تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (العاشر)

“فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى (31) وَلكِنْ كَذَّبَ‏ وَ تَوَلَّى (32)ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى‏ (33)أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (34)ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏] (35)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

ليس سهلاً أن يزكّي الانسان نفسه، ويحتاج الانسان الى صعقة تهزّ كيانه من أجل الاستيقاظ ومواجهة النفس الأمّارة بالسوء، ولذلك تجد الآيات القرآنية تُمهّد للحديث عن الصلاة والتصديق بالحديث عن الفراق والموت.

يقول ربّنا تعالى: [فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى]

بون شاسع بين من يؤمن بالآخرة، ومن هو منها في شك،  ويشمل ذلك كلّ تفاصيل حياتهم، خصوصاً أنّ من يؤمن بالآخرة يرسم الحدود الصحيحة لنفسه، و يعي الواجبات التي على عاتقه، من الأقربين والى سائر المؤمنين، و كلمة [صَدَّقَ] لا تعني مجرّد الزكاة، بل كلّ الواجبات التي على عاتقه تجاه الغير.

وتارة تكون الصدقة بالمال وتارة بالفعل، وتارة بالكلمة الطيبة، بل وحتّى ازاحة الاذى عن الطريق صدقة، وهكذا لابدّ من البحث عن الواجبات والحقوق تجاه الغير.

وَ لا صَلَّى

نحن نجهل حقيقة الصلاة رغم أنّنا نؤدّيها، جوهر الصلاة تُنظّم علاقة الانسان بربّه المتعال ولذلك هي عمود الدين، واذا كان كلمة [صدّق] تُنظم العلاقة مع الخلق، فإنّ كلمة [صلّى] تُنظّم العلاقة مع الخالق العظيم.

في الصلاة معرفة الله، من سورة الحمد التي لو تدبّر الانسان فيها مائة مرة لوجد في كلّ مرّة حقائق جديدة ولا يصل الى منتهى العلم بها  وقد جاء في الحديث  أن عبدالله بن عباس جاء الى الامام امير المؤمنين  (عليه السلام) يسأله عن تفسير القرآن، فوعده بالليل، فلما حضر قال: «ما أول القرآن؟». قال: الفاتحة.

قال: «و ما أول الفاتحة؟» قال: بسم الله.

قال: «و ما أول بسم الله؟». قال: بسم.

 قال: الباء، فجعل (عليه السلام) يتكلم في الباء طول الليل، فلما قرب الفجر قال: «لو زادنا الليل‏ لزدنا».[1]

وهكذا لو تأمّلنا في كلّ معاني الصلاة سنجد فيها معرفة الله، ومعرفة انبياءه وسننه.

اذن لو أراد الانسان أن يطمئن يوم الفراق من الدنيا لابدّ أن نهتم بقوله: [فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى]

والصفة المقابلة لذلك هو قوله: [وَلكِنْ كَذَّبَ‏ وَ تَوَلَّى] فالتفكير الذاتي عند الانسان، و الظلم الاجتماعي، فهو التكذيب الناشئ من التكذيب بالله واليوم والآخر.

وهكذا قوله تعالى: [تَوَلَّى] في قِبال الصلاة والقُرب، حيث يبتعد عن الرب امّا بعدم اتيان الصلاة أو بالسهو عنها، واداءها كيفما اتفّق.

[ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى‏]

أصل التمطّي تمدّد البدن من الكسل، و هو من لوى مطاه أي ظهره. قالوا:

إنّه إشارة إلى التبختر على نهج القرآن في ذكر الصفات بالتصوير الظاهر. و لعلّه أعمّ من ذلك حيث يدل على حالة اللامسؤولية و الإشتغال باللهو و اللعب عن الجد و الاجتهاد.

ثم يتوعد اللّه من تكون صفاته التي مرّ ذكرها بالعذاب بعد العذاب فيقول:

[أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (34)ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏]

أي أنّك المسؤول عن الفعل، وتأكيد على المصير الذي ينتظره جاء في الحديث عن عبد العظيم الحسني قال‏: سألت محمد بن علي الرضا (ع) عن قول اللّه عزّ و جلّ: «الآيتين» قال: «يقول اللّه عزّ و جلّ: بعدا لك من خير الدنيا، و بعدا لك من خير الآخرة»[2].


[1] البرهان في تفسير القرآن، ج‏1، ص: 4.

[2] ( 1) نور الثقلين/ ج 5 ص 466.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (التاسع)

“كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ”

بسم الله الرحمن الرحيم


[وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ(27) ]

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول
الموت والفناء هو النهاية المحتومة لنا في الدنيا، فهو نهاية الدنيا وبداية الآخره والحساب، وهكذا علينا دائماً أن نحذر الموت وما بعده ونعمل له، خصوصاً أننّا لا نعلم متى واين ستكون النهاية كما يقول ربّنا تعالى:
[وَما تَدْري نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ‏ غَداً وَ ما تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ]
الايمان بالآخرة
ثمار كثيرة يحصل عليها الانسان بسبب ايمانه بالآخرة، وأهمّ تلك الثمار هي تقويت ارداته، حيث يزداد الانسان قوة في اتخاذ القرار، وذلك من خلال:
اولاً: تذكرّ الموت و ما بعده، حيث يجعل الفرد غير مُهتم بلذّات الدنيا، خصوصاً حين ينظر الى آثار السابقين ومصيرهم، حينها يتيقّن بفناء الدنيا فيغتنم فرصة العيش فيها بأفضل وجه يقول ربّنا تعالى: [وَسَكَنْتُمْ في‏ مَساكِنِ الَّذينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثال]‏
ثانياً: وبالإيمان بالآخرة يستسهل الانسان صِعاب الدُنيا، لأنّه يعلم أنّ ما يمرُّ عليه من الصعاب تنتهي.
[وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ]
و هي وجوه المجرمين حيث القيامة موعدهم مع الفضيحة و العذاب و الذل، و بسور وجوههم يحكي باطن نفوسهم المنطوية على اليأس و التشاؤم و الخوف ممّا ستلاقيه.
[تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ]
إنّ المجرمين يوم القيامة ليساورهم هاجس و رعب ينتظرهم من الدواهي، و هذا الهاجس يعدّ عذابا عظيما بذاته.
[كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ]
ثم ينقلنا السياق القرآني الى أشدّ الساعات على الانسان وهي ساعة الانتقال من الحياة الدنيا الى الآخرة.
كيف تخرج الروح؟
يبدء ملك الموت بإخراج الروح من الجسد، من قدمه ويصعد شيئاً فشيئاً الى أن يصل عند عظم التراقي، حيث تكون لحظة الانتقال من عالم الدنيا الى الآخرة، ويُبصر الانسان ما لم يكن يشاهده من قبل، فمن جهة يشاهد ملائكة العذاب ومن جهة اخرى يشهاد ملائكة الرحمة.
[وَ قيلَ مَنْ راقٍ]
أي و قال أهله: من راق؟ أي طبيب شاف يرقيه و يداويه‏، وأيّ رُقية تُكتب لشفاءه؟!
[إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ]
فاليه منتهى كلّ شيء، ويبدو أنّ الآية يغلب عليها جانب الرحمة، لأنّ فيها اسم الرب الذي يدلّ على رحمته تعالى.
جاء في الحديث الشريف عن أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام أنّه قال ((‏ إِنَّ أَوْحَشَ مَا يَكُونُ هَذَا الْخَلْقُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ يَوْمَ يُولَدُ وَ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَيَرَى الدُّنْيَا وَ يَوْمَ يَمُوتُ فَيَرَى الْآخِرَةَ وَ أَهْلَهَا وَ يَوْمَ يُبْعَثُ فَيَرَى أَحْكَاماً لَمْ يَرَهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا وَ قَدْ سَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى يَحْيَى فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاطِنِ وَ آمَنَ رَوْعَتَهُ فَقَالَ‏ وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا وَ قَدْ سَلَّمَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ع عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاطِنِ فَقَالَ‏ وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا.))
لكنّ المؤمن يعيش في بحبوحة النعم الالهية في الدنيا وفي الآخرة أيضاً فقد جاء في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام: ((يُفْتَحُ‏ لِوَلِيِ‏ اللَّهِ‏ مِنْ‏ مَنْزِلِهِ‏ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وَ تسعين [تِسْعُونَ‏] بَاباً يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَوْحُهَا وَ رَيْحَانُهَا وَ طِيبُهَا وَ لَذَّتُهَا وَ نُورُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ .
و قَالَ فَكُلَّمَا عَيَّرَهُ بِذَنْبٍ قَالَ سَيِّدِي لَسَعْيِي إِلَى النَّارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تُعَيِّرَنِي‏قَالَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَ تَذْكُرُ يَوْمَ كَذَا وَ كَذَا أَطْعَمْتَ جَائِعاً وَ وَصَلْتَ أَخاً مُؤْمِناً كَسَوْتَ يَوْماً حَجَجْتَ فِي الصَّحَارِي تَدْعُونِي مُحْرِماً أَرْسَلْتَ عَيْنَيْكَ فَرَقَا سَهِرْتَ لَيْلَةً شَفَقاً غَضَضْتَ طَرْفَكَ مِنِّي فَرَقَا فإذا [فَذَا] بِذَا أَمَّا مَا أَحْسَنْتَ فَمَشْكُورٌ وَ أَمَّا مَا أَسَأْتَ فَمَغْفُورٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ ابْيَضَّ وَجْهُهُ وَ سُرَّ قَلْبُهُ وَ وُضِعَ التَّاجُ عَلَى رَأْسِهِ وَ عَلَى يَدَيْهِ الْحُلِيُّ وَ الْحُلَلُ ثُمَّ يَقُولُ يَا جَبْرَئِيلُ انْطَلِقْ بِعَبْدِي فَأَرِهِ كَرَامَتِي فَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَدْ أَخَذَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَدْحُو بِهِ مَدَّ الْبَصَرِ فَيَبْسُطُ صَحِيفَتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ وَ هُوَ يُنَادِي‏ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فَإِذَا انْتَهَى إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ قِيلَ لَهُ هَاتِ الْجَوَازَ قَالَ هَذَا جَوَازِي مَكْتُوبٌ فِيهِ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ هَذَا جَوَازٌ جَائِزٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَسْمَعُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ أَلَا إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَدْ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدا فَإِذَا هُوَ بِشَجَرَةٍ ذَاتِ‏ ظِلٍّ مَمْدُودٍ وَ ماءٍ مَسْكُوبٍ‏ وَ ثِمَارٍ مهدلة [مُتَهَدِّلَةٍ] يَخْرُجُ مِنْ سَاقِهَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ فَيَنْطَلِقُ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَيَغْتَسِلُ مِنْهَا فَيَخْرُجُ عَلَيْهِ نَضْرَةُ النَّعِيمِ ثُمَّ يَشْرَبُ مِنَ الْأُخْرَى فَلَا يَكُونُ فِي بَطْنِهِ مَغْصٌ وَ لَا مَرَضٌ وَ لَا دَاءٌ أَبَداً وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُورا))
نسأل الله أن يرزقنا ذلك.
نحن لا ندري الى متى في هذه العالم و لكن نعلم انه لنا نهاية و ان باب الاخره هو الموت فيجب ان نتذكر دائما اهوال الوت و مابعده و في اللذات و الصعاب نفكر بالاخره و الحساب حتى نعيش بالسعاده في الدارين و نكون يوم القيامة من اصحاب اليمين .

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثامن)

“تُحبّون العاجلة”

بسم الله الرحمن الرحيم

[كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (20) وَ تَذَرُونَ‏ الْآخِرَةَ] (21)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

يتمنّى أغلب الناس أن يُصبحوا رجالاً صالحين، لكنّ اليأس يدبّ في داخلهم ويمنعهم من تحقيق أهدافهم، و من هنا علينا أن نبحث عن جذر اليأس، وهو ابليس الرجيم الذي اقسم بعزّة الرب أن يغوي البشر، و لطالما حذّرنا الرب من اتباع خطواته، لأنّه عدوٌ مُضلٌ مُبين، يقول ربّنا تعالى: [إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ‏ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ][1]

ففي لحظات اتخاذ القرار يوسوس اليه ابليس ويُخوّفه من فوت المصالح المادّية، أو قد يوسوس لأحد المُقرّبين ليُشكّل ضغط على الانسان.

لو استطاع الانسان أن يتخلّص من الخوف فإنّه يتحرر فكره وبالتالي يتخّذ القرار المناسب الذي يجعله في مسيرة التقوى.

وطريق ذلك بالاضافة الى الاستعاذة، اولاً: التوكّل على الرب المُتعال، خصوصاً في لحظات اتّخاذ القرار، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ((قَوِّ عَلَى خِدْمَتِكَ جَوَارِحِي وَ اشْدُدْ عَلَى الْعَزِيمَةِ جَوَانِحِي‏ وَ هَبْ لِيَ الْجِدَّ فِي خَشْيَتِكَ وَ الدَّوَامَ فِي الِاتِّصَالِ بِخِدْمَتِك‏))[2]

 ثانياً: أن يتخّذ الانسان القرار بأن يكون يومه افضل من أمسه، ويبقى في تسامي بشكل مستمر، كما يقول الامام امير المؤمنين عليه السلام: ((منِ اعْتَدَلَ يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ‏))[3]

وفي المستحّبات أيضاً يتدرّج الانسان في العمل بها.

ثالثاً: في مسيرة التقوى علينا البحث عن المؤمن ليكون مؤازراً لنا، والتعاون معه من أجل أعمال الخير كما يقول ربّنا تعالى: [وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوان][4]

 لأنّ يد الله مع الجماعة، وحتّى في القرارات التي يعمل بها الانسان بمفرده كالصيام المستحب مثلاً يندفع اليه اكثر لو بحث عن من يصوم معه، فضلاً عن الأعمال الاجتماعية الأخرى.

رابعاً: البحث عن الموجّه، الذي يُريه الطريق، كما يقول ربّنا تعالى: [فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ][5]

   وهو العالم الربّاني الذي نقتدي به.

تبليغ القرآن الكريم

المسؤولية الخامسة التي هي على عاتقنا تجاه القرآن الكريم هي مسؤولية التبليغ، وبالرغم من وجود وسائل التبليغ المختلفة التي لابدّ من الاستفادة منها الّا أنّ الذي نشر القرآن الى اقاصي البلاد هو المشافهة كما جاء في الحديث الشريف: ((نَضَّرَ اللَّهُ‏  مَنْ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا))[6]

لأنّ الخطاب المُباشر أبلغ أثراً في الناس، وهكذا على الانسان أن يتخذ قراراً بتبليغه للرسالة الى الناس.

الحكمة والموعظة الحسنة، واتخاذ الاسلوب المناسب، للتبليغ مهم في نجاحه.

يقول ربّنا تعالى: [كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ]

بالرغم من وجود النفس اللوامة، والقرآن الكريم الذي يُبيّن الحقائق الّا أنّ أغلب البشر يُحبّون العاجلة الاقرب لهم لأنّهم لا ينظرون الى المدى البعيد، بينما المؤمن ينظر الى المستقبل البعيد سواء في الدنيا أو حتّى ما يرتبط بيوم القيامة وعالم الخلود.

[وَ تَذَرُونَ‏ الْآخِرَةَ]

و علاج هذه المعضلة البشرية يتم بإيجاد التوازن في وعيه بين الحاضر و المستقبل، و ينتهج القرآن من أجل ذلك نهج التذكرة و التصوير لمشاهد الآخرة ممّا يزيدها حضوراً في وعيه، و هذا ما نقرأه في الآيات التالية من سورة القيامة المباركة.


[1] سورة آل عمران، الآية 175.

[2] مصباح المتهجد و سلاح المتعبد، ج‏2، ص: 849

[3] من لا يحضره الفقيه، ج‏4، ص: 382.

[4] سورة المائدة، الآية:2.

[5] سورة النحل، الآية 43.

[6] عدة الداعي و نجاح الساعي، ص: 28.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الخامس عشر)

“إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ”

بسم الله الرحمن الرحيم


(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبيلاً (29) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكيماً (30)يُدْخِلُ‏ مَنْ يَشاءُ في‏ رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَليماً)

صدق الله العلي العظيم


تفصيل القول
من خصائص سور القرآن الكريم حُسن الختام، وما فيه من بصائر مُرتبطة بسائر مواضيع السورة، وفي ختام سورة الانسان المُباركة بصائر عدّة أيضاً.
البصيرة الأولى: التذكرة
حيث يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ]
ماذا تعني التذكرة؟ ولماذا ذُكرت بمشتقّاتها المختلفة ممّا يقرب 250 مرّة في القرآن الكريم؟
في الاجابة نقول إنّ فرصة التكامل عند البشر تكاد لا تنتهي، وهي أكثر بكثير ممّا ادركها البشر بالفعل، وطريق الوصول الى تلك الفُرص هو التذكّر، لأنّ ترسيخ المعارف والحقائق في القلب، وبلورتها في الوجدان هو الذي يجعل البشر في مسيرة التكامل.
ذلك أنّ مُشكلة البشر الحقيقية هي غفلته عن الحقائق الكُبرى و هو بالتذكرة يرسّخ تلك الحقائق في القلب, يقول ربّنا تعالى: [وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ‏ الْمُؤْمِنينَ]
وهكذا فإنّ الحقائق الكبرى موجودة في فطرة الانسان، وما ذُكر في هذه السورة المباركة من حقائق أيضاً كلّها تذكرة، والأنبياء جاءوا يذكّرو الناس بتلك الحقائق، التي من اهمّها حقيقة الولاية.
ومن هنا نجد الرويات التي تأتي في تبيان التذكرة، تشير الى ذلك المعنى، ففي الحديث عن أبي الحسن الماضي- عليه السّلام-(( قال: قلت: [إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ.]قال- عليه السّلام-: الولاية.))
لأنّ من لا يقبل الولاية، فإنّه لا يتجاوز الامتحانات الأخرى، وهكذا على الانسان أن يجعل التذكرة برنامجاً لحياته من أجل تغيير جذري في شخصيته.
ثم يقول ربّنا تعالى: [فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبيلاً]
خرية الاختيار
ربّنا سبحانه وتعالى ميّز البشر عن باقي المخلوقات بأن منحه حق الانتخاب، ومن لا يستفيد من ذلك الحق فإنّه يفقد الميزة الاساسية للإنسان، ويصبح مصداقاً لقول امير المؤمنين عليه السلام حيث قال: ((هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ‏ كُلِ‏ نَاعِقٍ‏ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيح‏.))
لأنّه لم يستمع القول فيتّبع أحسنه، ولم يتحمّل مسؤولية اخطاءه، فتراه يلقي مسؤولية اخطاءه على الآخرين، بينما على الانسان أن يتحمّل مسؤولية الاختيار عنده، ولا يبقى في مرحلة اللا اختيار لأنّ ذلك يعني الاختيار الخاطئ.
الصراط المستقيم
والسبيل الذي علينا أن نسلكه هو الذي قال عنه ربّنا في فاتحة الكتاب [اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ]‏
وهو صراط اهل البيت الذين انعم الله عليهم، ولا سبيل آخر لنا ولا صراط مستقيم غير صراطهم.
ثمّ يقول ربّنا تعالى: [وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ]
في اللحظات الصعبة على الانسان أن يتوكّل على ربّه فيجبر به ضعف ارادته، لأنّ ارادة المخلوق متّصلة بارادة الله الخالق المُتعال و لا تنشأ لمخلوق مشيئة بدون إذنه، فيسلب البعض توفيق الهداية و يهبه لآخرين.
[إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكيماً]
و لكن ليس اعتباطا، بل على أساس علمه بحال المخلوق و حكمته البالغة.
[يُدْخِلُ‏ مَنْ يَشاءُ في‏ رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَليماً]
و تنتهي السورة بالرحمة، لما ذُكر فيها من النعم الكثيرة التي منحها البشر للمخلوقين، فهو تعالى سبقت رحمته غضبه، ووسعت رحمته كلّ شيء ولكنّه أيضاً أعدّ للظالمين ومن يستحقّون العقاب عذاباً اليماً.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الرابع عشر)

“وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْديلاً] (28)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

صحيح أنّ عالم الغيب مُحيط بعالم الشهود الذي نحن فيه، الّا أنّ البشر بإمكانه النفوذ اليه، يقول ربّنا تعالى: [وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنينٍ‏][1]

فهو تعالى ليس بخيلاً في اعطاء الغيب شريطة أن يكون الطريق الذي يسلكه البشر من أجل الوصول الى الغيب صحيحاً، ومن ذلك النفوذ الى الآخرة، ليس فقط الإيمان النظري بها بل ومعايشتها، حيث يعيش المؤمن الآخرة وهو في الدنيا، ذلك لأنّ خالق الآخرة هو خالق الدنيا كما جاء عن لسان النبي يوسف عليه السلام حيث قال: [أَنْتَ وَلِيِّي‏ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّني‏ مُسْلِماً وَ أَلْحِقْني‏ بِالصَّالِحينَ][2]

وجاء في الدعاء المروي عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّه قال: ((يا رَحْمنَ‏ الدُّنْيا وَ الآخِرَةِ وَ رَحِيمَهُما))[3]

وهكذا الدنيا مرآة الآخرة، فالنار في الآخرة هي نار الدنيا ولكنّها أشدّ 70 ضعفاً، وهكذا النعيم في الآخرة مُضاعف بأضعاف كثيرة عن نعم الرب سبحانه وتعالى لنا في الدنيا.

جاء الحديث الشريف: ((وَ اذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ‏ وَ عَطَشِكُمْ‏ فِيهِ جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ عَطَشَه‏))[4]

 وهكذا يعيش المؤمن الآخرة بكلّ وجوده، و حين يواجه ضغوطات الحياة فإنّه يتجاوزها بتذكّر الآخرة ولا يحزن على ما فاته من الدنيا، لأنّه يعي بوجدانه فناء الدنيا وبقاء الآخرة

 جاء في وصية الامام امير المؤمنين الى الحسن والحسين عليه السلام: ((أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أَنْ لَا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَ لَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا وَ قُولَا بِالْحَقِّ وَ اعْمَلُوا لِلْآخِرَة.))[5]

حينذاك يصبح المؤمن حُرّا، لأنّه يتجاوز كلّ العلائق المادّية و يقيس كلّ شيء بمقياس الآخرة، وذلك يوصله الى جعل التقوى محوراً لحياته.

ومن ذلك أيضاً معرفة الإنسان قُدرة الرب تعالى في الآخرة وبعث الخلائق تارة أخرى، فكما أن رّبنا تعالى خلق الانسان من نطفة أمشاج بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، هو أيضاً يُعيد خلقه في الآخرة.

يقول ربّنا تعالى: [نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ]

بالرغم من أنّ كلمة [شَدَدْنا أَسْرَهُمْ] تعني في الظاهر تقوية خلقهم، الّا أنّ لها معنى أشمل وهو وإسباغ النعم على الانسان وتهيئة كافّة العوامل لابقاء الانسان.

جاء في دعاء الامام الحسين عليه السلام في يوم عرفة:

((ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي‏ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ، بَيْنَ لَحْمٍ وَ جِلْدٍ وَ دَمٍ، لَمْ تُشْهِدْنِي بِخَلْقِي، وَ لَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي. ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيا تامّاً سَوِيّاً، وَ حَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً، وَ رَزَقْتَنِي مِنَ الْغَذاءِ لَبَناً مَرِيّاً، وَ عَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَواضِنِ‏، وَ كَفَّلْتَنِي الأُمَّهاتِ الرَّحائِمَ، وَ كَلَأْتَنِي‏ مِنْ طَوارِقِ الْجانِّ وَ سَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيادَةِ وَ النُّقْصانِ، فَتَعالَيْتَ يا رَحِيمُ يا رَحْمانُ.))[6]

فكم هي العوامل التي هيئها ربّنا تعالى من أجل الانسان لأجل العيش وهو ذات الرب المتعال الذي يبدّل جيل بعد آخر:

 [وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْديلاً]

أي جئنا بآخرين أمثالهم بديلا عنهم، بإهلاكهم، أو بجعلهم الحاكمين، ولو تأمّل الانسان في ذلك ليس فقط يصل الى معرفة الآخرة بل ويعيش الآخرة قبل موته.


[1] سورة التكوير، الآية:24.

[2] سورة يوسف، الآية: 101.

[3] الإقبال بالأعمال الحسنة (ط – الحديثة)، ج‏1، ص: 256.

[4] الأمالي( للصدوق)، النص، ص: 93

[5] روضة الواعظين و بصيرة المتعظين (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 136

[6] الإقبال بالأعمال الحسنة (ط – الحديثة)، ج‏2، ص: 75

تفسير سورة الرحمن المباركة – الدرس الخامس

عنوان الدرس:الأرض الطيبة وآثارها على الانسان.

كربلاء المقدسة، يوم الإثنين 2017/01/16م ،  الموافق 17/ ربيع الآخر/1438 هـ.