تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثالث عشر)

“يحبّون العاجلة”

بسم الله الرحمن الرحيم

[إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقيلاً] (27)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

ما هو العامل الذي يجعل البشر يُفضّلون الدنيا على الآخرة، فتراهُم يُحبّون العاجلة؟ ولماذا تجد البعض على العكس من ذلك يتجاوز حدود الدنيا، فينظر الى العاقبة؟ وبالتالي كيف نُصبح نحن من الصنف الثاني؟

بين الحُر وعمر ابن سعد

لو تأمّلنا سنجد أنّ ذات العامل يجعل عاقبة الحر في أعلى علّيين حيث كان على يقين بالآخرة فقال: ((انى والله أخير نفسى بين الجنة والنار، فوالله لا اختار على الجنة شيئا، ولو قطعت وحرقت)).

بينما تجد عاقبة عمر ابن سعد في أسفل سافلين، حين انشد:

يقولون إن الله خالق جنة * ونار وتعذيب وغل يدين

فإن صدقوا مما يقولون إنني * أتوب إلى الرحمن من سنتين

 وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمة * وملك عقيم دائم الحجلين

 ولكنها الدنيا بخير معجل * وما عاقل باع الوجود بدين

أي انّه لم يكن على يقين من وجود الآخرة، وشكّه دفعه الى فعل تلك الجرائم.

ضعف البصيرة

الفرق الأوّل بين الصنف الأوّل والثاني أنّ الذي يؤمن بالآخرة بصيرته شفّافة فيكون بعيد المدى، ومن هنا على الانسان أن يجد في داخله تحوّلاً كبيراً من أجل تنمية البصيرة عنده.

وطريق ذلك اولاً التقريب بيننا وبين تلك الحقائق، بالحضور والاعتبار من الذين سبقونا بالرحيل عن الحياة، وترسيخ حقيقة الموت وأنّنا لاحقون بهم، وثمرة ذلك مضافاً الى امتلاك البصيرة وبُعدِ المدى، هو امتلاك الصبر على ابتلاءات الدنيا.

وهكذا علينا أن نجعل الايمان بالآخرة محور ثقافتنا، ولو تأمّلنا في خُطب نهج البلاغة سنصل الى ذلك المعنى بوضوح، أنّ امير المؤمنين عليه السلام في ايام خلافته كان يوجّه الناس الى الآخرة والعمل لأجلها، يقول عليه السلام في بعض خطبه: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ أَهْلَهَا بِوَدَاعٍ وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ آذَنَتْ‏ بِاطِّلَاعٍ أَلَا وَ إِنَّ الْمِضْمَارَ الْيَوْمَ وَ السِّبَاقَ غَداً أَلَا وَ إِنَ‏ السَّبَقَ‏ الْجَنَّةُ وَ الْغَايَةَ النَّارُ أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ‏ مَهَلٍ‏ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ يَحُثُّهُ عَجَلٌ فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَ لَمْ يَضُرَّهُ أَمَلُه.‏‏))[1]

ضعف هذا المحور في الثقافة الدينية يؤثّر بشكلٍ كبير على كافّة سلوكيات الانسان، وسرعان ما يسقط هؤلاء في امتحانات الحياة.

يقول ربّنا تعالى[إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقيلاً]

ومن الآية نفهم أنّ حبّ الدنيا هو الحجاب الذي يحول بين الإنسان و بين الإيمان بالآخرة، و أنّ الطريق لخرق هذا الحجاب هو حضور يوم القيامة العصيب في وعيه بتذكّر مواقفه الرهيبة و مشاهده الثقيلة.

فما دُمنا نواجه امامنا يوماً ثقيلاً، لابدّ أن نتجاوز صعوبات الحياة الدنيا، بينما من يجعل الايمان بالآخرة محور حركته في الحياة يسعد في الدارين.

بغير حساب

جاء في الرواية عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قَالَ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَ يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يُسْمِعُ آخِرَهُمْ كَمَا يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ، يَقُولُ: أَيْنَ أَهْلُ الصَّبْرِ فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ‏[2]، فَتَسْتَقْبِلُهُمْ زُمْرَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مَا كَانَ صَبْرُكُمْ هَذَا الَّذِي صَبَرْتُمْ فَيَقُولُونَ: صَبَّرْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَ صَبَّرْنَاهَا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ. قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: صَدَقَ عِبَادِي، خَلُّوا سَبِيلَهُمْ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

قَالَ: ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ آخَرُ، يُسْمِعُ آخِرَهُمْ كَمَا يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ، فَيَقُولُ: أَيْنَ أَهْلُ الْفَضْلِ. فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، فَتَسْتَقْبِلُهُمْ زُمْرَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَيَقُولُونَ: مَا فَضْلُكُمْ هَذَا الَّذِي نُودِيتُمْ بِهِ فَيَقُولُونَ: كُنَّا يُجْهَلُ عَلَيْنَا فِي الدُّنْيَا فَنَحْتَمِلُ وَ يُسَاءُ إِلَيْنَا فَنَعْفُو. قَالَ:

فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (تَعَالَى): صَدَقَ عِبَادِي، خَلُّوا سَبِيلَهُمْ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

قَالَ: ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ)، يُسْمِعُ آخِرَهُمْ كَمَا يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ، فَيَقُولُ: أَيْنَ جِيرَانُ اللَّهِ (جَلَّ جَلَالُهُ) فِي دَارِهِ فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، فَتَسْتَقْبِلُهُمْ زُمْرَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مَا ذَا كَانَ عَمَلُكُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَصِرْتُمْ بِهِ الْيَوْمَ جِيرَانَ اللَّهِ (تَعَالَى) فِي دَارِهِ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَتَحَابُّ فِي اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ). وَ نَتَبَاذَلُ فِي اللَّهِ، وَ نَتَوَازَرُ فِي اللَّهِ. فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: صَدَقَ عِبَادِي خَلُّوا سَبِيلَهُمْ لِيَنْطَلِقُوا إِلَى جِوَارِ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): فَهَؤُلَاءِ جِيرَانُ اللَّهِ فِي دَارِهِ، يَخَافُ النَّاسُ وَ لَا يَخَافُونَ، وَ يُحَاسَبُ النَّاسُ وَ لَا يُحَاسَبُونَ.))[3]


[1] الغارات (ط – القديمة)، ج‏2، ص: 436.

[2] ( 1) أي جماعة من الناس.

[3] الأمالي (للطوسي)، النص، ص: 103.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثاني عشر)

“وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (24) وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصيلاً] (25)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

مهما ارتفع البشر في درجات الايمان، الّا أنّه يبقى بحاجة ماسّة الى توفيق الباري تعالى له في امتحانات الحياة، فهو بحاجة الى التوكّل على الله سبحانه وتعالى، حتّى أنبياء الله العِظام تجدهم يستمدّون القوّة منه تعالى في كل آن، واللحظة التي يعتمد فيه البشر على نفسه هي لحظة سقوطه وخسارته.

ومن هنا تجد أنّ القرآن الكريم  ما إن يتحدّث عن الصبر والاستقامة، حتّى يتحدّث عن الذكر والتوكّل كما جاء في قوله تعالى: [فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ] الى قوله:[وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصيلاً]

ففي كلّ واقعة لربّنا تعالى حُكم، فلم يُخصّص ربّنا تعالى الحُكم لمكان دون آخر أو لواقعة دون أخرى بل إنّ أحكام الله شاملة ومن أجل تطبيق هذا الحُكم لابدّ من الصبر والاستقامة: [وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً] والخطاب وإن كان ظاهره للنبي صلّى الله عليه وآله، ولكنّه في الواقع لكلّ المسلمين، وطريق الاستقامة اذن هو الذكر.

بين الاستقامة والذكر

حينما يذكر الانسان ربّه ويتوّكل عليه فإنّه يتجاوز كلّ التحدّيات والصِعاب، فهو ينتصر حتّى وإن كانت المعادلات المادّية تقول خلاف ذلك، وخير دليلٍ على ذلك التاريخ الاسلامي، ففي معركة بدر مثلاً لم يكن المسلمين اكثر عدّة و تجهيزاً من الاعداء ولكنّهم بالتوكّل على الله انتصروا في فترة وجيزة وهكذا كلّ الحروب التي انتصروا فيها لم يكونوا اقوى من الناحية المادّية.

ربّنا سبحانه يقول: [فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ][1]

الى أن يقول: [وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ‏ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرينَ][2]

هذه الآيات تُلخّص سورة هود التي جاءت لبيان امثلة من استقامة الانبياء عليهم السلام، ففي الآية أمر بالاستقامة، و تحذير من الطغيان الناشئ من الانتصار، كما يقول ربّنا في سورة النصر [فَسَبِّحْ‏ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً][3]

 حيث إنّ آفة الطغيان بعد نزول النعمة من اكبر مشاكل البشر، بعد ذلك يؤكّد ربّنا تعالى مرّة أخرى أنّ طريق الوصول الى الاستقامة هو الذكر المُتمثّل بالصلاة حيث يقول ربّنا تعالى: [وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ‏ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ]

وهذه الصلوات تذهب بالسيئات، وسوف تعيد إليك إيمانك المفقود و تذهب بالآثار السلبية الباقية في‏ قلبك‏.

وفي سورة الاسراء بيان وتأكيد لتلك الحقيقة أيضاً في قوله سبحانه وتعالى: [وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ‏ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَ إِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَليلاً][4]

 الى قوله سبحانه وتعالى: [أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ‏ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً][5]

الإنسان الذي يحمل الرسالة لا بد ان يضع في اعتباره انه سوف يتعرض للضغوط الاجتماعية، و المادية، و من ضمن هذه الضغوط (الإخراج و التهجير و المقاطعة الاجتماعية و الإيذاء)، لعل الآية تشير الى سنة إلهية، قضاها الرب لعباده: ان رسل اللّه، و الذين هم يسيرون على نهجهم، أوتاد الأرض، فمن دونهم تسيخ بأهلها، بهم يحفظ اللّه العصاة ان يدمرهم شر تدمير، فاذا طغى الناس و اخرجوا هؤلاء من بلادهم فان العذاب يصبّ عليهم صبا.

 ثم يأتي الأمر بالصلاة لدلوك الشمس اي زوالها، وهي أهمّ الصلوات، [إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ]‏ غسق- دلجة- ظلمة- بمعنى واحد و هو شدة الظلام، و شموله، و لعله يتم عند منتصف الليل.

[وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً]

 قرآن الفجر هو صلاة الصبح، و صلاة الصبح مشهودة من قبل ملائكة الليل و ملائكة النهار، وهكذا في الآيات بيانٌ لأوقات الصلاة.

ومن يستعين بالصلاة والذكر فإنّ ربّنا تعالى يؤيده ويُبّت اقدامه، يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ الَّذينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ‏ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتي‏ كُنْتُمْ تُوعَدُونَ][6]

ممّا يدلّ على استمرارية التأييد من الرب سبحانه وتعالى لعبده المؤمن.

في هذه الآية من سورة الانسان ربّنا يقول: [وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصيلاً]

أغلب البشر يجهلون عظمة  الصلاة الذكر ولو أنّهم لم يكونوا كذلك كانوا يعشقون الصلاة ولأصبحوا مصداقاً للحديث الشريف القائل: [لَوْ عَلِمَ‏ الْمُصَلِّي‏ مَا يَغْشَاهُ مِنْ الرَّحْمَةِ لَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ.][7]

الصلاة صِلة مع الله الذي يخضع له من في السماوات والأرض، والانسان المؤمن يستمدّ عزيمته منها.


[1] سورة هود، الآية : 112.

[2] سورة هود، الآية : 114.

[3] سورة النصر، الآية: 3.

[4] سورة الاسراء، الآية: 76.

[5] سورة الاسراء، الآية: 78.

[6] سورة فصّلت، الآية:30.

[7] عيون الحكم و المواعظ (لليثي)، ص: 417

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الحادي عشر)

“نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزيلاً (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً](24)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

بالرغم من أنّ معارف البشر متشعبّه ومتنوّعة، الّا أنّ جذر كلّ المعارف مرتبط بأصول عقلية وفطرية عند الإنسان؛ وكلّما كانت تلك الأصول أكثر وضوحاً كان الوصول الى المعارف أسهل والاستفادة منها بشكل صحيح، وبالعكس كلّما كانت تلك الأصول غير واضحة كان الوصول الى العلم أصعب.

ولو تأمّلنا سنجد أنّ من أهداف الآيات القرآنية هو ايصالنا الى تلك الأصول (الحِكمة)، وهو الذي كان عليه أصحاب النبي (ص) المُخلصين الذين كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء، وحوو علوماً شتّى لأنّهم كانوا حُكماء.

وهكذا تُحدّد الحِكمة الهدف من العلم، وهذه هي مشكلة البشر حيث يهتمّ بتهيئة الوسائل ويضيع الهدف، ذلك الهدف الذي لابدّ أن يُحدّد اتجاه المسير، وكيفية الاستفادة من العلم، فنجد فلاسفة البشر ضاعوا بالبحث عن القيم التي تُنظّم سلوك المجتمعات، كلّ ذلك لأنّ البشر فقد الحِكمة، والقرآن الكريم هو كتاب الحِكمة الذي يُبيّن للبشر أهداف وجوده في الحياة.

كيف نأنس مع القرآن؟

لكنّ السؤال المهم هو في كيفية الاستفادة من القرآن والأنس مع آياته المباركات؟

آيات عديدة في القرآن الكريم تتعرّض الى الإجابة عن هذا التساؤل نختار اربع منها ثم نعود للآية الكريمة من سورة الإنسان.

الآية الاولى: قوله سبحانه وتعالى: [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها][1]

تدلّ الآية المُباركة أنّ طريق الاستفادة من آيات القرآن الكريم هو التخلّص من أقفال القلب، من الإعراض عن القرآن والخوف من تحمّل مسؤولية مضامين الآيات المباركات، الى التخلّص من المسبقات الفكرية التي تكون حاجزاً من الاستفادة من آيات الذكر الحكيم،

أرأيت من يذهب الى العين الصافية لكنّه يحمل معه مياه ملوّثة ليشرب منها! هذا حال الكثير من الناس الذين يبحثون في القرآن ما يوافق آراءهم الفكرية، لا أن يجعل القرآن منطلقاً للمعرفة.

الآية الثانية: قوله سبحانه وتعالى: [أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ‏ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلينَ][2]

التدبر من كلمة الدبر، أي النهاية فمن القرآن يبدأ المؤمن فيسير بعقله، و على ضوء الآية، الى الحقائق، فيرى ماذا تريد الآية و أين هو واقعها الخارجي، و تطبيقها الحي، وهذا هو التعامل المطلوب مع الآيات الكريمة.

الآية الثالثة: قوله سبحانه وتعالى: [كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ‏ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ][3]

القرآن مبارك ومن تجلّيات ذلك أنّ الانسان لو صرف عمره في التدبّر فيه سيجد المزيد من المعارف لأنّه يتجدّد، وكلمة [مُبارَكٌ] يعني أيضاً أنّه يتشعّب الى سائر العلوم والمعارف.

[وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ]

  فليس الغاية من القرآن هو الوصول الى معلومات جديدة فقط، بل أنّ القرآن الكريم لابدّ أن يؤثّر في القلب وبالتالي في سلوك الانسان، ومن هنا نجد أنّ القرآن الكريم في وصف العلماء يقول: [ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ][4]

واستخدامه كلمة [الذكر] بدل العلم للتدليل على أنّ الاتباع لابدّ أن يكون للعلماء الربّانيين.

الآية الرابعة: قوله سبحانه وتعالى: [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلافاً كَثيراً][5]

يستحيل أن تجد كتاباً جامعاً لدستور الحياة بكلّ أبعادها، ثم يكون بهذا الانسجام و الدقة و التناغم، و هكذا تجد القرآن يُصدّق بعضه بعضاً، وربّما تجد تبيين كلمة في اوّل القرآن في آخره.

يقول ربّنا تعالى في سورة الانسان: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزيلاً]

في الآية ثلاث تأكيدات من إنّ وتكرار ضمير المتكلم مع الغير والإتيان بالمفعول المطلق كلّ ذلك للتأكيد.

[نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزيلاً]

أي منجّما و ليس دفعة واحدة، و ذلك يتماشى مع هدف القرآن، ويجعل البشر قريباً لإدراك الحقائق.

[فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً]

في سبيل تطبيق القرآن الكريم لابدّ من تجنّب التأثير الذي يأتي من أصناف مختلفة من الناس:

الصنف الأول: هم الفسّاق الذين يتعارض تطبيق الدين مع اهواءهم.

الصنف الثاني: حين يتحوّل ذلك الى تيّار في المجتمع له دوافع سياسية، ويخطّطون من أجل الصد عن سبيل الله وعن تطبيق آيات الذكر الحكيم وحملته من المعصومين و من تبعهم من العلماء الربّانيين.

خطّ المنافقين في الأمّة يُشكّلون ضغطاً كبيراً لتحريف الآيات وفقاً لمصالحهم وأهواءهم.

الصنف الثالث: وهم الكفّار الذين يعادون الحق بصورة صريحة وواضحة.

وهكذا نجد القيادات الربّانية كانت دائماً تتبّع الآيات القرآنية ولا ترضخ للضغوط الداخلية والخارجية، أو الحكومات السياسية الطاغوتية وتاريخنا حافل بامثلة كثيرة من تلك البطولات.


[1] سورة محمد، الآية: 24.

[2] سورة المؤمنون، الآية: 68.

[3] سورة ص، الآية: 29.

[4] سورة النحل، الآية:43.

[5] سورة النساء، الآية 82.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (العاشر)

“مُلْكاً كَبيراً”

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَ يُسْقَوْنَ فيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبيلاً (17) عَيْناً فيها تُسَمَّى سَلْسَبيلاً (18) وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ‏ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (19) وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعيماً وَ مُلْكاً كَبيراً] (20)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

كان الله ولم يكن معه شيء ثم كوّن الاشياء لا من شيء، لا لحاجة منه اليهم لأنّه غني عنهم وكما قال ربّنا تعالى: [ما أُريدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ‏ وَ ما أُريدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ‏ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتينُ][1]

فالإحتياج والفقر من المخلوق، وديمومية العطاء من الباري تعالى، ولو تأمّلنا في ذلك سنجد أنّ كلّ المخلوقات هي في الواقع تجلّيات لرحمة الله تعالى وغناه وعزتّه بل وسائر اسماءه، لماذا؟ لأنّنا لو افترضنا انقطاع الفيض الالهي عن المخلوقات آناً ما، فإنّها ستعود عدماً كما كانت.

ويتوقّف علم الانسان بمعرفة السبب ليبدء دور العقل بمعرفة المُسبّب، فما من معلول الّا و لابدّ له من علّة.

خلقة البشر أيضاً لا تختلف عن سائر المخلوقات الّا أنّ التعبير القرآني جعل من الرحمة هدفاً لخلقة البشر خاصّة حيث يقول ربّنا تعالى: [إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏][2]

 وطريق ذلك هو العبودية التي قال عنها ربّنا تعالى: [وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ‏][3]

ولو تأمّلنا في آيات القرآن الكريم سنجد أنّ كلّ المخلوقات تُسبّح ربّها وتُصلّي اليه، وبذلك ديمومية وجودها، يقول ربّنا تعالى: [تُسَبِّحُ‏ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَليماً غَفُوراً][4]

 ويقول تعالى: [أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبيحَهُ‏ وَ اللَّهُ عَليمٌ بِما يَفْعَلُونَ][5]

بين الصلاة والتسبيح

اصل الصلاة هو الدعاء والصِلة بالله تعالى، و اصل التسبيح أيضاً التنزيه والدعاء أي أنّنا حينما نُنّزه الباري تعالى من النقص ندعوه تعالى باعطاءنا المزيد من النعم من عنده، ومن هنا كما أنّ كلّ المخلوقات تتكامل بالتسبيح والصلاة، هكذا يتسامى الانسان عبر التسبيح والصلاة.

ونستفيد من الآيات الكريمة أنّ العلاقة التي تربطنا بسائر المخلوقات أيضاً لابدّ أن تكون ايجابية، و في ذلك روايات كثيرة، من التعامل المسؤول مع البيئة وكلّ المخلوقات الإلهية وعدم الإفساد في الأرض، بعكس ما نجده في عالم اليوم حيث النظرة العدائية التي جاء بها الفلسفة البشرية، والتي تجعل البشر في مقابل الطبيعة، وكلّما ازداد البشر افساداً في الأرض كلّما ابتلي بالكوارث الطبيعية.

وربّما يفقه بعض الكُمّلين تسبيح المخلوقات في الدنيا،  الّا أنّ الجنّة خُلقت بحيث يفقه المؤمن تسبيح المخلوقات ويحدّثونه ويُحدّثهم.

ففي الرواية في وصف الطير في الجنة يقول النبي صلّى الله عليه وآله:  ((فَإِذَا تَمَنَّى مُؤْمِنٌ مُحِبٌّ لِلنَّبِيِّ وَ آلِهِ الْأَكْلَ  مِنْهَا، وَقَعَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَتَنَاثَرَ رِيشُهُ وَ انْسَمَطَ وَ انْشَوَى وَ انْطَبَخَ، فَأَكَلَ مِنْ جَانِبٍ مِنْهُ  مَشْوِيّاً بِلَا نَارٍ فَإِذَا قَضَى شَهْوَتَهُ وَ نَهَمَتْهُ- وَ قَالَ: [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏]، عَادَتْ كَمَا كَانَتْ، فَطَارَتْ فِي الْهَوَاءِ، وَ فَخَرَتْ عَلَى سَائِرِ طُيُورِ الْجَنَّةِ، تَقُولُ:

«مَنْ مِثْلِي وَ قَدْ أَكَلَ‏ مِنِّي‏ وَلِيُّ اللَّهِ عَنْ أَمْرِ اللَّه‏»[6]

وهكذا الفواكه ايضاً وسائر المخلوقات، يقول تعالى:

[وَ يُسْقَوْنَ فيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبيلاً عَيْناً فيها تُسَمَّى سَلْسَبيلاً]

و الزنجبيل يعطي ما يمزج إليه نكهة طيّبة، كما أنّه بذاته فيه فوائد كثيرة، ولكن ليس طعمه الحاد بل طعمه السلسبيل وهو الشراب السهل اللذيذ.

[وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ‏]

يبدو لي أنّ «مخلّدون» بمعنى أنّهم يبقون على نضارة الغلام دائما لا يتداركهم شباب و لا هرم، و إنّما يبقيهم اللّه كذلك لأنّ خدمة الصغار على هذا السنّ ألذّ لأهل الجنة من خدمة غيرهم، و الولدان في تطواف دائم يترقّبون أمر المؤمنين لهم، على استعداد تامّ لخدمتهم، بل أنّ مجرّد تطوافهم أمامهم يبعث فيهم البهجة و السرور، لما يمثّله الولدان من نعمة الخدمة، و لمنظرهم الأنيق و الجميل.

[إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً]

قال العلامة الطبرسي: إنّما شبّههم بالمنثور لانتثارهم (و توزّعهم) في الخدمة، فلو كانوا صفّا لشبّهوا بالمنظوم‏. كما أنّ للؤلؤ حينما ينثر منظرا رائعا في الجمال، و الجاذبية خصوصا في المروج الخضراء.

 ‏ [وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعيماً وَ مُلْكاً كَبيراً]

و حتى نفهم معنى كلمة «كبيرا» يجب أن ننظر إليها على أساس أنّها تعبير عن أربعة أمور، هي: الكثرة، و الحجم، و التنوّع، و العظمة. و تكرار كلمة «رأيت» يأتي لبيان أنّك مهما تكرّر بنظرك و تعيد الرؤية فإنّك لا تستطيع أن تصل إلى حدّ ملك الأبرار من النعيم في الجنة، و إنّما تعلم بصورة مجملة أنّه نعيم و ملك كبير.

و كفى به عظمة وسعة أنّه يزداد مع الزمن بفضل اللّه و كرمه المتتابع على أهل الجنة.


[1] سورة الذاريات، الآيتان: 57,58.

[2] سورة هود، الآية: 119.       

[3] سورة الذاريات، الآية:56.

[4] سورة الإسراء، الآية: 44.

[5] سورة النور، الآية 41.

[6] التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ص: 441

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثامن)

“جَزاهُمْ‏ بِما صَبَرُوا”

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَجَزاهُمْ‏ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَريراً (12) مُتَّكِئينَ‏ فيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فيها شَمْساً وَ لا زَمْهَريراً] (13)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

السور الثلاث الأخيرة من الجزء التاسع والعشرون، تتكامل فيما بينها، فبينما تتحدّث سورة القيامة عن احداث ذلك اليوم العظيم، نجد أنّ سورة الدهر تتحدّث عن الجنّة ونعيمها غالباً، وسورة المرسلات تتحدّث غالباً عن العذاب.

وفي اطار الحديث عن النِعم في الجنة يُحدّثنا ربّنا تعالى عن جزاء المؤمنين، ورحمته تعالى التي هي أساس النعم في الجنّة، وكما أنّ رحمة الرب المُتعال غير متناهية كذلك نعمه في الجنّة لا تنتهي، حيث يزداد المؤمن نعماً من ربّه باستمرار، ويبقى خالداً في النعيم، ولكن لا بمعنى استقلاله في الوجود، فهو يبقى مخلوقاً مُحتاجاً الى الخالق تعالى الغني بالذات.

شوّقني يابن رسول الله

يأتي ابو بصير الى الامام الصادق عليه السلام فيقول له جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ شَوِّقْنِي..

كما مرّ أنّ الشوق يرتبط بالصبر الذي هو من دعائم الايمان، و طلب ابو بصير وهو في تلك المرتبة الجليلة يطلب من الامام أن يشوّقه يدلّ على أنّ من مسؤولية الانسان المؤمن إذا وجد في نفسه ضعف أمام التحدّيات والضغوطات، أو خارت عزيمته بسببٍ أو بآخر أن يعالج سبب ذلك بالشوق أو الشفق أو باستذكار النعم الالهية عليه أو ما أشبه.

قال الامام عليه السلام لأبي بصير:

 ((يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ الْجَنَّةَ تُوجَدُ رِيحُهَا مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ‏.

 وَ إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا لَوْ نَزَلَ بِهِ الثَّقَلَانِ الْجِنُّ وَ الْإِنْسُ لَوَسِعَهُمْ طَعَاماً وَ شَرَاباً وَ لَا يَنْقُصُ مِمَّا عِنْدَهُ شَيْ‏ءٌ وَ إِنَّ أَيْسَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَيُرْفَعُ لَهُ ثَلَاثُ حَدَائِقَ فَإِذَا دَخَلَ أَدْنَاهُنَّ رَأَى فِيهَا مِنَ الْأَزْوَاجِ وَ الْخَدَمِ وَ الْأَنْهَارِ وَ الثِّمَارِ مَا شَاءَ اللَّهُ‏ فَإِذَا شَكَرَ اللَّهَ وَ حَمِدَهُ قِيلَ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ إِلَى الْحَدِيقَةِ الثَّانِيَةِ فَفِيهَا مَا لَيْسَ فِي الْأُولَى فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَعْطِنِي هَذِهِ فَيَقُولُ لَعَلِّي‏.. إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا فَيَقُولُ رَبِّ هَذِهِ هَذِهِ فَإِذَا هُوَ دَخَلَهَا وَ عَظُمَتْ‏ مَسَرَّتُهُ شَكَرَ اللَّهَ وَ حَمِدَهُ.

 قَالَ: فَيُقَالُ افْتَحُوا لَهُ بَابَ الْجَنَّةِ وَ يُقَالُ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَإِذَا قَدْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الْخُلْدِ وَ يَرَى أَضْعَافَ مَا كَانَ فِيمَا قَبْلُ فَيَقُولُ عِنْدَ تَضَاعُفِ مَسَرَّاتِهِ رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ الَّذِي لَا يُحْصَى إِذْ مَنَنْتَ عَلَيَّ بِالْجِنَانِ وَ أَنْجَيْتَنِي مِنَ النِّيرَانِ فَيَقُولُ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ وَ أَنْجِنِي مِنَ النَّارِ.

 قَالَ أَبُو بَصِيرٍ فَبَكَيْتُ، وَ قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ زِدْنِي..

 قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهَراً فِي حَافَتَيْهَا جَوَارٍ نَابِتَاتٌ إِذَا مَرَّ الْمُؤْمِنُ بِجَارِيَةٍ أَعْجَبَتْهُ قَلَعَهَا وَ أَنْبَتَ اللَّهُ مَكَانَهَا أُخْرَى..[1]

يقول ربّنا تعالى: [وَجَزاهُمْ‏ بِما صَبَرُوا]

الصبر من الايمان بمثابة الرأس من الجسد، وهو يعني الغاء حاجز الزمان بين الفعل والجزاء، وبالتالي يعيش الانسان الصابر الجنّة ونعيمها ويكون ذلك داعياً لفعل الطاعة واجتناب المعصية ويكون جزاؤهم [جَنَّةً وَ حَريراً]

و لعلّ في الآية إشارة إلى أنّ إخلاص الإنسان في عمله، و خروجه من حبّ‏ الذات (حبّ التظاهر و الإطراء) عند الإنفاق بالذات، بحاجة إلى إرادة عالية و صبر عظيم يقاوم بهما تحدّيات النفس و الشيطان.

[مُتَّكِئينَ‏ فيها عَلَى الْأَرائِكِ]

جمع أريكة، و هي الأسرّة المحشوّة على أفضل وجه، ويتكئ الانسان بعد أن يفرغ من عمله، وهكذا أهل الجنّة ينعمون بما عملو في الدنيا.

[لا يَرَوْنَ فيها شَمْساً وَ لا زَمْهَريراً]

 و الشمس كناية عن الحرّ، أمّا الزمهرير فهو البرد الشديد.


[1] بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏8، ص: 121

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (السابع)

“لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَوَقاهُمُ‏ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً](11)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

ماذا يوجد في الجنان من النعيم؟ حتّى أنّك تجد عباد الله المخلصون يزهدون عن كلّ ما في الدنيا لنيلها، والخلود فيها، وهكذا تجد الشوق الى الجنّة عُدّ من دعائم الصبر الذي هو أصل الإيمان، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ((فمن اشتاق‏ الى‏ الجنّة سلا عن الشّهوات))[1].  إنّهم عرفوا حقيقة الدنيا وزوالها، وأنّ الدار الآخرة هي الحيوان، فتراهم يصبرون أياماً قليلة لتعقبها راحة أبدية.

النبي عيسى عليه السلام والغلام

مرّ النبي عيسى عليه السلام على قرية، ونقل غلاماً من حياة عادّية الى أفضل حياة حيث زوّجه بابنة الملك، و لَمْ يَكُنْ لِلْمَلَكِ وَلَدٌ غَيْرُ هَذِهِ الِابْنَةِ فَجَعَلَهُ الْمَلِكُ وَلِيَّ عَهْدِهِ وَ وَارِثَ مِلْكِهِ وَ أَمَرَ خَوَاصَّهُ وَ أَعْيَانَ مَمْلَكَتِهِ بِبَيْعَتِهِ وَ طَاعَتِهِ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ مَاتَ الْمَلِكُ فَأَجْلَسُوا الْغُلَامَ عَلَى سَرِيرِ الْمَلِكِ وَ أَطَاعُوهُ وَ سَلَّمُوا إِلَيْهِ خَزَائِنَهُ فَأَتَاهُ عِيسَى عليه السلام فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لِيُوَدِّعَهُ فَقَالَ الْغُلَامُ أَيُّهَا الْحَكِيمُ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ حُقُوقاً لَا أَقُومُ بِشُكْرِ وَاحِدٍ مِنْهَا وَ لَكِنْ عَرَضَ فِي قَلْبِي الْبَارِحَةَ أَمْرٌ لَوْ لَمْ تُجِبْنِي عَنْهُ لَمْ أَنْتَفِعْ بِشَيْ‏ءٍ مِمَّا حَصَّلْتَهَا لِي فَقَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ الْغُلَامُ إِنَّكَ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ تَنْقُلَنِي مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ الْخَسِيسَةِ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ فِي يَوْمَيْنِ فَلِمَ لَا تَفْعَلُ هَذَا لِنَفْسِكَ وَ أَرَاكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَمَّا أَحْفَى فِي السُّؤَالِ قَالَ لَهُ عِيسَى:

إِنَّ الْعَالِمَ بِاللَّهِ وَ بِدَارِ ثَوَابِهِ وَ كَرَامَتِهِ وَ الْبَصِيرَ بِفِنَاءِ الدُّنْيَا وَ خِسَّتِهَا لَا يَرْغَبُ إِلَى هَذَا الْمُلْكِ الزَّائِلِ وَ إِنَّ لَنَا فِي قُرْبِهِ تَعَالَى وَ مَعْرِفَتِهِ وَ مَحَبَّتِهِ لَذَّاتٍ رُوحَانِيَّةً لَا تُعَدُّ تِلْكَ اللَّذَّاتُ الْفَانِيَةُ عِنْدَهَا شَيْئاً فَلَمَّا أَخْبَرَ بِعُيُوبِ الدُّنْيَا وَ آفَاتِهَا وَ نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَ دَرَجَاتِهَا قَالَ الْغُلَامُ فَلِي عَلَيْكَ حُجَّةٌ أُخْرَى لِمَ اخْتَرْتَ لِنَفْسِكَ مَا هُوَ أَوْلَى وَ أَحْرَى وَ أَوْقَعْتَنِي فِي هَذِهِ الْبَلِيَّةِ الْكُبْرَى فَقَالَ عِيسَى ع إِنَّمَا اخْتَرْتُ لَكَ ذَلِكَ لِأَمْتَحِنَكَ فِي عَقْلِكَ وَ ذَكَائِكَ وَ لِيَكُونَ لَكَ الثَّوَابُ فِي تَرْكِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُيَسَّرَةِ لَكَ أَكْثَرَ وَ أَوْفَى وَ تَكُونَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِكَ فَتَرَكَ الْغُلَامُ الْمُلْكَ وَ لَبِسَ أَثْوَابَهُ الْبَالِيَةَ وَ تَبِعَ عِيسَى عليه السلام.

ثلاثة أبعاد هامّة تجعل المؤمن يرغب في الآخرة ويزهد عن الدنيا.

اولاً: النجاة من النار، حيث يجد المؤمن نفسه في بحبوحة الرحمة الالهية بينما يُعّذب غيره في النار، إنّ تلك نعمة عظيمة يرغب بها المؤمن، يقول تعالى:

[فمَنْ زُحْزِحَ‏ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُور][2]

  ويقول تعالى: [وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ][3]

الدعاء بالخلاص من النار بعد طلب الحسنة في الآخرة يعني أهميّة تلك النعمة الالهية، لأنّه قد يُعذّب الانسان في النار آلاف السنوات ثم يدخل الجنة، ومن هنا نقرء في دعاء الامام الحسين عليه السلام في عرفة، ((اللّهمّ حاجتى الّتى ان‏ اعطيتنيها لم يضرّنى ما منعتنى و ان منعتنيها لم ينفعنى ما اعطيتنى أسألك فكاك رقبتى من النّار.))

ثانياً: الترحيب الذي يُستقبل به أهل الجنة كما يقول ربّنا تعالى: [وَ سيقَ الَّذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ‏ فَادْخُلُوها خالِدينَ][4]

ويقول تعالى: [إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ‏ مَشْكُوراً][5]

ثالثاً: هو أنّهم يُسقون من شرابٍ طهور، يُطهّر قلوبهم من الأمراض والأدران، ويضاعف قوتهم الجسدية أضعافاً مضاعفة يقول ربّنا تعالى: [وَ سَقاهُمْ‏ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً][6]

فهو يطهّر كلّ الأمراض الظاهرية والباطنية، ونحن علينا أن نُقرّب أنفسنا من صفات أهل الجنّة وذلك من خلال تزكية أنفسنا، من الأغلال والأحقاد والحسد والكبر، حينذاك سنعيش الجنّة ونحن في الدنيا، ونكون من أهل الجنّة في الآخرة أيضاً.


[1] الغارات (ط – الحديثة)، ج‏1، ص: 136.

[2] سورة آل عمران، الآية185.

[3] سورة البقرة، الآية: 201.

[4] سورة الزمر، الآية 73.

[5] سورة الإنسان، الآية 22.

[6] سورة الإنسان، الآية21.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (السادس)

“يُطْعِمُونَ‏ الطَّعامَ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَ يُطْعِمُونَ‏ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكيناً وَ يَتيماً وَ أَسيراً] (8)

صدق الله العلي العظيم

من الحديث

عن ابن عبّاس قال: ((مرض الحسن و الحسين فعادهما جدّهما و وجوه العرب، و قالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا؟ فنذر صوم ثلاثة أيّام إن شفاهما اللّه سبحانه، و نذرت فاطمة (عليها السلام) و كذلك فضة، فبرءا و ليس عندهم شي‏ء، فاستقرض علي- عليه السلام- ثلاثة أصوع من شعير من يهودي، و روي: أنّه أخذها ليغزل له صوفا، و جاء به إلى فاطمة فطحنت صاعا منها فاختبزته و صلّى علي (ع) المغرب و قرّبته إليهم فأتاهم مسكين يدعوهم و سألهم فأعطوه و لم يذوقوا إلّا الماء، فلمّا كان اليوم الثاني أخذت صاعا و طحنته و اختبزته و قدّمته إلى علي (ع) فإذا يتيم بالباب يستطعم فأعطوه و لم يذوقوا إلّا الماء، فلما كان اليوم الثالث عمدت الباقي فطحنته و اختبزته و قدّمته إلى علي (ع) فإذا أسير بالباب يستطعم فأعطوه و لم يذوقوا إلّا الماء، فلمّا كان اليوم الرابع و قد قضوا

نذورهم أتى علي و معه الحسن و الحسين- عليهم السلام- إلى النبي- صلّى اللّه عليه و آله- و بهما ضعف فبكى رسول اللّه (ص) و نزل جبرئيل بسورة:[هل أتى]))[1].

تفصيل القول

دين الرب سبحانه وتعالى كما كلّ مخلوقاته كامل، فهو شاملٌ لأبعاد الحياة المُختلفة، ابتداءاً من العقائد، والى الأخلاق والآداب، والتشريعات، والنظام السياسي و..الخ، ومن الأبعاد الهامّة التي جاء بها الاسلام هو البُعد الإجتماعي، ولو بحثنا في الواجبات الدينية سنجد أنّ ما لا يقل عن 60% من الواجبات مرتبطة بالبُعدِ الإجتماعي،والتي يلخّصها حديث النبي صلّى الله عليه وآله حين قال: ((كُلُّكُمْ‏ رَاعٍ‏ وَ كُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.))[2]

ونحن بمناسبة الحديث عن الإطعام للطبقات المستضعفة، والموقف الذي خلّده القرآن الكريم ليكون لنا عبرة وبرنامج عمل، بمناسبة ذلك نتحدّث عن بعض الواجبات الاجتماعية التي اكّد عليها القرآن الكريم.

المسؤولية الأولى: التواصي.

الواجب الأوّل هو التواصي الذي يكون بين المؤمنين على اختلاف اعمارهم و مكانتهم، بلا فرق بين صغير وكبير وحاكمٍ ومحكوم، فعلى الجميع العمل بالتواصي، في سورة العصر حيث يُبيّن ربّنا تعالى طريق النجاة من الخُسر الذي يشمل كلّ انسان يقول ربّنا: [إِلاَّ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ][3]

وهو يشمل ارشاد الجاهل والدعوة الى الله، كما ويشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، كلّ ذلك لأنّ الانسان قد تخور عزيمته في مواجهة هوى نفسه ووساوس الشيطان الرجيم، ويأتي التواصي ليجبر هذا النقص، يقول ربّنا تعالى: [ادْعُ‏ إِلى‏ سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ][4]

فالحِكمة تعني درك الزمان، وهكذا الموعظة الحسنة التي تعني اختيار الأسلوب الصحيح لأجل تحقيق الهدف من التواصي وهو جبران النقص الارادة في الروح.

 المسؤولية الثانية: التشاور

يقول ربّنا تعالى: [وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ بَيْنَهُمْ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ][5]

لأنّ ربّنا تعالى أعطى لكلّ شخص نسبة من العقل، فهو ينظر الى الحقائق من زاوية مُعيّنة وهكذا يأتي التشاور وجمع عقول الناس قوّة عقلية، يقول النبي (ص): ((أعلم الناس من جمع‏ علم‏ الناس‏ الى‏ علمه .))[6]

وهكذا على الانسان أن يجعل من التشاور برنامجاً لحياته، سواءاً على صعيد الأسرة والتشاور مع الزوجة والأولاد، أو على صعيد عموم المجتمع.

المسؤولية الثالثة: التعاون.

في عالم اليوم نجد تشاور آلاف العلماء من أجل تحقيق انجاز علمي مُعيّن، وهذه سُنّة الحياة وُضعت بحيث تقدّم البشر مُرتبط بالتعاون فيما بينهم، ونتيجته القوّة في العمل، وفي اطار المجتمع الاسلامي لابدّ من تنمية روح التعاون بين ابناءه كما يقول الرب المُتعال:

[وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوان‏][7]

المسؤولية الرابعة: الإحسان

لأنّ في المجتمع طبقات مُستضعفة لابدّ من الإحسان اليها، ومن دون العمل بهذه المسؤولية لا تكتمل المسؤوليات الإجتماعية.

الإحسان والبذل الاقتصادي ليس هامشياً في الدين بل هو من صلب الدين الإسلامي، ولعلّ المصداق الأوضح له هو (الإطعام) وطالما أكّد الدين الحنيف عليه إن من خلال الكفّارات التي جُعلت اطعام للمساكين، أو الحث عليه وتشجيع ابناء المجتمع على اطعام الطعام، لماذا؟ لأنّ أوّل حق للبشر على بني جنسه أن لا يبقى جاعاً وقد قال النبي صلّى الله عليه وآله: (( لِكُلِ‏ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ.))[8] حيث أنّه يشمل حتّى غير الإنسان فكيف بالبشر.

يقول ربّنا تعالى: [وَ يُطْعِمُونَ‏ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكيناً وَ يَتيماً وَ أَسيراً]

اولئك الأبرار الذين يشربون من كأسٍ كان مزاجها كافوراً، وينعمون في النعيم الأبدي في الجنّة، كان حياتهم العطاء و الإحسان، وعلينا أن نقتدي بفعالهم أيضاً للحوق بهم.

ولابدّ من البحث عن الطبقات المحرومة لأجل الإطعام من المساكين، الى الأيتام الذين لابدّ من توفير الحنان والرعاية لهم مع توفير الطعام، كما ويهتمّ الاسلام بالأسير الذي ليس بمسلم، وهذه الرؤية الشمولية التي نتعلّمها من كتاب الله في الإحسان الى الطباقت المستضعفة.


[1] ( 1) مجمع البيان/ ج 10 ص 405 بنقل صاحب نور الثقلين.

[2] بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏72، ص: 38.

[3] سورة العصر، الآية: 3.

[4] سورة النحل، الآية: 125.

[5] سورة الشورى، الآية .38.

[6] الحياة / ترجمه احمد آرام، ج‏1، ص: 66

[7] سورة المائدة، الآية : 2.

[8] جامع الأخبار(للشعيري)، ص: 139.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الخامس)

“يوفون بالنذر”

بسم الله الرحمن الرحيم

[يُوفُونَ‏ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً] (7)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

بون شاسع بين الانسان الشاكر والكفور، إذ أنّ الشُكر ليس مجرّد اذكار في اللسان بل يرتبط بمجمل حياة الانسان، وفي الآية السابعة من سورة الانسان الُمباركة يُبيّن ربّنا تعالى بعض صفات الانسان الشاكر، حيث يقول ربّنا: [يُوفُونَ‏ بِالنَّذْرِ]

اوّل صفة يبّنها ربّنا تعالى هو الوفاء بالنذر وهو يشمل الالتزام بالمواثيق الشخصية التي يعطيها الانسان، ولكن هناك معنى اوسع واشمل للوفاء بالنذر وهو ما يبيّنه الامام الرضا عليه السلام حيث يقول: «[يوفون بالنذر] الذي أخذ عليهم من ولايتنا»[1]، وعنه قال‏: «يوفون للّه بالنذر الذي أخذ عليهم في الميثاق من ولايتنا».[2]

فالوفاء بالنذر يعني الوفاء بذلك الميثاق الذي كان في عالم الذر.

المواثيق وفلسفة التاريخ

لو بحثنا في التاريخ الانساني عن سرّ نهوض الحضارات وتقدّمها أو شيخوتها و انهيارها سنجد أنّ ذلك عائدٌ الى الالتزام بالمواثيق، فحينما يلتزم مجموعة من البشر ولسبب ما بالعهود فيما بينهم أو ما يسمّى (بالعقد الاجتماعي) فإنّهم يشكّلون المُدنيات والتقدّم، وحينما تخور عزائمهم، و ينقضون العهود، ولا يلتزمون بالمواثيق، فإنّ الحضارة تشيخ وتموت.

وسبب اجتماع البشر والتزامهم بالمواثيق قد تكون الأخطار التي تُحيط بهم ويضطرّون بسببها الى التعاون والتكاتف، وهو سبب تشكّل أكثر الحضارات البشرية، أو قد يكون خطراً خارجياً من عدوٍ يريد أن يفتك بهم أو ما شابه، ولكن هناك سبب ثالث تغافل كُتّاب التاريخ عنه عمداً، وهي الحضارات التي منشئها السماء، ويأتي بها الأنبياء الى الأرض، وبالتالي المواثيق الالهية التي تكون سبباً في نشوء المدنيات والحضارات، فمع نزول أوّل البشر كانت الحضارة الإلهية حاضرة انشأها النبي آدم عليه السلام ثم استمرّت مع شيث و ادريس النبي عليهم السلام وحينما بدء البشر بالانحراف عن تلك الحضارة ارسل الله تعالى النبي نوح عليه السلام لإصلاح مسير الحضارة..وهكذا جاء الأنبياء بحضارات للبشرية لعلّ أهمّها كانت الحضارة الاسلامية التي جاء بها النبي الكريم محمد صلّى الله عليه وآله، والتي لا نشك أنّ لها أكبر الأثر في تقدّم البشرية.

ربّنا سبحانه وتعالى يقول: [يُوفُونَ‏ بِالنَّذْرِ]

وهو ذاته الميثاق الذي أخذه النبي (صلى الله عليه وآله) من المؤمنين مراراً من بيعة الشجرة والى بيعة الغدير.

ربّما يكون السبب في نقض العهود عند الناس هو انتهاء الداعي اذا كان خطراً خارجياً أو داخلياً اجتمع بسببه الناس، ولعلاج ذلك لابدّ من معرفة أن وجود العدو من طبيعة الحياة التي قال عنها ربّنا تعالى: [وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حينٍ][3]

وبالتالي فدواعي الالتزام بالمواثيق تبقى مستمرّة.

أما الطريق الثاني الذي يكون داعياً لاستمرار الالتزام بالمواثيق حين لا يكون الداعي مرتبط بالمصالح المادّية، بل حين تكون الدوافع معنوية، وهذا ما تُبيّنه الآية الكريمة من سورة الانسان حيث يقول ربّنا تعالى: [يُوفُونَ‏ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً]

فالخوف من الآخرة هو الدافع لوفاءهم بالنذر و التزامهم بالعهود والمواثيق، وخصوصاً ذلك الميثاق الذي كان في عالم الذر.

وهكذا لابدّ أن نجعل الخوف من الآخرة مِحور لثقافتنا في الحياة، وجذراً لفهم حقائق الحياة.

[وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً]

الحديث عن القيامة يأتي بذكر اليوم دائماً، صحيح أنّه خمسين ألف سنة، ولكن يبقى يوماً واحداً لا استراحة فيه ولا تعطيل.

ذلك اليوم العبوس القمطرير الذي كان شرّه مسطيراً شاملاً وعظيما، وهكذا علينا أن ننُمّي في داخلنا جذر الايمان بالله والخوف من الآخرة و ليكون ذلك دافعاً للوفاء بالنذر عندنا يقول ربّنا تعالى في سورة النحل: [وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ.][4]

وبذلك يفلح المؤمن في الدارين..نسأل الله أن يوفّقنا لذلك.


[1] ( 1) نور الثقلين/ ج 5 ص 477.

[2] ( 2) المصدر/ ص 478.

[3] سورة البقرة، الآية 36.

[4] سورة النحل، الآية:  91.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثالث)

شاكِراً أو كَفُوراً

بسم الله الرحمن الرحيم

[إِنَّا هَدَيْناهُ‏ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً] (3)

صدق الله العلي العظيم

من الحديث

قال أمير المؤمنين عليه السلام: ((ألنّعمة موصولة بالشّكر و الشّكر موصول بالمزيد و هما مقرونان في قرن فلن ينقطع المزيد من اللّه تعالى حتّى ينقطع الشّكر من الشّاكر.))[1]

تفصيل القول

من طبيعة كلّ انسان وجود النور والظلام في داخله، فمن جهة الجانب النوراني الذي منّ ربّنا تعالى به على الانسان، ومن جهة أخرى الجانب الظلماني الذي هو مقتضى خلقته وطبيعته، لكن ربّنا تعالى أعطى للانسان فرصة الاختيار لكي يتحوّل ويخرج من الظلمات الى النور، لكنّ هذا التحوّل ليس ظاهرياً فحسب وإنّما تحوّل ماهوي مرتبط بجوهر الانسان.

وكما لا يمكن ادراك الفاصلة بين الجنّة والنار، لا يمكن ادراك الفوارق بين من يغلّب جانب النور في داخله على الظلام والعكس.

ومن الصفات المهمة التي لابدّ من تغييرها في جوهر الانسان هو الانتقال من كفران النعم الى شكرها، يقول ربّنا تعالى: [إِنَّا هَدَيْناهُ‏ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً]

لكن ما هو الشكر؟

مبدء الشكر من معرفة النفس وحقيقة المخلوقية والعبودية للخالق الذي أحسن خلق الانسان بعد أن لم يكن شيئاً مذكورا، وبتلك المعرفة تتجلّى عند الانسان النعم الالهية، ليس فقط في بدو وجودها بل وفي استمرارها، فنعمة البصر مثلاً هي نعمة متجددة كلّ آن، وحين يصل الى هذا المستوى الرفيع من العرفان للنعم الإلهية، يصل الى القناعة في حياته والرضا بما قسم الله له، وكما جاء في بعض الأدعية  عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ صَبْرَ الشَّاكِرِينَ‏ لَكَ وَ عَمَلَ الْخَائِفِينَ مِنْكَ وَ يَقِينَ الْعَابِدِينَ لَك‏))[2]

وهكذا هي العلاقة بين الصبر والشكر حيث أنّ شعور المرء بالنِعم الإلهية يجعله صابراً على البلاء والنقص في حياته.

الشكر غذاء الروح

وكما يحتاج الجسد الى غذاء، كذلك الروح وغذاءه الشكر، وهكذا نقرء في الدعاء: ((اللّهمَّ إنّي أسألُكَ العافِيَةَ، وَتَمامَ العافِيَةِ، وَدَوامَ العافِيَةِ، وَالشُّكرَ على العافِيَةِ))[3]

العافية وهي مجمع النعم، بحاجة الى شكر، فما خصّنا الرب سبحانه وتعالى مثلاً من نعمة الولاية، لم تأتي اعتباطاً ولم تُعطى الى كلّ الناس، وعلينا أن نعرف قيمة تلك النعمة الالهية.

وبعد معرفة النعمة والتحسس بها يأتي الإحساس بالمسؤولية تجاه النعمة، فالأمن مثلاً نعمة الهية لابد من التحسس بها وتحمّل المسؤولية تجاهها.

والتعاطي الايجابي مع كلّ الحياة والنظر الى ايجابيات الواقع، كلّ ذلك ينتج من الشكر، وله اكبر الأثر في الحياة الكريمة والسعادة للمؤمن في الحياة.

و من هذا ينتج زيادة النعمة كما قال ربّنا تعالى: [وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ‏ لَأَزيدَنَّكُمْ][4]

ومن يملك الشكر فإنّه يملك الحكمة كما يقول ربّنا تعالى:[وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّه‏][5]

 بمعنى أنّ كل الحكمة تتلخّص في الشكر، نسأل أن يجعلنا من الشاكرين.


[1] غرر الحكم و درر الكلم، ص: 118.

[2] مصباح المتهجد و سلاح المتعبد، ج‏2، ص: 802.

[3] مكاتيب الأئمة عليهم السلام، ج‏4، ص: 263

[4] سورة ابراهيم، الآية 7.

[5] سورة لقمان، الآية 12.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثاني)


“مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏”

بسم الله الرحمن الرحيم

[هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً(1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ نَبْتَليهِ فَجَعَلْناهُ سَميعاً بَصيراً (2)]

صدق الله العلي العظيم

من الحديث

عن زرارة قال‏ سألت أبا جعفر (الإمام الباقر)- عليه السلام- عن قوله: «الآية» فقال: «كان شيئا و لم يكن مذكوراً»[1]

تفصيل القول

وجدان الانسان مستودع المعارف، حيث أنّ كلّ الحقائق التي يُسئل عنها الانسان يوم القيامة موجودة في داخله، ولكن بصورة مُجملة، وبالايمان والعلم تتحوّل الحقائق الى تفصيل.

فنعلم بوجداننا أنّنا لم نكن شيئاً، أو لم نكن مذكورين، حيث كُنّا في علم الله وفي العوالم التي سبق هذا العالم، ونعلم بوجداننا أيضاً أنّ هناك خالقاً حوّلنا من عالم الى عالم وجاء بنا الى هذه الحياة، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، تلك النعم التي ليس فقط لا نستطيع شكرها، بل ولا نستطيع ادراكها وعدّها، اقول: الآن وبعد التحوّل الذي حدث لنا، وقد أصبح الانسان شيئاً مذكوراً، لابدّ من التساؤل عن الهدف من الوجود، خصوصاً وأنّنا نعلم حكمته تعالى وتقديره، فلابدّ من البحث عن الحِكمة والهدف من الوجود؟

الآية الثانية من السورة تُجيب عن ذلك بقوله تعالى:

[إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ نَبْتَليهِ]

فالهدف هو الابتلاء والامتحان، ولكن قبل أن نخوض في تفصيل ذلك نتساءل عن مع قوله: [نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏] ليكون مدخلاً للحديث عن الابتلاء.

معنى الأمشاج كما في اللغة هو الاختلاط الذي لا يمكن فصله، فهو يعني أولاً: اختلاط ماء الرجل بالمرأة كما جاء في الحديث عن الإمام الباقر (ع): «ماء الرجل و المرأة اختلطا جميعا»[2]

ثانياً: معنى الآية هو امتزاج النور حيث نفخ الرب سبحانه وتعالى من روحه في الانسان والنار حيث الطين الذي خُلق منه، ويمكن التدليل على هذا المعنى مضافاً للروايات الواردة في بيان ذلك الى العلاقة بين كلمة [أَمْشاجٍ‏] [نَبْتَليهِ] حيث أن مقتضى الابتلاء هو الثنائية في خلقة الانسان بين البُعد الالهي والبُعد الدوني المرتبط بطبيعة البشر.

الابتلاء هدف الحياة

اذن جوهر الحياة الذي يعيه الانسان بوجدانه هو الابتلاء ، ومقتضاه تعدد الاختيارات ممّا يعطي للانسان حق الانتحاب، ذلك الحق الذي اعطاه الرب بنسبة أو بأخرى لكلّ المخلوقات كما قال تعالى: [ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعينَ‏] (11)

 لكن الاختيار بمقدار كبير جُعل للانسان و نتيجة ذلك أن مسؤوليته أيضاً تتعاظم وبالتالي جزاؤه ايضاً عظيم للمطيعين وعقابه شديد للعاصين.


[1] نور الثقلين، ج 5 ص 468.

[2] نور الثقلين، ج 5 ص 469.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الاول)


“لم يكن شيئاً مذكورا”

بسم الله الرحمن الرحيم

[هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً] (1)

صدق الله العلي العظيم

من الحديث

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ كَانَ جَزَاؤُهُ عَلَى اللَّهِ جَنَّةً وَ حَرِيراً، وَ مَنْ أَدْمَنَ قِرَاءَتَهَا قَوِيتَ نَفْسُهُ الضَّعِيفَةُ، وَ مَنْ كَتَبَهَا وَ شَرِبَ مَاءَهَا نَفَعَتْ وَجَعَ الْفُؤَادِ، وَ صَحَّ جِسْمُهُ، وَ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ».[1]

تفصيل القول

بالرغم من أنّ سور القرآن الكريم كلّها عظيمة الّا أنّ بعض السور تتجلّى عظمتها لنا، ونحن نأمل أن تكون شفيعة لنا كما سائرُ الآيات والسور، وكلّما اقترب روحنا مع روح القرآن نال شفاعته.

ما هو الاطار العام لهذه السورة؟

يبدو أن محور السورة المباركة بعد التدبّر في آياتها وفي اسمها المبارك وبالاستنارة بالروايات المباركة نجد أنّ المحور في السورة هو الشكر، لكن ليس المعنى المحدود للكلمة، إذ يتداعى الى الذهن معنى محدود، ولكن الصحيح أن نجنّب أنفسنا الحكم على المواضيع وفق الفهم الضيّق المحدود، بل نحاول النفوذ الى حقيقة الكلمة وواقعها.

فكلمة الماء قد تقال الى بدوي في الصحراء فيتبادر الى ذهنه غدير الماء وقد تقال الى بحّار ليداعى الى ذهنه المُحيط الواسع..هكذا الشكر لو تأمّلنا في معناه سنجد أنه في الواقع جذرٌ لشجرة الفضائل، فمن يملك الشكر يُعطى الايمان والصدق والتقوى وأغلب الفضائل.

ما رأيت الّا جميلا

لو أردنا أن نعرف بعض أبعاد الشكر علينا أن ندرس ذلك من خلال مدرسة عاشوراء، من دعاء الامام الحسين عليه السلام في عرفة الذي يُبيّن أبعاد الشكر المُختلفة، الى احداث عاشوراء وما بعد عاشوراء والى الكلمة العظيمة التي قالتها السيدة زينب عليها السلام لابن زياد حيث قالت: (ما رأيت الّا جميلاً).

لو فكّر الانسان في هذه الكلمة العظيمة سيجدها نتاج دعاء الامام الحسين يوم عرفة والمعاني العرفانية العظيمة والأبعاد المختلفة التي يشكر بها المولى ربّه، وهكذا علينا أن يُفكّر الانسان في ذلك، منذ بدء الخليقة والمراحل التي مرّ بها، حيث لم يكن مذكوراً، من مرحلة التقدير، الى عالم الاضلّة والاشباح، ثم الى عالم الذر، والاصلاب، ثم عالم الأرحام كما يقول الامام الحسين عليه السلام: ((ابْتَدَأْتَنِي بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ شَيْئاً مَذْكُوراً وَ خَلَقْتَنِي مِنَ التُّرَابِ ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي الْأَصْلَابَ آمِناً لِرَيْبِ الْمَنُونِ وَ اخْتِلَافِ الدُّهُورِ فَلَمْ أَزَلْ ظَاعِناً مِنْ صُلْبٍ إِلَى رَحِمٍ فِي تَقَادُمِ‏ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ وَ الْقُرُونِ الْخَالِيَة))[2]

تلك الحقائق تُبصّر الانسان بحقيقته وكيف انه لم يكن شيئاً مذكوراً ومن ذلك يستوعب الانسان حقيقة الشكر الذي يمثّل جذر الفضائل عند الانسان.

يقول رّبنا تعالى: [هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً]

قد اختلفوا في حرف «هل»، فقال بعضهم: أنّه هنا بمعنى (قد)، و قال آخرون: بل هو استفهام تقريري، يعرف السائل الجواب سلفا، و إنّما يطرح الكلام لأخذ الإقرار من الطرف الآخر.

و يبدو لي أنّ الكلمات تبقى بمعناها اللغوي عند الاستعمالات الأدبية المختلفة، إلّا أنّ هدف الاستخدام يختلف حسب السياق، فهل هنا- مثلا- جاء بمعنى الاستفهام، أمّا لما ذا جاء الاستفهام؟ فهو ليس شأن الكلمات إنّما هو شأن الذي استخدمها. و يكون مثل ذلك في عالم الماديات: السيارة التي تقوم بحمل الإنسان. أمّا إلى أين و لما ذا يتحرك الإنسان؟ فهذا ليس شأنها إنّما هو شأنه.

[عَلَى الْإِنْسانِ‏]

واستخدام كلمة الانسان للتدليل على حقيقته وطبعه.

[حينٌ مِنَ الدَّهْرِ]

ليس زماناً محدوداً، بل بقي على ذلك ما لا يُحصى من الزمان، وقد يعود كذلك أيضاً في عوالم تأتي.

[لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً]

كان شيئاً ولكن لم يكن مذكوراً، وكفى بذلك داعياً للتفكير عند الانسان ولكسب قيمة الشكر لأنعم الله تعالى.


[1] البرهان في تفسير القرآن، ج5، ص: 543.

[2] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 340