية 24

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثامن)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً (13) وَ رَبَطْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (14) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15)}

 صدق الله العلي العظيم

إحاطة الرب سبحانه لخليقته أمرٌ بيّن إذ كل ذرةٍ في هذا الوجود وأي مخلوقٍ حي أو غير حي تدبيره بيد الله سبحانه وفي كل وجوده مفتقرٌ إلى الله ، وملكوته بيد الله سبحانه ، ولكن ما الذي يجعلنا لا نستشعر بهذه الإحاطة ولا نتواصل مع الرب مباشرة ؟

بلى ؛ حين يبتلى أحدنا ببلاء صعب ويكون في حالاتٍ حرجة جداً يرى ربه ويحدث ربه بلا حجب ويسأله الخلاص من مخمصته ، ولكن هل ننتظر مجيء ساعات العسرة كي نتعرف على ربنا؟

كلا ؛ لابد من الإرتباط بالله قبل حين  ،كما فعل أصحاب الكهف الذين تأملوا في أمر السماوات والأرض وخلقتها فعلموا أنّ مقدّرها ومدبّر شؤونها ومديرها لا يمكن أن يكون الحجر أو البشر ، بل هو الله سبحانه الخالق العظيم ، وبتعظيمهم لله الخالق استصغروا كل الآلهة المزعومة من دونه ، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ” عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ”[1].

فحين يتجلى الله للعبد ويدرك عظمته بقدر وعاءه وظرفه سيصغر ما سواه في عينه ، ارأيت مثلاً – والله أجلّ وأعلى من الأمثلة- من يمتلك نور الشمس يعير إهتماماً بشمعة صغيرة ؟

العبرة التي أريد أن أستفيدها هنا ، أن الواحد منا يقدر أيضاً على الوصول إلى تلك المرحلة السامية، فبقدر ما يتمكن من التخلص من الحجب بينه وبين ربه يعرف ربه أكثر وأكثر.

مراحل حركة أصحاب الكهف

طوى أصحاب الكهف ثلاث مراحل حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه:

الأولى : كانت في تأملهم في الكون ، وعدم إمكان أن يكون بلا مكّون وخالق ، ولابدية حكمة وعظمة هذا الخالق لهذا الخلق.

الثانية : الإيمان بالله سبحانه وحده ورفض الإنداد من دونه.

الثالثة : إجتناب المجتمع الفاسد ، وهي من أصعب المراحل لفرض كل مجتمعٍ على أفراده مجموعة من العقوبات فيما لو خالف تقاليده وأحكامه ، وفي هذه المرحلة الصعبة تدخلت الإرادة الإلهية أكثر من ذي قبل وذلك بالربط على قلوبهم وتقوية إرادتهم ، قال الله سبحانه : { وَ رَبَطْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ}.

فحين تشتد العزيمة وتقوى الإرادة يرتبط القلب بالله سبحانه مباشرة ، فلا يحتاج إلى غيره ولا يتوكل على سواه ، كما كان من فعل النبي إبراهيم عليه السلام حين وضعوه في المنجنيق وهو مسلّمٌ أمره إلى الله ، ولا يأبه بعروض الملائكة لإنقاذه حتى ألقي فتلقاه جبرئيل في الهواء فقال : هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ ؟ فَقَالَ أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا حَسْبِيَ اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ فَاسْتَقْبَلَهُ مِيكَائِيلُ فَقَالَ إِنْ أَرَدْتَ أَخْمَدْتُ النَّارَ فَإِنَّ خَزَائِنَ الْأَمْطَارِ وَ الْمِيَاهِ بِيَدِي فَقَالَ لَا أُرِيدُ وَ أَتَاهُ مَلَكُ الرِّيحِ فَقَالَ لَوْ شِئْتَ طَيَّرْتُ النَّارَ قَالَ لَا أُرِيدُ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ فَاسْأَلِ اللَّهَ فَقَالَ : حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي[2].

وهكذا كان سيد الشهداء عليه السلام أيضاً ، حيث قال الإمام الباقر عليه السلام : ” لَمَّا الْتَقَى الْحُسَيْنُ عليه السلام وَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ قَامَتِ الْحَرْبُ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى‏ النَّصْرَ حَتَّى رَفْرَفَ عَلَى رَأْسِ الْحُسَيْنِ عليه السلام ثُمَّ خُيِّرَ بَيْنَ النَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِ وَ بَيْنَ لِقَاءِ اللَّهِ فَاخْتَارَ لِقَاءَ اللَّهِ”[3].

ما الذي حصل حين ربط الله على قلوب أصحاب الكهف ؟

{ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ }

ليس المراد من القيام هنا القيام البدني ( النهوض ) بل إعلان الإيمان ورفض الكفر ، ولكن كيف قاموا؟

كان قيامهم على مراحل ، فقد آمنوا بدين النبي عيسى عليه السلام ، والذي يبدو لنا من خلال بعض الإشارات التاريخية أن أحد حواريي النبي عيسى عليه السلام جاء إلى مدينتهم ورفض دخولها – لإشتراط السلطات السجود للأصنام قبل الدخول- وبقي في محيطها ، وكان يلتقي بهؤلاء النفر كلٌ على حدة ، فآمنوا وهم في مناصبهم المرموقة ( كان بعضهم مستشاراً للملك ).

وبعد الإيمان عاشوا فترةً من الزمن في جو التقية وكتمان الإيمان ، وهذه حالة طبيعية لكل حركة تحررية قبل قيامها العلني.

وفي المرحلة الثالثة أعلنوا عقيدتهم وصدعوا بها أنهم آمنا برب السماوات والأرض.

{لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (14)}

ولم يكتفوا بإعلان الإيمان بالله ، بل أعلنوا تحديهم ورفضهم لكل الآلهة المزيفة وبالتالي تحدّوا قومهم الكافرين ، كما فعل حبيب النجار ( مؤمن يس) حين أعلن قائلاً: { إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُون‏}[4].

والتعبير بـ ( لن ) يفيد التأبيد ، أي لا نعود إلى ما خرجنا منه أبداً ، وإلا فيكون قولنا شطط والذي يعني الإبتعاد عن الصواب والحقيقة.

ومن دلالات إستعمالهم للفظ الشطط أنهم هاجموا الكفار جميعاً بما يعتقدون به من خرفات وعقائد باطلة.

عن القيام

قام الناس تاريخياً لتحقيق أهداف مختلفة وكثيرة ، فمنهم من قام لرداءة الوضع الإقتصادي ، ومنهم من نهض وثار لإصلاح الوضع السياسي ، ومنهم من أراد بقيامه تحكيم قومية معينة ، أو غيرها من ألوان الثورات والنهضات ، ولكن جميعها لا تصطبغ بصبغة إلهية ، ولذلك لا تكون مباركة بل ولا يكون ضحاياها شهداء  ، فالحروب التي تشن لأجل المادة والأرض – لا لله – يكون القاتل والمقتول في النار.

فالرب سبحانه يؤيد القيام الذي يكون لأجله ولأجل دينه ، كما قال سبحانه : { يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامينَ لِلَّهِ}[5] ، وذلك لأن جميع المفاسد وضعت في بيت ومفتاحه الشرك بالله ، فنتيجة الشرك هي أنواع المفاسد ، ومبدأ الإصلاحات جميعاً وجوهرها هو الإيمان بالله سبحانه.

فأصحاب الكهف قاموا لله سبحانه ، ورفضوا كل نظامٍ بني على الكفر والشرك ، وأعلنوا عدم مجانبتهم للصواب بإختيارهم لطريق قومهم.

النظام أم الفوضى

{ هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً }

لقائلٍ أن يقول : إن لكل دولة نظامها و منظومتها الإدارية ، فإذا رفضنا كل الدول وكل القوى السياسية ، فإن ذلك سيؤدي إلى الفوضى والهرج.

الله سبحانه عيّن نظاماً للمجتمعات ، فلا يعني رفض تلك الأنظمة الفاسدة الرغبة في الفوضى ، بل هي دعوة إلى الخير والصلاح ، وذلك عبر جعل حق إدارة المجتمع وحكمه بيد من لديه برهان قطعي ودليل ثابت على أنه مرتبطٌ بالله سبحانه.

والأنبياء والأئمة لديهم جميعاً المعاجز التي تثبت إرتباطهم بالله سبحانه ، ومن بعد الأئمة تأتي مرتبة العلماء بالله ، وبالرغم من عدم إمتلاكهم للمعاجز ، إلا أن الضوابط التي جعلها الأئمة عليهم السلام للحاكم الشرعي ضوابط كثيرة وشديدة ، ينبغي أن تتوفر في العالم بصورة مستمرة كي يكون مؤهلاً للولاية.

بينما الكفار اتخذوا مجموعة من الأحجار كآلهة صغيرة لتقربهم إلى الله ، دون أن يكون لديهم دليلاً واحداً على صواب فعلهم ورجحانه:

{لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ }

فلابد أن يأتي كلُ مدعي – خصوصاً في الأمور المصيرية – بسلطانٍ بين ودليل قاطع وبرهان ساطع على ما يدعيه.

ومن هنا لا يصح قبول دعوة كل داعٍ دون التثبت من صدقه أو المطالبة بالدليل، وقد روي عن أبي ذر الغفاري أنه شكّك في صحة عبادة الصنم ، فأراد إختبار صنم قومه ، فحمل إليه قدحاً من اللبن وطلب منه أن يشرب ، ولما رآى لا يحرك ساكناً ظن أنه يستحيي منه ، فأبتعد عنه وراح يراقب الموقف من بعيد ، فجاء ثعلبٌ ليشرب اللبن وبعد شربه اللبن راح يبول على الصنم ، فأنشد أبو ذر : “وَ رَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبَانِ بِرَأْسِهِ * لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِب‏”.

والحجة المعتمدة هي العقل والوحي ، ودون قيامها لا يحق لأحد أن يتكلم في شأن الدين شيئاً حتى لو كان في أمرٍ بسيط وثانوي ، ومن هنا ترى فقهائنا يبذلون قصارى جهدهم في التثبت من حجية الفتوى التي يصدرونها ، وربما يتوقفون عن الإفتاء لعدم عثورهم على دليل قاطع.

الإفتراء على الله

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15)}

وفي نهاية الآية تحذيرٌ من يفتري على الله الكذب أو يجعل الله عرضةً لأيمانه الغموسة أو يشهد الله سبحانه على كلام الكذب ، إذ لا أظلم من مفتري الكذب على الله.

ومن المؤسف قيام البعض بتأسيس مذاهب وأديان مختلفة وباطلة لتحقيق مآربهم المادية ، دون الإلتفات إلى أن هذا من أعظم الذنوب بل هم أظلم الناس عند الله سبحانه ، ولا يغفر الله لهم ذنوبهم أبداً، لإنحراف الناس بإنحرافهم ، فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام : ” كَانَ رَجُلٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ طَلَبَ الدُّنْيَا مِنْ حَلَالٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا وَ طَلَبَهَا مِنْ حَرَامٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا إِنَّكَ قَدْ طَلَبْتَ الدُّنْيَا مِنْ حَلَالٍ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهَا فَطَلَبْتَهَا مِنْ حَرَامٍ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهَا أَ فَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْ‏ءٍ تُكْثِرُ بِهِ دُنْيَاكَ وَ تُكْثِرُ بِهِ تَبَعَكَ فَقَالَ بَلَى قَالَ تَبْتَدِعُ دِيناً وَ تَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسَ فَفَعَلَ فَاسْتَجَابَ لَهُ النَّاسُ فَأَطَاعُوهُ فَأَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا ثُمَّ إِنَّهُ فَكَّرَ فَقَالَ مَا صَنَعْتُ ابْتَدَعْتُ دِيناً وَ دَعَوْتُ النَّاسَ إِلَيْهِ وَ مَا أَرَى لِي تَوْبَةً إِلَّا أَنْ آتِيَ مَنْ دَعَوْتُهُ فَأَرُدَّهُ عَنْهُ فَجَعَلَ يَأْتِي أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَجَابُوهُ فَيَقُولُ إِنَّ الَّذِي دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ بَاطِلٌ وَ إِنَّمَا ابْتَدَعْتُهُ فَجَعَلُوا يَقُولُون‏ كَذَبْتَ هُوَ الْحَقُّ وَ لَكِنَّكَ شَكَكْتَ فِي دِينِكَ فَرَجَعْتَ عَنْهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَمَدَ إِلَى سِلْسِلَةٍ فَوَتَدَ لَهَا وَتِداً ثُمَّ جَعَلَهَا فِي عُنُقِهِ  وَ قَالَ لَا أَحُلُّهَا حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قُلْ لِفُلَانٍ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَوْ دَعَوْتَنِي حَتَّى تَنْقَطِعَ أَوْصَالُكَ مَا اسْتَجَبْتُ لَكَ حَتَّى تَرُدَّ مَنْ مَاتَ عَلَى مَا دَعَوْتَهُ إِلَيْهِ فَيَرْجِعَ عَنْهُ”[6].

ولعظيم ظلم المفتري على الله وكبير ذنبه ، فإن أغلب أصحاب التابوت في جهنم هم ممن حرّفوا الأديان الإلهية وأفتروا على الله الكذب ونسبوا إليه ديناً لم يأمر به.

نسأل الله سبحانه أن يربط على قلوبنا لمقارعة الكفر والطغيان.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تحف العقول : ص 159

[2] بحار الأنوار : ج68 ، ص 156

[3] اللهوف على قتلى الطفوف : ص 102

[4] سورة يس : الآية 25

[5] سورة المائدة : الآية 8

[6] من لايحضره الفقيه : ج 3 ، ص 573