المرجع المدرسي: أهم مهام الحكومة القادمة إعادة اللحمة الوطنية والتركيز على الثوابت

دعا المرجع المدرسي القوى الفائزة في الإنتخابات الى المسارعة في مشاوراتهم لتشكيل الحكومة المترقبة في أقرب فرصة ممكنة وقال: “إن العراق بحاجة إلى
حكومة حكيمة وقوية لكي تتجاوز الظروف الصعبة”.
وأضاف: “إن المهام الموكلة الى الحكومة القادمة كثيرة وأهمها ترميم الشرخ الذي أصاب الشعب بسبب المناكفات السياسية أيام الإنتخابات، ومن ثم إعادة
اللحمة الوطنية والتركيز على الثوابت دون المفارقات الحزبية”.
وقال سماحته في البيان الأسبوعي الذي صدر اليوم الجمعة: “إن اعمار ما هدمته الحرب الطاحنة ضد الإرهاب وتحسين الخدمات واصلاح القوانين بما يتناسب
ومرحلة البناء هي من أهم أولويات الوطن”.
وختم حديثه بالقول: “إننا نأمل أن لا تنقضي أيام الشهر الفضيل قبل بشارة الشعب بحكومته المنتظرة لتكتمل أعيادهم بإذن الله تعالى”.

المرجع المدرسي: علينا أن نسعى من أجل وحدة مكونات الشعب العراقي عبر تطبيق روح الدستور

 

بارك المرجع المدرسي للشعب العراقي حلول شهر رمضان المبارك والذي اقترن بنجاحه في ممارسة حقه في الإنتخاب، وقال: “إن شعباً يتمسك بقيمه المثلى، ويعتمدها عند ممارسة الحياة إنه لشعب يستحق الكرامة، وإننا حيث نختار بإذن الله تعالى طريقنا في العزة والتقدم عبر اختيار حكومة رشيدة ان شاء الله تعالى، فإنّنا نأمل أن يوفقنا الله للنجاح والفلاح”.

و أوصى سماحته الفائزين في الإنتخابات البرلمانية، في بيانه الأسبوعي اليوم الجمعة قائلاً: “إنني أوصي الاخوة الكرام ممن فاز بثقة الشعب، أن يجعلوا الأهداف السامية فوق مصاحلهم”، وأضاف: “ولتكن مرضاة الرب سبحانه غاية جهودكم حتى يكون الرب الرحيم معيناً لكم في أداء مهمتكم الصعبة”.

وفي سبيل وحدة مكونات الشعب العراقي أوصى سماحته بأن “علينا أن نسعى من أجل وحدة مكونات الشعب العراقي عبر تطبيق روح الدستور ولا ندع الماضي بما كان فيه من سلبيات التمزق، يتحكّم في مستقبل بلادنا”.

وختم البيان بتجديد الدعوة إلى رسم خارطة طريق لبناء الوطن على أساس العدالة وقال: “علينا أن نهتم بإعادة إعمار المناطق المتضررة، ونقوم بتنمية الزراعة والصناعة وننفتح على منجزات الحضارة حتى يصبح العراق مثلا في التقدم الحضاري وفي القيم الالهية باذن الله تعالى”.

ثبوت هلال شهر رمضان المبارك

أعلن مكتب المرجع المدرسي دام ظله في كربلاء المقدسة، ثبوت هلال شهر رمضان المبارك بالعين المجردة و عليه يكون يوم غد الخميس أول أيام الشهر الفضيل.
وفقنا الله واياكم لصيامه.

تفسير سورة الانبياء المباركه الدرس الحادي الثلاثون

العنوان:_كيف نطبق احكام الله؟

كربلاء المقدسة يوم الثلاثاء 2018/04/18 م الموافق 29/رجب الاصب/1439هـ

المواقف البطولية والتوازن بين عوامل الشر ودواعي الخير

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٥ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿١١٦ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴿١١٧

(سورة هود المباركة)

 

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 14/ شعبان/ 1438 هـ ، (ليلة النصف من شعبان المباركة)، الموافق  11/ 05/ 2017 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

 

للمزيد: http://almodarresi.com/ar/archives/8059

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس العاشر)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ (34) ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)}

صدق الله العلي العظيم

بصائر عدة يمكن أن نستفيدها من هذه المجموعة من الآيات الشريفة، والتي تشكل خاتمة سورة الجاثية، وخواتيم السور القرآنية تحوي – عادةً – تلخيصاً لما بينته سائرالآيات في السورة، ورغم أن البصائر كثيرة ألا انا سنشير إلى ثلاثة منها لمحدودية الوقت:

 

البصيرة الأولى: إطفاء نور العقل.. مشكلة البشر

المشكلة العظمى للبشر تكمن في عدم انتفاعه بعقله، وليس من المبالغة في شيء لو قلنا أن انتفاع اغلب الناس من عقولهم لا يصل الى الواحد بالمائة من إمكانية العقل.

ولإن العقل يتجلى في الدماغ – حسبما يقال – وفي الدماغ خلايا عصبية، فإن العلماء استطاعوا معرفة مدى انتفاع الإنسان من عقله بقياس مقدار استفادته للخلايا العصبية المودعة في الدماغ، حتى قالوا ان المفكرين لم يستفيدوا من عقولهم سوى الواحد بالمائة.

بلى؛ سيأتي فيه يوم تكتمل عقول الناس، وذلك بظهور الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف حيث يمسح على رؤوس الخلائق فتكتمل أحلامهم (اي عقولهم) كما في النصوص الشريفة.

ولأن المشكلة عظيمة فإن الحديث عن معالجتها يتكرر في القرآن الكريم، وتركز آياته الشريفة على جذر المشكلة ولب الموضوع تاركةً المقدمات والنتائج للمتأمل.

وعدم تفعيل العقل والانتفاع به يؤدي إلى نفي الإنسان للحقائق الواضحة، وكلمة الأنكار وفكرة النفي هي التي تهلك اكثر الناس في القيامة، سواء كانت الحقيقة حقيرة او جليلة، وكلما كانت الحقيقة أعظم كانت مسؤولية القبول أعظم، وعقوبة الإنكار أشد.

إذا أردت أن تنكر حقيقةً ما ولا تصدقها، فلابد لك أن تأتي بالدليل والبرهان، لا أن تقابل الدليل بالسخرية والبرهان بالاستهزاء، ذلك الداء الذي عالجه القرآن الكريم منذ بدايات سورة البقرة وحتى خواتيمه.

وقد تصيب حالة الإستهزاء بالحقائق كل واحدٍ منا، كلٌ بمستواه وبدرجة الحقيقة التي يرفض الخضوع بقبولها، ومثال ذلك أن مؤمناً بوحدانية الله سبحانه ونبوة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، يرفض حقيقة الولاية ويستهزء بها، ألا ترى أنه شابه الكفار المستهزئين بالرسالات الالهية؟

وقد يكون إنكار حكم شرعي والاستهزاء به هو الآخر استهزاء بالحقائق، الأمر الذي يصاب به الكثير من المسلمين حين لا يعرفوا حكمة الأحكام الشرعية.

ترى، ما هو طريق الوقاية من حالة الإستهزاء؟

الحل، أن نجعل القرآن الكريم نافذةً ننظر من خلالها إلى الحياة، فتستنير قلوبنا ببصائره، وتوجه آياته قلوبنا إلى قبول الحقائق – والعظمى منها خصوصاً – والتي منها هدفية خلقة الإنسان وأن الله لم يخلق الإنسان إلّا ليكرمه، وليجعله جليسه في مقعد صدق، وأن يغدق عليه بالنعم تلو النعم في جنة الخلد، حيث يضاعف الرب نعمه على أهل الجنة كل جمعة.

فهل يعقل أن يتسبدل الإنسان هذه الجنة الواسعة والتي حشوها البركة وعمارها الملائكة، يستبدلها بعذاب أليم في جهنم حيث الألم والضيق والإحتراق؟

فالفرق بين المصيرين كبير، والمسافة شاسعة، و وعي الإنسان لهذه الحقيقة يدعوه إلى قبول نصح الناصح، والاستجابة له وعدم الاستهزاء به، وكذلك قبول قول من ينهاه عن المنكر ويدعوه إلى المعروف، الأمر الذي إن فعله طابت حياته وحسن مصيره.

أما إستعمال الإنسان للسخرية والتشكيك في مقابل الدليل والآيات البينة التي يأتي بها المصلحون فلا يزيده الا خسارا.

 

البصيرة الثانية: أرحم الراحمين .. اشد المعاقبين

يقيس البعض كل شيء بالدنيا – ومنها الآخرة -، فحيث يرى رحمة الرب الواسعة والشاملة للمؤمن والكافر، وأنه سبحانه يعفو عن الذنب كرماً، ويتجاوز عن الخطيئة تفضلاً، ويستجيب دعاء الداعين و.. يظن أن الله سبحانه سيشمله برحمته في الآخرة وإن اساء العمل.

الله سبحانه هو أرحم الراحمين في موقع الرحمة، ولكنه – أيضاً – أشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة، فالرب شديد العقاب على من يخالف أمره، وهذه الآية تشير إلى نسيان الرب لبعض المجرمين يوم القيامة، فهو لم ينسهم في الدنيا بنعمه حتى ساعات عصيانهم، ولكنه ينساهم في القيامة، كيف يكون ذلك وهو لم يكن نسيا؟

في الحديث قال أمير المؤمنين عليه السلام – في قول اللَّه – تعالى-:

نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ: “فإنّما يعني: أنّهم نسوا اللَّه في دار الدنيا فلم يعملوا له بالطّاعة ولم يؤمنوا به وبرسوله، فنسيهم في الآخرة، أي: لم يجعل لهم في ثوابه نصيبا، فصاروا منسيّين من الخير”[1].

فبعد مدة من العذاب ينسي الرب الناس هؤلاء، حتى أن المؤمن في الجنة يتذكر الكافر أحياناً فيطلع عليه، ولكنه بعد مدة ينساه، وكذلك ينسيهم الله ملائكته، وفي النهاية ينساهم أي يتركهم ويجعلهم منسيين من كل خير، فماذا نفعل لكي لا نبتلى بهذه العاقبة الخطيرة؟

أن لا ننسى الله سبحانه، فهو تعالى القائل: {فَاذْكُرُوني‏ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لي‏ وَلا تَكْفُرُون‏}[2]؛ أن نذكره في الدنيا ليذكرنا برحمته، أن نذكره في الرخاء ليذكرنا في الشدة، لا أن ننسى الله في النعيم ونلجأ اليه في الملمات، ومن كان دأبه كذلك لا يرفع دعائه إلى السماء، كما في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام:

“مَنْ تَقَدَّمَ فِي الدُّعَاءِ اسْتُجِيبَ لَهُ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْبَلَاءُ وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ صَوْتٌ‏ مَعْرُوفٌ وَلَمْ يُحْجَبْ عَنِ السَّمَاءِ وَمَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْبَلَاءُ وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ ذَا الصَّوْتَ لَا نَعْرِفُهُ‏”[3].

 

البصيرة الثالثة: طريق السعادة

لا سبيل للوصول إلى السعادة الّا أن يبدأ الإنسان من آيات الله سبحانه والاعتبار بها، ليعرج بها وصولاً إلى اسماء الله الحسنى، فكما ذكرنا سابقاً أن كل آية من آيات الله سبحانه هي تجلي لإسمٍ – أو اكثر- من اسماء الله الحسنى، فالشمس عظيمة وجميلة ومتقنة و..، فهي آية عظمة الله وجماله وحكمته وعلمه و..، واذا شئنا الوصول إلى معرفة الأسماء الإلهية فلابد ان يكون ذلك عبر آياته المبثوثة في كل شيء، فمن أراد فهم شيء من إسم (جميل) فله أن ينظر إلى جمال المخلوقات والطبيعة و..

وكذلك عن طريق آيات القرآن الكريم يسمو الإنسان لمعرفة الله سبحانه ويزداد قرباً منه، فالقرآن الكريم بمثابة مفتاح ولا ينفع المفتاح الا باستعماله لفتح الأبواب والاستفادة مما فيها، فبواسطة القرآن الكريم انتفع بالحقائق فهو مفتاح الاستفادة منها، ومن هنا، نجد الأمر الإلهي بالسير في الأرض في قوله تعالى:

{قُلْ سيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدير}[4].

فالقرآن وسيلة للعروج، ومن يقول بعدم مفهومية القرآن فهو يعارض نص القرآن ذاته، اذ يسّر الله كتابه للناس، بلى؛ هناك آيات لا يفهمها الا من خوطب بها وهم الرسول الاعظم واهل البيت عليهم جميعا افضل الصلاة والسلام، كما ان فهم اهل البيت للقرآن الكريم وتفسيرهم له هو الأتم بلا ريب، ولابد من الرجوع اليهم، ولكن ذلك لا يعني ان القرآن غير مفهوم بتاتاً.

وبفهمه لآيات الكتاب يسمو المؤمن في معارج الكمال، إذ ترى سلوكه يصطبغ بصبغة آيات الكتاب المجيد، فهو حين يقرأ يومياً قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ* صِراطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ*}[5]، يتسائل عن الذين أنعم الله عليهم فيجدهم في قوله تعالى:

{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفيقا}[6]، فيعزم على طاعة الله ورسوله عملياً، ومن ثم يسعى لئلا يكون من المغضوب عليهم ولا الضالين، فيشخصهم في واقعه المعاش ثم يبتعد عنهم ويعلن البرائة منهم.

فالذين يوسوسون لاضلال الناس عبر القاء الشبهات والدعوة إلى الشهوات هم من المغضوب عليهم، وبالتبري يبتعد الانسان عنهم، ولو كان التبري لدى أبنائنا حقيقياً لما وجدنا احداً منهم يتأثر بالغزو الثقافي الذي يتعرض له المسلمون.

والقرآن يبين للأنسان أن منظومة آياته، ومباني الثقافة الإسلامية الصحيحة تبدأ من معرفة الله سبحانه، والسبيل إلى تنمية المعرفة – بعد المعرفة الفطرية – التعرف على الله من خلال آياته، فلا يكتفى بالحد الادنى من المعرفة والإيمان، بل لابد من التسامي في هذا الحقل يوماً بعد يوم.

وحين يعرف الانسان ربه يعرف أن له مائة اسم، واحدٌ منها اختص به فلا يخرج منه الى غيره، والذي به الوهيته ومشيته، أما الباقي فيمكن له أن ينتفع بها لحياته وإن كان من المستحيل ادراك كنهها، فيكون مثل من ينتفع بشعاع الشمس بقدره لا بقدرها – وجل الله سبحانه عن الأمثال -.

فاذا عرف – مثلاً – اسم الـ (عدل ) يعرف أن الله ليس بظلام للعبيد ولو بقدر قيد أنملة، ومعرفة ذلك تؤدي به إلى معرفة أن الدنيا ليست خاتمة الأمر ولا هي نهاية المطاف، لأن الكثير من البشر لم يجازوا على افعالهم الحسنة والسيئة، وعدم المجازات ظلم، فيتوصل الى وجود جزاء عادل بإنتظار الناس بعد هذه الحياة.

{وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا}

كل عملٍ سيء ارتكبوه، يظهر أمامهم ويبدو لهم بكل تفاصيله، ولو لم يكن عذابٌ في القيامة سوى إظهار معاصي الإنسان لنفسه وللملأ لكفى به عذاباً، إذ تبقى شخصية الإنسان بالنسبة لنفسه أهم شيء، أرأيت كيف ينتحر بعض المجرمين حين يعرض عليهم توثيق قيامهم بالجريمة التي ارتكبوها؟

{وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون}

قالوا: حاق بهم، اي أحاط بهم، فما استهزءوا به وادعوا انه غير موجود صار موجوداً واحاط بهم.

ورغم صحة هذا القول، إلا انه ليس الأقرب، فالأقرب هو أن الحقيقة التي هزءوا بها وهربوا منها تحققت أمام ناظريهم.

{وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا}

من الوان العذاب الإلهي العذاب النفسي وما يتعرض له المجرم من الشماتة، فهو يستحقها لأنه كان يستعمل اسلوب الإستهزاء أمام الحقائق.

من الذي يشمت بهم؟ قد يكون الرب سبحانه، وقد يكون الانبياء، وقد يكون الملائكة، وقد تكون الشماتة حتى من قرينه وصاحبه الشيطان، الذي يدخل في صراع مع المجرم في النار، وكما قال سبحانه: {وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي‏ فَلا تَلُومُوني‏ وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمينَ لَهُمْ عَذابٌ أَليم‏}[7].

فالمجرم في العذاب ينسى، لأنه نسي لقاء يوم القيامة، ولم ينسه الا لاستهزاءه به وعدم الإيمان بحقانيته.

{وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ}

المأوى، هو المكان الذي يأوي اليه المرء، أي منزله، ومأوى المجرم النار، وليس له من ناصر يخرجه مما هو فيه.

{ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}

السبب في تعذيبهم بهذا اللون من العذاب هو استهزائهم بآيات الله الواضحة، واغترارهم بالحياة الدنيا واستكبارهم بالنعم التي ابتلاهم الله سبحانه بها.

{فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}

الحديث ليس عن الخروج، انما الإخراج ولذلك كان على صيغة المبني للمجهول، ذلك لأنهم لا يقدرون – حتى لو سمح لهم – بالخروج مما فيه لشدة العذاب والألم، كذلك لا يستمع احدٌ إلى عتابهم.

{فَلِلَّهِ الْحَمْدُ}

الحمد كله والشكر جميعه لله سبحانه، له الحمد بجميع محامده كلها، على جميع نعمه كلها، وكل الصفات الحسنى هي له تبارك وتعالى.

{رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}

فهو الرب، بمعنى المربي للسماوات وهو رب الأرض، وهو تبارك وتعالى رب العالمين، الذي ينعم عليهم جميعاً بنعمه – وأولها نعمة الوجود -.

ومن المستحسن أن يقرأ المؤمن عن الكواكب والأفلاك ليعرف سعتها وعظمتها وبالتالي يتعرف على شيء من عظمة الرب سبحانه الذي يربي كل شيء.

{وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}

لله سبحانه الحمد، وله ربوبية كل شيء، وله تعالى الكبرياء، التي تعني التجبر والعظمة، ولكن هل الله متكبر؟

بلى؛ الله وحده المتكبر، وهو أهل للكبرياء والعظمة دون خلقه، لأنه وحده الغني بالذات والخالق والمالك الحقيقي لكل شيء، أما الإنسان العاجز بذاته والمفتاق إلى غيره ليس له أن يرتدي التكبر الذي هو رداء الله سبحانه وتعالى، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يَقُولُ اللهُ تَعَالَى الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي‏ وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّم‏”[8].

وبذلك يعالج الإنسان حالة التكبر والأنا في داخله، تلك التي تحجبه عن قبول الحقائق.

{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

عزيزٌ لا يقهر وحكيم لا يعمل عزته وقدرته إلا بحكمةٍ بالغة، فلا يؤاخذ المذنب بمجرد المعصية ولا يأخذ أهل الأرض بألوان العذاب و..

 

في آخر ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك نسأل الله سبحانه أن يعتق رقابنا من النار إذ يعتق الله ليلة عيد الفطر بقدر ما اعتق طوال شهر رمضان من رقابٍ من نارجهنم، انه سميع مجيب وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب: ج1، ص 410

[2]  سورة البقرة : الآية 152

[3]  الكافي : ج2، ص 472

[4]  سورة العنكبوت : الآية 20

[5]  سورة الفاتحة : الآية 6-7

[6]  سورة النساء: الآية 69

[7]  سورة ابراهيم : الاية 22

[8]  مجموعة ورام : ج1،ص 198

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس التاسع)

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (31) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32)}

صدق الله العلي العظيم

القرآن الكريم كتابٌ عادل نزل من ربٍ عادل، ومن سمات عدالته أنه لا يورد الحديث عن يوم الجزاء، الا ويذكر معه الأدلة المقنعة لها، حتى يجد الإنسان صدق هذا الأمر في نفسه وبفطرته، فلا يورد حقيقة الجزاء بشكل سطحي بل بشكل معمّق.
وسنة الجزاء لا تخص الإنسان وحده، بل هي تعم كل موجود، جماداً كان أو نباتاً او من الدواب، بلى يختلف الإنسان – في موضوع الجزاء – عن سائر الموجودات، أن تلك تجازى بفعالها آنياً، أما الإنسان فقد أمهله الله سبحانه ولا يجازيه بأفعاله مباشرة لسنة الإبتلاء والإمتحان، وسنة الجزاء من المحاور الأساسية لسورة الجاثية.
وفي هذه المجموعة من الآيات استمرار للحديث عن لمحات من اليوم الآخر، ونحن في هذه الليلة ضيوفٌ على مائدة آية الجاثية، يقول الله سبحانه:
{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً}

ما معنى الجاثية؟
الجاثية من الجثو على الركبة، وهي جلسة الخضوع والذل، وللمفسرين معنىً آخر للكلمة أقرب إلى السياق في دلالته، حيث قالوا بأن الجاثية حالة استعداد الإنسان للقيام حيث يضع ركبتيه ويديه على الأرض ليتحرك بمجرد المناداة، ارأيت كيف يجلس العدّاء في حالة الاستعداد منتظراً إستماع صافرة الإنطلاق؟
فكل الأمم تجلس بتلك الحالة باستعداد تام للاستجابة للأمر الإلهي، أو هي جالسة جلسة الذل والخضوع والاستسلام، فما معنى الأمة؟
الأمة، من أمَّ يؤم، اي اتباع مجموعة لشخصٍ ما، مثل اقتداء مجموعة بشخص في الصلاة يجعله إماماً ويجعلهم مأمومين، فالأمة هي مجموعة من البشر يتبعون قائدهم، والمحور هو القائد والإمام، ومن هنا نعرف أن الأمة قد يخلط ابنائها العمل الصالح بالفاسد، ولكن لإتباعهم للإمام الحق فإن الله يشفعّه فيهم ويدخلهم الجنة، كما أن الأمة لو كانت تتبع القيادة الفاسدة والجائرة، فلن ينتفعوا بصلاح الأعمال وكثرة العبادات، ترى هل انتفع معسكر عمر بن سعد بالصلاة خلف قائدهم في يوم عاشوراء؟ صلوا صلاتهم من هنا وقتلوا ريحانة رسول الله بعده، وصلى ابنائهم الصلاة ومن ثم قتلوا المئات في بغداد يوم أمس، فأي صلاة هذه؟ ما دامت القيادة منحرفة لا فائدة من العبادة والصلاة.
ولابد أن أقول للعالم، أن سكوتهم اليوم عن جرائم هذه الزمرة الخبيثة سيولّد اسوء منهم بعد فترة، كما سكتوا قبل سنين عن التفجيرات التي كانت تطال أئمة الجماعة والجمعة فتولدت منذ ذلك الحين بذرة داعش.
ورعاية صاحب العصر والزمان أولاً وبالتبع ادعية المؤمنين في ليالي القدر، هي من البركات العظمى التي تتنزل على هذه الأمة المرحومة، فقبل سنوات هبطت طائرة مسافرين في وسط الصحراء في ليلة القدر وكان هبوطها بسلام في ليلة القدر، وهذه السنة حاولت عناصر داعش أن تشن هجوماً واسعاً على كربلاء المقدسة بأكثر من ثمانمائة مركبة، ودفع الله سبحانه شرّهم ببركة صاحب العصر والزمان وجهود الشباب المؤمن من الحشد الجهادي.
{كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا}
لماذا الحديث عن الأمم وليس عن الأفراد؟
هناك آياتٌ كريمة تدل على أن المحاسبة يوم القيامة يكون لآحاد الناس فكلٌ يحاسب بمفرده، كما قال تعالى:

{وَكُلُّهُمْ آتيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدا}[1]،

وقال تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى‏}[2].

ومن ذلك نستفيد أن للإنسان حسابين في القيامة، احدهما خاصٌ به حيث يكون الحساب بينه ويبن ربه، والثاني هو الحساب مع المجتمع، فالذي يعصي الله في الخلوات يحاسب منفرداً، اما المتجاهر بالفسق والذي سكت مجتمعه عن فسقه، يحاسب هو ومجتمع جميعاً، وفي الحديث عن أميرالمؤمنين عليه السلام:

“أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَى‏ وَالسَّخَطُ وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَى فَقَالَ سُبْحَانَهُ‏ فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ‏ فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ خُوَارَ السِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ فِي الْأَرْضِ الْخَوَّارَةِ”[3].
وبين قوسين أذكر للأخوة أن الحديث عن عقر الناقة تكرر في أكثر من حادثة عند اهل البيت عليهم السلام، منها في الحديث عن قاتل أمير المؤمنين عليه السلام، ومنها في يوم عاشوراء عند استشهاد رضيع أبي عبد الله الحسين عليه السلام، لأن الناقة كانت آيةً مبصرة وبعقرها استحق القوم العذاب الأليم.
ومن هنا نعرف أن أمماً كاملة قد يعمها العذاب حيث عمّهم الرضا تجاه المعاصي والموبقات.
وللأمة كتاب مضافاً إلى كتاب كل فرد، وكتاب الأمم هو كتابهم السماوي الذي أنزله الله بينهم، مثل القرآن الكريم والإنجيل والتوراة و.. ويكون هذا الكتاب هو الميزان الذي به توزن أعمال الإنسان في الكتاب الثاني، فما يحوي الكتاب الثاني؟
يحوي الكتاب الثاني كل أفعال الإنسان الصالحة والطالحة بدقة متناهية، حتى ترى المجرمين مشفقين مما أحصاه هذا الكتاب، حتى عدد نبض القلب والأنفاس ورمش العيون و..، قال تعالى:

{وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمينَ مُشْفِقينَ مِمَّا فيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدا}[4].

{الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}
هناك يجازى كلٌ ما عمل، أي يرى جزاء كل أعماله بما هي، ولكل فعل جزائين، كيف؟
لتوضيح الفكرة نمثل بما يلي: لو نهيت ابنك عن شرب ماء نتن، فلم ينتهي وشربه، سيمرض ومرضه جزاء شربه للماء، كما انه يستحق عقوبة أخرى هي جزاء عصيانه لأمرك، وكما هناك عقوبات – في المحكمة – ترتبط بالحق الخاص وأخرى تتعلق بالحق العام.
وهكذا أعمال الإنسان، تتجسد يوم القيامة، كما أن حالة العصيان والإطاعة لها جزاء آخر، وإلى هذا النوع تشير بعض الآيات مثل قوله تعالى:

{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْديهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُون‏}[5]،

أي جزاءٌ للعمل وآخر يترتب على العصيان أو الطاعة، وذلك لمحل (الباء).
ولكن هذه الآية في سورة الجاثية، تبين أن الأمم يجزون ما كانوا يعملون يوم القيامة، اي إن العمل ذاته يتجسد في القيامة.
{هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ}
فالكتاب الإلهي فيه إحصاء تام للعمل، وهو كتاب حق وينطق عليهم بالحق.
{إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}
الإستنساخ هو حفظ نسخة من الأصل، والله سبحانه يستنسخ كل عملٍ يقوم به الإنسان في الدنيا، فالصلاة الواحدة التي يصليها هناك أخرى مطابقة لها عند الله ويأتي بها الرب هناك، وإن كان الإستنساخ عند البشر يطابق الأصل في بعض الجهات مثل اللون والصورة والأبعاد، فإن استنساخ اعمال الإنسان ليوم القيامة مطابق تماماً للعمل.
{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
من كان مؤمناً بوجود حسابٍ دقيق واستنساخ للاعمال، وعمل الصالحات واكتسبوا الحسنات، سيلقون نسخة أعمالهم في كتابهم وبذلك تكون النتيجة:
{فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ}
أن الله سبحانه يدخلهم في رحمته نتيجة للإيمان وصالح الأعمال، ورحمته تستوجب عظيم العطاء وجزيل الجزاء.
{ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ}
يتطلع الإنسان إلى الأفضل بطبعه، فطينته عجينة بإرادة التسامي والفوز، فهي حالة راسخة في الإنسان، ولكن مشكلة الإنسان تكمن في أنه يخطأ طريق ذلك التسامي، فيظن أنه في جمع المال على المال، او يخال ذلك يكمن في حصوله على المنصب والسلطة و..
في حين أن الأفضل والفوز المبين هو في الآخرة، حين يدخل الله الإنسان في رحمته، فيغرقه بالنعيم المقيم، حتى وإن كان فقيراً في دنياه أو محكوماً في حياته أو .. وكما روي عن سلمان المحمدي رضوان الله عليه ان مستهزئاً بفقره: لحيتك خير أم ذيل الكلب؟، فأجابه سلمان: إن جاوزت لحيتي الصراط فهي أفضل وإلا فذيل الكلب.
محاكمة الكافر
الله سبحانه عادل، ومن مظاهر عدله تعالى، أنه لا يعذّب الكافرين قبل أن يعترفوا بإستحقاقهم للعذاب، حتى أن هناك عدة مواقف للحساب تخص الكافر، وآخرها على شفير جهنم.
{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا}
المؤمن في رحمة الله، أما الذين كفروا فيحاسبهم الرب تعالى، ويخاطبهم:
{أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ}
آيات الله الواضحة والباهرة تليت عليهم، ولكنهم اتخذوا موقفاً مغايراً للموقف الصحيح الذي اتخذه المؤمنون في مقابل الدعوة وآيات الله سبحانه.
{فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ}
الإستكبار على الآيات الألهية دعاهم إلى التكذيب والكفر، والإنحراف العقائدي استتبع انحرافاً سلوكياً حتى صاروا مجرمين.
فلا يمكن أن يكون هناك فساد عقائدي الا ويليه السلوك الفاسد.
{وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا}
الله حق ووعده حق .. ولكن مشكلة البشر أنه لا يصدق وعد الرب تبارك وتعالى الغني العزيز، والحال أنه يصدق مواعيد الإنسان العاجز.
فحاشا لله أن يكذب الوعد، ولكن إنحراف الإنسان يؤدي إلى عدم الإيمان.
{قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}
اتباعاً للهوى راح هؤلاء يشككون في الآخرة بتبريرات واهية، ما هي، وكيف هي، ومتى هي و.. بأنهم يظنون بالساعة ظناً، وليسوا بمستيقنين بصدق وعد الله سبحانه.
وهذه التبريرات هي في واقعها أشد من عدم إيمانهم، فحين لا يصلي المرء فهو عاصي ويستحق عقوبة معينة، ولكنه حين يترك الصلاة مشككاً في أصل وجوبها (تبريراً لتركه لها) فإن عقابه أشد، ومن هنا نعرف أن تبرير الأنحراف اسوء من الإنحراف ذاته، وبذلك يستحق أشد العقاب.
ومن ثم فإن جهل الإنسان بحقيقةٍ ما أو تشكيكه بها لا يبطلها، فعدم قبول هؤلاء بالقيامة لا يعني عدم قيامها، بل يوم القيامة يحاسبون حتى على عدم علمهم بوجود الحساب، وفي ذيل الآية الشريفة: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ[6]}،

قال الإمام الصادق عليه السلام: “إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدِي أَكُنْتَ عَالِماً فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قَالَ لَهُ أَفَلَا عَمِلْتَ بِمَا عَلِمْتَ‏ وَإِنْ قَالَ كُنْتُ جَاهِلًا قَالَ لَهُ أَفَلَا تَعَلَّمْتَ حَتَّى تَعْمَلَ فَيَخْصِمُهُ وَذَلِكَ‏ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ”[7].
ومن هنا اوصي نفسي وأخوتي بالتفقه في الدين، وتعلم الأحكام الشرعية خصوصاً ما يرتبط منها بالحياة اليومية، ولا يقولنّ احدٌ أني كبرت في السن لأن الموت بعلم خيرٌ من أن يموت الإنسان وهو جاهل، فعسى ان يتعلم المرء فيما تبقى من حياته علماً يصحح به اخطائه السابقة، وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:

“إِنْ أُجِّلْتَ فِي عُمُرِكَ يَوْمَيْنِ فَاجْعَلْ أَحَدَهُمَا لِأَدَبِكَ لِتَسْتَعِينَ‏ بِهِ‏ عَلَى‏ يَوْمِ مَوْتِكَ فَقِيلَ لَهُ وَ مَا تِلْكَ الِاسْتِعَانَةُ قَالَ تُحْسِنُ تَدْبِيرَ مَا تُخَلِّفُ وَ تُحْكِمُهُ “[8].

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا للعلم واليقين ويجنبنا الشكوك والظنون، انه ولي التوفيق وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] سورة مريم : الآية 95
[2] سورة النجم : الآية 39
[3] بحار الأنوار : ج11، ص 379
[4] سورة الكهف : الآية 49
[5] سورة النور : الآية 24
[6] سورة الأنعام: الاية 149.
[7] الآمالي ( للمفيد ) 228
[8] الكافي : ج8، ص 150

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الثامن)

بسم الله الرحمن الرحيم

{أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتخَّذَ إِلَاهَهُ هَوَئهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلىَ‏ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلىَ‏ سمَعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلىَ‏ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يهَدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ  أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنحَيَا وَمَا يهُلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ  وَمَا لهَم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ  إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلىَ‏ عَلَيهْمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كاَنَ حُجَّتهَمْ إِلَّا أَن قَالُواْ ائْتُواْ بِابَائنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يحُيِيكمُ‏ ثمُ‏ يُمِيتُكمُ‏ ثمُ‏ يجَمَعُكمُ‏ إِلىَ‏ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَاكِنَّ أَكْثرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئذٍ يخَسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27)}

صدق الله العلي العظيم

 

يمتلك الإنسان وسائل عدة للوصول إلى وعي أية حقيقة، فقد منحه الله العين ليبصر بها والأذن ليسمع والجوارح لتلمس والعقل ليكشف ما وراء ذلك و..، فإذا أراد أن يصل إلى الحقيقة فليس أمامه إلا الاستفادة من الجارحة أو الجانحة المتناسبة مع نوع الحقيقة ليدركها، أما إذا اراد الإنسان أن لا يصل إلى الحقيقة فليس أمامه الا أن يعطل الوسائل هذه ويعيش في ظلمات الجهل.

فمثلاً، لو رأى أحدنا سواداً في ظلمة الليل فأمامه أن يقترب منه ويمعن النظر فيه، بعد إشعال الضوء او الإنصات لصوته، سيصل بعد إعمال الفكر بماهيته، أما لو اغلق كل تلك الوسائل وتخيّله شيئاً ما او قال بالظن، فإنه سيعتبر تخرصاً ومجانبةً للواقع، ويقاس على هذا المثال سائر الحقائق في الحياة، اذ لابد أن يسلك المرء سلسلة من المراتب لكي يصل إليها.

وفي هذا المجال نقول، أنا نفتخر بإنتسابنا الى مكتب أهل البيت عليهم السلام، الذي رسم مناهج في غاية الدقة والتحديد للوصول إلى الحقائق، فقد فصّلت الآيات والروايات هذا المنهج بشكل مذهل، مثل الحديث عن العقل وتنميته والجهل وسبل دحضه و..،  وهذا لا يرتبط بالجانب الدينية فقط، بل في الجوانب الأخرى الحياتية.

وكمثال على الدقة المتناهية للمناهج العلمية لدى أتباع مدرسة اهل البيت عليهم السلام، هو ما نراه لدى فقهائنا الكرام في مختلف العلوم، وخصوصاً الفقهية منها حيث ترى العمق والدقة والموضوعية المتناهية.

فمن أراد الوصول إلى إدراك الحقائق فعليه إستعمال الأدوات، اما من لم يشأ ذلك فلا يعمل منها شيئاً، وبذلك يتبع هواه، وبعبارة أخرى يتبع ما ترغب به نفسه، فيرى الأمور بما ترغبه نفسه لا بما هي أمور واقعية، وهوى الإنسان ليس ميزاناً للحق والباطل.

{أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتخَّذَ إِلَاهَهُ هَوَئهُ}

إتباع الشيء يعني عبادته، وكما في الحديث عن الهادي عليه السلام:

“مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ‏ فَقَدْ عَبَدَهُ‏ فَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ عَبَدَ اللهَ وَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ الشَّيْطَانِ فَقَدْ عَبَدَ الشَّيْطَانَ”[1].

فليست العبادة في هذه الآية بمعنى الركوع والسجود، بل بمعنى إتباع الهوى، والهوى يعني الحب الشديد تجاه شيء.

ومن عبد الهوى  وترك الحق، فمصيره إلى الهلاك لا محالة، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام:

“إِنَّ مَنْ لَمْ‏ يَنْفَعْهُ‏ الْحَقُ‏ يَضُرُّهُ الْبَاطِلُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَقِمْ بِهِ الْهُدَى يَرِدُهُ الضَّلَالُ “[2].

 

منطق متبعي الهوى

{وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنحَيَا}

بضلالتهم واتباعهم للهوى راحوا يحيكون التخيلات الباطلة، حول الحياة والموت، حيث اعتبروا الدنيا هي نهاية المطاف.

ولا ينطلقون في مقولتهم هذه من مصدر علمي أو عقلي بتاتاً، فلو سألتهم عن الدليل لتعتعوا في الجواب، مثلما حصل مع ذلك الزنديق الذي أنكر وجود الله سبحانه بحجة عدم رؤيته له، بعد أن سأله الإمام الصادق عليه السلام عن ذهابه إلى السماء وبحثه عن الله في بطن الأرض أو شرقها وغربها.

ولكن ماذا عنوا بقولهم: نموت ونحيا؟

بيّن المفسرون عدة إحتمالات اولاها ان مرادهم هو أننا أحياء بعد الموت، او كنا عدماً فصرنا الى الوجود، وثانيها أنهم كانوا يذهبون إلى نظرية التناسخ، بمعنى حلول روح الميت في جسد إنسان آخر والذي يقال عنه “نسخ” أو حلولها في حجر والذي يقال عنه “رسخ”، وثالثها أنهم يحسبون حياتهم في حياة أبنائهم بعد موتهم.

وعلى الإحتمالات الثلاثة فإنهم على باطل، فعلى الإحتمال الأول نسألهم عن كيفية تحوّلهم من العدم إلى الوجود، ومن قام به ولماذا ومتى و..؟

وعلى الأحتمال الثاني، فإن نظرية التناسخ واضحة الفساد، وأوضح دليل على فسادها هو عدم معرفة الجسد الجديد الحياة السابقة لروحه، أوليست الروح واحدة ؟ فلمَ لا يعرف أحدٌ من مليارات البشر كيفية حياته السابقة.

أما الإحتمال الثالث فيرد بأنه ليس حياةً للآباء بل هي حياةٌ مستقلة للأبناء.

{وَمَا يهُلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}

يعبر بالدهر عن كل مدّة كثيرة، وتطاول الليل والنهار دهر، ونسب هؤلاء الهلاك للدهر، مثل قال تعالى:

{هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُورا}[3].

فما هو شأن الدهر بالإيجاد والإعدام ؟ وما هي بداية الدهر وإلى أين منتهاه؟

واليوم ينسب الماديون كل شيء للطبيعة، كالخلقة والتدبير والتغيرات و.. ويضاهئون به قول من نسب الأمور إلى الدهر، ولكن ترى على أي شيءٍ يستند هؤلاء؟

يقول الله سبحانه:

{وَمَا لهَم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}

منطلقهم في قولهم ذلك هو الظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً.

سابقاً كان يجهل الإنسان البدائي سبب الموت، ولذلك كانوا يتوهمون أسباباً للموت ويقومون بربطه بأحداث غريبة، مثل طيران الغراب أو نعقه أو العاصفة أو.. فحيث لم يكونوا يعرفوا الأسباب والمسببات، كانوا يبنون معارفهم على أسس الخيال والخرص والظن، وشيئاً فشيئاً راح يكتسب العلم ويتخلص من آراءه السخيفة المسبقة.

والذي ينسب الهلاك وقبله الإيجاد إلى الدهر هو الآخر جاهلٌ ولا يملك نصيباً من العلم، وبالتالي يعتمدون على الظن والوهم إتباعاً للهوى.

{وَإِذَا تُتْلىَ‏ عَلَيهْمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ}

في ساعة المواجهة العلمية، إذ تتلى عليهم الآيات البينات على فساد نظريتهم، مثل محدودية ومحكومية الدهر هو الآخر كمحدودية الإنسان، فأنهم لا يملكون سوى الإصرار على الإنحراف، كيف؟

{مَّا كاَنَ حُجَّتهَمْ إِلَّا أَن قَالُواْ ائْتُواْ بِابَائنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}

الحجة في مقابل الحجة، ولكن لايملك هؤلاء الحجة، لأنهم وبعد حيرتهم على الجواب، وامتناعهم عن قبول الآيات البينة، يطالبون – إحتجاجاً وتهرباً عن الواقع – بإحياء آبائهم الميتين، جاعلين ذلك شرطاً لصحة الآيات.

ولكن مطالبتهم تلك ليست بحثاً عن الحقيقة، لأن الآيات بدورها بينة وكافية لمن طلب الحق، ولو افترض إحياء الآباء والإتيان بهم لرفضوا الخضوع أيضاً، وادّعوا أنهم مسحورين و..، وكما يقول الله سبحانه عن هذا النمط من البشر: {وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فيهِ يَعْرُجُون‏ * لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُون‏}[4]، فالمعاند لا يخضع للحق ولو أتيت إليه بألف دليلٍ ودليل، كما كان الأمر مع قوم فرعون الذين لم يستجيبوا لدعوة النبي موسى عليه السلام رغم إتيانه بالآيات البينات كالعصا واليد و..

ومن الآيات البينات هو خلقة الله المتقنة وصنعه الدقيق لكل شيء، أفلا يكفهم ذلك إيماناً بأنه لا يغفل الإنسان؟

{قُلِ اللَّهُ يحُيِيكمُ‏ ثمُ‏ يُمِيتُكمُ‏}

والتأمل بالمخلوقات الإلهية يعرف الإنسان أنه هو المحيي والمميت، حتى وإن لم يكن يراه الإنسان أو يؤمن به، فهل عدم رؤية راكب الطائرة لقائدها يعني أن الطائرة لا يقودها أحد؟ كلا؛ بل يعترف بوجوده وإن لم يره بعينه لمعرفته بإستحالة طيران الطائرة دون قائد.

إنهم قدموا الموت على الحياة، ولكن الله قدم الحياة على الموت، فهو الذي يحيي الإنسان ويأتي به إلى الدنيا، وهو الذي يميته بعد حياته.

{ثمُ‏ يجَمَعُكمُ‏ إِلىَ‏ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}

لا تنتهي القصة عند الموت – كما خالوا إتباعاً للهوى – بل يأتي الله بالناس جميعاً يوم القيامة، ومن أسماء يوم القيامة هو يوم الجمع، إذ يجمع الله سبحانه الأولين والآخرين في موقفٍ واحد.

{لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَاكِنَّ أَكْثرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}

لا ريب في يوم القيامة، فهو يومٌ واقع لا محالة،  فأما الذي يبحث عن الحق لا يرتاب بها، وأما المتبع لهواه فهو لا يعلم بوجود القيامة، وبالتالي هو الآخر لا يشك بالآخرة لعدم علمه بها، وعدم علمه بها لا يغيّر من واقعه شيئاً.

{وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}

لكل شيءٍ في الوجود مالك، وبوجدانه يعلم الإنسان أنه ليس مالكاً فيما حوله من كائنات ومخلوقات، رغم انه  يستطيع أن يسخر بعضها بصورة جزئية ومحددة .

فالبيت الصغير يحتاج إلى مدير وحاكم، ولو فقد لاختل نظامه، فهل يمكن لهذه الكائنات أن تسير في مجاريها دون وجود حاكمٍ ومدير لها؟

كلا؛ فالله سبحانه هو الخالق لكل شيء، فهو إذاً المالك لها، المحيط بها علما، والمتصرف بها كيف يشاء، سبحانه وتعالى.

{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئذٍ يخَسَرُ الْمُبْطِلُونَ}

الأنسان حرٌ في الدنيا أيَّ طريق يسلك، ولكن الآية تحذره من سلوك السبيل الخاطئ، فحين تقوم الساعة مصير المبطل الذي راح يحوك الظنون بالأوهام إتباعاً للشهوات هو الخسران.

وفي الآية السابقة ساق الرب الحديث عن القيامة، ولكن في هذه الآية حديثٌ عن قيام الساعة، فما هو المراد بالساعة؟

الساعة هي لحظة إنتهاء كل شيء، فلكل شيءٍ حادث مبدأ، وكل ما له بداية له نهاية، وعالم الخلقة حادثٌ كان له بداية قبل ملايين السنين، وله نهاية، ونهايته هي الساعة، وكذلك فالساعة موعد إنتهاء مفعول الأنظمة والقوانين الحاكمة على الدنيا.

فالشمس تجري لمستقرٍ لها، ومستقرها هو الساعة، والجاذبية تحكم الأرض وبه رست الجبال على الأرض، فإذا جاء وعد انتهاءه صارت الجبال كالعهن المنفوش:{وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش‏}[5]، وأبصار الناس في الدنيا محدودة بمسافة معينة، ولكن بقيام الساعة ينتهي التحديد وتكون أبصار الخلائق حديد، قال الله سبحانه:

{لَقَدْ كُنْتَ في‏ غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَديد}[6]،

وهذا النظام الحاكم بانتهاء كل شيء هو الساعة.

فبقيام الساعة يخسر المبطل، ولا سبيل للعودة وتصحيح ما أفسده، فلا يرجعون ولا يمهلون إلى أجلٍ قريب ليقوموا بأعمالٍ صالحة.

ومن هنا أوصي الاخوة بإستغلال فرص الخير وعدم التسويف في العمل الصالح، فإذا رأيت فقيرين بباب المسجد فتصدق على أولهما ولا تؤجل التصدق إلى الثاني لأنك لا تظمن بقاءً بينهما، وأكثر ما يشتكي منه أهل النار هو”سوف” لأنهم كانوا يؤجلون تصحيح أعمالهم وكسب الحسنات فباغتهم الأجل.

وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام رفض تأجيل توزيع خراج إصفهان الذي كان قد وصل الكوفة ليلاً إلى الصباح، لأنه لا يضمن لنفسه البقاء إلى غداة غد فقام بقسمة الخراج بين المسلمين في الليلة ذاتها.

 

نسأل الله سبحانه أن يبصّرنا بالحقائق وأن يوفقنا للعمل الصالح قبل إنتهاء الأجل، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تحف العقول : ص 456

[2] إرشاد القلوب الى الصواب : ج1،ص 34

[3]  سورة الإنسان : الآية 1

[4]  سورة الحجر : الآية 15

[5]  سورة القارعة : الآية 5

[6]  سورة ق : 22

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس السابع)

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنهَّمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْا  وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  وَاللَّهُ وَلىِ‏ الْمُتَّقِينَ (19) هَاذَا بَصَئرِ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْترَحُواْ السَّيِّاتِ أَن نجَّعَلَهُمْ كاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَاءً محَّيَاهُمْ وَ مَمَاتهُمْ  سَاءَ مَا يحَكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالحْقّ‏ وَلِتُجْزَى‏ كلُ‏ نَفْسِ  بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22) أَ فَرَءَيْتَ مَنِ اتخَّذَ إِلَاهَهُ هَوَئهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلىَ‏ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلىَ‏ سمَعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلىَ‏ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يهَدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ  أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)}

صدق الله العلي العظيم

 

للعين رؤية وللقلب رؤية، ورؤية العين بصر، أما رؤية القلب فبصيرة، ولا ينفع البصر كثيراً إن لم تكن هناك بصيرة، لأن البصر يرى الظواهرة أما البصيرة فتنفذ إلى مغيبات الأمور ويشاهد بها صاحبها البواطن..

ولكل إنسانٍ بصيرة تشكل رؤيته تجاه الحياة واحداثها، وبناءً عليها يحدد خارطة طريق حياته، ولو كانت منحرفة لانحرفت أخلاقيات الإنسان وبالملازمة تنحرف سلوكياته.

ونعني بالبصيرة الصحيحة أن يعرف الإنسان من أين جاء ولماذا جاء وإلى أين يكون مصيره، وكما في الحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: رحم‏ اللَّه‏ امرء أعد لنفسه واستعد لرمسه وعلم من أين وفي أين وإلى‏ أين‏”[1].

والله سبحانه وتعالى يقول عن القرآن أنه بصائر: {هَاذَا بَصَئرِ لِلنَّاسِ} اي مجموعة متكاملة من البصائر، فيها بصيرة للنفس وأخرى للعلاقة مع الآخرين وبصيرة بالنسبة للماضي وبصيرة تتعلق بالرؤية المستقبلية و..، فهي بمثابة منظار يوضع على العين ليرى من خلاله العالم والحقائق، ومن ثم فهي بصائر للناس، جميعاً دون فرقٍ بين كبير وصغير وأبيضٍ وأسود و..

فبمقدور الإنسان أن تكون رؤيته لكك شيء من خلال نافذة القرآن الكريم، ويفي القرآن بالغرض، ومثله كمثل ثوب نبي الله يوسف الذي توارثه الأنبياء كابراً عن كابر ومن ثم وصل إلى يوسف الصديقة الزهراء إمامنا الحجة عجل الله فرجه، الذي كان يناسب كل من يلبسه، وكذا القرآن الكريم يفهم منه الصغير بمقدار فهمه وحاجياته، وكذلك العالم الخبير ينتفع منه بمستواه، بل وحتى الإمام المعصوم والنبي يستفيد من كتاب الله سبحانه وتعالى.

{وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}

القرآن فيه بصائر للناس، ولكن هداه ورحمته يختص بالمؤمنين، فالبصيرة تدعوا إلى الهدى وحين يهتدي المؤمن ويعمل وفق معطيات الهداية ينال الرحمة الإلهية.

 

الجزاء من جنس العمل

ومن أهم البصائر المذكورة في هذه المجموعة من الآيات الكريمة أن الجزاء لا يمكن أن يكون من غير جنس العمل، فاذا زرعت الشوك لا يمكن أن تحصد ورداً، وكذا لو زرعت الورد لا تحصد الا الورد، إذ لكل عمل جزاءه ونتيجته التي تتناسب معه، ولابد من وعي هذه الحقيقة الواضحة في حياتنا اليومية، ولكن لمَ لا يفهمها الإنسان فيما يرتبط بأعماله وسلوكياته؟

السبب في ذلك هيمنة الأهواء عليه، فالمتبع للهوى لا يريد أن يفهم، لا أنه لا يقدر أن يفهم، بمعنى أنه يمتنع وبمحض إراداته عن الإنفتاح عن النور.

فطاعة الهوى تتحول إلى حجاب بين المرء وبين الحقائق، ولو استطاع أن يتغلب على اهوائه سوف يتمكن من رؤية الحقائق بوضوح، ويكون شديداً وفائزاً في حياته وآخرته، وكما في الحديث النبوي المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

إِنَّ الشَّدِيدَ لَيْسَ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ مَنْ‏ غَلَبَ‏ نَفْسَهُ‏.

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله وسلم بِقَوْمٍ يُرَبِّعُونَ‏ حَجَراً فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا نَعْرِفُ بِذَلِكَ أَشَدَّنَا وَأَقْوَانَا فَقَالَ (ص) أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشَدِّكُمْ وَأَقْوَاكُمْ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَشَدُّكُمْ وَأَقْوَاكُمُ الَّذِي إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي إِثْمٍ وَلَا بَاطِلٍ وَإِذَا سَخِطَ لَمْ يُخْرِجْهُ سَخَطُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ وَإِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَعَاطَ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَق‏”[2].

وبذلك نخلص إلى أن القرآن كتابٌ فيه بصائر للناس جميعاً، اما عدم استفادة الناس من بصائره ومنها أن جزاء العمل هو من جنس العمل، هو إتباعهم للهوى.

 

حكومة الظالمين وحكومة المتقين

ومن المباحث الأخرى التي تذكرها هذه المجموعة من الآيات الكريمة، أن الحكومات والمجتمعات على نوعين، فهي إما حكومة الظالمين ومجتمعهم، او حكومة المتقين ومجتمعهم، ويحكم الظلمة في الأول حيث يظلم الناس بعضهم بعضاً، فيظلم احدهم من هو دونه كما يظلم من هو فوقه، ويتحمل من الطرفين الظلم بدوره، وكما قال الله سبحانه:

{وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُون‏}[3]، حيث يكون الظالم ولي الظالم.

وفي المقابل يكون مجتمع المتقين، الذين يسيرون في علاقاتهم مع الآخرين من منطلق التقوى، اذ ترى الرجل يؤدي حقوق عياله، وعياله يقومون – في المقابل – بواجباتهم تجاهه، انطلاقاً من اوامر الشرع المقدس، و ولي هؤلاء هو الله سبحانه، يرسل عليهم رحماته ويرزقهم الحياة الطيبة في الدنيا والفلاح في الآخرة.

وفي حال واجه المؤمن مجتمعاً ظالماً وعجز عن إصلاحه كلياً، فعليه أن يقوم ببناء مجتمعٍ صالح مصغّر بدءاً من عائلته وبيته، ومن ثم مع مجموعة من إخوانه المؤمنين حيث يشكلون معاً حلقات إيمانية تشكل مجتمع الإسلام الحقيقي. وبالإمكان أن يتشكل المؤمنون في مجاميع صغيرة عادلة وصالحة في المجتمعات الظالمة، وبالتزامهم بتقوى الله في علاقاتهم وحياتهم يكون وليهم الله سبحانه وتعالى.

وقد كان أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، يقومون بهذه التشكلات في التاريخ إبّان حكم الظالمين وسيطرة الجبابرة على الحكم، فيقومون باداء حقوق بعضهم البعض ويلتزمون بتعاليم الشريعة في حياتهم، وقد أورد بعض الفقهاء في كتبهم وجوب حقوق المؤمن تجاه اخيه المذكورة في الروايات والبالغ عددها سبعون حقاً، والمقصر فيها سيحاسب يوم القيامة عليها.

وبهذه المناسبة اوصي الشباب: شهر رمضان المبارك شارف ببركاته ورحماته على النهاية، فخذوا منه هديةً وتحفةً لأنفسكم، وذلك بأن تحولوا حياتكم إلى حياة ربانية، ودونكم تعاليم الإسلام في هذا المجال فطالعوها وطبقوها.

يقول الله سبحانه عن حكومة الظالمين والمتقين:

{وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}

لأنهم يظلمون بعضهم البعض فيعيشون حياةً ملئها الظلم والإبتعاد عن الصراط القويم.

{وَاللَّهُ وَلىِ‏ الْمُتَّقِينَ}

وفي المقابل فالله سبحانه هو ولي المجتمع المؤمن المتقي.

{هَاذَا بَصَئرِ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}

كما قلنا فالبصائر هي للجميع، ولكن لا يستفيد من هداه ورحمته إلا المتقون.

{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْترَحُواْ السَّيِّاتِ أَن نجَّعَلَهُمْ كاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ}

الآية تبين رؤية منحرفها يحملها بعض البشر للهروب من مسؤولية أعمالهم، إذ يتصور هؤلاء أن حسابهم بما قاموا في حياتهم من موبقات وفواحش سواء مع حساب المؤمنين الذين عملوا الصالحات، اوليسوا جميعاً عباد الله سبحانه؟

كلا، فالمحسن لا يستوي مع المسيء، ولا يمكن أن يجعلان في منزلة واحدة، وذلك يتعارض مع العدل، والله سبحانه عدلٌ لا يجور، فالذي همّه المعاصي وظلم الناس والإفساد في الأرض و ..، هل يعقل أن يجعله الله سبحانه كالمؤمنين الذين عملوا الصالحات في حياتهم؟

{سَوَاءً محَّيَاهُمْ وَمَمَاتهُمْ}

يتصور هؤلاء أن التساوي يكون في حياتهم وفي عاقبتهم بعد الموت، ولكن الآية الشريفة تنسف هذا التفكير من أساسه، فلا تساوي بينهما في المعيشة ولا في الجزاء الأخروي، فالمولع بالمحرمات مثل القمار يبتلى بضعف الأعصاب، وكذلك الذي يعيش حياة ملئها الفاحشة سيبتلى بأمراض لا علاج لها و..، اما المتقي فيعيش حياةً ملؤها الطمأنينة والسعادة، فضلاً عن الجزاء في يوم الحساب.

{سَاءَ مَا يحَكُمُونَ}

لا يكون الأمر كما يحكم هؤلاء، وساء حكمهم، وساءت رؤيتهم إلى الوقائع.

والمؤمن يعتبر بهذه الآية الكريمة بحسب حاله، فلا يتمنى جزاءً متساوياً مع العاملين إن لم يكن عاملاً، لأن هذه الحقيقة تنطبق على كل من يتمنى أن يجعله الله سبحانه في مرتبة لا يستحقها بعمله، سواء كان كافراً ويتمنى أن يحشر مع المؤمن او مؤمناً ويحسب أنه يحشر مع من هو أعلى منه إيماناً وعملاً،  وكما قيل فالأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.

وعلى المؤمن أن يتقين من سلامة مسيرته في الحياة لكيلا يكون ممن ظل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، وسبيل ذلك عرض نفسه على كتاب الله سبحانه وتعالى ويجعل القرآن ميزاناً لشخصيته، وكما قال الإمام الباقر عليه السلام في وصيته لجابر بن يزيد الجعفي: “اعْرِضْ‏ نَفْسَكَ‏ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كُنْتَ سَالِكاً سَبِيلَهُ زَاهِداً فِي تَزْهِيدِهِ رَاغِباً فِي تَرْغِيبِهِ خَائِفاً مِنْ تَخْوِيفِهِ فَاثْبُتْ وَأَبْشِرْ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ مَا قِيلَ فِيكَ وَإِنْ كُنْتَ مُبَايِناً لِلْقُرْآنِ فَمَا ذَا الَّذِي يَغُرُّكَ مِنْ نَفْسِك‏..”[4].

 

محورية الحق دليل الجزاء

{وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالحْقّ‏}

لماذا ساء ما يحكم من يحسب أن المسيء والمحسن سيّان في الجزاء؟

لأن الله سبحانه خلق كل شيء في السماء والأرض وما بينهم بالحق، وبحساب ودقة، والإنسان هو الآخر خلقه الله سبحانه بالحق .

{وَلِتُجْزَى‏ كلُ‏ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ}

والهدف من خلقة السماوات والأرض بالحق، هو حصول كل نفس على جزاءٍ بلون ما كسبت، ولا يمكن أن يكون الأنسان بمنأى عن هذه القاعدة، فما دام الحق هو الحاكم على الجميع، فالإنسان هو الآخر محكوم.

{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}

فكما لا تجد ظلماً في عالم الطبيعة، فكذلك الإنسان لا يظلم، ومن الظلم بحق المحسن أن يساوى مع المسيء.

والسؤال: لماذا وقع الناس في هذا الإنحراف؟

الآية الكريمة تجيب: ان السبب هو إتخاذ الناس أهوائهم آلهة.

{أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتخَّذَ إِلَاهَهُ هَوَئهُ}

فالإشكال يكمن في هوى النفس، الذي يتحول إلى حجاب بين الإنسان وبين تبصّره للحقائق، وللفظة الإله معانٍ مختلفة، وتعني هنا أن يكون الهوى إمام الإنسان الذي يسير خلفه.

وكيف يمكن أن يعرف الإنسان نفسه بكونه متبعاً لأهوائه ؟

عليه أن يجعل ميزانه في ذلك، أن يقارن بين العمل اذا قام هو به، واذا قام به الآخرون، فلو رضيه من الآخرين كما رضيه من نفسه يكون منصفاً، والإ اذا رضي من فعلٍ قام به، ويكره نفس الفعل إذا عمله الآخرون، فهو متبع للهوى، وبعبارة أخرى أن يطالب الآخرين بالصلاح دون أن يكون هو من الصالحين.

{وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلىَ‏ عِلْمٍ}

الذي جعل الهوى ألهاً يتبعه، ويسير خلفه، فإنه يقوم بإطفاء ما في قلبه من نور، لأن الله أعطى كل إنسانٍ بعض النور في القلب بمقدار ما فيه من ظلمة، فإذا اتبع الهوى غلّب الظلمة على النور، وكما قال سبحانه:

{وَالَّذينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمات‏}[5].

والمراد بقوله (عَلىَ‏ عِلْمٍ) أن الله عالمٌ باستحقاق هؤلاء للضلالة، إذ لا أمل برجعتهم إلى طريق الصواب.

{وَخَتَمَ عَلىَ‏ سمَعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلىَ‏ بَصَرِهِ غِشَاوَةً}

وبذلك يختم الله على سمعه وقلبه فلا يعي الحقائق، بل ويجعل على بصره غشاوة لا يمكنه أن يبصر بهما الواقع، مهما كان جليّاً وواضحاً، وعندما يبصر الآيات لا يرى ما وراءها من العبر.

{فَمَن يهَدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}

إذا أظل الله عبداً كان من المفترض أن يستفيد من وسائل الهداية لديه مثل العقل والرسل و..، فمن يقدر على هدايته من بعد الله سبحانه؟

وفي الآية تحذيرٌ للإنسان بأن يكون مصيره كمصير الضالّ، ويتذكر بعاقبة متبعي الأهواء، مثل اولئك الذين حضروا في كربلاء لمحاربة ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد كان بعضهم يقاتل تحت راية أمير المؤمنين عليه السلام قبلئذ ولكنهم اتبعوا الهوى فأضلهم الله وكانوا من أصحاب الجحيم.

 

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لتطبيق آيات الذكر الحكيم على حياتنا، إنه ولي التوفيق وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  الوافي : ج1،ص 116

[2]  الآمالي : ص 20

[3] سورة الأنعام : الاية 129

[4]  تحف العقول : ص 284

[5]  سورة البقرة : الآية 257

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس السادس)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمَا بِمَا كاَنُواْ يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ  وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهْا  ثمُ‏ إِلىَ‏ رَبِّكمُ‏ تُرْجَعُونَ (15) وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنىِ إِسْرَءِيلَ الْكِتَابَ وَالحْكمْ‏ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلىَ الْعَالَمِينَ (16) وَءَاتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ  إِنَّ رَبَّكَ يَقْضىِ بَيْنهَمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كاَنُواْ فِيهِ يخَتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلىَ‏ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنهَّمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْا  وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  وَاللَّهُ وَلىِ‏ الْمُتَّقِينَ(19)}

صدق الله العلي العظيم

 

تبقّى مما مضى الحديث عن موضعين، نشير أليهما هذه الليلة قبل الإنتقال إلى الحديث عن موضوع الآيات التي ذكرناها:

اولاً: في الآيات السابقة تم الإشارة في أكثر من آية حول طريق الوصول إلى الحقيقة بدءاً من الحديث عن الإيمان ومن ثم اليقين وبعد ذلك التعقل وانتهاءاً بالحديث عن التفكر.

وفي ذلك بصيرة هامة، وهي أن الدين الإسلامي ورسالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والتي بينتها آيات القرآن الحكيم حوت على تعاليم لجميع أبعاد الحياة البشرية، فلم تكتفِ بجانبٍ دون آخر، ولم يكن الإهتمام بجانب على حساب جانب ثان، فإنك تجد الإهتمام بالبعد العاطفي في أعلى درجاته في تعاليم الدين الحنيف وفي الوقت ذاته فإنه يدفع الإنسان في البعد العقلي إلى أسمى المراتب، الأمر الذي لا تجده في سائر الأديان وحتى السماوية منها – التي حرّفت فيما بعد – إذ تجدها إما مفرطة أو مفرّطة، فهي إما تهمل العقل أو تهمل العاطفة.

وكما هو الدين، كذلك ممثلوا الدين الحنيف، وسيرتهم كانت متوازنة بين جانبي العاطفة والعقل، فأمير المؤمنين عليه السلام الذي كانت حياته مليئة بالحماسة والعواطف و.. هو نفسه صاحب نهج البلاغة الكتاب الذي لا ينفاسه أي كتابٍ آخر من كتب البشر، وقد اعترف لي أحدهم وهو يشغل منصب مستشار لرئيس أحدى الدول الأروبية أنه منبهر بشخصية أمير المؤمنين عليه السلام الذي تحدث بحقائق قبل أكثر من اربعة عشر قرن حيث كان الاوروبيون يعيشون كالحيوانات والوحوش – حسب قوله -، ولم يصل إلى ادراكها الناس إلا في العصر الحديث.

ثانياً: أمر الله سبحانه المؤمنين بأن لا يغتموا كثيراً بكفر بعض الناس وضلالتهم، فالدنيا أرادها الله سبحانه دار امتحان، ويفلح فيها قومٌ ويخسر آخرون، وسينال كلٌ جزاء عمله، ف بالرغم من وجود واجب الدعوة والتبليغ، إلا انه ينتهي دوره عند ذلك لا ينبغي عليه أن يتأثر كثيراً بكفر من كفر.

ونتيجةً للضغط النفسي الذي يعانيه المؤمن تراه ينزوي عن المجتمع ويبتعد عن الناس، وهذه الحالة حالة خاطئة منع عنها الإسلام، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال له عثمان بن مظعون:

إِنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي بِالسِّيَاحَةِ وَأَنْ أَلْحَقَ بِالْجِبَالِ.

فقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم يَا عُثْمَانُ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي‏ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ “[1].

كما حارب الإسلام الرهبانية التي كانت منتشرة في النصارى، قال الله تعالى:

{وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها }[2].

وفي مقابل هذه الحالة الخاطئة هي الحالة الخاطئة الأخرى التي تتمثل في فرض الدين على الناس وقهرهم على الإلتزام به، فقد قال الله سبحانه: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنين‏}[3].

بلى؛ على الحكومات والمجتمعات الإسلامية أن تضع قوانين معينة للحفاظ على المجتمع الإسلامي ولكن لا يجوز فرض العقيدة على الناس وتفتيش عقائدهم ونواياهم.

وبالنتيجة سيحصد كل امرء ما زرعه في الدنيا من عقيدة وعمل، وهذه الحقيقة من البديهيات الواضحة ولكن لابد أن تتحول إلى بصيرة للإنسان في الحياة ليرى بها عاقبة الأفعال، حتى يصل – بتنمية هذه البصيرة – إلى مرحلة يمكنه أن يعرف عواقب أمور الأفعال وان لم يعرف بالدليل حرمة الفعل او حليته، وقد نقل عن آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة، أنه ذهب إلى بستانٍ مع بعض طلبته، وقد قدّم له العامل عنباً طازجاً فامتنع الشيخ عن مد يده إليه، حتى جاء صاحب البستان وعرف عدم أكل الشيخ من ذلك العنب، فسأل العامل عن مصدر العنب، وقال العامل له أنه جاء بالعنب من البستان المجاور لعدم جودة عنب البستان، فأمره الرجل بأن يأتي بثمار بستانه الخاص، وحينها اكل الشيخ الحائري من ذلك العنب.

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ}

كل عمل يقوم به الإنسان، انما يقومه لنفسه لا لغيره، فهو الذي سيلقى جزاء عمله، فما يقدمه للناس من صدقات وخدمات، وما يفعله من إحسان للآخرين، فهو المستفيد قبل غيره، وإلى هذه الحقيقة أشار النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فيما روي عنه: ” أَنَّهُ ذَبَحَ شَاةً فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَاطَّلَعَ عَلَيْهَا فُقَرَاءُ الْمَدِينَةِ فَجَاءُوا وَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه واله وسلم وَكَانَ يُعْطِيهِمْ فَلَمَّا دَخَلَ اللَّيْلُ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا رَقَبَتُهَا.

فَسَأَلَ عَنْ عَائِشَةَ مَا بَقِيَ مِنْهَا فَقَالَتْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا رَقَبَتُهَا.

فَقَالَ صلى الله عليه وآله” قُولِي بَقِيَ كُلُّهَا إِلَّا رَقَبَتَهَا”[4].

ومن هنا لا ينبغي لمن يقدم بعض المال للأعمال الخيرية أو المؤسسات الدينية أن يعتبر إنفاقه مغرماً وخسارةً أو إغناءاً للغير، بل هو مالٌ يقدمه لنفسه ونفقةٌ يقرضها لغيره ليسترجعها يوم القيامة، وكان الإمام زين العابدين عليه السلام يستقبل من يسأله الحاجة بقوله: “مَرْحَباً بِمَنْ يَحْمِلُ لِي زَادِي‏ إِلَى الْآخِرَةِ”[5].

{وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهْا}

وفي المقابل فإن اسائة المرء تعود إليه في نهاية المطاف، وإن بدا في الوهلة الأولى انه منتفع أو يتضرر بالفعل غيره، ولكن الإسائة لا تعود إلا الى فاعلها.

والجزاء يكون على نوعين، منه ما يرجع إلى الفاعل في الدنيا، ومنه ما يلقاه الإنسان في الآخرة، ويبدو أن اغلب أعمال الإنسان سيجازى عليها ويعرف عاقبتها في الدنيا قبل الآخرة، خصوصاً إذا كان العمل هو عمل أمة ومجتمع.

فعلى سبيل المثال، حين يتضرع المؤمنون إلى ربهم ويسألون الله أن يلم بظهور الإمام الحجة عجل الله فرجه شعثهم ويشعب به صدعهم ويرتق به فتقهم و.. ثم ينطلقون من الدعاء – باعتباره منهاجاً للمجتمع الاسلامي الذي يعيش تحت راية الإمام المنتظرعليه السلام -، ويسعون لتهيئة مقدماته ليصلوا إلى مجتمع الكرامة، فإنهم سيحصدون النتائج وان لم تكن كلية.

وبالرغم من أن النموذج الأكمل والأشمل سيكون بحكومة الإمام عليه السلام، لأنها حكومة إلهية عالمية، الا ان العمل والسعي سينتج الحصول على نتائج في حدود معينة.

{ثمُ‏ إِلىَ‏ رَبِّكمُ‏ تُرْجَعُونَ}

والعاقبة هي الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة والجزاء الأوفى هناك، حيث لا يظلم ربك أحداً.

وكمثال على حصول المجتمع على جزاء عمله يذكر لنا القرآن الكريم قصة بني اسرائيل:

{ َولَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنىِ إِسْرَءِيلَ}

وتكررت قصة بني اسرائيل أكثر من سبعين مرة في كتاب الله سبحانه وتعالى، للتشابه الكبير بين الأمة الاسلامية وبين بني اسرائيل، وكما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَتَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ؟”[6].

وقد أعطاهم الله مجموعة كبيرة من النعم، ولكنهم بالرغم من كل ذلك لم يؤدوا حقها، فما الذي آتاهم الله سبحانه؟

{وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنىِ إِسْرَءِيلَ الْكِتَابَ}

 

اولاً: الكتاب

وهو التوراة، الذي قال عنه سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذينَ أَسْلَمُوا لِلَّذينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداء}[7]، فالتوراة كتابٌ إلهي فيه هدى ونور ورحمة، اما تحريفه من قبل اليهود أو نسخه بالكتب اللاحقة فذلك كان لاحقاً.

{وَالحْكمْ‏}

 

ثانياً: الحكم

وللحكم معنيان:

الأول: بمعنى القضاء وفضل النزاعات، أي العلم الذي به يتم الحكم في الخلافات.

الثاني: بمعنى السلطة والحكومة.

وقد أعطى الله سبحانه بني اسرائيل الحكم بكلا المعنيين، فأعطاهم ما به يحكمون في أمورهم ونزاعاتهم، كما منحهم الحكم في مصر ومن ثم في فلسطين.

{وَالنُّبُوَّةَ}

 

ثالثاً: الأنبياء

فقد بعث الله منهم وإليهم الكثير من الأنبياء والرسل، ولم يكن ذلك عبثاً واعتباطاً، وانما كان لحكمة إلهية وبسبب صبرهم على الحق وصمودهم أمام قهر فرعون وظلمه.

{وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ}

 

رابعاً: النعم المادية

مضافاً إلى النعم المعنوية كالكتاب والنبوة، رزقهم الله سبحانه من الطيبات، والتي يبدو لي لم تكن مقتصرة على المن والسلوى و..، بل تشمل كل النعم المادية التي رزقهم الله بها.

{وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلىَ الْعَالَمِينَ}

 

خامساً: التفضيل

وقد فضّل الله تلك الأمة على أهل عالمهم، ومن تجليات التفضيل هو كثرة بعثة الرسل منهم، من امثال انبياء الله داوود وسليمان وعيسى ويحيى عليهم السلام وكذلك بوجود نساء مثل السيدة مريم عليها السلام من بني اسرائيل.

{وَءَاتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ}

 

سادسا: بينات من الأمر

ما هو المقصود ببيناتٍ من الأمر؟

لتوضيح ذلك نقول: للدين خطان، احدهما ثابت يرتبط بأصل الدين ومنها العبادات، فالصلاة ثابتة منذ تشريعها وإلى يوم القيامة ولا تتبدل، أما الخط الثاني فهو البعد المتغير والذي يتطور بحسب الزمان والمكان، مثل أمور الحرب والسلم والإقتصاد والثقافة و.. والتي تتغير بتغير الزمان والمكان والتي تحتاج إلى رؤية الدين في الظروف المستجدة، ويبدو أن المقصود بالبينات هو ما يرتبط بالجانب الثاني للدين، ببيان الوظيفة العملية الحوادث الواقعة، قال الله سبحانه:

{وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى‏ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَليلا}[8].

وقد رسم الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف منهجاً لحل المشاكل المستجدة برؤية دينية صافية، حيث قال عليه السلام : “وَأَمَّا الْحَوَادِثُ‏ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ”[9]، والمراد برواة الحديث هم العلماء بها والعارفين بدرايتها، فـ : “حَدِيثٌ‏ تَدْرِيهِ‏ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ تَرْوِيهِ “[10]، كما قال الإمام الصادق عليه السلام.

وبهذا نعرف أن الله فضّل أتباع اهل البيت عليهم السلام على سائر الأديان والمذاهب في معرفة الحوادث الواقعة، وهو باب الإجتهاد الذي كان من فضل الائمة الطاهرين على هذه الأمة، لأنهم يسيرون على هدى الائمة ونالوا من نورهم عليهم السلام ببركة كلماته النورانية.

 

عاقبة بني اسرائيل

{فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضىِ بَيْنهَمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كاَنُواْ فِيهِ يخَتَلِفُونَ}

وفي نهاية المطاف تمزقوا بسبب الإختلافات، والتي لم تكن بسبب الجهل او عدم وجود الحكم والبينات، لأن الله منحهم كل ذلك، بل كان اختلافهم انطلاقاً من البغي بغية تسلط البعض على البعض، ولتكون أمةٌ هي أربى من أمة.

{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلىَ‏ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ}

وبعد قصة بني اسرائيل واختلافهم، يخاطب الرب نبيه بأنه جعله على شريعة من الأمر، فما معنى الشريعة؟

الشريعة هو الطريق الموصل إلى الماء، وبكثرة الاستعمال صارت تستعمل لطريق العلم، تشبيهاً للعلم بالماء، والشريعة هي الطريقة الواضحة، فقد جعل الله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الطريق الحق والدين الواضح.

{فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}

ومادام الله جعل نبيه على الطريقة الواضحة والدرب اللاحب، يأمره الله سبحانه بإتباعها، وينهاه عن أتباع اهواء الناس الصادرة من جهلهم.

فلا يجوز أن يترك الإنسان علمه من أجل اهواء الناس، بل عليه أن يتبع علمه، وكما قال أميرالمؤمنين عليه السلام : لَا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ‏ جَهْلًا وَ يَقِينَكُمْ شَكّاً إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا وَإِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا”[11].

وخصوصاً فيما يرتبط بأمور الدين والرسالة، فلا شورى في حكم الله وأمره، ولا يحق لأحد أن يتدخل في هذه الشأن، والشورى مختصة بالمسائل اليومية ومقيدة رغم ذلك بأمر النبي والائمة وبتبعهم الفقهاء.

وقد انتشرت مؤخراً حالة يطالب المكلّف الفقيه أن يغيّر من حكم الله سبحانه او يتساهل فيه، خصوصاً فيما يتعلق بالحقوق الشرعية، ناسين أن الفقيه لا يجوز له أن يغير أو يبدل حكم الله قيد أنملة، ولا يعرّض نفسه للنار لينجو هذا المكلف، مثلما كان يقول جدنا المرجع الديني اية الله العظمى ميرزا مهدي الشيرازي لمن يطالبه بأمثال هذه الأمور: إن رقبتي رقيقة ولا تتحمل أن تُمَد على النار لتعبر أنت عليها إلى الجنة.

وما يقال عن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجهل بعض أمور الدين مثل الأذان وراح يسأل المسلمين عنه و.. كل ذلك حطّ من مقام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم واستهانة بشخصيته العظيمة التي كانت تطبق أوامر الله سبحانه وتعالى بحذافيرها.

 

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لما فيه الخير والصلاح، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تهذيب الأحكام : ج6، ص 122

[2]  سورة الحديد : الاية 27

[3]  سورة يونس : الاية 99

[4]  مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل : ج7، ص 266

[5]  كشف الغمة في معرفة الائمة : ج2،ص 74

[6]  نهج الحق وكشف الصدق : ص 317

[7]  سورة المائدة : الآية 44

[8]  سورة النساء : الآية 83

[9]  كمال الدين وتمام النعمة : ج2،ص 484

[10] معاني الأخبار : ص 2

[11]  نهج البلاغة : ص 524 الحكمة 280

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الخامس)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ (11) اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)}

صدق الله العلي العظيم

 

كتاب الله المجيد كتاب هداية، فماذا تعني الهداية؟

للهداية معنيان، وكلاهما متحققٌ في آيات القرآن الكريم:

الأول: إرائة الطريق

الثاني: الإيصال إلى الهدف.

وفي حين يكتفى في المعنى الأول إلى تشخيص المسير أمامك يقوم في المعنى الثاني بالأخذ بك إلى حيث الحقيقة، كما لو سألت احداً عن مدينةٍ ما، فقد يبين لك طريق الوصول إليها، وقد يأخذك معه حتى الوصول إليها.

ولما كان القرآن كتاب هدى، كان على الإنسان أن يبعد عن قلبه الكفر، لأنه يشكل حجاباً عن قبول الهدى، فحتى لو استفاد من الهداية بالمعنى الأول، فإن حجابه يمنعه من الإستفادة منه ومن الهداية بالمعنى الثاني، ومن هنا نجدد تكرار الآيات في هذه السورة في التحذير من التكبر المؤدي الى الكفر، بل حتى إسم السورة يوحي إلى الإنذار من مصير المتكبر في يوم القيامة، فما هو الكبر؟

 

معنى التكبر

قد يصاب البشر بنوعين من الأمراض الروحية، او الصفات الرذيلة، نوعٌ منها يكون إكتسابياً بسبب البيئة الفاسدة او التربية المنحرفة أو الثقافات المنحرفة التي تصل الإنسان او..

ولو افترضنا نشئ الإنسان في محيط خالٍ من تلك المفاسد فإنه سوف لا يبتلى بتلك الرذائل.

والنوع الأخر من الصفات، هي متجذرة في الإنسان، وبتعبير أفضل هي من ذواته، ومنها الحالة السلبية في روح كل واحد ووجود عدم فيه، وقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، ولكنه جعل فيه جوانب كلّف بأن يقوم بإصلاحها وأن يقوم بالتنامي . ورغم ان الله كان قادراً على أن يخلق الإنسان كاملاً، إلا انه جعل فيه تلك الجوانب لجهة الإمتحان، ولتسامي روحه، خصوصاً وأن المؤمن حين يرى جزاء أعماله ومساعيه يوم القيامة يكون أكثر سروراً وفرحاً عما لو أعطيَها دون أن وجود عملٍ قام به ليستحقها، وقد قال الله تعالى:{ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى‏}[1].

ومن ذاتيات الإنسان حالة التكبر فيه، لأن مصدر التكبر هو الجهل، وكان الإنسان جهولاً، فيظن أنه الأقوى والأقدر فيمشي متخبتراً على الأرض يشمخ بأنفه إلى السماء، في حين انه لا يقدر أن يخرق بقدمه الأرض ولا أن يبلغ بطول قامته الجبال، قال الله تعالى: {وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولا}[2].

وطريق التخلص من التكبر يكون بطرد الجهل عبر العلم، ومن هنا كلما زاد علم المرء زاد تواضعه، لأنه يكتشف عجزه وضعفه وفقره. ولو قام امرءٌ بالتأمل في المجرات بعد النظر إليها عبر الاجهزة المقربة، ومن ثم تأمل في النطفة التي كانت أصل خلقته بالنظر إليها عبر الأجهزة المكبرة، لاعترف بالحق وترك التكبر على الحقائق.

ولكن لا يمكن ان يتم اقتلاع الكبر عبر خطوات سطحية، بل ثمة حاجة إلى ثورة عارمة في النفس تهدف إلى تغيير الذات، أوَ هل يمكن تغيير الذات؟

بلى؛ لقد منّ الله سبحانه العزيز القدير، على الإنسان – دون أي مخلوقٍ آخر- بأن آتاه الخيار في تغيير ذاته الظلمانية  إلى ذاتٍ نورية، والفاصلة بينهما فاصلةٌ بين الثرى والثريا، بين الجهل والعلم، بين النار والجنة.

ومن هنا نجد تكرار الآيات في هذه السورة لبيان عاقبة التكبر خمس مرات في مقطع واحد ( عذاب أليم / عذاب مهين / عذاب عظيم / عذاب من رجز أليم / ويل لكل أفاك أثيم) وبالتأمل فيها الواحدة تلو الأخرى ووعيها تتهيأ الأرضية المناسبة لاقتلاع التكبر من جذوره، والثورة على الأنا والأنانيات، وكذلك التخلص من الـ ( نحن) التي هي لونٌ آخر من ( الأنا)  والتي تتجسد في العصبيات الحزبية والقومية والعرقية و..

 

الكفر بآيات الله

 {هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}

وبعد التخلص من رذيلة التكبر يستطيع الإنسان ان يتخلص من الكفر بآيات الله سبحانه وتكذيبها، ولكن كيف يتحقق الكفر بالآيات؟

لقد ذكرنا في الدرس السابق أقسام آيات الله سبحانه وتعالى، والتي كانت تتجسد في الأفراد وفي الآيات المدونة في الكتاب وفي الآيات المبثوثة في الآفاق، والكفر بالنوع الأول يكون عبر تكذيبه وعدم إتباعه، والكفر بنبيٍ واحد أو حجةٍ واحدة من حجج الله يساوق الكفر بكلهم، لأن المطلوب الإيمان بهم كلهم، وكما قال الله سبحانه وتعالى :

{وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصير}[3].

وكذلك الأمر بالنسبة إلى الآيات المدونة والمثبتة في الكتاب المجيد، فإن رفض آيةٍ واحدة منها يعني كفرٌ بكل الكتاب، وقد قال الله سبحانه: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى‏ أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون‏}[4].

اما الكفر بآيات الله سبحانه المنتشرة في الآفاق فلا يكون في إنكارها، إذ لا تجد من ينكر وجود الشمس والقمر أو الجبال أو ..، بل يتم الكفر بها من خلال انكار آيتيتها وقصر النظر عليها دون العبور منها إلى ما ورائها، أي إلى خالقها وصانعها.

فحين يعبد البعض الشمس فلأنهم يقصرون النظر على ذات الشمس وعظمتها، دون أن يعبروا منها إلى معرفة خالقها العظيم، فهو كفرٌ بآية الله، وكذلك حين ينسب المريض الشفاء للطبيب دون الله سبحانه، فهو كفرٌ بالله سبحانه.

فكفرٌ بأية آية هو كفرٌ بإسمٍ من اسماء الله وصفة من صفاته، لأن كل آيةٍ تدل على إسم من أسماء الله الحسنى، فكل شيءٍ هو صنع الله وتدبيره وفيه حكمته ولعل سبب كون أكثر جمل القرآن اسميه، لا فعليه – بالرغم من انها الأصل في اللغة – هو نسبة كل شيء إلى الله والإستدلال به عليه سبحانه وتعالى.

فالمؤمن يستدل بالآيات على وجود الله سبحانه وعلى لطفه وقدرته، وقد نسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام قوله: “ما رأيت شيئاً الا ورأيت الله قبله وبعده”[5] فقبل الشيء يرى الله لأن الله هو الذي اعطاه العين الباصرة التي بها يبصر، وبعده لأن الشيء يفني ويبقى وجه ربه ذو الجلال والاكرام.

 

عاقبة الكفر بآيات الله

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}

قيل الرجز هو العذاب الكبير، وقيل أن الرجز يدل على الحركة السريعة والكثيرة ( ومنه الرَجَز)، وعذاب الله لهم رجز لأنه يصيب المعذَّب بالإضطراب وتسارع الحركات.

وأياً كان معنى الرجز، فإنه يدل على شديد عقاب الله سبحانه وأليم عذابه للكافر بآياته.

 

من آيات الرب

{اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ}

تسخير الله سبحانه البحر للإنسان من آيات الله سبحانه التي تستحق التأمل، فلم يكن البحر بحراً الا بارادة الله سبحانه، وما في البحر من أمواج ورياح، وما في بطنه من عجائب وكنوز، وما يتصاعد منها من أبخرة تسهم في الأمطار و… كلها آيات على عظيم قدرة الله عزوجل.

ومن ذلك أنعام الله على الإنسان بنعمة العقل التي بها استطاع ان يستفيد من البحر لأهداف.

اولاً: جريان الفلك

{لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ}

واستفادة الإنسان من البحر بتسيير السفن فيه، إذ اختص الإنسان بذلك دون سائر المخلوقات.

والفلك، بمعنى السفينة أو السفن، إذ الكلمة تشمل المفرد والجمع معاً.

وجريان الفلك هو بأمر الله سبحانه وتعالى، ولو شاء أن يغرقها لأغرقها دون أن يستطيع أحد منع ذلك، ومن هنا لا يمكن لأحد – مهما أوتي من العلم – أن يجزم بوصول السفينة إلى مقصدها او الطائرة إلى مبتغاها، لكثرة وجود المخاطر واحتمالات الغرق والسقوط، بحيث لا يمكن تفادي كلها جميعاً.

ويعرف المؤمن هذه الحقيقة، فتراه يذكر الله سبحانه ويشكره بمجرد ركوبه فيها، فتراه يقول:

{سُبْحانَ الَّذي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنين‏}[6].

ثانياً: الإنتعاش الإقتصادي

{وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ}

منذ أن خلق الله الإنسان وليومنا هذا، وربما إلى يوم القيامة، تبقى السفن أفضل وسيلة لنقل البضائع بين البلدان، وبتعبير أخر فإن الحركة الإقتصادية للإنسان تعتمد اعتماداً هائلة على حركة السفن في البحار، ومن هنا تجد البلدان التي لا تطل على البحار تعاني من مشاكل كثيرة.

فحركة الفلك في البحار فضلٌ من الله سبحانه، والاكتساب بواسطة حركتها هو الآخر فضلٌ من الله.

ثالثاً: شكر المنعم

{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}

هدف كل النعم الإلهية في أن تتكامل روح الإنسان، فالذي تصل إليه النعم ولا يشكرها يبقى الخور في روحه ونفسه، أما بشكرها تتسامى روحه.

ونعم الله سبحانه من الكثرة بمكان، ان لا يقدر الإنسان على عدها فضلاً عن شكرها، وكما قال الإمام زين العابدين عليه السلام: “إِلَهِي أَذْهَلَنِي‏ عَنْ إِقَامَةِ شُكْرِكَ‏ تَتَابُعُ طَوْلِكَ وَ أَعْجَزَنِي عَنْ إِحْصَاءِ ثَنَائِكَ فَيْضُ فَضْلِكَ وَ شَغَلَنِي عَنْ ذِكْرِ مَحَامِدِكَ تَرَادُفُ عَوَائِدِكَ “[7].

 

تسخير ما في السماوات والأرض

{وَسَخَّرَ لَكمُ مَّا فىِ السَّمَاوَاتِ وَمَا فىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ}

وكذلك فإن الله سخر للإنسان ما في السماوات والأرض، دون أن يشعر بها الإنسان حتى، فتنفسك للأوكسيجين نتيجة تسخير الله للغابات من أجلك، والتي قد تبعد عنك آلاف الأميال، والغازات المحيطة بالكرة الأرضية هي الأخرى تقوم بالدفاع عن الإنسان دون شعوره بها و…

فكم نعمةٍ من نعم الله سبحانه، لا نلتفت إليها وهي سبب بقائنا أحياءاً مثل الجاذبية وأشباهها من نعم خفية.

وكل النعم من الله سبحانه، وليست من عند غيره.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}

ولأن الكثير من آيات الله في السماوات والأرض خفية، فهي ليست آية لكل الناس، بل هي آية للمتفكرين و

التفكر هو المرحلة الرابعة من التكامل العقلي الذي بينته آيات السورة (الإيمان – اليقين – التعقّل)، فما معنى التفكر؟

التفكر هو في حقيقته ربط الحقائق المعروفة ببعضها البعض واستنتاج حقائق جديدة منها، سواء كانت حقيقتين فيستنتج منها حقيقةً ثالثة، او ثلاث ويصل إلى رابعة وهكذا..

وبربط الحقائق ببعضها البعض يعرف الإنسان آيات الله سبحانه التي تخفى على سواه.

 

بين المؤمن والكافر

{قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمَا بِمَا كاَنُواْ يَكْسِبُونَ}

الفاصلة بين المؤمن والكافر فاصلة كبيرة وتزداد يوماً بعد آخر، حتى تكون بدرجة لا يمكن أن يتحمل المؤمن تجاوزات الكافر وعصيانه لله سبحانه وتعالى، فيصاب بالإضطراب وعدم الصبر.

وفي هذه الحالة يصبّر الرب المؤمن، ويأمره بترك الكافر وشأنه، فهو يسلك سبيلاً غير سبيلك، ولا يستحق أن تذهب نفسك عليه حسرات.

وهذه الحالة بحاجة إلى الإيمان الثابت ودرجة عالية من التعقل، ليغفر المؤمن للكافر، كما فعل الإمام زين العابدين عليه السلام في أشد ساعات حياته المباركة – كما قال هو سلام الله عليه – مع ذلك الشيخ في الشام، بحيث إنقلب الرجل من عدوٍ إلى فدائي، وفيما يلي نذكر الحادثة كما رويت: “وَجَاءَ شَيْخٌ فَدَنَا مِنْ نِسَاءِ الْحُسَيْنِ وَعِيَالِهِ وَ هُمْ أُقِيمُوا عَلَى دَرَجِ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَتَلَكُمْ وَأَهْلَكَكُمْ وَأَرَاحَ الْبِلَادَ مِنْ رِجَالِكُمْ وَأَمْكَنَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْكُمْ.

 فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَا شَيْخُ‏ هَلْ‏ قَرَأْتَ‏ الْقُرْآنَ ؟

قَالَ نَعَمْ.

 قَالَ فَهَلْ عَرَفْتَ هَذِهِ الْآيَةَ- قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏؟

 قَالَ الشَّيْخُ قَدْ قَرَأْتُ ذَلِكَ .

فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ فَنَحْنُ الْقُرْبَى يَا شَيْخُ فَهَلْ قَرَأْتَ هَذِهِ الْآيَةَ- وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى؟

 قَالَ نَعَمْ قَالَ عَلِيٌّ فَنَحْنُ الْقُرْبَى يَا شَيْخُ وَهَلْ قَرَأْتَ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ؟

قَالَ الشَّيْخُ قَدْ قَرَأْتُ ذَلِكَ.

قَالَ عَلِيٌّ فَنَحْنُ أَهْلُ الْبَيْتِ الَّذِينَ خُصِّصْنَا بِآيَةِ الطَّهَارَةِ يَا شَيْخُ .

قَالَ فَبَقِيَ الشَّيْخُ سَاكِتاً نَادِماً عَلَى مَا تَكَلَّمَ بِهِ وَقَالَ بِاللَّهِ إِنَّكُمْ هُمْ؟

 فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ تَاللَّهِ إِنَّا لَنَحْنُ هُمْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَحَقِّ جَدِّنَا رَسُولِ اللَّهِ إِنَّا لَنَحْنُ هُمْ.

فَبَكَى الشَّيْخُ وَرَمَى عِمَامَتَهُ وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ عَدُوِّ آلِ مُحَمَّدٍ مِنْ جِنٍّ وَإِنْسٍ ثُمَّ قَالَ هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ ؟

فَقَالَ لَهُ نَعَمْ إِنْ تُبْتَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَأَنْتَ مَعَنَا.

فَقَالَ أَنَا تَائِبٌ فَبَلَغَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ حَدِيثُ الشَّيْخِ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِل‏”[8].

 

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لتبصّر آياته، أنه ولي التوفيق، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة النجم : الآية 39

[2]  سورة الإسراء : الآية 37

[3]  سورة البقرة : الآية 285

[4] سورة البقرة : الآية 85

[5] درخشان برتوي از اصول كافي : ج4،ص 306

[6]  سورة الزخرف : الآية 13

[7] بحار الأنوار : ج91، ص 146

[8] بحار الأنوار : ج45، ص 129

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الرابع)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْا اتخَّذَهَا هُزُوًا أُوْلَئكَ لهَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ(9) مِّن وَرَائهِمْ جَهَنَّمُ  وَلَا يُغْنىِ عَنهْم مَّا كَسَبُواْ شَيْا وَلَا مَا اتخَّذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ  وَلهَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(10) هَذَا هُدًى  وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِايَاتِ رَبهِّمْ لهَمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ(11)}

صدق الله العلي العظيم

 

خلق الله الإنسان من قطرة ماء مهين (نطفة) وجعله يعيش بين عدمين، إذ لم يكن شيئاً مذكوراً قبل مجيئه إلى الدنيا وبعد سنواتٍ سيكون مصيره إلى الموت، ولكنه يتكبر على الله، فهو كما قال الله سبحانه:

{خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصيمٌ مُبين‏}[1]، ترى لماذا يتكبر؟ وهل نحن – بدورنا – فينا مثل ما في نفوس الكافرين من التكبر ام أنا تغلبنا عليه؟

ولابد من توجيه السؤال إلى أنفسنا لأن آيات القرآن الكريم تهدف الموعظة والاعتبار، إذ يريد القرآن أن يزكي بآياته نفوسنا، فهو ليس خطاباً خاصاً برسول الله صلى الله عليه وآله بل يشمل كل تالٍ له،  لأنه نزل بلغة إياك أعني واسمعي يا جارة.

{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْا اتخَّذَهَا هُزُوًا أُوْلَئكَ لهَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}

ومن هنا ترى الآية لا تحدثنا عن شخصٍ خارجي بعينه، بل تحدثنا عن صفاتٍ قد تتكرر في كل زمانٍ ومكان، ومنها صفة الإستكبار على الحق، حيث يواجه المتكبر الدعوة بالرفض وعدم الإستماع والإصرار على موقفه الرافض من الإنفتاح على الرسالة، وإذا نفذت هدى الرسالة – بصورة أو بأخرى – إلى وعيه وعلمها ولم يستطع أن يردّها، استعمل اسلوب الإستهزاء والسخرية، اغتراراً منه بما لديه من نعم الله المادية.

أن تملك الثروة أو السلطة أو الجمال او .. ليس مشكلةً، فتلك نعم الله سبحانه عندك، ولكن المشكلة تكون في الإفتخار بها والإتكاء عليها لتكون حجاباً بينك وبين الله سبحانه، وبينك وبين الناس، فحتى العبادات التي هي خطى القرب إلى الله سبحانه، لو خليت من الإخلاص وصارت وسيلة للتفاخر على الناس تتحول إلى وبال على صاحبها.

فهلاك الناس يكون في اغتراتهم بالنعم الإلهية عليهم، حيث لم يقدروا على استيعاب النعمة وتسمو نفوسهم بمستواها، ومن هنا كان على المؤمن أن يطلب من الله النعم ويطلب منه قبل ذلك أن لا تكون النعم الإلهية وسيلة لهلاكه، ويسألون الله ان يوفقهم لأداء شكر النعمة حق الشكر، وكما طلب النبي سليمان عليه السلام ذلك من رب العزة، حيث قال بعد مروره – وجنوده – على وادِ النمل وإستماعه كلام النملة مع النمل:

{فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْني‏ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتي‏ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى‏ والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْني‏ بِرَحْمَتِكَ في‏ عِبادِكَ الصَّالِحين‏}[2].

وفي المقابل ترى النماذج المتكررة التي طغت بسبب عدم استيعابهم لنعم الله سبحانه وتعالى والاغترار بها من أمثال هشام بن الحكم الذي بات يرفض حتى نصيحة ابن رسول الله زيد بن علي رضوان الله عليه، لإنه جلس على كرسي الخلافة، فأخذته العزة بالإثم حين خاطبه زيد الشهيد: (اتق الله)، أو ذلك الخليفة الآخر الذي سمّت له بعض جنده بعد أن عطس، فغضب وسأل الجندي عن سبب تسميته له، فأجاب الأخير بأنها سنة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له الحاكم: اصبت السنة واسأت الأدب.

ولطرد التكبر من نفوس الإنسان تحدثنا آيات القرآن الكريم عن العاقبة المهينة التي تنتظر المتكبر، كي يرعوي بها عن هذا المرض الخطير، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

“يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ‏ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي خَلْقِ الذَّرِّ فِي صُورَةِ النَّاسِ يُوطَئُونَ حَتَّى يَفْرُغَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حِسَابِ خَلْقِهِ ثُمَّ يُسْلَكُ بِهِمْ يُوطَئُونَ نَاراً لا بنار يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ”[3] .

والمتكبر – كما بينته النصوص – هو الذي يتكبر على الحق واهله، كما في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

“إِنَّ أَعْظَمَ الْكِبْرِ غَمْصُ الْخَلْقِ وَسَفَهُ‏ الْحَقِ‏ قَالَ قُلْتُ وَمَا غَمْصُ الْخَلْقِ وَسَفَهُ‏ الْحَقِ‏ قَالَ يَجْهَلُ الْحَقَّ وَيَطْعُنُ عَلَى أَهْلِهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رِدَاءَهُ”[4].

{مِّن وَرَائهِمْ جَهَنَّمُ  وَلَا يُغْنىِ عَنهْم مَّا كَسَبُواْ شَيْا}

مصير هؤلاء إلى جهنم، ولا ينفعهم كل ما جمعوا من ثروات وكنوز، فقد ينتفع الإنسان بأمواله وثرواته في الدنيا لتمشية بعض أموره او رشى القضاة والحكام، ولكن كل ذلك لن يغني الإنسان يوم القيامة، لأن المعيار ليس المال، وانما الأعمال الصالحة.

{وَلَا مَا اتخَّذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ}

كما المال لا يغنيهم عناك، كذلك علاقاتهم الإجتماعية التي بنوها لأجل المصالح الدنيوية لن تنفعهم شيئاً، لأن علاقتهم مبنية على الأسس المادية، والمادة محور إتخاذه للأولياء.

بلى؛ الخلّة في الله والأخوة الإيمانية تنفع المؤمنين في دار الجزاء، لأن المؤمن يشفع لأخيه المؤمن بإذن الله سبحانه وتعالى لأنهم بنو علاقاتهم في دار الدنيا في إطار الإيمان بالله سبحانه وتعالى والعمل الصالح، فحتى الذرية يلحقها الله سبحانه بآبائهم الصالحين، قال الله سبحانه:

“وَالَّذينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهين‏”[5].

بل يشفع المؤمن – وبحسب بعض النصوص – في جاره غير المؤمن الذي أحسن إليه، وإلى الذي سقاه ماءً لإيمانه، كل ذلك بعد إذن الله سبحانه وتعالى.

{وَلهَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

لا يصف الله سبحانه شيئاً بالعظمة إلى اذا كان عظيماً حقاً، ويعني ذلك أن شدة العذاب وعظمته تفوق التصور، ولكن للمرء أن يتخيل شيئاً من عظمتها إذا عرف أن الشمس الذي تصليه حرارتها في الصيف رغم وجود الفاصلة التي تقارب عشرة مليون كيلومتر، حين تلقى هذه الشمس في نار جهنم تصرخ من حرارة النار.

{هَذَا هُدًى}

طريق النجاة واضح لمريده، ويتمثل في التواضع أمام الحق وقبوله والتسليم له.

{وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِايَاتِ رَبهِّمْ لهَمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}

أما الذين لا يسلكون سبيل الهدى، ينتظرهم عذابٌ أليم يوم القيامة.

وكما يبدو لي أن هذه الآيات حول التكبر على آيات الله سبحانه، والكفر به، ويذكّرنا القرآن الكريم بهذه الحقائق لأنها طريق الخلاص من التكبر، حيث تذكر الآية تلو الأخرى عذاب الله الأليم والمهين والعظيم، فماذا يعني الكفر بآيات الله؟

آيات الله سبحانه – كما سبق وأن بينّا – ثلاث:

الأول: آيات الله سبحانه المدونة في كتبه، وخاتمها القرآن الكريم.

الثاني: آياته المبثوثة في الآفاق، كالشمس والقمر و..

الثالث: آيات الله سبحانه المتجسدة في الأفراد، بأن يكون الشخص آية الله، كما الأنبياء وخاتمهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو آية الله العظمى.

والتكذيب والكفر بأية آية منها هو كفرٌ بكل آيات الله سبحانه وتعالى، وخصوصاً رفض الإنسان – انطلاقاً من التكبر- الخضوع لاولياء الله وحججه، فهو لا يريد أن يكون بشرٌ مثله ولياً لله سبحانه وتعالى وحجةً عليه.

ومن هنا، على المؤمن أن يزيد من معرفته بالنسبة إلى الأئمة الطاهرين عليهم السلام باعتبارهم حجج الله علينا، وأن يتزود من معرفة حياتهم ومقاماتهم وكلماتهم و فضائلهم لكيلا تزلّ قدمه.

واوصي الشباب أن يهتموا بطلب العلوم الدينية ويتعلموها ولو بشكل اسبوعي او عبر الدروس المسجلة، وخصوصاً في جانب العقيدة والقرآن والحديث وكذلك الفقه والثقافة، ليستطيعوا حفظ ايمانهم من تيار الشبهات المنتشر في شبكات الانترنت والذي يهدف النيل من ايمان الشباب.

 

نسأل الله ان يحفظ شبابنا ويوفقهم لما فيه الخير والصلاح، وصلى الله على محمد واله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة النحل : الآية 4

[2]  سورة النمل : الآية 19

[3] ثواب الاعمال وعقاب الأعمال : ص 222

[4] الكافي : ج2،ص 310

[5] سورة الطور : الآية 21

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الثالث)

بسم الله الرحمن الرحيم

{تِلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقّ‏ فَبِأَىّ‏ حَدِيثِ  بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6) وَيْلٌ لِّكلُ‏ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(7) يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُتْلىَ‏ عَلَيْهِ ثمُ‏ يُصِرُّ مُسْتَكْبرِاكَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا  فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْا اتخَّذَهَا هُزُوًا  أُوْلَئكَ لهَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ(9)}

صدق الله العلي العظيم

 

مراتب تكامل الإنسان من الناحية العقلية، حسبما بينته آيات سورة الجاثية ثلاث:

الأولى: التسليم للحق، فقد يعزم المرء وبسبب العصبية أوالأنانية أو الجهل المركب أو ما أشبه، على عدم قبول الحق وإن انكشف له عياناً، فهذا لا إيمان له، لأن الإيمان يعني الخضوع التام للحق والقرار المسبق بإتباعه حيثما وجده، وكما قال أميرالمؤمنين عليه السلام في نسبته للإسلام: “الإسلام هو التسليم”، فجوهر الإسلام ومن ثم الإيمان هو التسليم.

وما دام المرء عاقداً قلبه على التصديق بالحق، فإن ذلك يجعله مؤمناً وإن لم يكن عالماً بمقومات الإيمان تفصيلاً، فغفلة المرء عن إسم احد الأئمة لا يخرجه عن الإيمان لإنه لو ذكر به وبين له حجية المعصوم لقبل ذلك لتسليمه المسبق.

الثانية: اليقين، وتختلف عن الإيمان أنها الوجدان بعد الإيمان، فلو دلّك أحدٌ على طريق وصدقته فأنت مؤمن، ولكن حين بلغت هدفك ووجدته كما قيل لك وصلت إلى اليقين.

وهكذا لابد للمؤمن أن يسعى دوماً في تنمية إيمانه والوصول به إلى مرتبة اليقين لكيلا تزل قدمٌ بعد ثبوتها، ولتكن هذه الليالي المباركة مطيته للوصول إلى تلك المنزلة العليا، وليس عزيزاً على الله أن يمنح عبده المؤمن اليقين ما دام العبد ساعياً للوصول إليه، وكما وصل حارثة إلى مرتبة اليقين، ففي الحديث: ” أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه واله  صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَنَظَرَ إِلَى شَابٍّ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَخْفِقُ – وَيَهْوِي بِرَأْسِهِ مُصْفَرٌّ لَوْنُهُ وَقَدْ نَحِفَ جِسْمُهُ وَغَارَتْ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ – وَلَصِقَ جِلْدُهُ بِعَظْمِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله  كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ؟ فَقَالَ أَصْبَحْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُوقِناً.

فقَالَ فَعَجِبَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ قَوْلِهِ- وَقَالَ لَهُ إِنَّ لِكُلِّ يَقِينٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ يَقِينِكَ‏؟[1]

فَقَالَ إِنَّ يَقِينِي يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ أَحْزَنَنِي وَأَسْهَرَ لَيْلِي وَأَظْمَأَ هَوَاجِرِي فَعَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي قَدْ نُصِبَ لِلْحِسَابِ وَحُشِرَ الْخَلَائِقُ لِذَلِكَ وَأَنَا فِيهِمْ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ فِيهَا- وَيَتَعَارَفُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئِينَ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ فِيهَا مُعَذَّبُونَ وَيَصْطَرِخُونَ وَكَأَنِّي أَسْمَعُ الْآنَ زَفِيرَ النَّارِ يَدُورُ فِي مَسَامِعِي- قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله:  هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ فِي الْإِيمَانِ، ثُمَّ قَالَ الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ.

قَالَ فَقَالَ لَهُ الشَّابُّ ادْعُ اللَّهَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ.

قَالَ فَدَعَا لَهُ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه واله فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِر)[2]

الثالثة: مرتبة التعقل، فما هو التعقل؟

نعني بالتعقل معرفة حدود الحقائق، فقد يعرف الإنسان الحقائق لكن لا يعي حدودها الدقيقة، والتعقل يصل به إلى هذه المرتبة، لأن العقل يسوق صاحبه من المعلوم إلى معرفة المجهول، فعلمك بوجود مجلسٍ في مكانٍ ما، يؤدي بك إلى معرفة وجود خطيبٍ ومستمعين وضيافة و..

واليقين يحمل المؤمن بالمزيد من التامل في آيات الله سبحانه واسمائه الحسنى للمزيد من المعرفة.

 

بين الحق والباطل

{تِلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَاعَلَيْكَ بِالْحَقّ‏ فَبِأَىّ‏ حَدِيثِ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}

الله سبحانه حق، وكل ما خلقه فهو حقٌ أيضاً، وكذلك آياته الدالة على الحقائق حقّة، فأي آيات الله يتلوها؟

يبدو أنها مطلقة، سواء المكتوبة، أو آيات الله في الخليقة، ذلك لأن الحق واحدٌ لا يتعدد وإن تعددت تجلياته ومظاهره.

وما سوى الحق باطل، وليس هناك منزلة بين الحق والباطل، وبعبارة أخرى ليست هناك مستويات، بل هي إثنينية، حقٌ أو باطل، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام: “إِنَّ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ‏ الْحَقُ‏ يَضُرُّهُ الْبَاطِل‏”[3]، ذلك لأن الكثير من الناس لا يريدون تحمل مسؤولية الحق، ويرغبون أن يكونوا في مساحةٍ محايدة، والحال عدم وجود تلك المساحة، بل عدم الكون مع الحق هو الركون إلى الباطل وقد روي إِنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ عليه السلام  فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أُحِبُّكَ وَأُحِبُّ فُلَاناً وَسَمَّى بَعْضَ أَعْدَائِهِ فَقَالَ عليه السلام: أَمَّا الْآنَ فَأَنْتَ أَعْوَرُ فَإِمَّا أَنْ تَعْمَى وَ إِمَّا أَنْ‏ تُبْصِرُ.

فلا يمكن أن يكون المرء مع الحق وفي نفس الوقت يتولى الباطل، بل لابد له أن يختار جبهته، وكذلك لا يمكن له أن يجزّئ الحق، فيقبل ببعضه ويرفض بعضه.

والكثير من الناس يبتلون بهذه المشكلة، حيث يصل بهم الأمر إلى مرتبة النفاق، فتتقلب مواقفهم، مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

{ َبِأَىّ‏ حَدِيثِ  بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}

من لا يؤمن بآيات الله ما الذي يريده، غير آيات الله الواضحة أي آياتٍ يقبل بها ويصدقها؟

فالذي لا يؤمن بالله وآياته الواضحات، ليس أمامه شيء يستحق الإيمان والتصديق، فتراه يبتلى بالإيمان بالخرافات والأفكار السخيفة، ويعبد البشر أوالحجر أوالبقر او.. وكلها لا تستأهل العبادة بتاتاً.

 

{وَيْلٌ لِّكلُ‏ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}

حين ينكر الإنسان آيات الله الواضحة، يبدأ مسلسل التكذيب عنده، فكل كذبةٍ تجره إلى أكبر منها لئلا يفتضح أمره، وهكذا يصل به الأمر إلى الإفك.

هذا في مقام القول والنظريات، أما في مقام العمل ففعله الإثم والعصيان، وهكذا يستحق الأفّاك الأثيم للويل.

وفي الآية تحذيرٌ من عاقبة كل من يستبدل الباطل بالحق، ويترك الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فالخلاص في أن يسلّم للحق ويعمل به.

{يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُتْلىَ‏ عَلَيْهِ ثمُ‏ يُصِرُّ مُسْتَكْبرِا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}

تتلى عليه آيات الله  – مطلقاً -، ويسمعها ولكنه يصر على عدم قبول الحق استكباراً منه عليه، وانطلاقاً من العصبيات والأنانيات التي تمنعه من الخضوع لما عرف في قرارة نفسه حقيقته.

وإصراره على موقفه يجعله يتجاهل الآيات وكأنه لا يسمعها.

{فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}

قيل: البشارة هي الخبر السارّ الذي تتغير ملامح الإنسان سروراً وفرحاً بما سمع. ولكن العرب استعملوا لفظة (البشارة) لكل خبرٍ هامٍ يتغير به ملامح مستمعه، سواء كان الخبر مفرحاً ام محزناً.

وهكذا فإن إستعمال القرآن الكريم للبشارة تتنساب واستعمال العرب، لأن البشارة بالعذاب تغيّر ملامح المبشَّر خوفاً وهلعا.

والملفت أن الآية اوردت البشارة بصيغة الأمر، إذ يوجب الله على نبيه وبالتبع المؤمنين بتبشير الكافر والمنافق بالعذاب، والذي يعني عدم السكوت على الإنحراف بل الإنذار والتحذير المستمر، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام:“أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَنْ نَلْقَى أَهْلَ الْمَعَاصِي بِوُجُوهٍ‏ مُكْفَهِرَّةٍ”[4].

{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْا اتخَّذَهَا هُزُوًا}

من صفات المستكبر إستهزائه بآيات الله بعد علمه بها، أي بعد وعيه لها وعدم إستطاعته ردها بدليلٍ او برهان، حينها يقوم بردها عن نفسه بالاستهزاء والسخرية.

والواقع أن الإستهزاء أخطر من الكفر والإنكار، لأن المنكر قد يتنازل عن إنكاره يوماً ما ويخضع للحقيقة، ولكن ذلك لا يرجى للمستهزئ، لأنه لا يسمح لعقله بالتفكير في الحق بل يلغي فيه.

{أُوْلَئكَ لهَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}

والمستهزئ يعذّب في النار بعذابٍ مهين، فبالاضافة إلى ما سيلاقيه من عذاب جسدي سيناله  عذابٌ روحي يتناسب وحالة إستهزائه لآيات الله في الدنيا.

نسأل الله سبحانه أن يقينا عذابه الأليم والمهين، أنه سميع مجيب وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  اي ان لكل يقين علامة، فما هي علامة يقينك؟

[2]  مشكاة الانوار في غرر الاخبار: ص 14

[3]  تحف العقول: ص 152

[4] الكافي: ج5،ص 59

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الثاني)

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّ فىِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لاَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفىِ خَلْقِكمُ‏ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنهَّارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتهِا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)}

صدق الله العلي العظيم

 

الإنسان .. المخلوق المختار

لقد سخر الله ما في الكون للإنسان، وأعطى الأنسان قوة يسخر بها الأشياء وإرادة يتخذ بها القرار، وهي – أي الإرادة – نورٌ إلهي منحه الله للإنسان، فالإرادة أو المشيئة او قوة اتخاذ القرار او حرية الإنتخاب او.. كلها تشير إلى حقيقة واحدة هي حرية الإنسان في الإختيار وهي أعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان.

ومن أعظم صفات الله سبحانه أنه تعالى (فعالٌ لما يشاء)، ولو آمن الإنسان بربه وآمن بكل صفاته دون هذه الصفهة فهو كافرٌ، فالله هو الخالق والرازق وهو القادر على  كل شيء، وأمره بين الكاف والنون، وعدم الإعتقاد بهذه الحقيقة يصبح الإنسان مثل اليهود الذين آمنوا بالله ولكن آمنوا بإله عاجز، قال تعالى:

{وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاء}[1].

وفي مقابل قول اليهود ورد في النصوص: “مَا عُبِدَ اللَّهُ‏ بِشَيْ‏ءٍ مِثْلِ الْبَدَاءِ”[2]، أي بمثل عقيدة البداء، بأن الله قادر على كل شيء، يجعل الشقي سعيداً والفقير غنيا والغني فقيرا، فهو الله الذي ليس دون مشيئته مانع.

 

الدعاء و الشك في الإستجابة

وفي هذه الليالي المباركة التي يدعوا بها المؤمنون ويطلبون حوائجهم من الله سبحانه، لو تداخلك شكٌ بمقدار انملة أن الله لا يقدر على إستجابة دعاءك فإن ذلك يؤدي إلى عدم قبول الدعاء، إذ لابد للمؤمن أن يدعو الله سبحانه وقلبه مطمئن بالإجابة، ويسأل حاجته وكأن الإجابة على الباب – كما علمنا أهل البيت عليهم السلام -.

 

مصدر إرادة الإنسان

ومنح الله سبحانه الإنسان شيئاً من هذه المشيئة التي لا يقوى شيءٌ في السماوات والأرض على منعها، وخصها بالإنسان دن سائر المخلوقات، وكما في الحديث القدسي المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

” يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ‏ أَنْتَ‏ الَّذِي‏ تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وَبِإِرَادَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تُرِيدُ لِنَفْسِكَ‏ مَا تُرِيدُ”[3].

وكان ذلك جزءاً من الأمانة التي عرضها الله سبحانه على الإنسان فحملها في حين امتنعت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها.

 

وظائف إرادة الإنسان

وعلى أية حال، فبعد أن تحمل الإنسان الأمانة، وأتاح الله له فرصة الإختيار وحريته، ومنحه الأرادة الحرة، صارت هي المحركة للإنسان، والذي يسخر سائر المخلوقات، فلولا الإرادة لما تمكن المرء من السيطرة على نفسه فضلاً عن سائر الخلق، توضيح ذلك، أن الطيار يحرك طائرة عملاقة ولكن تحريكه لها كان من خلال سيطرته على نفسه بالإرادة ومن ثم إدراته للطائرة.

ومن هنا يطلب المؤمن من ربه أن يقوي عزيمته، ويشحذ همته، وينمي إرادته ليتمكن من المزيد من العمل والفاعلية، وكما في الدعاء: ” قَوِّ عَلَى‏ خِدْمَتِكَ‏ جَوَارِحِي وَاشْدُدْ عَلَى الْعَزِيمَةِ جَوَانِحِي “[4].

وحيث كانت الإرادة هي محور الإختيار، صار على عاتقه أربعة واجبات.

 

الأول: إدارة البدن

فالإرادة هي التي تدير بدن الإنسان وتمنع المرء من أن يقوم بما يضرها، فالإمتناع عن الطعام المضر للمريض ليس إلا بسبب هيمنة الإرادة ومنعها لشهوة الطعام أن تغلب الإنسان فيأكل ما فيه هلاكه.

 

الثاني: إدارة العقل

ونعني بذلك واجب الإرادة في تنمية العقل، إذ لابد للعقل أن يحرر من القيود والإغلال المحيطة به من جهة عبر الإرادة القوية في محاربة الهوى، ومن ثم تنمية العقل.

وقد شبهنا العقل – في حديثنا مسبقاً – بليثٍ تكبله الأغلال، ويحتاج في تحريره إلى قوة داخلية تتمثل في الإرادة وخارجية تتجسد في الدعاة والمذكرين مثل الأنبياء والرسل.

والقرآن الكريم لا يتحدث عن العقل إلا بصيغة الفعل، مثل (يعقلون) او (لا يعقلون) دون أن يوردها بصيغة الإسم (لا عقل لهم)، لماذا؟

لأن الله أنعم على العبد بنور العقل، ويبقى العبد هل يستفيد من ذلك النور ويفعله أم يدسه في ركام الجهل والعصبية والشهوة؟

وبذلك يعرف، أن واجب الإرادة تكمن في تفعيل العقل وتنميته، ولكن كيف؟

قبل الإجابة نقول، أن الأشياء في الدنيا تنمو وتتطور – عادةً – بتطور الزمان، فالإنسان يولد عاجزاً ولكنه وبمرور الزمان ينمو ويبلغ ويشتد عوده، وذات الإنسان يحتاج إلى مدة زمنية كي يتعلم ما يجهل، وكذلك فعضلاته تحتاج إلى ممارسة فترة زمنية معينة كي تفتل وتقوى، وهكذا هو العقل، حيث ينمو بمرور الزمن شريطة إتباعه، وكلما كانت الإستفادة من العقل واتباعه أكثر نمى بشكل أكبر.

ومن سبل تنميته كثرة النظر في العلم، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “كَثْرَةُ النَّظَرِ فِي‏ الْعِلْمِ‏ يَفْتَحُ الْعَقْلَ”[5].

ومنها كثرة التفكر الذي يدل عليه قلة الكلام وكثرة الصمت، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

“إِذَا رَأَيْتُمُ الْمُؤْمِنَ صَمُوتاً فَادْنُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي‏ الْحِكْمَةَ”[6]،

بعكس الجاهل الذي يكثر الكلام وبالتالي تكثر زلاته، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام:

“وَمَنْ‏ كَثُرَ كَلَامُهُ‏ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّار”[7].

وأنجع السبل لمعرفة العقل وتنميته هو ما رسمه الأئمة الاطهار عليهم السلام لنا في هذا المجال، حيث جعلوا سبيل الهداية معرفة جنود العقل وجنود الجهل، وكما قال الإمام الكاظم عليه السلام: ” يا هِشامُ؛ اعرِفِ العَقلَ‏ وَجُندَهُ‏، وَالجَهلَ وَجُندَهُ، تَكُن مِن المُهتَدينَ”[8]، وقد بينوا تلكم الجنود في أحاديثهم وعدوها حتى كان للعقل سبعون جندياً ومثلها للجهل .

 

طلبة العلم وروايات اهل البيت

أقول: الإستفادة من روايات أهل البيت عليهم السلام وتعاليمهم هي أفضل السبل لتنمية العقل.

ومما يؤسف له ما نجده من بعض طلاب العلم ورجال الدين في الحوزات العلمية من عدم إلاهتمام بروايات أهل البيت عليهم السلام فوظيفة طالب العلم وواجبه هو الذب عن حريم اهل البيت والدفاع عن منهجهم ونشر تعاليمهم ومعارفهم، لا أسماءهم وتاريخهم فحسب، لأن نشر إسم الأئمة ومصائبهم يقوم به المداحون.

فعلى طلبة العلم أن يشغلوا أوقاتهم بدراسة أمهات الكتب الحديثية مثل روضة الكافي، أو كتاب الحجة فيه، أو تحف العقول، أو كتاب العشرة في الوسائل أو جهاد النفس فيه، ليطلعوا على منهاج أهل البيت عليهم السلام.

 

الثالث: إدارة الروح

من واجبات الإرادة، إدارة الروح، أو بتعبيرٍ قرآني إدارة النفس، لأن القرآن الكريم عبر بـ (النفس) عن الوعاء الذي يكون فيه قوتا العقل والهوى، وجانبا الخير والشر، حيث قال: {وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها}[9]، ولكن عبر بالروح عن الجانب الإيجابي فقط، وبذلك يكوت التعبير عن النفس أصح.

ونعني بإدارة النفس، ضبطها وعدم السماح للهوى أن تغلب عليها وذلك من خلال مجاهدة النفس ومحاربتها والإقلال من الشهوات.

فكما ينتن بدن الإنسان ويكون بحاجة إلى تطهير وإن لم يصبه قذرٌ خارجي، كذلك فإن نفسه تحتاج إلى تطهير مستمر لأنها تنتن وإن لم يصبها درنٌ من الخارج، كيف وهي محاطة بالفتن والمغريات التي تسعى لإفسادها.

 

الرابع : إدارة الإيمان

لقد منّ الله على الإنسان بالإيمان، حيث فطر الناس على الإيمان والمعرفة، وهذه درجةٌ منه، والدرجة الأخرى الإيمان الذي عقد المرء قلبه عليه من خلال تربية أبويه إياه على الإسلام وتعاليمه، ومن ثم التزود من مجالس الذكر عبق الإيمان والتسليم لله سبحانه.

إلا ان فوق ذلك كله يبقى الإنسان مكلفاً بتنمية إيمانه والإرتقاء في مراقيه، ولكن ما هو جوهر الإيمان وكيف يمكن تنميته؟

جوهر الإيمان ولبابه هو التسليم لله وللحق، وعقد القلب على هذا التسليم، فبعقد الرجل قلبه على تسليمه للحق أينما سمعه وحيثما وجده يكون الرجل مؤمناً، أما من كان مكابراً عن الحق حتى لو انكشفت له البراهين واقيمت أمامه الحجج فليس من الإيمان بشيء وإن أظهر ذلك بلسانه.

وآيات الله سبحانه إنما تنفع المؤمنين وحدهم، دون غيرِهم لأن المؤمن هو الذي استعد سلفاً للإنتفاع بها والإعتبار بها.

 

تنمية الإيمان

وللإجابة على السؤال الثاني، لابد أن نقول أن الإيمان بحاجة إلى غذاء، كما يحتاج الجسم إلى غذاء، وكما أن غذاء الجسد متنوع وكثير كذلك فإن للروح مصادر عدة للتزود بها لتغذية الإيمان، وكما   قال أمير المؤمنين عليه السلام:

“مَا أَكْثَرَ الْعِبَرَ وَأَقَلَّ الِاعْتِبَار”[10].

ومادامت مصادر تغذية الإيمان وتنميته كثيرة، فعلى الإنسان أن يختار منها ما يتناسب وحاله، فقد يعتبر الواحد بزيارة القبور ويزداد إيماناً، في حين يختار الآخر طريق الدعاء والصلاة، والثالث يفضل الجلوس إلى عالم يذكره بالله رؤيته في سبيل التزود وهكذا..

ومن جملة الأمور التي جعلها الله سبحانه لتنمية الإيمان، هي الآيات المختلفة التي بثها في السماء والأرض وما بينهما، والدواب المنتشرة في كل مكان، كل واحدة منها آية مستقلة تدل على الله سبحانه، كما أن مجموعها أيضاً آية، وعلى المؤمن أن يختار ما يناسبه وما يقربه إلى الله، مثل الذهاب إلى الصحراء وقت الفجر ليطلع على كيفية إصباح الصباح وذهاب الليل، أو التأمل في مواقع النجوم وكيفية إنتشارها في السماء أو النظر إلى أمواج البحار وما تختزنه تحتها من عجائب الخلقة أو..، كلها آيات الله التي يستفيد منها المؤمن للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، قال الله سبحانه:

{الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في‏ خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار}[11].

 

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لتنمية إيماننا به، إنه ولي التوفيق وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة المائدة : الآية 65

[2]  الكافي : ج1، ص 146

[3]  تفسير القمي : ج2،ص 212

[4]  مصباح المتهجد وسلاح المتعبد : ج2،ص 849

[5] بحار الأنوار : ج1،ص 159

[6] تحف العقول : ص 397

[7] تحف العقول : 89

[8] مكاتيب الأئمة عليهم السلام : ج4، ص 499

[9]  سورة الشمس : الاية 7-8

[10]  نهج البلاغة : ص 528

[11]  سورة آل عمران : الآية 191

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الأول)

بسم الله الرحمن الرحيم

{حم (1)  تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الحْكِيمِ (2) إِنَّ فىِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لاَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفىِ خَلْقِكمُ‏ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4)}

صدق الله العلي العظيم

 

أعظم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بأمير المؤمنين، عليه أفضل الصلاة والسلام.

ونسأل الله في هذه الليلة أن يوفقنا للدعاء والمسألة وأن يوفقنا فيما تبقى من ليالي شهر رمضان المبارك من النهل من مائدة القرآن الكريم بالتدبر في سورة الجاثية المباركة بعد أن انتهينا من التدبر في سورة الدخان المباركة.

سورة الجاثية، هي من (الحواميم)، أي السور التي تبدأ بآية (حم)، ومواضيع (الحواميم) السبعة – بدءاً من سورة غافر وانتهاءً بسورة الأحقاف ومروراً بسور: فصلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية – جديرةٌ بأن يخصص البعض دراسات خاصة بها.

 

إسم السورة

إسم السورة مأخوذٌ من آية ذُكِرت فيها حالة بعض أهل الموقف حيث يجثون على ركبهم يوم القيامة، إظهاراً للذل والخضوع والتسليم، كما كان يجلس من يُراد ضرب عنقه على ركبتيه مقدماً رقبته للجلاد ومسلّماً له.

أوَ هل يريد الله للإنسان أن يكون كذلك؟

كلا، إن الله خلق الإنسان ليرحمه وليكون جليسه يوم القيامة، ولكن البعض وبسبب لهثم وراء شهواتهم، وتكبرهم على الحق ستكون حالتهم يوم القيامة حالة الجثو على الركب والذل والخنوع قبل الحساب.

ونستفيد بصيرةً من إسم السورة، وهي: على المؤمن أن يعقد العزم على محاربة نفسه الأمارة بالسوء، وتطهير النفس من الأخلاق السيئة والصفات الذميمة التي لصقت بها ونمت فيها في ساعات غفلته، لكيلا يكون ممن يجثون يوم القيامة، وكما في الدعاء المأثور:

“إِلَهِي قَدْ جَثَا الْعَائِدُ إِلَى الْمَعَاصِي بَيْنَ يَدَيْكَ خَائِفاً مِنْ يَوْمٍ‏ تَجْثُو فِيهِ الْخَلَائِقُ بَيْنَ يَدَيْك‏ [1].

وبتعبير آخر، فإن إصلاح الذات وتطهيرها من أدران الذنوب في دار الدنيا، والتضرع إلى الله في المغفرة والإنابة إليه، كل ذلك شرطٌ ليقي الإنسان نفسه الذل هناك، ويضمن لها الأمن يوم الفزع الأكبر، فالدمعة الواحدة من خشية الله في الدنيا تطفئ وادياً من نيران الجحيم – كما في النصوص -، وكل عين باكية يوم القيامة إلا بعض العيون، ومنها التي بكت من خشية الله في الدنيا، وهكذا نقرأ في الدعاء المأثور في أسحار شهر رمضان المبارك :

“اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خُشُوعَ‏ الْإِيمَانِ‏ قَبْلَ‏ خُشُوعٍ الذُّلِّ فِي النَّار”[2].

وخصوصاً على المؤمن أن يستثمر ليالي القدر المباركة في هذا المجال، أي في مجال الإنابة إلى الله والتضرع إليه في عتق رقبته من النار والتجاوز عما في ربقته.

 

الإطار العام للسورة

سور الحواميم -عموماً – تتمحور حول الحديث عن القرآن الكريم، وبعبارة أخرى آيات

الكتاب تعرِّف الكتاب، كيف؟

على القارئ أن يتهيأ لقراءة أي كتابٍ او رسالة قبل أن يشرع في القراءة، وهذا التهيّؤ الروحي ينبغي أن يكون من الخارج، لكن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يهيّء روح قارئه في ذات الوقت الذي يضيف إليه المعارف.

فإذا آمن الإنسان بأن القرآن هو كتابٌ أوحى به الله سبحانه، ستكون آيات الكتاب شفاءً لما في صدوره من الأمراض والأدران، فضلاً عن إضافة المعارف والعلوم، قال الله سبحانه:

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنينَ إِذْ بَعَثَ فيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي‏ ضَلالٍ مُبين‏}[3].

وهكذا تقوم سورة الجاثية بتعريف كتاب الله سبحانه، وتزيح الحجب التي تحجبنا عن كتاب ربنا، وتزيل العقبات التي تمنعنا فهم آياته المباركة.

{حم}

كما هي الحروف المقطعة في بداية السور، كذلك اختلف في تفسير هذه الكلمة إلى مذاهب شتى، وأقربها إلى الصواب أنها إشارة إلى رموزٍ بين الله وبين خاصة أوليائه.

ومن المعاني التي نستفيدها من (حم) أنّ حرف الحاء ترتبط بالإنسان وحالته متى ما جاءت، والميم ترتبط بالحقائق الخارجية، فـ (حم) علاقة بين الإنسان وبين الحقائق الخارجية، وبتعبير آخر: إنّ القنطرة التي تربط بين الإنسان وبين العالَم المحيط وحقائقه هو القرآن الكريم.

 

{تَنزِيلُ الْكِتَابِ}

لماذا ذُكر التنزيل في هذه الآية، بينما ورد لفظ (الإنزال) في آيات أخرى؟

ذلك لأن القرآن الكريم نزل مرتين، احداهما دفعة واحدة (إنزال) وذلك في ليلة القدر، والمرة الأخرى نُزِّل منجّماً بحسب الحوادث والمناسبات (تنزيل)، وهنا إشارة إلى النزول التدريجي.

ويُراد من الكتاب – في  اللغة – مجموعة العلوم والمعارف المنظمة والمنسقة من جهة، والثابتة من جهة آخرى.

{مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الحْكِيمِ}

العزيز هو القوي  الذي لا يُغلب، و كلمة (الحكيم) تدل على أن أخذه لا يكون دون حكمة.

وقد قُرنت عزة الله في هذه الآية – وفي كثير من الآيات الأخرى – بحكمته، بينما قُرنت في سورة الشعراء – وفي سور أخرى – بالرحمة، لماذا؟

قُرنت الحكمة بالعزة في هذه الآية، لأن الحديث هو عن الكتاب، والكتاب كتاب حكمة، فالله سبحانه حكيم وكلامه حكيم ومحكم، فماذا تعني الحكمة؟

الحكمة هي قِيَم الحُكْم الذي يفصل في الخلاف، لتوضيح ذلك نقول:

إختلاف شخصين في أمرٍ ما يحملهم على التحاكم إلى ثالثٍ يعتقدون بعلمه ورجاحة عقله، ويصدر الثالث حكماً قاضياً بينهم، وبذلك يفصل الخلاف القائم بينهما، والقاضي لا يقوم بحل النزاع إلا اعتماداً على قيم وموازين للقضاء، وتلك الموازين هي خلفية إصداره للحكم، وهي الحكمة، كما يقوم الطبيب بتشخيص مرضٍ بناءً على المعلومات الطبية المسبقة لديه.

والسؤال: أي خلافٍ يفصل فيه الكتاب؟

أول خلافٍ يقوم الكتاب بالفصل فيه هو الخلاف القائم بين الإنسان ونفسه، فكل واحدٍ يعرف وجداناً، بوجود نزاع بين قوى الخير والشر في داخله، بين عقله وهواه، بين نفسه اللوّامة ونفسه الأمّارة بالسوء، وفي حالة الصراع يتدخل القرآن الكريم ليرجِّح كفة الخير والعقل، كيف؟

من خلال تذكّر الإنسان لآيات الذكر الحكيمة في كل واقعة، وذلك من خلال تذكير الله عبده الآية وتفهيمه أيّاها.

فحين يكتب احدٌ رسالةً فإنها تنفصل عنه بمجرد إرسالها، ولكن كتاب الله الذي هو عهد الله إلى خلقه لم ينقطع عنه الله بل مهيمنٌ عليه، فهو عهدٌ من حي قيوم إلى عبده الذي أحيى قلبه بتلاوته والتدبر في آياته، ومن هنا يلقي الله في قلب المؤمن الآية التي يصدر من خلالها الحكم في واقعه ونزاعه، و تخرجه  من حيرته التي هو فيها، وتنجيه من مشاكله العظمى، وهكذا يكون القرآن كتاب حكمة.

ولإن القرآن الكريم منزلٌ من الله العزيز، فهو كتابٌ عزيز أيضاً، وتتجسد عزته في مصونيته عن الإبطال والتحريف والتغيير رغم السعي الحثيث الذي قام ويقوم به شياطين الجن والإنس منذ بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله من أجل ذلك.

وآيات السورة التالية تبين عزة القرآن الكريم وحكمته بشكل أكثر تفصيلاً:

{إِنَّ فىِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ لاَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ}

كل شيء في السماوات والأرض هو آية على الله سبحانه، ولكن كلٌ يعتبر بآية وبظاهرة من الظواهر، فحين يعتبر أحدهم شروق الشمس آيةً عظيمة، يعتبر الآخر غروبها كذلك، والثالث يعتبر تبدل الليل والنهار وتعاقبهما آيةً من الآيات العظيمة، والرابع يتأمل عجائب خلق الله في البحار ويستدل بها على حكمة الله، وهكذا الخامس والسادس و.. ارأيت كيف لو دخل مجموعة من الأفراد إلى دوحةٍ خضراء سيعجب كلٌ منهم بشيءٍ فيها، فهذا يعجب بالزهور وذلك بالأشجار المتناسقة والثالث بالثمار و..

وشرط الإستفادة من الآيات هو الإيمان المسبق والعزم السابق على التصديق بالآية، فماذا تعني الآية؟

الآية هنا، تعني العلامة التي تدل على الله سبحانه، فالآيات هي بمثابة إشارات وعلامات توصلك إلى الحقائق، وأعظمها حقيقة وجود الخالق ووحدانيته.

{وَفىِ خَلْقِكمُ‏}

بعد تبيان الآيات في الآفاق، تذكرنا الآية بالآيات في الأنفس، أي تلك الآيات التي يجدها الإنسان في نفسه، لماذا؟

لأن انتباه الناس متجه نحو الخارج في البدء، وبعد ذلك يتحول إلى الإنتباه والتأمل في الذات، وهكذا جاء الحديث عن الآيات في السماوات والأرض، بعد الحديث عن آيات الله في خلقة الإنسان ذاته.

{وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ}

وكذلك فآيات الله عظيمة في خلقته للأحياء والتنوع الموجود في ذلك، والدابة هي التي تدب على الأرض وتتحرك عليها.

ولا يطلق القرآن الكريم لفظة (الحيوان) على الدواب، بل استخدمت لفظة (الحيوان) في معنى الحياة، وأكثر ما استخدم في القرآن لفظة (الدواب) او لفظة (الحي) كما في قوله سبحانه:

{وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُون‏}[4]، وبذلك يعرف التلازم بين الحياة والحركة.

{ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}

آيات الله في خلقة الإنسان وكيفية نشره للدواب، يستفيد منها الموقن، لماذا؟

لأن تكامل الإنسان يتم عبر مراحل ودرجات،  فيبدأ من الجحود إلى الشك، ومنه ينتهي إلى الإيمان، والإيمان يرتقي به إلى مرتبة اليقين.

واليقين خطراتٌ لم يقسم الله بين خلقه أقل منه – كما في النصوص الشريفة -، و يبدو من الآية السابقة أنّها تدعو إلى النظر في عموم الآيات وذلك يؤدّي إلى الإيمان، بينما الآية هذه التي تدعو إلى اليقين تثير فينا التطلّع إلى تفصيلات الحياة.

الإمام علي، عليه السلام الإمام الموقن

الذي قطع مراحل الكمال ووصل إلى أعلى مرتبة من مراتب اليقين، هو أمير المؤمنين عليه السلام الذي قال

“لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ‏ يَقِيناً”[5].

ذلك اليقين الذي جعله متنمراً في ذات الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم، مدافعاً عن دين الله ورسوله، باذلاً كل شيء في سبيله، حتى نفسه التي بين جنبيه، فداها ربه،  حين كان ينتظر الشهادة بفارق الصبر قائلاً:

“أَمَا آنَ أَنْ تُخْضَبَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، أَمْ مَتَى يُبْعَثُ‏ أَشْقَاهَا”[6]، ومعلناً فوزه حين نالها بقولته المعروفة: “فزت ورب الكعبة”[7].

 

نسأل االله سبحانه أن يجعلنا من الموالين حقاً لأمير المؤمنين عليه السلام ومن شيعته، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  المزار : ص 247

[2]  مصباح المتهجد وسلاح المتعبد : ج2،ص 598

[3] سورة  آل عمران : الآية 164

[4]  سورة الأنبياء : الآية 30

[5] عيون الحكم والمواعظ : ص 415

[6]  المزار الكبير : ص 281

[7] خصائص الأئمة عليهم السلام : ص 63

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس السابع عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ  ذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ (59)}

صدق الله العلي العظيم

 

للقرآن أساليب بيانية فريدة، التنبه لها والإلتفات إليها يسهم في تعميق فهم معاني آياته ومراداته، ومن تلك الأساليب بيان مواضيع السور بصورة مختزلة في بدايات السور وخواتيمها.

وإذ تمحور الحديث في سورة الدخان عن ربوبية الله سبحانه ولم يكن ليخلق الله الخلق ثم يتركهم سدى ويجف قلم التقدير، بل هو الرحمن على العرش استوى، ولذلك يؤكد القرآن على هذه الحقيقة المرة تلو الأخرى، ويحدثنا عن الله الذي تعرفه فطرة الإنسان النقية.

 

المعرفة الفطرية

فكل إنسان يعرف ربه بفطرته، فحين تقرأ سورة التوحيد التي هي نسب الله  – كما في النصوص – تقرأ (قل هو الله أحد)[1]، والضمير (هو) يرجع إلى ما يشار إليه، فإلى أين يعود الضمير؟

مرجعه إلى الله المعروف في فطرتك، والذي تدعوه ساعة العسرة دون الأنداد، وهو الأحد بلا شبيه أو نظير، وهو الصمد بلا تجزء أو تركيب، وهو الذي لم يلد أحداً ولم يولد من شيء كان قبله، إنه الله الذي إعترفنا بوحدانيته في عالم الذر وأشهدنا على ذلك.

وحين تدعو الله فإنك تعني الله الذي له الأسماء الحسنى، وكل صفات الجلال والكمال فيه، ومن أسماءه الحسنى تتفرع السنن الإلهية في خليقته، فمن إسم (الرحيم) كانت سنة رحمته في الخلق وتراحم المخلوقات و.. فهذه سنته في الخلق – والتي يسميها البعض القوانين والأنظمة الطبيعية – وهي بدورها مصدر الوصايا التي تنشأ منها الأحكام.

فأنت بفطرتك تعرف الله سبحانه، وكذلك أسماءه ومن ثم سننه، وبالتالي فإن الإحكام الشرعية تضحى متطابقة مع فطرته.

ولا يحتاج الإنسان بعد وجود المعرفة الفطرية، إلا إلى التذكير والتنبيه، الأمر الذي يقوم به الأنبياء والرسل، قال الله سبحانه: {فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّر * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر}[2]،  وقال أمير المؤمنين عليه السلام: “فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ وَيُذَكِّرُوهُمْ‏ مَنْسِيَ‏ نِعْمَتِهِ وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ [3].

فليس الإنسان بحاجة إلى التعليم والمزيد من الإحتجاجات، بل يحتاج إلى إعادته إلى فطرته التي غفل عنها أو تغافل عنها، والتذكير والتذكرة والذكرى وسائر مشتقات هذه اللفظة قد وردت في آيات القرآن الكريم أكثر من أي لفظة أخرى بعد إسماء الله سبحانه.

ومعنى التذكرة، أن الإنسان كان عالماً بالشيء ثم ذهل عنه ونسيه، فيأتي المذكر ليعيد له علمه الذي كان يعرفه، ومن هنا نجد عتاب الرب في كتابه على الذين رفضوا الإستجابة للرسول، الذي يذكرهم بما يعرفوه، قال سبحانه:

{أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُون‏ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُون‏}[4] .

وكلما حدثهم النبي صلى الله عليه وآله المشكرين بالدين الحنيف  وتلا عليهم آياته، كان تيار النور يلف قلوبهم، الأمر الذي كانوا يرفضوه هم، فيطلبون من النبي السكوت، أو يهربون من مجالسته، لأنه كان يخاطب وجدانهم وفطرتهم، وهكذا يأمر الله نبيه بترك من لا يستجيب له، حيث قال:

{قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في‏ خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون‏}[5].

ويروى أن بعض المشركين كانوا يتسللون ليلاً إلى حيث يجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ويستمعون خفيةً إلى تلاوته للقرآن الكريم، لأنهم كانوا يعرفون حقانيته في داخلهم رغم إظهار الخلاف تكبراً منهم على الحق.

{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}

وهكذا يسّر الله كتابه على لسان نبيه، علّهم يرجعوا إلى فطرتهم ويتذكروا ما آمنوا به من قبل.

الذي يرى الشمس عليه أن يستفيد منها لا أن يغمض عينيه ويسدل نوافذ حجرته لكيلا يدخل الضياء غرفته، وكذلك الذي يقرأ القرآن، عليه ألا يحجر عقله مدعياً أن القرآن لا يمكن فهمه، وبذلك لا يقرأهه أو يقرأه هذرمةً، بل عليه أن يستفيد من آياته ويتدبر فيها للتذكرة.

فمن الممكن أن يفهم الإنسان القرآن، لانه قد يسّر للأفهام، ولا يعني ذلك أن يحمل المرء أفكاره المسبقة على آي القرآن، او يفسّره بأراءه الشخصية، بل يعني أن يستفيد من آياته بما آتاه الله من العقل والفهم والوعي، وهو القائل:

{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها}[6].

 

وفي الآية الكريمة بصائر:

أولاً: نحن لا نعرف الله سبحانه إلا بما عرفنا نفسه وبث في الآيات دلائل تدل عليه، ورغم ذلك لا يمكن معرفته كنه معرفته، وكذا هو الأمر بالنسبة الى صفاته، ولكنه سبحانه سهل كلامه ويسّره لنفهمه ونعيه نحن، فقد ورد في الحديث المأثور عن الامام الصادق عليه السلام:

«لولا تيسيره لما قدر أحد من خلقه أن يتلفّظ بحرف من القرآن، وأنّى لهم ذلك وهو كلام من لم يزل ولا يزال»[7] .

والتيسير لا يعني التفهيم المفصل، بل الإفهام المجمل للحقائق، وهكذا يستفيد المرء من الآية الواحدة شيئاً ثم يستفيد في وقت آخر من الآية ذاتها حقيقةً أخرى، لأن مثل الكتاب كمثل البحر لا ينضب بإغتراف المغترفين منه، ولذلك لا تنقضي عجائبه كما في النصوص الشريفة.

وحتى المعصوم يفكّر في الآية الواحدة أكثر من مرة، وكما روي أن الإمام الرضا عليه السلام كان يختم القرآن في كل ثلاثة أيام، وكان عليه السلام يقول:

“لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَخْتِمَهُ‏ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَخَتَمْتُ وَلَكِنْ مَا مَرَرْتُ بِآيَةٍ قَطُّ إِلَّا فَكَّرْتُ فِيهَا وَفِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ نَزَلَتْ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ فَلِذَلِكَ صِرْتُ أَخْتِمُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ‏”[8].

ثانياً: القرآن الكريم يسّره الله بلسان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، فماذا يعني ذلك؟

يعني ذلك أن القرآن بحاجة إلى مبين ومفسر، فليس فهم القرآن ميسراً دون وجود مبين له، وذلك المفسّر هو النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

القرآن الكريم قابل للفهم ولكن عن طريقه، وطريقه هو أهل البيت عليهم السلام، ولا يمكن لأحدٍ أن يفهم القرآن بالصورة الصحيحة بعيداً عنهم عليهم السلام، بل لا ينفتح القرآن لمن لا يوالي النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم، وقد قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله:

“إِنِّي تَارِكٌ‏ فِيكُمُ‏ الثَّقَلَيْنِ‏ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا”[9].

{فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ}

 

يأمر الله النبي بالصبر والترقب، لأن الزمن ركنٌ للحصول على النتائج.

فالخلق كله بني على ركيزتي الحق والزمان (أجلٍ مسمى)، فلا يمكن أن يغفل أحدٌ عن عامل الزمان في الاحداث والأعمال.

ومن ذلك – مثلاً- إصلاح المجتمعات، فلا يمكن أن تكون بين ليلة وضحاها، بل هي بحاجة إلى زمانٍ وقبل ذلك بحاجة إلى التخطيط وفق المدة الزمنية.

وكذلك بالنسبة في مواجهة الأعداء وما يواجهه المؤمنون من حروب وضغوطات، لابد ألا ييأس المؤمن من الإنتصار، بل يصبر ويرتقب دوماً تحقيق الوعد الإلهي، لأن الله قد وعد اولياءه بالنصر، وهو القائل: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقين‏}[10].

 

ويتحقق وعد الله سبحانه عند ظهور المصلح والمنقذ، الإمام الحجة بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف نسأل الله سبحانه أن يعجل في فرجه ويجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة التوحيد : الاية 1

[2]  سورة الغاشية : الآية 21-22

[3]  بحار الأنوار : ج11،ص 60

[4]  سورة المؤمنون : الاية 69-70

[5] سورة الأنعام : الآية 91

[6]  سورة محمد : الآية 24

[7] تفسير روح البيان : ج8، ص 433

[8]  الآمالي ( للصدوق ) : ص 660

[9] بحار الأنوار: ج2،ص 100

[10]  سورة هود : الآية 49

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس السادس عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فىِ مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فىِ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(52) يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبرْقٍ مُّتَقَبِلِينَ (53) كَذَالِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بحِورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكلُ‏ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولىَ‏  وَ وَقَئهُمْ عَذَابَ الجْحِيمِ (56)}

صدق الله العلي العظيم

 

أولى البصائر التي يستفيدها المتدبر في الآيات التي تتحدث عن الجنة من جهة وعن النار وعذاب الله فيها من جهة أخرى، هي وجود المسافة الكبيرة بينهما والبون الشاسع بين النعيم المقيم والعذاب الأليم، بما لا يمكن للعقل أن يحيط بالمسافة علماً وإدراكاً.

ومن هنا؛ فمن الخطأ ان يكون المرء لا أبالياً بالنسبة إلى مصيره، إلى الجنة أو إلى النار، بل عليه أن يختار طريق النجاة لتخليص نفسه، ذلك لأن الله سبحانه خلق الأنسان وأكرمه، فهو مخلوقٌ عظيم، وأتاح له فرصة الاختيار بين أن يكون جليس الرب في مقعد صدق عند مليك مقتدر، أو أن يتسافل – والعياذ بالله – إلى أسفل درك في الجحيم.

وكم شهد التاريخ أناساً كانوا أخوةً من أمٍ وأب، او رفقاء دربٍ او زملاء عمل، أو ابناء منطقة واحدة، فسمى أحدهم إلى أعلى عليين، وسقط الأخر إلى أسفل سافلين، نتيجة إنتخابهم ومن ثم سلوكهم في الوصول إلى ما ابتغوه.

وقد تحدثنا ليلة أمس عن عذاب الله في سواء الجحيم، والليلة ووفقاً لسياق الآيات المباركة سنتحدث عن ما أعدّه الله سبحانه للمتقين في الجنة:

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فىِ مَقَامٍ أَمِينٍ}

 

فمن هو المتقي؟

في مقابل الأثيم – الذي يطعمه الله من شجرة الزقوم -، يكون المتقي، فمن هو المتقي؟

التقوى من الوقاية، والمتقي هو من يقي نفسه ويحفظها من الهلكة والأخطار، فهو يراقب نفسه دوماً لئلا تسقط في الهاوية، أرأيت كيف يحسب الماشي في حقل الألغام ألف حسابٍ لكل خطوةٍ يخطوها ؟ هكذا هو المتقي في حياته، يحسب لكل عملٍ حساباً، هل يتوافق مع الشرع أم لا ؟ هل يؤدي به هذا العمل إلى الجنة أم إلى النار؟

ولا يتوقف لحظة في حياته من مراقبة النفس، لأن الإبتلاء والإمتحان الإلهي مستمر حتى تصل الروح التراقي، ومادام الإنسان يتنفس فإن الإمتحان قائم ومستمر.

فأين هو محل المتقي؟

إنه في مكانٍ يوفر فيه الله سبحانه له كل حاجاته، وأهمها الأمن والسلام، بعيداً عن كل خوفٍ وحزنٍ وقلق.

وقد قرأ البعض المقام بالضم، ولكن الفتح أصح، لأن المقام هو المحل الثابت والدائم، بينما المُقام هو محل إقامة مؤقت.

فهو محل إقامة دائم (مقام) وفي نفس الوقت أمين لا أخطار فيه.

{فىِ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}

مضافاً إلى الأقامة والأمانة، فهم في جناتٍ وعيون، فالجنات فيها ما لذّ وطاب من النعم الألهية، بل هي مركز الثمار والأطعمة، والعيون هي المياه الظاهرة سواءً ما نبع من الأرض أو جرى عليها.

فماءهم ظاهرٌ وكثير، وكذا طعامهم دائم ومتنوع.

 

ثياب المتقي

{يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبرْقٍ}

لماذا يلبس أهل الجنة الثياب؟ هل لدفع البرد؟

كلا، فهواء الجنة نقيٌ لا بارد ولا حار، متوافق مع طبع الإنسان، ولكن ثياب أهل الجنة هو زينةٌ لهم، ولذلك يتزينون بأجملها واسناها.

والسندس والإستبرق كلاهما من الحرير، ولكن الأول حرير ناعم لطيف، والإستبرق حرير ضخم يتلألأ، ولكلٍ جماليته وزينته.

وقد جعل الله الحرير زينة أهل الجنة، ولذلك حرمها على الرجال أن يلبسوها في الدنيا، وربما لأن الحرير يؤثر في سرعة سيلان الدم في الرجل مما يؤثر على أخلاقه سلباً فيصبح حاد المزاج .

{مُّتَقَبِلِينَ}

ومن النعم التي يلتذ بها المؤمن في الجنة جلسات أنسه مع إخوانه المؤمنين، إذ تراهم يتقابلون في مجالس الأنس لا يشوب صفاء قلوبهم حقد أو حسد أو غل أو كبر، يحادث بعضهم بعضاً ويأنس بعضهم بوجود البعض، ولكن عن ماذا يتحدثون؟

أكثر حديثهم عن الدنيا وكيف أن الله سبحانه أنقذهم من صعب الإبتلاء، ووفقهم للإيمان وأنعم عليهم بالجنة والرضوان، وكذلك يتسائلون عن الكافرين الذين عايشوهم، فيسمح لهم بالإطلاع عليهم في سواء الجحيم.

 {كَذَالِكَ وَ زَوَّجْنَاهُم بحِورٍ عِينٍ}

وليست جلسات الإنس مع الأخوان نهاية المطاف، بل يزوجه الله سبحانه من الحور العين، فكذلك تكتمل نعم الجنة بالزواج من الحور العين، والحور جمع الحوراء من بياض الوجه وجماله، والـ (عين) من العيناء أي ذات العيون الواسعة.

والعين نافذة الروح، فلسي جمالها مقتصراً على ظاهرها الأخّ%A

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الخامس عشر)

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كاَلْمُهْلِ يَغْلىِ فىِ الْبُطُونِ (45) كَغَلىْ‏ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلىَ‏ سَوَاءِ الجْحِيمِ (47) ثمُ‏ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنتُم بِهِ تَمْترَونَ (50)

صدق الله العلي العظيم

 

لأن الله أتاح للإنسان الفرصة في الحياة ليتصرف ببعض الحرية، ولأنه لا يجازيه بأفعاله مباشرةً لحكمة الإمتحان والإبتلاء، يظن الإنسان أن العالم محل لعب..

وأدى به ظنه هذا إلى أن يعيش في سباتٍ وكأنه في غيبوبة، ارأيت كيف يسيطر سكر النوم على البعض حتى لا يفقه ما يقول؟ هكذا هو حال من يرى العالم بلا هدف ومن أجل اللعب والتسلية.

وليست هذه الحالة مختصة بالكافر، بل قد يبتلى المؤمن أيضاً بحالة الغفلة والسبات، فما هو الحل للإنتباه والاستيقاظ؟

يحتاج المرء إلى صدمات  توقظه من غفلته، ومنبهات تحسسه بالحقائق، كما يتم صدْم القلب ليعود إلى الحياة، وبالرغم من أنه يعود إلى سباته فور إنتهاء مفعولها، إلا أن إستمرارها المرة تلو الأخرى يمنع من حدوث سباتٍ عميق..

فرؤية الجنازة المحمولة إلى القبر نوعُ صدمةٍ وتنبيه للإنسان لئلا يسترسل مع زخارف الحياة ولا يغتر بالماديات.

والقرآن الكريم يحوي الكثير من المنبهات في آياته الكريمة، وكثرتها انما  هو لإحداث الصدمات للإنسان بصورة مستمرة، لكي تفيقه اللاحقة بعد خموله من السابقة، ومن تلك الصدمات الحديث عن عذاب جهنم، وبيان ألوانه.

وفي آيات سورة الدخان، سبق الحديث حول جهنم عن الحديث عن نعيم الجنة، لأن تخليص الإنسان نفسه من عذابها هو الفوز العظيم الذي يستتبعه دخول الجنة، قال تعالى:

{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُور}[1].

 

إعقد العزم!

ومن هنا فعلى المؤمن أن يعقد العزم على الا يكون من أهل النار، وأن يتخذ القرار بالسعي للحصول على الجنة، والله سبحانه يهيء الأسباب بناءً على نية المرء.

وعقد العزم على الهدف، يجعل عقله الباطن يتحكم في تصرفاته ويرشدها وفقاً لتلك الإرادة الأساسية، فإذا واجه المرء عملاً محرماً يبتعد عنه بسبب القرار المسبق، وإن سنحت له فرصة الخير والعمل الصالح يبادر إليه لرغبته في دخول الجنة.

 

صور من عذاب الله في جهنم

في هذه الآيات حديثٌ عن أربع صور من صور العذاب، فالحديث عن طعام أهل النار وعن شرابهم، ومن ثم عن مكانهم، ثم الحديث عن عذابهم النفسي:

أولاً: طعام أهل النار

{إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ}

الأثيم فعيل الإثم، والأثيم هو الفاجر، وهو المنحرف عن الصراط المستقيم، كيف؟

خلق الله سبحانه الإنسان وجعل له في حياته سبلاً لتلبية حاجاته من أجل الوصول إلى الأهداف الأساسية للخلقة، وتلك السبل تتوافق وفطرة الإنسان من جهة، وتتوافق مع الشرع والقانون الوضعي من جهة أخرى، والسائر على غيرها يكون أثيماً لسلوكه الطريق المنحرف.

فعلى سبيل المثال، فإن الله قد جعل لإفراغ الحاجة الجنسية سبيلاً وهو الزواج، وجعل له هدفاً سامياً هو بناء البيت الإيماني وتربية الذرية الصالحة لتكوين مجتمع صالح، ولكن من يختار الطريق الحرام لإشباع هذه الغريزة فهو منحرف عن الطريق الصحيح، قال تعالى:  {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبيلا}[2]، فالفاحشة ما عظم وبان قبحه، وساء سبيلاً، يعنى به العاقبة السوأى لمرتكبه .

فمن يفتش عن المرأة التي لا تحل له ليشبع حاجته الجنسية، فيذهب معها بالخفاء إلى حيث يقضي وطره في سويعات شهوة، تعقبها ندامة وكراهية متقابلة وتهرب من الآخر، أو أمراض وخزي و.. كل ذلك إثمٌ ساء سبيله في الدنيا قبل الآخرة.

ومثالٌ آخر، فإن الطريق الصحيح لإكتساب الرزق والتجارة، هو أن يتعلم المرء الحلال والحرام في التجارة، ثم يدخل السوق ويبدأ بتجارته بعيداً عن الغش والخديعة، فيكسب ثقة الناس وتزكو تجارته، ومن ثم يثق به التجار فتنمو أمواله وتكثر، هذا هو الطريق الصحيح، أما الطريق المنحرف فذاك الذي يدخل سوق التجارة بسلاح الخديعة والمكر فيغش في بيعه ويكذب في سومه، الأمر الذي يبعد الناس والتجار عنه فتبور تجارته، إنه السبيل المنحرف لكسب المال ومرتكبه يكون آثماً بفعله.

فالإثم إذاً، هو الطريق المنحرف للوصول إلى الأهداف – وإن كانت صحيحة -، إذ لابد من اختيار الطريق الصحيح رغم بعض الصعوبة فيه لأن منتهاه يؤدي إلى النتيجة السليمة.

 

جذر الإثم

فما هو جذر الإثم؟

في نهاية هذه المجموعة من الآيات تبيان لجذر الإثم، وهو الشك، فما هو الشك؟

لكل إنسان قوتان تتحكمان في قراراته وأفعاله، هما العقل والهوى، فقوة العقل تدفعه للخير والهوى أي النفس الأمارة بالسوء تحمله على اتخاذ القرارات الخاطئة المتوافقة مع الشهوة غالباً، وبالتأمل الذاتي يستطيع أن يفرّق الإنسان بين ما ينشأ من العقل وما ينشأ من الهوى، فكل ما ينشأ من الهوى سريع الزوال متغير الحال، وكما قال ربنا سبحانه:

{وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطا}[3]،

وذلك لأن اهواء الانسان متغيرة بتغير حالته ورغباته، أما ما يصدر من العقل فهو ثابت مهما تغيرت الظروف والرغبات.

والعقل والهوى ككفتي ميزان، لا يرتفع أحدهما إلا بإنخفاض أخرى، وكلما قوي الهوى في النفس زادت شكوك الإنسان تجاه الحقائق، الأمر الذي قد لا يؤثر على إيمان المرء الا إذا تعرض إلى إمتحانٍ شديد فيزلزله، مثلما يهلك الفايروس جسم الإنسان ساعة ضعفه، بعد مرور فترة طويلة على مكوثه في داخله، حيث لم يؤثر في الجسم حين كان قوياً بل أهلكه بعدما ضعف.

ومن هنا، يقوم المؤمن بمجاهدة نفسه لكيلا تطغى وتهيمن عليه فتهلكه، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام:

“وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ”[4].

 

عقاب الإثيم في النار

يجوع الكافر الأثيم في النار، فما هو طعامه؟

تبين الآية أن طعامه هو ثمر شجرة الزقوم، فهي شجرة أصلها في أصل جهنم ومنها على رأس كل كافرٍ غصن، وفيها ثمرة الزقوم، كريهة الطعم والرائحة.

{كاَلْمُهْلِ يَغْلىِ فىِ الْبُطُونِ}

وبالرغم من شدة نتنها، إلا انه يأكلها – لشدة جوعه – وما ان تدخل جوفه إلا تبدأ بالغليان مثلما يغلي مذاب النحاس والرصاص (المهل)، ومن شدة حرارة ذلك تسقط أشفار عينه.

وهذا من أليم عذاب الله في الآخرة، الذي يبدو لي أنه عذابٌ كيميائي، فليس ناراً ولكن تأثيره أشد من النار في الإحراق.

{كَغَلىْ‏ الْحَمِيمِ}

يغلي في بطونهم كما يغلي الماء في القدر، ويتطاير من غليانه وشدة سخونته.

مكان الكافر

{خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلىَ‏ سَوَاءِ الجْحِيمِ}

يأمر الله زبانية العذاب أن يسحبوه (اعتلوه) دون أن يسمحوا بالوقوف على قدميه، فيجروه إلى وسط الجحيم، حيث شدة الحرارة وإحاطة النار من كل مكان.

شراب الأثيم

{ثمُ‏ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ}

ويصب على رأسه – وهو مركز أعصابه – من الحميم، الذي هو شرابه أيضاً، ويتم الصب بشكل تدريجي إمعاناً في التعذيب.

 

العذاب النفسي

{ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنتُم بِهِ تَمْترَونَ}

وتقريع الملائكة للكافر بكلماتهم، قد يكون أشد من العذاب الجسدي الذي يلقاه في النار، فماذا يعني هذا التقريع؟

ذهب بعض المفسرين، إلى أن هذه الجملة ردٌ على ما كان يقوله الكافر في الدنيا، حين كان يدعي العزة والغلبة، فهذا جوابٌ على تكبره.

وفي سبب نزول الآيات ورد أنها نزلت بحق أبي جهل الذي كان يستهزئ بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله ويدعي أنه أعز شخص في مكة، فقد روي أنه ” لقي النبيُّ صلى اللَّه عليه واله سلم أبا جهل، فقال أبو جهل: لقد علمت أني أمنع أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم. قال: فقتله اللَّه يوم بدر وأذَلَّه وعيَّره بكلمته، ونزل فيه: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ”[5].

وبالرغم من نزولها في أبي جهل، إلا انها لا تختص به، بل تشمل كل من يتكبر على الحق ويصور نفسه أعلى من الآخرين ويقدم الـ (أنا) على الحق.

وثمة تفسير آخر للآية مفاده، أن تقريع الملائكة هو من حيث الملامة، اذ كان من المقرر أن يكون الأنسان عزيزاً كريماً في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولكنه وبسبب سوء اختياره وإرتكابه الآثام وصل إلى هذا الحضيض وهذا العذاب.

وقد ورد في النصوص أن اهل النار يطلعون إلى أهل الجنة وإلى ما كان اعده الله لهم – إن كانوا من المؤمنين – فيتحسرون على تفريطهم، وفي المقابل يطلع المؤمن على الكافر المعذب فيشكر الله على إنقاذه من النار، قال تعالى:

{قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لي‏ قَرينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقينَ *أَءِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَءِ[نَّا لَمَدينُونَ * قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ في‏ سَواءِ الْجَحيمِ * قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدينِ * وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرينَ}[6].

وكل ما يلاقيه الكافر من عذاب ومهانة، هو ما كان يشكك في وقوعه (تمترون) نتيجة هيمنة الأهواء عليه.

والشك لا يمكن أن يزول بالنظريات والكلمات، بل لابد أن يزيلها الإنسان من قلبه بالمزيد من العمل الصالح والعبادات وبالتدبر في آيات القرآن الكريم والإكثار من تلاوته.

 

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا للأعمال الصالحة وأن يجعلنا من المرحومين في هذا الشهر، أنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة آل عمران :الاية 185

[2]  سورة الإسراء : الاية 32

[3]  سورة الكهف : الآية 28

[4] نهج البلاغة : كتابه عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الإنصاري.

[5]  اسباب نزول القرآن ( للواحدي) : ج1،ص 392

[6] سورة الصافات : الاية 51-57

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الرابع عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنهَمَا لَاعِبِينَ(38)  مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ‏ وَلَكِنَّ أَكْثرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(39)  إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ(40)  يَوْمَ لَا يُغْنىِ مَوْلىً عَن مَّوْلىً شَيْا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ  (41) إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ  إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(42) }

صدق الله العلي العظيم

 

في سياق الحديث عن ربوبية الله سبحانه في سورة الدخان، وأنه سبحانه مستوٍ على عرش القدرة يدبر الأمر، لابد – في هذا الإطار – من إزالة بعض الحجب التي تحجب القلب عن الإيمان بربوبية الله سبحانه.

 

عدل الله في الخليقة

ومن تلك الحجب، ما يشغل بال الكثير من البشر وبصورة مستمرة عما يسمعوه ويشاهدوه مما يتعارض وعدالة الرب سبحانه، فقد يؤمن نظرياً بأن الله سبحانه عادل هو حكيم ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة، ولكنه يتداخله الشك حين يجد الظلم بين البشر، متسائلاً اليس الله بقادر على أن يأخذ بيد الظالم ويمنعه من الظلم؟ يشكك في عدل الله حين يرى الفوارق الفاحشة بين الناس، بين فقيرٍ مؤمن وبين غني فاحش الثراء ظالم، ويتسائل أين عدل الله في هذا؟

وهذه الشكوك تساير الإنسان في حياته اليومية، فالمظلوم حين يٌظلم يستائل عن علم الله وعدالته بما يجري عليه، والفقير الذي يعمل كادحاً ولا يحصل على قوته يتسائل و..، وكما يقول الشاعر:

(كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه … وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأحلام حائرة … وصير العالم النحرير زنديقًا)

وهذه عقدة تزعج البشر، ولذلك حين نجد تأكيد القرآن الكريم على دقة صنع الله وتسييره للمخلوقات، وكيف أن الشمس قدر لها مساراً وللقمر منازل، وللسماء والأرض، حين نجد ذلك، نرى أن القرآن الكريم يؤكد على وجود حرية لدى الإنسان دون كل تلك المخلوقات، فـ: {إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُورا}[1]، ليختار بين الجنة والنار.

وبالرغم من أن الحرية محدودة زماناً وحدوداً، إلا أنها تكفي للإنسان أن يختار ما يختار ويسعى للوصول إليه.

ويجد الإنسان في داخله تنافس الخير والشر، والهوى والعقل، وتقلب قلبه بين هذه الحالة وتلك، فيومٌ يقترب إلى الله بالعبادة والاستغفار وفي آخر يتبع خطوات الشيطان ووساوسه، وهذا الإختلاف هو الآخر دليلٌ على الحرية التي منحها الله سبحانه للإنسان.

وما نراه من تفاوت أو تناحر او .. انما نجده لأن الله جعل الدنيا محلاً للابتلاء، فالفقر والغنى إمتحانٌ لكل منهما، والحاكم والمحكوم كلاهما ممتحن، وهكذا كل إنسانٍ يمتحن بما يراه الله له من إبتلاء، ليختار هو وبحريته المصير النهائي له.

ومن الناس من لا يصلح آخرتهم الا الفقر، ومنهم من لا يصلحون الا بالغنى، وقد يطغى الفقير ويخرج من الإيمان اذا ما أغناه الله سبحانه وقد يكفر الغني إذا افتقر، فالله سبحانه يبتليهم بذلك، ومنهم من ينجح ومنهم من يخسر الامتحان ويخسر بالتالي نفسه.

الخليقة بين الحق واللعب

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنهَمَا لَاعِبِينَ}

ولنعي هذه الحقيقة، نرى أن بداية السورة يبين القرآن حال الذين اتخذوا الدنيا محلاً للعب واللهو، حيث قال: {بَلْ هُمْ فىِ شَكٍ‏ يَلْعَبُونَ}[2]، وكأن هذه الآية جواب لاولئك، فمادامت السماوات والأرض وما بينهما لم يخلقها الله لعباً، فالإنسان هو الآخر لم يخلق لعباً، ولا يحق له أن يتخذ الحياة لعباً.

هب أن الإنسان أتخذ الحياة لعبا، فهل سيستمر اللعب؟

كلا، سينتهي اللعب ساعة إنتهاء عمر الإنسان وحريته في الإختيار، وحينها سيرى الإنسان أن الله لم يخلقه وهذا النظام الهائل من أجل اللعب والتسلية، وسيحاسبه الله سبحانه على كل أعماله، صغيرها وكبيرها، حقيرها وخطيرها، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة، وحينها سيظهرون الندم والويل ولات حين مندم، قال تعالى:

{وَ وُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمينَ مُشْفِقينَ مِمَّا فيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدا}[3].

 

{مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ‏}

فكل شيء خلق بالحق ولهدفٍ حق، وكما بينا مفهوم الحق ومصداقه في الدرس السابق.

{وَلَكِنَّ أَكْثرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}

المشكلة، انما هي عند الإنسان الذي بإنشغاله بالدنيا وزينتها، لا يعلم هدف الخلقة وحقيقة الإبتلاء والإمتحان.

فمتي سيعرف أنه الحق من الله سبحانه ؟

{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ}

ذلك يوم القيامة، الذي تسقط كل الحجب عن الإنسان، فيعاين الحقيقة ويلامسها بكل وجوده.

الفصل هو القطع والإبانة حتى يباعد بين المقطوع، ويوم الفصل هو يوم يتم فيه فصل الحق والباطل، ويحكم فيه الله سبحانه.

{مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ}

الميقات؛ من الوقت، وهو إسمٌ للزمان والمكان، إذ يجمع الله الخلائق في مكانٍ واحد وفي وقت واحد، ليفصل بينهم .

ويوم القيامة فيه خمسون موقفاً كل موقفٍ يطول ألف سنة، وأولى تلك المواقف تتعلق بمظالم الناس، حيث يلجم الناس العرق والشمس تصهر وجوههم لقربها، وحينها يأمر الله سبحانه بأن يأخذ كل ذي حقٍ حقه من ظالمه، فلا يجوز ذلك الموقف من كان في ذمته حقٌ أو مظلمةٌ تجاه الناس.

{يَوْمَ لَا يُغْنىِ مَوْلىً عَن مَّوْلىً شَيْا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}

المولى هو الذي يلي الإنسان لقربه منه، فقد يكون قريباً أو صديقاً او سيداً او عبداً او..

ورد في سورة الدخان الإشارة إلى قريش، والحديث عن قوم فرعون وقوم تبع، تلك الأقوام التي كانت في كفرها وضلالتها تعتمد على بعضها البعض، وينصر بعضهم بعضاً في مواجهة الرسالات الإلهية.

الا أن نصرتهم هذه لم تنفعهم في الدنيا أمام أمر الله سبحانه، فكيف بهم يوم القيامة، اذ لا يغني المرء أقرب الناس إليه هناك ولا يقدر على نصرته أمام الله سبحانه وتعالى، بل يهرب الأحباء من بعضهم البعض لذهولهم وإنشغالهم بأمرهم، قال تعالى:

{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخيه‏ * وَأُمِّهِ وَأَبيه‏ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنيه‏ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنيه‏}[4].

فلا أحد يقدر أن ينصر صاحبه أمام إرادة الله سبحانه أو يغنيه بقليلٍ او كثير

{إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ}

تستثنى الآية مجموعة من الآية السابقة، فهم يغنون بأمر الله عن اولياءهم .

فمن هم الذين رحمهم الله؟

عن أبي اسامة زيد الشحام، قال كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) ليلة الجمعة، فقال لي:

 «اقرأ» فقرأت، ثم قال: «اقرأ» فقرأت، ثم قال: «يا شحام اقرأ فإنها ليلة قرآن». فقرأت حتى إذا بلغت يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ، قال: «هم» قال: قلت: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ، قال: «نحن القوم الذين رحم الله، ونحن القوم الذين استثنى الله، وإنا والله نغني عنهم»[5].

فالذين رحمهم الله، وهم أهل البيت عليهم السلام، يغنون مواليهم وينصرونهم بإذن الله.

والآية – حسبما ذهب المفسرون- تشير إلى حقيقة الشفاعة يوم القيامة، والشفيع الأول هو الله سبحانه حيث يأذن لنبيه والأئمة عليهم السلام بالشفاعة في المؤمنين، وشفاعة الأطهار هي الآخرى لا تكون إلا في إطار ارادة الله سبحانه وتعالى.

ومن هنا، على المؤمن أن يزيد من إرتباطه بالائمة الطاهرين، وخصوصاً إمام زمانه عجل الله فرجه الشريف، ويعمل بما يرضيهم ويتجنب ما يسخطهم، لأن رضا الله وسخطه رضاهم وسخطهم، ويجعلهم شفعاء في كل حاجاتهم وطلباتهم في الدنيا، ليفوز بشفاعته يوم الحساب.

{ِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}

صحيحٌ أن الله عزيز%8

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الثالث عشر)

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنهَمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ‏ وَلَكِنَّ أَكْثرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنىِ مَوْلىً عَن مَّوْلىً شَيْا وَ لَا هُمْ يُنصَرُونَ (41) إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ  إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(42)}

صدق الله العلي العظيم

كلمة الحق – التي جعلها القرآن الكريم محور الخليقة – تحمل في طياتها حملاً ثقيلاً سواء من حيث المعنى والمفهوم او من حيث التطبيق على المصاديق الخارجية.

وقد جٌعلت الكلمة هذه، من الكلمات المحورية في آيات الذكر الحكيم، وروايات أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، ومن هنا كان علينا أن نتبصر الكلمة ونحقق في معانيها من جهة ونقوم بمقارنة قيمة الحق مع سائر القيم وكذلك نوجد العلاقة بينها وبين الأحكام الشرعية.

وسنخصص الحديث في هذه الليلة عن هذه القيمة السامية بما يسمح لنا الوقت.

 

الحق بين المفهوم والمصداق

لو شئنا تعريف الحق لوقعنا في مشكلة تعريف الواضحات، لأن المسلم، سواءاً كان عربياً أو أعجمياً كالفارسي والتركي والماليزي و..و..،  قد تعرف على كلمة الحق في حياته، بسبب اقترابه من الثقافة الإسلامية والألفاظ القرآنية.

وبالرغم من ذلك نقول، أن الحق هو نفي نفيه، عدم العدم هو حقٌ، وإذا اردنا أن نضرب بذلك مثلاً، فإنا نعرف النور بنفي الظلام، والحياة نعرفها بعدم الموت.

فالحق اذاً هو عدم الباطل، هذا من حيث مفهوم الكلمة، أما من حيث المصداق فللكلمة تجليات كثيرة في الواقع نذكر بعضها:

 

مصاديق الحق

 

الوجود حق

أولاً: من معاني الحق من جهة المصداق، أن الكائنات من حولنا ليست وهماً أو خيالاً، وليست عكوس مرايا من عالمٍ مثاليٍ آخر، بل ما حولنا من كائنات حقيقية وواقعية.

وقد يعجب البعض من هذا الأمر، لأن وجدان الإنسان السوي يحكم بحقيقة الكائنات من حوله، ولكن البعض من السوفسطائيين والمتصوفة ذهبوا بالفعل إلى أن العالم – ومن ضمنه الإنسان – ليس سوى خيال ووهم وصورة منعكسة من عالم آخر عبر مرآة، وإن قيل لهم كيف عرفتم بوجود المرآة ، قالوا بوجداننا، والحال أن الوجدان يحكم بحقيقة هذا العالم، دون ذلك.

وبذلك نعرف أهمية تأكيد النصوص على تكرار شهادة الإنسان بالحقائق، فبالرغم من علم المؤمن بوجود الخالق و بعثه للرسل و حقانية الموت والبعث والحساب و.. الّا انه مطالبٌ بتكرارها المرة بعد الأخرى والشهادة عليها، لكيلا يشك فيها ومن ثم يصل به الأمر إلى إنكارها، كما أنكر القوم واقعية الوجود، ومنه وجود أنفسهم.

 

نظام الوجود

ثانياً: الإيمان بأن هذا الكون الموجود، يحكمه نظام دقيق وهادف، فكل شيء فيه متقنٌ في الصنع والحركة، قال تعالى عن الشمس والقمر:

{وَالشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْديرُ الْعَزيزِ الْعَليم‏ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَديم‏}[1]، وقال عن تسابق الليل والنهار واختلافهم :

{ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمين‏}[2]

 

مدبر الوجود

ثالثاً: لا نظام بلا منظم ومدبر، وما دام الأمر يصدق على الكون كله، فما فيه من نظام متقن وتدبير حكيم، لا يمكن أن يكون دون وجود مدبّر حكيم وحاكمٍ عزيزٍ عليم، وذلك المدبر هو الله سبحانه وتعالى.

 

حقوق الموجودات

رابعاً: ولأنا آمنا بحقيقة الأشياء وخضوعها لنظام ووجود خالقٍ مدبرٍ لها، وما دمنا اعترفنا بأن كل شيء حق، فلابد أن نعترف بحقوقهم ونؤديها لهم.

فلكل شيءٍ في الحياة حقٌ علينا، كما لنا حقوق تجاههم، وقد كتب الإمام علي بن الحسين عليهما السلام رسالةً ذكر فيها أكثر من خمسين حقاً على الإنسان أن يؤديها تجاه خالقه وتجاه والديه وتجاه استاذه وجاره والناس ونفسه و..

وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: اتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى‏ عَنِ‏ الْبِقَاعِ‏ وَالْبَهَائِمِ “[3].

فكل ما في الكون يسائلنا عليه الله سبحانه، عن الأرض كيف استصلحناها وعمرناها، وعن الحيوانات كيف تعاملنا معه، وعن البيئة هل رعينا حقها أم أفسدنا فيها، وقبل كل ذلك عن حقوق الناس.

وفي حديث يبين أمير المؤمنين عليه السلام ضرورة استصلاح الأرض بزراعتها يقول فيه: ” مَنْ وَجَدَ مَاءً وَتُرَاباً ثُمَّ افْتَقَرَ فَأَبْعَدَهُ‏ اللَّهُ”[4].

وقد خصص المحقق الحلي باباً في كتابه الشرائع حول الإنفاق على الحيوانات، كما أفرد المحدث الحر العاملي باباً عن حقوق الحيوان، في كتابه وسائل الشيعة.

 

النعم وأداء حقها

فكل ما سخره الله لنا في الأرض نعمة علينا، ولابد أن نقوم بشكرها ونؤدي حقها بشكر كل نعمة بحسبها، وليس الشكر فقط قول الحمد لله باللسان وإن كان منه، ولكن الشكر ينبع من روحٍ عارفةٍ بمنعم النعم ومستلذةٍ بما وهبها الله سبحانه فتشكر بارئها على جزيل إنعامه.

والسعادة التي يبحث عنها البشر تكمن في إستشعار الإنسان لنعم الله سبحانه عليه صباح مساء والتلذذ بها لأنها من عند الله، ولكن – ومع الأسف – نجد الكثير من الناس لا يستشعرون النعمة فضلاً عن التلذذ بها، الأمر الذي يحتاج فيه الانسان أن يتضرع الى الله في أن يرزقه إستشعار النعم وشكرها، ومن هنا ورد في الأثر:

” أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَأَنْ تُوزِعَنِي مِنْ شُكْرِ نَعْمَائِكَ مَا يُبْلِغُنِي فِي غَايَةِ رِضَاكَ‏”[5].

 

التعايش مع الآخر

قبول الآخر والإعتراف بحقه في الحياة الكريمة، من حقوق الإنسان على نظيره، مهما كان دينه أو لونه أو جنسه، فالله سبحانه خلق الناس أطواراً ومنحهم حق الحياة والحرية فيها، ولا يحق لأحدٍ بحال أن يقصي أحداً او يظلمه أو يقهره بداعي الاختلاف في اللون أو الدين او المذهب.

وتتأكد حرمة القهر والظلم بهذه الدواعي، على رجالات الحكم وأصحاب السلطة، إذ الدول هي محل أقامة ابناءها كلهم، مهما كان دينهم ولونهم.

وحق الحياة الكريمة والتعايش السلمي لا يتعارض بحال مع دعوة المؤمن للآخرين إلى الإيمان بالله سبحانه وبما أمر الله عزوجل.

 

اليوم الآخر

خامساً: الإيمان بالحق ووعي مفهوم ومصاديق الحق يوصل المرء إلى معرفة ان بعض ما في الحياة يتعارض مع الحق، فحين يجد رجلاً صالحاً يعيش الفقر والجوع وفي المقابل يرى باغياً طاغياً يتنعم بالثروة، يعرف أن الأمر ينبغي أن لا ينتهي هكذا، بل لابد أن يرى الصالح جزاء صلاحه والباغي جزاء طغيانه.

ومن هنا؛ حين يحدثنا الرب سبحانه عن إرتكاز الخلقة على ركيزة الحق وهدفية الحق، يردف الحديث – عادةً – عن الآخرة، لماذا ؟ لأن الآخرة هي يوم الجزاء الأوفى، وإعطاء كل ذي حقٍ حقه، ولا ظلم فيه، قال تعالى:

{وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُون‏}[6].

 

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لتفسير آيات هذا الدرس في الدرس القادم، إنه ولي التوفيق وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة يس : الاية 38-39

[2] سورة الأعراف : الآية 54

[3]  بحار الانوار: ج32،ص 9

[4] بحار الانوار : ج100، ص 65

[5] البلد الأمين والدرع الحصين : ص 100

[6]  سورة البقرة : الآية 281

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الحادي عشر)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ 31 مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ 32 وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ 33 وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاء مُّبِينٌ 33}

صدق الله العلي العظيم

 

بين الإنسان البدائي والانسان المتحضر

لو أردنا المقارنة بين إنسانٍ بدائي من العصور الحجرية، وبين آخر يعيش في إحدى المجتمعات المتقدمة اليوم، و نقيس ما بينهما من فوارق، ربما عجزنا عن عدها، فالإنسان المتحضر متقدم على مثيله المتخلف في جوانب كثيرة وبشكل مذهل، في الجوانب العلمية والثقافية والشخصية والعلاقات الإجتماعية والمهنية و..

وهذا يعني أن الإنسان مطالب باكتساب العلم والبصيرة والمهنية و..، وبتعبير أفضل على الإنسان أن ينتفع بالعبَر، قال تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصار}[1]،

فما هو الإعتبار؟

الإعتبار هو الإستفادة من تجارب غيره، سواء الذين مضوا ويسمع أخبارهم ام اولئك الذين يعيشون في عصره، ولو أراد كل شخصٍ أن لا ينتفع إلا بتجاربه الشخصية ليتقدم لاحتاج إلى أن يعيش لقرون متمادية كي يصل إلى ما وصل إليه الإنسان اليوم، وحيث لا مجال لذلك، فلابد أن يستعين بتجارب الآخرين، وكما في الحديث عن الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله :

السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ‏”[2].

 

أقسام التجارب

وتجارب الآخرين على قسمين، فبعضها تجارب الأفراد بشكلٍ شخصي، مثل تجارب الآباء والأجداد والأساتذة والأقران و.. والتي يستفيدها الإنسان من خلال إستماعه لقصصهم وتجاربهم والإستفادة من علومهم، الأمر الذي نَدَب إليه أهل البيت عليهم السلام –في بعض ما روي عنهم – كطريقٍ من طرق إكتساب العلم، حيث قال أمير المؤمنين، عليه السلام :

خُذُوا الْعِلْمَ مِنْ أَفْوَاهِ‏ الرِّجَال‏”[3].

وقد ذكر القرآن سيرة الأنبياء والمرسلين والصالحين من عباد الله، وبين تجاربهم في حياتهم ليتأسى بها المؤمن ويعتبر بها في حياته.

وبالرغم من أن تجارب الأفراد جديرة بالإستفادة – كما مرّ- الا أن هذا النوع يعتريه بعض الإشكالات، إذ تعتري أكثر التجارب الشخصية الكثير من الغموض في تفاصيلها والعناصر المقوّمة لها، مضافاً إلى دور الحسد في دثر بعض التجارب أو منع الحاسد من الإستفادة منها.

وهكذا لابد من الإنتفاع بالنوع الثاني من التجارب وهي تجارب الأمم والمجتمعات، إذ هي تجارب واضحة وفيها العبر الجليّة، ومن هنا نجد ذكر القرآن الكريم لقصص الماضين بذكر المجتمعات وما جرى عليها والحضارات وكيف سادت ثم بادت.

وبالرغم من أنا لا نرتضي إطلاق تسمية ” الحضارة ” عليها، إذ لم يسمِّها القرآن بالحضارة، بل لم يسمِّ المدنيات الكافرة – مهما بلغت من السعة – بتعبير المدينة أو البلد، بل أطلق عليها تسمية “القرية”، اقول بالرغم من ذلك إلا أننا نسميها حضارة تجوزاً وتماشياً للمصطلح المطروح.

فتجارب ما تسمى بالحضارات السابقة هي محل عظة واعتبار لكل إنسان، والتاريخ شهد قيام إحدى وعشرين حضارة أصلية – دون اعتبار التفرعات -، ومن تلك الحضارات كانت حضارة الفراعنة في مصر، التي سادت ثم ماتت في ريعان شبابها، حيث لم تكن الحضارة في مصر موروثة، ولم يورثها الفراعنة إلى غيرهم، إذ لم يبق منها إلا الأهرامات وبعض المباني الأخرى.

 

حضارة الفراعنة

وحضارة الفراعنة، فيها ما يفيد العاقل العبرة بكيفية تبدل الأيام، وإمكان سقوط أعتى القوى بين عشية وضحاها، وانتصار المظلوم على الظالم بإرادة الله سبحانه و..

ومن أسباب تكرار القرآن الكريم ذكر قصة بني اسرائيل وجود المنعطفات الكثيرة فيها التي تحتوي على العبر الكثيرة، ومن الأسباب الأخرى: تشابه الأمة الإسلامية في حركتها لحركة بني إسرائيل وكما في الحديث النبوي الشريف:“سيكون في أمّتي كل ما كان في بني إسرائيل، حذو النّعل بالنّعل والقذّة بالقذّة، حتّى لو أنّ أحدهم دخل حجر ضبّ لدخلتموه”[4]، تحذيراً للمسلمين من الوقوع في نفس الأخطاء التي وقع فيها بنو اسرائيل، إلا أن المسلمين – ومع الأسف – لم يتعظوا بها، وكمثال واحد على ذلك تنحيتهم لأمير المؤمنين أخي رسول الله صلى الله عليه وآله الذي قال له النبي: وَأَنْتَ‏ مِنِّي‏ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي‏[5]، بمجرد شهادة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كما فعل بنو اسرائيل مع هارون حين غاب عنهم موسى عليه السلام.

وفي الآيات التالية بيانٌ لسبب هلاك فرعون وإغراقه، وفي المقابل بيان سبب إيراث الله بني اسرائيل أرضَ مصر وما تركه فرعون وقومه.

 

أسباب هلاك فرعون

{مِن فِرْعَوْنَ  إِنَّهُ كاَنَ عَالِيًا}

السبب الأول لهلاك فرعون إستعلاؤه في الأرض، والذي أدى به – بسبب الإغترار بما يملك – إلى تحدي جبار السماوات والأرض وادعاء الألوهية.

إمتلاك الإنسان للثروة، أو إكتسابه للعلم الغزير، او تسنّمه للسلطة  او ما أشبه، ليس شيئاً سيئاً، الا إذا تحولت تلك الامور إلى وسائل لإغترار الإنسان ومن ثم التكبر والإستعلاء ومبارزة الله سبحانه وتعالى، فحينها تتحول نعمة المال أو العلم أو السلطة إلى نقمة على صاحبها.

ويجهل المتكبر المتكئ في تكبره على نعم الله، أن الله قادرٌ على أن يسلب تلك النعم في لحظة إرادة، الم  يروا كيف يفتقر أثرياء العالم في لحظةٍ واحدة، ألم ينسَ العالِم علمه كله بسبب سكتةٍ دماغية، ألم يسمعوا عن حكّام باتوا في قصورهم وأصبحوا محكومين هاربين من أيدي الثوار.

إن الله أنعم على فرعون بالنعم، ولكنه إستعلى بها، والسبب كان في إحساسه النفسي – الخاطئ – بالعلو والإستغناء، وأدت هذه الصفة إلى السبب الثاني لهلاكه وهو:

{مِّنَ الْمُسْرِفِينَ}

والمسرف هو من لم يكن لديه أي حد في أعماله وتصرفاته.

وفرعون حيث إعتبر نفسه إلهاً ورباً على الناس، تجاوز كل الحدود في حياته، فأسرف في القتل والتنكيل، وأسرف في الظلم والقهر و..

وكانت عاقبة إستعلائه وإسرافه، أنه كان من المغرقين، وإغراقه كان متناسباً مع اتكاء فرعون على البحر ومائه واغتراره به، وقد روي في حديثٍ حكم فرعون بإغراق العبد الآبق في جوابه لسؤال جبرئيل عليه السلام له، الأمر الذي كان اقامةً للحجة عليه، حيث روي: .. وعَرَضَ لَهُ جَبْرَئِيلُ عليه السلام فَقَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَعِنِّي عَلَى عَبْدٍ لِي قَالَ فَمَا قِصَّتُهُ قَالَ عَبْدٌ لِي مَلَّكْتُهُ عَلَى عَبِيدِي وَخَوَّلْتُهُ عَلَى مَفَاتِيحِي فَعَادَانِي وَأَحَبَّ مَنْ عَادَانِي وَعَادَى مَنْ أَحْبَبْتُ قَالَ لَبِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدُكَ لَوْ كَانَ لِي عَلَيْهِ سَبِيلٌ لَأَغْرَقْتُهُ فِي بَحْرِ الْقُلْزُمِ قَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ اكْتُبْ لِي بِذَلِكَ كِتَاباً فَدَعَا بِكِتَابٍ وَدَوَاةٍ فَكَتَبَ مَا جَزَاءُ الْعَبْدِ الَّذِي يُخَالِفُ سَيِّدَهُ فَأَحَبَّ مَنْ عَادَى وَعَادَى مَنْ أَحَبَّ إِلَّا أَنْ يُغْرَقَ فِي بَحْرِ الْقُلْزُمِ قَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ اخْتِمْهُ فَخَتَمَهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْبَحْرِ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ عليه السلام بِالْكِتَابِ فَقَالَ خُذْ هَذَا مَا اسْتَحْقَقْتَ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ وَهَذَا مَا حَكَمْتَ بِهِ عَلَى نَفْسِك‏[6].

ولا يعذب الله عبداً بعذابٍ إلا بعد إعتراف العبد بجرائمه وذنوبه واستحقاقه للعذاب، فبعد النفس اللوامة والمحاكمة في القبر وفي محكمة العدل الإلهية في القيامة، يوقف المجرم على شفير جهنم فيؤخذ منه الإعتراف قبل إلقائه بالنار، قال تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى‏ وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُون‏}[7].

 

الإستعلاء في عصرنا الراهن

وفي الآية بصيرة نستفيدها في واقعنا المعاصر، وتتلخص في أن الدول التي تسعى دوماً للهيمنة على العالم والسيطرة على الدول الأخرى، انما هي دولة مستكبرة وتستخدم الإستعلاء في الأرض .

فلا إشكال في أن تسعى أية دولة لتتقدم في الجوانب الإقتصادية والعلمية والتكنولوجية و.. أما أن تغتر بتقدمها وتتكئ عليه للهيمنة على دول العالم، فهذا هو الإستعلاء الذي قام به فرعون، وإن كانت بصورة مغايرة.

وكذلك صاحب المناصب والسلطة، إذا اعتبر نفسه مالكاً للسلطة وبالتالي تكبر على الناس وراح يسرف في حياته وتصرفاته دون مراعاة حدود الشرع والأخلاق و..، هذا هو الآخر يشابه فرعون وإن إختلف معه في الزمان والمكان والمستوى.

 

إختيار بني أسرائيل

{وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ}

إختيار الله سبحانه لبني إسرائيل لوراثة مصر، كان إختياراً بعلم، فما كان السبب الأساس؟

بنو اسرائيل استوطنوا مصر منذ زمن نبي الله يوسف عليه السلام وإخوته، وبعد تقادم الأجيال هيمن غيرهم على السلطة ومن ثم بدأت مرحلة إستضعافهم وظلمهم.

وبعد أن تسلط فرعون على رقاب الناس وأدعى الربوبية تبعه أهل مصر، ولكن بني اسرائيل بقوا على إيمانهم بالله ولم يخضعوا لفرعون، متبعين في ذلك وصية النبي يوسف عليه السلام، الذي قال: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائي‏ إِبْراهيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُون‏”[8].

وعدم الشرك بالله لا يعني عدم السجود للأصنام فقط، بل يعني أيضاً عدم إتباع من لم يأمر الله بإتباعه، فالشرك قد يكون شركاً في الأفعال، والذي وقع فيه أهل مصر قبل أن ينتهي بهم الأمر إلى عبادة فرعون.

ولولا ذلك – أي عدم الخضوع لفرعون – لما كانوا يلقون الأمرّين من فرعون وقومه.

 

كيف كان الإختيار؟

من إختيار الله لهم أن أكثر أنبيائه في ذلك الزمان كانوا من بني اسرائيل وفيهم.

ومن إختياره لهم أنه أعطاهم الحكم في مصر مرة وفي أريحا مرةً أخرى، ومن ذلك إعطاؤهم الإمكانات المختلفة.

{عَلىَ الْعَالَمِينَ}

 

على من إختارهم الله سبحانه ؟

على أهل العالم في زمانهم، حيث فضلهم الله سبحانه على أهل زمانهم.

وبالرغم من إنحراف بني اسرائيل من بعد خروجهم من مصر وعبورهم من النهر، بمخالفاتهم لأوامر الله سبحانه المتمثلة بأوامر النبي موسى عليه السلام وايذائه وقتلهم الأنبياء و..، أقول بالرغم من كل ذلك لا يحق لأحدٍ أن يحرّف الآية القرآنية.

بلى؛ إختارهم الله على علمٍ في ذلك الوقت، ولتلك الشروط الموضوعية التي توفرت فيهم، وبزوال الصفات والشروط إنتهى التفضيل، ومثال ذلك تفضيل الله سبحانه للمسلمين شريطة إلتزامهم بمجموعة من الأمور، حيث قال سبحانه:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُون‏}[9].

 

الإبتلاء بالآيات

{وَءَاتَيْنَاهُم مِّنَ الاَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ}

آيات الله سبحانه على ثلاثة أنواع :

الأول: آياته سبحانه المكتوبة، أي في الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والقرآن الكريم.

الثاني: آياته تعالى المبثوثة في الآفاق، فكل ما في الخليقة دلائل تدل على وحدانيته وحكمته وتدبيره و..

الثالث: آيات الله المتجسدة في الأفراد، كالأنبياء والرسل والأوصياءو.. كما هو الأمر بالنسبة لأمير المؤمنين عليه السلام حيث هو آية الله العظمى، الذي اعتبر النبي صلى الله عليه وآله حبه إيمانا وذكره عبادةً والنظر إليه عبادةً و.. وقد سئل النبي عيسى عليه السلام من نجالس، فقال:  مَنْ يُذَكِّرُكُمُ‏ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ‏..”[10].

{وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الْآيَاتِ}

 

ما كانت آيات الله سبحانه على بني اسرائيل؟

آتاهم الله سبحانه الآيات بأنواعها الثلاثة:

الأول: الكتاب، المتمثل في التوراة، وكما يقول الله سبحانه عن التوراة: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذينَ أَسْلَمُوا لِلَّذينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتي‏ ثَمَناً قَليلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُون‏}[11].

الثاني: الآيات الطبيعية، التي تمثلت بالمعاجز كانفلاق البحر لهم، ومن ثم بانفجار الماء من الحجر، وبعدها نزول المن والسلوى عليهم يومياً طيلة أربعين سنة و..

الثالث: آيات الله المتجسدة في الأفراد، وهم أنبياء الله سبحانه واوصياؤهم، حيث عايشوهم في مختلف الظروف وكانوا معهم، ينهلون منهم الهدى والبصيرة.

{مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ}

لكن كل تلك الآيات العظيمة والمختلفة كانت إمتحاناً وابتلاءً لهم، فالنبي آية إلهية، ليظهر الله من يؤمن به ويصدقه ومن يكذب به.

ومن لم يصدق آيات الله، ولم يؤمن بها بعد شدة وضوحها، يستحق أليم العذاب، كما حصل بالنسبة لقارون الذي كان من قوم موسى ولكنه – وبعد كل ما رأى – بغى عليهم، فخسف الله به وبداره الأرض.

 

وفي الآية بصيرة:

على المؤمن أن يكون مؤمناً بآيات الله، معتبراً بها، ومستعداً لتصديق آيات الله سبحانه كلها، ولا يكتفي بالشعارات، ومن أعظم آيات الله سبحانه هو الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشريف، الذي قد لا يؤمن به الكثير ممن يسأل الله اليوم التعجيل في فرجه ساعة ظهوره، لعدم الإستعداد النفسي لتقبل آيات الله تعالى.

 

نسأل الله سبحانه، أن يجعلنا ممن يعتبر بتجارب الماضين، وان يوفقنا للانتفاع بآياته كلها، إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة الحشر : الآية 2

[2]  الكافي : ج8 ، ص 81

[3] عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية : ج4 ،ص 78

[4]  تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب : ج9 ،ص 596

[5] تفسير القمي : ج2 ،ص 109

[6]علل الشرائع، ج1، ص58.

[7]  سورة الأحقاف : الآية 34

[8] سورة يوسف : الآية 38

[9]  سورة آل عمران : الآية 110

[10] مصباح الشريعة : ص 21

[11] سورة المائدة : الاية 44

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس العاشر)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{ كَذَالِكَ  وَ أَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ(28) فَمَا بَكَتْ عَلَيهْمُ السَّمَاءُ وَ الْأَرْضُ وَ مَا كاَنُواْ مُنظَرِينَ(29) وَلَقَدْ نجَّيْنَا بَنىِ إِسْرَءِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) }

صدق الله العلي العظيم

 

تذكر آيات الذكر الحكيم في بيانها لقصص الماضين تفاصيل ودقائق، لا يستطيع أن يصل إليها أحدٌ إلا من خلال تبيان الله سبحانه، لأنه العالم بأحوال الماضين والخبير بما جرى عليهم من حوادث دقيقة، فأنّى لنا – ولأي مؤرخ في العالم – أن يعلم بما كان يجري في قلب موسى، أو ما كان يحوكه فرعون مع ملأه للتأمر على النبي موسى عليه السلام، لولا بيان الله سبحانه؟

ومن تلك اللطائف، الإشارة إلى عدم بكاء السماء والأرض على قوم فرعون، وعدم أمهال الله سبحانه لهم ساعة نزول العذاب.

 

شعور الكائنات

{فَمَا بَكَتْ عَلَيهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ}

بعد ذكر ما جرى على فرعون وجنده من إغراق وبيان مآل جنائنهم وزروعهم ومنازلهم الكريمة، يذكر القرآن هنا عدم بكاء السماء والأرض على فرعون وقومه، فماذا يعني ذلك؟ وأساساً هل تبكي السماء والأرض لينفي الذكر بكائها في تلك الحادثة؟

الفلاسفة الذين كانوا يتسمون قبلئذ بالسوفسطائيين (أي الحكماء)، ذهبوا مذاهب شتى في تبيين الحقائق، وكان أكثر تلك المذاهب نابعة من توهمات وتخرصات، والاسوء من ذلك منع هذه التوهمات البشرية من التطور طيلة ستة عشر قرناً.

وارسطو، الذي أعلن الفلاسفة المتأخرين خطأ أكثر من خمسة وتسعين بالمائة من نظرياته في مجال الطبيعيات فضلاً عن غيرها، والذي لا يزال يعد صنماً في مجالات المنطق والفلسفة لا يجوز تجاوز آراءه عند البعض، قسّم المخلوقات الى طبقات عدة:

أولها الإنسان، الذي أسماه الحيوان الناطق، لنطقه الدال على عقله، ومن بعده الحيوانات الأخرى، ومن بعد طبقة الحيوانات كانت طبقة النباتات، وفي النهاية طبقة الجمادات.

وبهذا التقسيم صوّر أرسطو، الأنسان ككائن وحيد يمتلك الشعور والإدراك .

والعرب قسمّوا الناس والحيوانات إلى قسمين، العرب والعجم، فالعربي هو الذي يعرب عن ما في صدره ويفصح عنه، أما الأعجمي فهو كل ما لا يقدر على ذلك.

وفي الحقيقة فإن تقسيمهم هذا نابع من عدم فهمهم هم للغة الآخرين، وليس بسبب عجزٍ لدى ألأعجمي، والأمر ذاته يصدق في تقسيم أرسطو، فعدم إستيعاب أرسطو لإدراك الخلائق الأخرى من جانبه كان سبباً في اعتبارها فاقدة للإدراك والشعور.

وفي القرآن الكريم، آيات كثيرة تؤكد على إمتلاك الحيوانات والحشرات ما تستطيع بها ان تتخاطب فيما بينها لإستمرار حياته، بل وتأكيدٌ على تسبيح الطيور والحيوانات وعبادتهم لله سبحانه، وذلك لا يكون الا بوجود وعي يحملها على العبادة:

–         فقد قال الله حول النملة: {حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى‏ وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}[1].

–         وأوحى ربنا للنحل، حيث قال: {وَأَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}[2].

–         بعد تفقده للطير وإفتقاده للهدهد، هدده النبي سليمان عليه السلام بالتعذيب أو الذبح لم يكن غيابه بعذرٍ، فجاءه الهدهد مبيناً سبب غيابه، قال تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقينٍ}[3].

–         والحيوانات تسبح لله سبحانه وتصلي له، ولكن نحن لا نعي صلاتهم، بل يعلم الله صلاتهم، قال الله سبحانه:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبيحَهُ وَاللَّهُ عَليمٌ بِما يَفْعَلُون}[4].

–        والجمادات هي الأخرى تسبح لله وتعبده، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبي‏ مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَديدَ}[5].

–         ولولا وجود إدراك ووعي لدى الجمادات والسماوات والأرض، لما عرض الله سبحانه الأمانة عليها، ولما أشفقت من تحملها، قال الله سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً}[6]

فهذه بعض آيات الكتاب المجيد تبين حقيقة وجود إدراك لدى كل ما خلق الله سبحانه، أما في النصوص الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، فهي أكثر من أن تحصر في هذا المجال، مثل تكلم الحصى في يد رسول الله، والضب بين يديه، وتسبيح الجدران في محضر أمير المؤمنين عليه السلام و..

ومن يتبع أرسطو وأمثاله يذهب إلى تأويل تلك الآيات والروايات بتأويلات ضعيفة لا يرتضيها هو قبل غيره، وقد توصل بعض العلماء اليوم إلى حقائق في ما يرتبط بلغة النمل وطرق تواصلها فيما بينها مثلا، وكذلك عن الحوت في بطن البحر وكيفية إرساله الأمواج للتواصل مع أقرانه و..

ومما مضى تبين، أن كل شيء في هذا الوجود يملك عقلاً وشعوراً بحسبه، ولكن الإنسان لا يمكنه إدراك ذلك، أوليست يد الإنسان ورجله تشهد عليه يوم القيامة بعد إنطاقه سبحانه لها ولكل شيء، قال تعالى: {وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْعَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[7]، فهي تملك لساناً لاندرك لغته، أو لم يصل نطقهم إلى مرتبة الفعلية الى يوم القيامة.

ومن هنا يتبين لنا أن بكاء السماوات ليس مجرد تعبيرٍ مجازي، بل هو حقيقي، ولكن بحسبها، فبكاء كل شيء بحسبه، ولكن حقيقته واحدة من ناحية الحزن والتحول من الحالة الطبيعية إلى غيرها.

وقد بكت السماوات بالفعل أربعين صباحاً على نبي الله يحيى عليه السلام الذي استشهد وأهدي رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، وكذلك بكت على سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام وفي الأثر ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه تلا هذه الآية: (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ‏)  وَخَرَجَ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ مِنْ بَعْضِ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَمَا إِنَّ هَذَا سَيُقْتَلُ وَتَبْكِي عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ[8].

وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: إِنَّ الْحُسَيْنَ عليه السلام بَكَى لِقَتْلِهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَاحْمَرَّتَا وَلَمْ تَبْكِيَا عَلَى أَحَدٍ قَطُّ إِلَّا عَلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍ‏عليه السلام”[9].‏

 

عدم بكاء السماء والأرض على الظالمين

وفي عدم بكاء السماء والأرض على فرعون وقومه، بصائر عدة:

الأولى: يتصور البعض  أنه قطب رحى الكون، وان وجوده محور الوجود، ويخيّل إلى ذهنه أن الدنيا تنتهي بموته، وتستفحل هذه الحالة إذا ما حصل على سلطة وحكم فيجعل نفسه إلهاً من دون الله سبحانه.

ولم يكن فرعون وحده من أدعّى الربوبية، فغيره من الطغاة شابهه في دعواه وإن لم يصرّح بمثل ما صرّح به فرعون، فمنهم من جعل نفسه قائد الضرورة ومنهم من جعل لنفسه مائة إسم ومنهم من كان يعلن بأنه سبب الأمان للبلد و …

ولكن الواقع لم يكن كما حلموا به وتخيلوه، فلم تتغير الكائنات ولم يتغير الوجود بموتهم أو بنزول العذاب عليهم، خصوصاً وأن هلاكهم كان فجأةً و لم يكن تدريجياً، بل إستمر كل شيء وكأن شيئاً لم يكن.

وأكثر من ذلك، فإن الميت ينساه أقرب الناس إليه بعد دفنه،  فضلاً عن السماوات والأرض قال الإمام محمد الباقر عليه السلام: إِنَّ مَلَكاً مُوَكَّلًا بِالْمَقَابِرِ فَإِذَا انْصَرَفَ أَهْلُ الْمَيِّتِ مِنْ جَنَازَتِهِمْ عَنْ مَيِّتِهِمْ أَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ‏ فَرَمَى‏ بِهَا فِي آثَارِهِمْ ثُمَّ قَالَ انْسَوْا مَا رَأَيْتُمْ فَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا انْتَفَعَ أَحَدٌ بِعَيْشٍ”[10].

الثانية: على المؤمن أن يكون حذراً في حياته، فكل ما في الكون بمثابة كامرات مراقبة تسجل على الإنسان حركاته وسكناته وكلماته ومواقفه، ومن ثم تشهد له أو عليه يوم القيامة، فالسماء التي يستظل بها المرء والأرض التي تقلّه والثياب التي يلبسها و.. كلها شهود حقٍ لا يخطئون، ومن فوقهم الملائكة والله سبحانه هو الرقيب عليهم والشاهد لما خفي عنهم.

فحتى سرائر الإنسان ونواياه معروفة عند الله سبحانه ومسجلة، وكما اشتهرت المقولة (على نياتكم ترزقون).

الثالثة: على المؤمن أن يعيش حياة الوئام والمحبة مع كل الخليقة، وعلى الأقل أن لا تكون علاقته علاقة إفسادٍ للطبيعة ولما خلقه الله سبحانه، فالإسراف والتبذير وإحراق بيوت الهوام وقتلها بلا سبب وغيرها، أمورٌ نهت الشريعة عنها وكرهتها للمؤمن، لأن المؤمن لا يفسد في الأرض، ويحترم كل ما خلق الله سبحانه ويقدّر نعم الله ويشكرها بحسن التعامل معها.

والأمر ذاته يصدق مع الحيوانات والطيور والحيتان في البحار، إذ لا يجوز الإفساد في الأرض بعد إصلاحها.

وما نراه من إنقراض أنواعٍ من الحيوانات، ومثليها من النباتات، والثقب الحاصل في طبقة الأوزون في الغلاف الجوي وأمثالها، كلها بسبب التعامل الخاطئ للإنسان مع محيطه والطبيعة التي سخرها الله سبحانه له.

{وَمَا كاَنُواْ مُنظَرِينَ}

لم يؤخرهم الله سبحانه بعد ذلك، بل أنزل عليهم العذاب دون إنظارٍ لهم، وذلك لتماديهم في الغيّ، وعدم الإعتبار بأنواع البراهين، وألوان عذاب الإنذار النازل عليهم من قبل، فعندما تحل ساعة العذاب النهائي لا يعطون فرصة أخرى.

 

خلاص المظلوم

{وَلَقَدْ نجَّيْنَا بَنىِ إِسْرَ ءِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ}

أنقذ الله سبحانه بني اسرائيل من فرعون، ومن عذابه وتنكيله وإهانته المستمرة لهم، وقد أذاع فرعون بني اسرائيل ألوان العذاب، ولم يكونوا يقدروا على أن ينبسوا ببنت شفة إمعاناً في إذلالهم.

ومن ألوان عذابه إدخال الأوتاد في الأرض عبر أطراف الضحية، حيث قال سبحانه عنه: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتاد}[11].

ومن ذلك تجريد الضحية من ثيابه وإلصاق قصب البردي بجلده، ثم وبعد إلتصاق القصب بالجلد يتم سحبه، لينتزع الجلد مع القصب حتى يموت المعذَب.

ومن ذلك بقره لبطون بني إسرائيل، وذبحه لاولادهم أمام أعينهم دون رحمة و..

ولكن كل ذلك العذاب ولّى بإرادة الله سبحانه، وتتجلى ربانية الله سبحانه في إنقاذه لبني اسرائيل الذين كانوا يعيشون الأمرين في ظل حكم فرعون، بل وإسكانهم منازل آل فرعون بعد إغراقهم.

وأورث الله بني اسرائيل أرض مصر، ليشكروا الله أولاً، وليعلموا أن الأمر كله بيد الله سبحانه .

وهكذا ينبغي أن يعتبر المؤمن من مصير الماضين، ويعلم أن الله هو المهيمن الذي لا يفوته ظلم ظالم، قال الله سبحانه: {وَسَكَنْتُمْ في‏ مَساكِنِ الَّذينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثال‏ }[12].

 

نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المعتبرين بمن مضى وبما جرى عليهم، إنه سميع  مجيب، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة النمل : الاية 18

[2]  سورة النحل : الآية 68

[3]  سورة النمل : الآية 22

[4]  سورة النور : الآية 41

[5]  سورة سبأ : الآية 10

[6]  سورة الأحزاب : الآية 72

[7]  سورة فصلت : الآية 21

[8]  كامل الزيارات : ص 88

[9]  المصدر : ص 89

[10]  من لا يحضره الفقيه : ج1 ،ص 176

[11]  سورة الفجر : الآية 10

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس التاسع)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لىِ فَاعْتزَلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مجُّرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ(23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا  إِنهَّمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ (24) كمَ‏ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ(26) وَنَعْمَةٍ كاَنُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَالِكَ  وَ أَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ (28)}

صدق الله العلي العظيم

 

لكل حقيقة في هذا الكون رسالة يوجهها إلى الإنسان، وكذا كل آية في القرآن الكريم تحمل رسالةً لآحاد الأفراد، ومن أجل وعيها لابد أن يطهر المرء قلبه ويزكي نفسه، لينتفع بتلك الآيات ويعتبر بالحقائق المبثوثة في الآفاق.

وفي هذه المجموعة من آيات سورة الدخان بصائر عدة يستفيدها المؤمن في حياته الفردية والإجتماعية:

 

التعايش السلمي بين الأديان

{وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لىِ فَاعْتزَلُونِ}

ماذا عنى النبي موسى عليه السلام بهذه الكلمة؟

لتبيين ذلك، لابد أن نقول، أن علاقة المسلم بغير المسلمين من أتباع الملل والنحل، تكون على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: علاقة العداوة والحرب، إذ يعادي الكافر المسلمين، فيدافع المسلمون عن أنفسهم ويحاربون المعتدي، مثل ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين مشركي قريش، ومثلما نعيشه اليوم من معاداة مع الصهيونية، والذين يشكلون جزءاً من أتباع الديانة اليهودية.

النوع الثاني: علاقة الذمام، وذلك حين يعيش غير المسلم -كاليهود والنصارى- تحت ظل الحكومة الإسلامية بإمان وسلام بعد إعطائهم للجزية والإلتزام ببعض الشروط والعهود المبرمة، ومثاله ما كان من أمر اليهود في المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله.

وقد تحدث الفقهاء عن هذين النوعين في كتبهم الفقهية، إلا أن هناك نوعاً ثالثاً من العلاقة لم يتم التطرق إليها كثيراً وهي:

النوع الثالث: علاقة المعاهدة، وذلك يكون بين المسلم وساير الناس، من الكفار وأهل الكتاب، إذ لا يحارب أحدهم الآخر، بل يعيش كلٌ منهم حياته شريطة عدم تأليب أحدهم على الأخر.

 

غياب لغة التعايش

ولأن التاريخ الإسلامي كتب -غالباً- بأقلام السلطات الأموية والعباسية والعثمانية، المنحرفة عن الدين الإسلامي الصحيح، فإن أتباع الديانات الأخرى قرأوا الإسلام من زاوية تلك السلطات ومن بعدها سلطات المماليك والطغاة، لذلك ترسمت لديهم صورة نمطية خاطئة من الإسلام في مجال التعايش مع الأخر.

ذلك لأن السلطات المنحرفة بعد رسول الله لم يسيروا بسنة النبي صلى الله عليه وآله في موضوع نشر الدين، حيث شنوا الحروب على الدول المختلفة تحت شعار نشر الإسلام،  والتي لم تكن تهدف – في حقيقتها – إلا توسعة السلطة.

والحق أن الدين لم ينتشر بالحروب والغزوات مثلما انتشر بالدعوة الصادقة والأخلاق الحسنة والكلمة الطيبة، إذ لم يخض النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حرباً إبتدائية، بل كانت غزواته كلها دفاعاً عن النفس وعن المسلمين، فمتى شنّ النبي الحرب على المناطق لإدخالهم قهراً في الإسلام؟ بل كان دأب النبي إرسال الرسل والمبلغين لنشر الدين بالكلمة.

ولأن هذه القضية مطروحة في العالم، وارتسمت صورة خاطئة تجاه الإسلام لدى البعض من أتباع الأديان، لابد أن نوضّح للعالم أن، الله سبحانه لم يكره أحداً على الإيمان،  وليس من شأن الإسلام أن يحارب الناس لإدخالهم قسراً في الدين، إنما يحتاج الى القسر من لا يملك الحجة والبرهان، أما من كان يملك قوة المنطق فلا يتوسل بالأساليب القهرية، كما لم يتوسل النبي وأهل بيته عليهم السلام بالقوة لإثبات حقانيتهم، في حين توسل أعداءهم بالقهر والغدر للتمكن من أعناق الناس.

وعلى العالَم أن يميّز بين مدرسة القرآن والعترة، وبين المدرسة الدموية عند أتباع بني أمية وبني العباس، فمدرسة القرآن والعترة  تدعوا الى التعايش والألفة مع أتباع سائر الأديان  -إن لم يبتدأوا بالحرب -، قال الله سبحانه فيما يتعلق بالتعامل مع غير المسلم: {لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذينَ لَمْ يُقاتِلُوكُم فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطين‏}[1] .

فالمؤمن يملك من المنطق والبرهان ما يتجاوب معه كل منصف في العالم، ويتبعه في أمره ذوي الألباب، لأن خطاب الإسلام هو خطاب الفطرة، وقد قال الله سبحانه:

{قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون‏}[2].

 

النبي موسى يدعو الى التعايش

{وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لىِ فَاعْتزَلُونِ}

والنبي موسى عليه السلام دعا فرعون وقومه إلى التعايش السلمي إن لم يؤمنوا به، فلا له ولا عليه، بل ليتركوه يعيش كما يعيش الآخرون.

وبذات المنطق خاطب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قريش، حين طلب منهم أن يتركوه لينشر دينه بين سائر العرب، فإن كان له النصر فهو أحدهم، وإن لم يفلح في رسالته فذلك مرادهم في  عدم إنتشار ذكره.

وقال لهم – كما قال الله عزوجل-  ايضاً: {لَكُمْ دينُكُمْ وَلِيَ دين‏}[3].

وكذلك طالب الإمام الحسين عليه السلام، في كربلاء أن يتركه القوم ليعود من حيث أتى أو يذهب إلى أي مكان، دون أن تراق الدماء، ومن بعده قال ولده الإمام زين العابدين عليه السلام لأهل الكوفة حين خطب فيهم، وطلب أهلها أن يأمرهم ليأتمروا بأمره، قال عليه السلام لهم:

رَضِينَا مِنْكُمْ رَأْساً بِرَأْسٍ‏ فَلَا يَوْمَ لَنَا وَلَا يَوْمَ عَلَيْنَا”[4].

 

إنهم قومٌ مجرمون

{فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مجُّرِمُونَ}

لا يهدف الرسل إلا إسعاد البشرية، فهم يسعون جهدهم لتخليص الناس من ظلماتهم وهدايتهم إلى نور الإيمان والأمان، ولكنّ إن لم ينتفع الناس بدعوتهم وقاموا بمحاربة الرسل، فهم يستحقون العذاب على إجرامهم.

وقوم فرعون، حين لم ينفعهم نصح النبي موسى عليه السلام ولا دعوته للتعايش السلمي، حيث ارتكبوا الجرائم تجاهه – مضافاً الى سائر جرائمهم – حيث حاربوه وزجّوا به إلى السجن لفترة و..، حينذاك دعا النبي موسى عليه السلام ربه مبينّا مآل القوم.

والملفت في الآية، أن النبي موسى عليه السلام، لم يدعُ على قومه بالعذاب، بل بيّن لله سبحانه حالتهم، معلناً عدم إنتفاعهم بوجوده وبدعوته وبما جاء به من عند الله سبحانه من سلطان مبين.

{فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ * وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا  إِنهَّمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ}

لم يترك فرعون موسى عليه السلام، وقومه يعيشوا بآمان، بل راح يضايقهم ويعذبهم، حتى حين أمر الله النبي بالخروج من مصر، راح يتبعهم ليقضي عليهم، وهكذا أمره الله سبحانه بالتحرك ليلاً، وبسرية  وترك البحر رهواً لأنهم استحقوا بإجرامهم العذاب الإلهي.

 

عاقبة المجرمين

أخطاء الإنسان قد تأتي على كل جهوده في حياته إن كانت فادحة، فقد يبني الإنسان بناءاً يصرف عليه عمراً، ولكنه يهدمه في طرفة عين بسبب خطأ جوهري، وأكثر سعي إبليس مع ابن آدم من هذا النوع، حيث يدفعه لإرتكاب الخطأ المدمر.

مثال ذلك ما كان في بناء الفراعنة لحضارتهم في مصر، وما يكتب عن كيفية تنظيمهم للري من خلال تفريع نهر النيل، والزراعة المنظمة في الصحاري والأبنية المرتفعة – التي لا زال بعضها شاهداً على عصرهم – و.. كل ذلك دليل على تقدمهم في الجهة الحضارية، ولكن خطأهم في التعامل مع رسول الله سبحانه، كان بمثابة قنبلةٍ كبيرة تدمر كل شيء.

ويذكر الله سبحانه عاقبة فرعون وقومه، لنعتبر بها، ولا نقع في مثل ما وقعوا فيه من أخطاء مدمرة.

وبخلاف سائر آلوان العذاب التي كان يدمر مدن الأقوام الطاغية، أغرق الله فرعون وجنده، وأورث مدينتهم، قوماً آخرين من بعدهم، وتبين لنا آيات الذكر بعض ملامح تلك الحضارة:

 

ركائز الحضارة

{كمَ‏ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}

تحتاج الحضارة إلى:

اولاً: الإكتفاء الغذائي، وهذه ركيزة أساسية لأية حضارة، بل لا حضارة تقام بلا طعام كافٍ لأبناءها، وقوم فرعون امتلكوا الجنات: ألبساتين النظرة، والعيون النابعة من الأرض مضافاً الى ما كان يصل إليها من تفرعات نهر نيل.

{وَ زُرُوعٍ }

والجنات (اي البساتين) توفر أنواعاً معينة من الغذاء، ولابد من وجود مزارع توفر الحاجات الأساسية للمجتمع من الناحية الغذائية، والتي كانت بدورها متوفرة في مصر:

{وَمَقَامٍ كَرِيمٍ}

ثانياً: الحاجة إلى السكن من ضروريات أية حضارة، ووجود مساكن متناسبة وحاجة المجتمع تدل على تقدم المجتمع حضارياً.

ماذا يعني  المقام الكريم؟

لبناء البيت ثلاثة أهداف:

الأول: الأمن من هجمات الوحوش والحيوانات والمعتدين من الناس، وكذلك حفظه من البرد والحر والمطر و..

الثاني: الحرية في البيت، فللإنسان حريته في بيته دون أن يمتلك تلك الحرية خارجها.

الثالث: ملأ الحاجات المعنوية في نفس الإنسان، مثل الجماليات والكماليات، ومن هنا فالبيت هو دليل ذوق الإنسان، لذلك يتفنن البشر في بناء البيت ويجمله بما لا ضرورة حياتية فيه.

وكلمة (المقام الكريم) تحوي الأهداف الثلاثة في بيوت أهل مصر، فهي مقام لحفظ الإنسان وحمايته، وهذا المقام كريم يضمن للإنسان حريته، ويوفر له حاجته المعنوية.

{وَنَعْمَةٍ كاَنُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ}

ثالثاً: الحضارة المتقدمة بعد توفيرها للحاجات الضرورية تقوم بتوفير الكماليات للإنسان، وهذا ما تبينه الآية عن ما كان عند قوم فرعون.

فالنَعمة هي النِعم الكثيرة، ألتي أنعم الله عليهم بها مضافاً الى البساتين والزروع والمقام الكريم، وكانوا يتفكهون بها، أي متنعّمين كما يتنعّم الآكل بأنواع الفواكه.

{كَذَالِكَ}

يبدو أن المعنى من(كذلك) هو بيان الطرف المقابل من الأمر والنتيجة النهائية  له، أي هكذا كان فصار هكذا ..

ففي العرب تستعمل (كذلك) لتغيير مجرى الحديث من إتجاه إلى الإتجاه المقابل.

وقد يكون المراد (كَذلِكَ) أي أنّ هذه سنة تجري في الحياة على كلّ من يترك القيم، ويرفض هدى اللّه، وما هذه النهاية المريعة التي صار إليها فرعون وجنده وملؤه إلّا صورة لعاقبة كلّ أمة ترفض قيادة الحق، وتسلم زمامها لقيادة الطغاة.

{وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ}

فكل ما كانو يملكون من جنات وبيوت ونعم كثيرة، إنتقل-  بإجرامهم – إلى قومٍ آخرين.

ولو لم يكن يقوم فرعون بإتباع النبي موسى  عليه السلام إلى البحر، لما وصل به الأمر الى ما وصل إليه من العذاب الإلهي، لإن النبي موسى عليه لسلام – وكما مرّ- طالبه بإعتزاله، إلا أن غروره وإستكباره منعاه من تبصّر الحقائق.

ولم يصل فرعون إلى ما وصل إليه من تكبر وعناد بين ليلة وضحاها، بل هو عاقبة عمرٍ طويل قضاه في الإتجاه المنجرف، ذلك لأن الصفات النفسية – خيرها وشرها – تنمو في الإنسان بصورة متدرجة، كما هو حال أعضائه الخارجية التي تنمو شيئاً فشيئاً، وعدم منع صفات الشر من التفاقم في بدايتها يؤدي إلى أن تدمر تلك الصفات حياة الإنسان.

من هم الآخرون الذين أورثهم الله حضارة فرعون؟

قيل أنهم من تبقى من بني اسرائيل في مصر، حيث لم يخرج بنو اسرائيل بأجمعهم مع النبي موسى  عليه السلام، فهؤلاء هم الذين أورثهم الله مصر.

وقيل – وهو الأقرب إلى الواقع – أن الوارثين هم النبي موسى عليه السلام وقومه، حيث عادوا إلى مصر، وأورثهم الله كل ما ترك آل فرعون، حتى زينتهم وحليّهم، وأقام النبي موسى فيها حكومةً إلهية، قبل أن يأمره الله سبحانه بالخروج إلى إتجاه كنعان.

 

نسأل الله سبحانه أن يبصرنا بعيوبنا، وأن يوفقنا للإعتبار من الماضين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة الممتحنة : الآية 8

[2]  سورة آل عمران : الآية 64

[3]  سورة الكافرون : الآية 3

[4]  اللهوف على قتلى الطفوف : ص 160

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الثامن)

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَ أَن لَّا تَعْلُواْ عَلىَ اللَّهِ  إِنىّ‏ ءَاتِيكمُ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ(19) وَ إِنىّ‏ عُذْتُ بِرَبىّ‏ وَ رَبِّكمُ‏ أَن تَرْجُمُونِ(20) وَ إِن لّم تُؤْمِنُواْ لىِ فَاعْتزَلُونِ(21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مجُّرِمُونَ(22) فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ(23) وَ اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا  إِنهَّمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ(24)}

صدق الله العلي العظيم

 

الذكر الحكيم يبين قصص الماضين ومنها إنهيار الحضارات والقوى الجبارة فيها ، تلك القوى التي بارزت الله سبحانه بالكفر وتحدّت آياته ورسله، وتبين الآيات أيضاً العناصر االتي أدت إلى دمار قوى واستخلاف أخرى مكانها، وكما في الدعاء:

وَيَرْفَعُ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَيَضَعُ الْمُتَكَبِّرِينَ [الْمُسْتَكْبِرِينَ‏] وَيُهْلِكُ‏ مُلُوكاً وَيَسْتَخْلِفُ آخَرِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَاصِمِ الْجَبَّارِينَ مُبِيرِ الظَّالِمِينَ”[1].

وقبل بيان تلك العناصر، لابد أن نمهّد بمقدمتين:

 

المقدمة الأولى: آيات الكتاب بين الحكم والعلم

آيات القرآن الكريم ظاهرها حكم، ولكنها تحوي في بواطنها العلم، إذ أن الحكم المذكور في الآية الواحدة قائم على سنن إلهية، ومعرفة تلك السنن يورث المؤمن علماً.

ومثال ذلك، فحكم القصاص الذي ينص عليه قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون‏}[2] ، وراءه علم بسنة إلهية مفادها: لإستمرار الحياة لابد من القصاص من الظالم، وهكذا الأمر بالنسبة لسائر الآيات القرآنية.

وعلى المؤمن أن يتدبر في الآية القرآنية الواحدة من عدة جهات لأكثر من مرة، للوصول إلى عميق العلم الكامن في آيات الذكر، فالآية الواحدة تشبه سجلاً يحوي بين طياته سبعين صفحة، وفي كل صفحة موضوع جديد، وهذا معنى وجود سبعين بطناً للآية الواحدة – كما في النصوص الشريفة -.

ومن هنا فإن ما نراه من الإختلاف في تفسير الآية الواحدة عند المفسرين ليس دليل تضادٍ بين آرائهم، إنما هو فهم كل واحدٍ منهم لجانبٍ من الآية، ورأي كلٍ منهم يتكامل مع سائر الآراء.

بلى؛ عميق التدبر للوصول إلى بطون الآية يفتقر إلى قلبٍ نقي ونفسٍ زاكية، وقد قال الله سبحانه: {لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون‏}[3]، فالآية وإن استفاد منها الفقهاء حرمة لمس الكتاب لغير المتطهر، إلا أنها تفيد عدم جواز تفسير غير المطهّر لها، لأن المس المعنوي يقابل اللمس الظاهري، قال الله سبحانه:

{إِنَّ الَّذينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُون‏}[4].

 

المقدمة الثانية: تطبيق القرآن على الواقع

لفهمٍ أفضل لآيات القرآن نحن بحاجة الى تطبيقها على واقعنا، وبتعبير أفضل أن نعرض واقعنا على آيات القرآن الكريم لإيجاد الحلول لمشاكله، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ‏ ..”[5]، ولابد أن يكون إستنطاقه عن طريقه الصحيح وهو طريق أهل البيت عليهم السلام، حيث يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلامفي تتمة حديثه السابق:

” ُوَلَنْ يَنْطِقَ لَكُمْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا مَضَى وَعِلْمَ مَا يَأْتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحُكْمَ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيَانَ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَلَوْ سَأَلْتُمُونِي عَنْهُ لَعَلَّمْتُكُمْ”[6].

فللوصول إلى حلول ناجعة لمشاكلنا المعاصرة، لابد أن نعود إلى القرآن الكريم عبر بوابة أهل البيت عليهم السلام، ويشمل ذلك كل جوانب الحياة، وكما قال الإمام الباقر عليه السلام لبعض أصحابه:

إِذَا حَدَّثْتُكُمْ‏ بِشَيْ‏ءٍ فَاسْأَلُونِي عَنْهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ “[7].

 

عناصر التكبر لدى الطغاة

ثلاثة عناصر يذكرها القرآن الكريم للطغاة والظلمة في إستكبارهم وتحديهم لله سبحانه وإستحقاقهم لأليم عقابه وشديد أخذه:

 

العنصر الأول: إستعباد الضعفاء

مما يقوم به الطغاة في سبيل تقوية سلطانهم، هو إستعباد عباد الله وتسخيرهم،  إذ لا يكتفي الطاغي بعمله فيتعدى على الآخرين ويسخرهم للحصول على خدماتهم بالمجان، وهذا مما يشكل مشكلة حقيقية في حقل الإقتصاد، وإذا تعدى الأمر الى حقل السياسة فتحدث المشكلة الكبرى.

وقد قلت لرؤساء الأديان – في لقاء بهم – إن الإستعباد اليوم موجود بشكليه القديم والحديث، والشكل الحديث يتمظهر من خلال استعباد دولة لأخرى، الذي يؤدي الى إسترقاق شعب كامل، وهو الأخطر من إسترقاق الأفراد.

ففرعون استعبد شعباً كاملاً، حيث إعتبر بني اسرائيل أجانب في مصر لأن آباءهم هاجروا إليها من كنعان، وما داموا ليسوا مواطنين فلابد لهم أن يكونوا عبيداً للأقباط، ويقوموا بخدمتهم.

 

العنصر الثاني: الإستعلاء على الله

النعم الإلهية – أية نعمة كانت – تهدف تحقيق غاية معينة، فنعمة المال ونعمة العلم والسلطة والقوة و.. كلها نعم الله للإنسان، وأنعمها الرب عليه لغايةٍ أراد للإنسان أن يصل اليها عبرها، فالمال مثلاً قوامٌ للمجتمع، والعلم سبيل الصلاح والهداية و..

أما إذا إغتر الانسان بالنعم، واعتبرها إمتيازات له على من لا يملكها يقوم بالاستعلاء عليه، فكل قدرة ونعمة تنحرف عن الطريق المحدد لها من قبل الله سبحانه، تتبدل الى قدرة في مواجهة القيمة الإلهية، وإذا صارت كذلك إستحقت الزوال والتدمير، والتدمير يكون تارةً بواسطة المجتع، واخرى يكون بأمر الله سبحانه وتعالى.

وفرعون إستعلى في الأرض بما امتلك من سلطة وقوة، وكما في قوله تعالى: {مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفين‏}[8] ، وقال لسحرته: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَ قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى‏}[9]، والإستعلاء معارض لإرادة الله سبحانه، لأن الله جعل الآخرة لمن تواضع لعظمة الله وخضع للحق، فبعد بيان قصة فرعون واستعلائه بالسلطة وقارون واستعلائه بالمال،  قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذينَ لا يُريدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقين‏}[10] ، وفي الحديث النبوي الشريف: “لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِيهِ مِثْقالُ‏ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْر”[11].

{وَأَن لَّا تَعْلُواْ عَلىَ اللَّهِ}

إستعلى فرعون على الناس – كما مرّ-  فلمَ دعاه موسى عليه السلام إلى عدم الإستعلاء على الله ؟

أولاً: لإن من رأى نفسه أفضل من الآخرين وتكبر عليهم، فهو يحادد الله سبحانه وليس الناس.

ثانياً: لأن فرعون جعل نفسه إلهاً يعبد من دون الله سبحانه، وهذا من أعظم الجرائم.

{إِنىّ‏ ءَاتِيكمُ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}

رغم كل إمكانات فرعون المادية، إلا أن النبي موسى عليه السلام كان يملك القوة العظمى، وكان هو الأقوى في النزال مع كل سلطان فرعون، لماذا؟

لأن قوته كانت متصلة بالله سبحانه وتعالى، فهو يأتي بما لا يقدر فرعون ولا من في الأرض على مجاراته.

 

العنصر الثالث: محاربة المصلحين

من صفات الطغاة، أنهم يحاربون المصلحين، ويقومون بزجهم في السجون، وإتهامهم بمختلف التهم وأبشعها، قبل أن يقوموا بتصفيتهم جسدياً.

 

تطبيقات في واقعنا المعاصر

وإذا أردنا البحث عن مصاديق للعناصرالمذكورة نضرب مثلاً بـتفشي العنصرية والإستعلاء في مجتمعاتنا، إذ يختلف ابناء المجتمعات من حيث الإمكانات، فثمة فوارق كبيرة بينهم، فمنهم الشريف ومنهم الوضيع، وفيهم الثري وفيهم الفقير و.. كما يوجد في كل الدول أناس قادمون من بلدان أخرى طلباً للرزق أو هرباً من الحروب او ..

و وجود هذه الفوارق جعل لبعض الأنظمة أن تسمح لنفسها ولمجتعها، أن تتعامل مع الناس وفق تلك المعايير المادية، فتستخف بالفقير، أو تتعامل مع الأجنبي بإمتهان وإستخفاف، وكل ذلك يتعارض مع الإنسانية، فضلاً عن الأديان السماوية.

ولابد للمؤمن أن لا يقع في هذه الخطيئة الكبرى، فإذا استطاع أن يصلح النظام فذلك المراد، وإلا فيقوم بإصلاح نفسه.

إحذر أيها المؤمن أن تتعامل مع شخصٍ مساوٍ لك في الإنسانية بإستخفاف وإمتهان، حتى لو كان ذلك الشخص عاملاً او خادماً عندك او.. ، إذ لا يحق لك أن تحقّر شخصاً لأنه دونك في الثروة أو ليس من بلدك أو..، الم يقل الله سبحانه: {يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبير}[12] ، فمعيار التفاضل هو التقوى، وليس شيءٌ سواه.

وقد اهتم الإسلام بقضية رعاية حقوق الإنسان – كإنسان – بما لا يمكن أن يقاس به ما يدعيه البعض اليوم من رعاية لحقوق البشر، فهذا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يعنّف بلال الحبشي لأنه مرّ بالسبايا في بعض الغزوات على أجساد قتلاهن، وهذا الإمام الحسين عليه السلام يكسر قوانين الحرب حين يأمر أصحابه أن يسقوا معسكر العدو الماء، بل ويأمر أن ترشف الخيول ترشيفا.

 

النبي في مواجهة القوم

{وَإِنىّ‏ عُذْتُ بِرَبىّ‏ وَ رَبِّكمُ‏}

كان النبي موسى عليه السلام وحيداً و كان من بني اسرائيل، اي الطبقة المستضعفة في المجتمع، وكان فقيراً من حيث الإمكانات المادية، ولكن لم تكن تلك الأمور تشكل عوائق في مسيرته، لأنه كان يملك رباً قوياً وإلهاً عزيزاً.

فالنبي يستعيذ بالله سبحانه الميهمن على كل شيء، ويتوكل عليه في مواجهته للطغاة.

وهكذا هم الربانيون، يتجاوزون حدود المادة ليتوكلوا على الله.. القوة المطلقة، في مواجهة الطغاة، كما نجد في عصرنا مَن تحدّى الطغاة بالتوكل على الله دون ان يخاف منهم أو يوجل، مثل شيخ الشهداء آية الله الشهيد الشيخ النمر رضوان الله عليه، الذي تحدى السلطة الطاغية دون أن يخاف قهرهم وإمعانهم في الظلم، وكان يقف شامخاً في المحكمة يحاكم القاضي بدل أن يدافع عن نفسه، واستشهد في النهاية كالطود الأشم شامخاً أبيّاً.

{أَن تَرْجُمُونِ}

 

ماذا يعني الرجم ؟

قيل أنه يعني الرجم بالحجارة، حيث يُرمى المحكوم عليه بالإعدام بالحجارة من قبل الناس حتى يلقى حتفه، وقيل أن الرجم يعني اغتيال شخصيته من خلال إتهامه بمختلف التهم.

ويبدو لي أن كلا المعنيين صحيحين، فالثاني هو مقدمة للأول، وبتعبيرٍ أوضح، فإن السلطة الطاغية تقوم أولاً بالتهجم على المصلح ورميه بأسوء التهم بغية إغتيال شخصيته وتأليب المجتمع عليه، تمهيداً للتصفية الجسدية، بحيث يرضى المجتمع كلهم بقتله، فالرجم في حقيقته هو إشراك المجتمع في قتل المحكوم عليه بالإعدام.

مثل ما فعل نمرود في حواره مع النبي إبراهيم عليه السلام أمام الملأ، ومن ثم أمره لأهل بابل جميعاً بجمع الحطب لتحريق النبي عليه السلام.

وكذلك مثل ما فعل إبن زياد من إشراك أهل الكوفة جميعاً في معصية قتل سبط رسول الله الإمام الحسين عليه السلام.

واستعاذة النبي موسى عليه السلام  بالله، كانت تهدف – فيما تهدف – تحذير القوم، في أنهم لا يواجهون موسى كشخص، انما يواجهون نبي الله، وبالتالي يواجهون الله سبحانه وتعالى.

 

إنهم مغرقون

{وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا}

وفي هذه الآية يأمر الله نبيه بترك البحر رهواً، أي مفتوحاً وساكناً من بعده، فالرهو يعني إبقاءه ساكناً ويعني إبقاءه على ما هو عليه.

{إِنهَّمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ}

والهدف من ترك البحر على تلك الحالة اغراق فرعون وقومه، وهناك نصوص مختلفة تحكي ما جرى في تلك الساعات حيث دخل فرعون الى البحر وقوم موسى عليه السلام في وسطه وكيف أنهم أغرقوا وأدخلوا النار.

وما يهمنا من ذلك كله أن سلطة فرعون وإمكاناته المادية و ثروات قومه و..، كلها لم تحجب عنهم عذاب الله سبحانه وتعالى، فكانوا من المغرقين.

 

نسأل الله سبحانه أن يجعل شهر رمضان الفضيل شهر إنتصار المؤمنين على المنافقين في كل مكانٍ في العالم، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] إقبال الأعمال : ج1 ،ص 59

[2]  سورة البقرة : الآية 179

[3]  سورة الواقعة : الآية 79

[4]  سورة الأعراف : الاية 201

[5]  الكافي : ج1 ، ص 61

[6]  المصدر

[7]  المحاسن : ج1 ،ص 269

[8]  سورة الدخان : الآية 31

[9]  سورة طه : الاية 64

[10] سورة القصص : الاية 83

[11] الأصول الستة عشر : ص 241

[12]  سورة الحجرات : الآية 13

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس السابع)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبرْى إِنَّا مُنتَقِمُونَ(16) * وَ لَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَ جَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ(17) أَنْ أَدُّواْ إِلىَ‏ عِبَادَ اللَّهِ  إِنىّ‏ لَكمُ‏ رَسُولٌ أَمِينٌ(18)}

صدق الله العلي العظيم

 

في الدرس السابق ذكرنا أن الله ينزل على البشر نوعين من العذاب أحدهما للتنبيه والتحذير، وهو قابل للرفع بواسطة الدعاء واعلان التوبة والأوبة، وهي رحمةٌ من رحمات الله سبحانه أن يأخذ عباده العاصين بالسرّاء والضرّاء ليعودوا إلى رشدهم، الأمر الذي حدث مع كل الأقوام التي بعث اليهم الرب سبحانه الرسل.

أما النوع الثاني من العذاب فهو عذاب الإنتقام الذي هو الآخر جزاء لعصيان الناس ولكنه غير قابل للدفع، وقد قال الله سبحانه:

{وَلَنُذيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون‏}[1].

والعذاب الأكبر في القيامة أو قد يكون عذاب الإستئصال في دار الدنيا كما حصل مع المعاندين.

 

سبقت رحمته غضبه

عذاب الله سبحانه، لا يكون الا لمن يستحقه وقد تمت الحجة عليه المرة تلو الأخرى، وإلا فإن رحمة الله سبحانه سبقت غضبه وهي وسعت كل شيء، وكما في الحديث القدسي:

واهل‏ معصيتى‏ لا أويسهم من رحمتى ان تابوا فأنا حبيبهم وان مرضوا فأنا طبيبهم اداويهم بالمحن والمصائب لا طهّرهم من الذّنوب والمعايب”[2].

فهم أهل المعصية ولكن الله ولعظيم رحمته لا يؤيسهم، ويتوب عليهم إن تابوا، ويشدد عليهم بالمحن ليطهرهم من الذنوب، وهكذا نجد تشديد الرب سكرات الموت على المؤمن المذنب أو ابتلاءه بالأمراض قبلئذ، أو الضغطة في القبر او في البرزخ، كل ذلك تطهيراً له من أدران ما اكتسبه من الآثام في دار الدنيا -كما وردت بذلك نصوص عدة -.

وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام:

أُقْعِدَ رَجُلٌ مِنَ الْأَحْبَارِ فِي قَبْرِهِ‏ فَقِيلَ لَهُ إِنَّا جَالِدُوكَ مِائَةَ جَلْدَةٍ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ قَالَ لَا أُطِيقُهَا فَلَمْ يَزَالُوا يَقُولُونَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى وَاحِدَةٍ فَقَالُوا لَيْسَ مِنْهَا بُدٌّ فَقَالَ فَبِمَ تَجْلِدُونِي قَالُوا نَجْلِدُكَ لِأَنَّكَ صَلَّيْتَ صَلَاةً يَوْماً بِغَيْرِ وُضُوءٍ وَ مَرَرْتَ عَلَى ضَعِيفٍ فَلَمْ تَنْصُرْهُ فَجُلِدَ جَلْدَةً مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَامْتَلَأَ قَبْرُهُ نَاراً “[3].

ولقائلٍ أن يقول بنيل هؤلاء لشفاعة العترة الطاهرة عليهم السلام في هذه المراحل، وفيه أن الشفاعة في يوم القيامة، ولا ينالها في العوالم التي تسبق الآخرة أحدٌ الّا نادراً.

{يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبرْى}

البطش هو الأخذ القوي والشديد والضربة القوية وكما في قوله تعالى: {وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارين‏}[4].

وبطش الله وأخذه بحد ذاته عظيم وكبير، فكيف إذا وصف الله سبحانه البطشة بالكبری؟

و الله وحده يعلم كِبَر بطشته التي يبطشها بالكفار والمنافقين، لتخليهم عن وعدهم بالإيمان بعد أن رفع الله سبحانه عنهم العذاب الأدنى، فالسماوات والأرضون وما بينهما مشفقات من الساعة ومن عذاب الله يوم القيامة، فكيف بالعبد الضعيف المسكين؟

{إِنَّا مُنتَقِمُونَ}

السبب في ذلك الانتقام منهم، جزاءً لعملهم المنحرف، والإنتقام هو رد الفعل تجاه الفعل الخاطئ وهكذا يقال إنتقم ممن ظلمه حين يُعطي المظلوم جزاء الظالم.

وإنتقام الرب عزوجل من الكفار شديدٌ أليم، أهونه ما يبينه رسول الله صلى الله عليه وآله في حديثه عن أشراط الساعة، حيث قال: أول الآيات الدّخان ، و نزول عيسى، و نار تخرج من قعر عدن إبين تسوق النّاس إلى المحشر.

قيل: وما الدّخان؟

فتلا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله الآية[5]، وقال: يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوما وليلة، أمّا المؤمن فيصيبه كهيئة الزّكام، وأمّا الكافر فهو كالسّكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره”[6].

وقد كان أنبياء الله العظام وأوصياؤهم الكرام يشفقون من يوم القيامة وهول ما فيها، حتى روي أن السبط الأكبر سيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كان يبكي عند إحتضاره، ولما سئل عن ذلك قال: أبكي لخصلتين، لفراق الأحبة وهول المطلع.

والمطلع هي ساعة خروج الناس للحساب في ساحة المحشر، وفي دعائه في أسحار شهر رمضان يقول الإمام زين العابدين عليه السلام : أَبْكِي‏ لِخُرُوجِي‏ مِنْ قَبْرِي عُرْيَاناً ذَلِيلًا حَامِلًا ثِقْلِي عَلَى ظَهْرِي أَنْظُرُ مَرَّةً عَنْ يَمِينِي وَأُخْرَى عَنْ شِمَالِي إِذِ الْخَلَائِقُ فِي شَأْنٍ غَيْرِ شَأْنِي لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ وَذِلَّة[7].

على المؤمن أن يستفيد من ساعات شهر رمضان الفضيل ليسأل ربه الأمان في تلك اللحظات الصعبة والموحشة.

 

قوم فرعون وعذاب الرب

وتضرب الآيات مثلاً على شديد أخذ الله وكبير بطشه على الكافرين، بقوم فرعون، وبالرغم من كثرة ورود قصة النبي موسى عليه السلام وفرعون في القرآن الكريم، الا ان كل مرة يورد الله هذه القصة يهدف منها غاية خاصة ويذكر جانباً منها للإعتبار بها، وفي هذه الآيات بيانٌ لفتنة الله لهم:

{ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ }

تسعُ آياتٍ باهرات، جاء بها رسولٌ كريم، كفروا بها جميعاً، ولم ينتفعوا بها للهدى، فكل ما ابتلاهم الله بعذاب من عنده كالقمل والجراد والدم و..، هرعوا إلى موسى عليه السلام، طالبين منه أن يسأل الله في رفعها عنهم ليؤمنوا به، ولكن ما أن يرفع الله عنهم العذاب إذا هم يعودون الى ما كانوا عليه، وكانت النتيجة انتقام الله منهم في الدنيا بنبذهم في اليم وإغراقهم، و في الاخرة بإدخالهم النار خالدين فيها.

 

المجتمع بين الصلاح والفساد

والسؤال: ما الذي فعله فرعون، وقومه ليستحقوا هذه العاقبة الأليمة؟

قبل الإجابة على السؤال لابد أن نقول: ان بعض فلاسفة علم الإجتماع يعتقدون بوجود روح لأي مجتمع مضافاً إلى أرواح أفراده، وتلك الروح توجد باندكاك واجتماع سائر الأرواح المنفردة، فيكون ثمة روح إجتماعية عندهم، والروح هذه قد تكون إيجابية إذا كانت تسير وتسيّر أبناء المجتمع في إتجاه الحق والخير، وأمثلة ذلك كثيرة، منها ما نجده في المجتمعات الإسلامية من روحية الاحتفاء بشهر رمضان المبارك بصيامه وقيامه وإعظامه، فحتى من لا يصوم في الشهر بعذر شرعي لا يظهر ذلك إحتراماً للشهر الفضيل وللروح الجمعية.

ومن تلك الروح الجمعية للمسلمين ما نشاهده في زيارة الأربعين للإمام الحسين  عليه السلام، أو الحج، أو بناء المساجد، واحيائها بصلوات الجماعة  و..

ومن انماط الروح الاجتماعية الإيجابية إحترام حصن الإسرة وتقديسه، ومنع التعرض له بأدنى شيء، حتى بالكلام الساعي للهدم.

ومن المطلوب أن يسير المؤمن مع المجتمع إن كانت هذه روحه وصبغته، فيصلي في المساجد ويجعل المسجد محل تعبده وتلاوته للقرآن، وكذا يسعى إلى المشاركة في زيارة الأربعين بأي شكلٍ من الأشكال و…

وفي المقابل قد تكون روح المجتمع سلبية، وذلك إذا حكمت المجتمع مجموعة من القيم الخاطئة والمنحرفة، وحينئذ لابد أن يمتنع المرء من الإسترسال مع التيار الإجتماعي بداعي التوافق معه، فليس حشرٌ مع الناس إلى نار جهنم عيدا، وقال الإمام الصادق عليه السلام لبعض أصحابه:

أَبْلِغْ خَيْراً وَقُلْ خَيْراً وَلَا تَكُنْ‏ إِمَّعَةً قُلْتُ وَمَا الْإِمَّعَةُ قَالَ لَا تَقُلْ أَنَا مَعَ النَّاسِ وَأَنَا كَوَاحِدٍ مِنَ النَّاس‏”[8].

لابد للمؤمن أن يحافظ على إستقلاله الثقافي والمعرفي أمام المد المنحرف في المجتمع، لأن الإسترسال مع الانحرافات الإجتماعية يجعله معذّباً معهم لا سمح الله، وكما قال الإمام أبوجَعْفَرٍ عليه السلام

“كَانَ عَلِيٌّ عليه السلام يَقُولُ‏ إِنَّمَا هُوَ الرِّضَا وَالسَّخَطُ وَإِنَّمَا عَقَرَ النَّاقَةَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَلَمَّا رَضُوا أَصَابَهُمُ الْعَذَابُ فَإِذَا ظَهَرَ إِمَامُ عَدْلٍ فَمَنْ رَضِيَ بِحُكْمِهِ وَأَعَانَهُ عَلَى عَدْلِهِ فَهُوَ وَلِيُّهُ وَإِذَا ظَهَرَ إِمَامُ جَوْرٍ فَمَنْ رَضِيَ بِحُكْمِهِ وَأَعَانَهُ عَلَى جَوْرِهِ فَهُوَ وَلِيُّه‏”[9].

 

فرعون وقومه

الطاغي والمتكبر كان فرعون، ولكن إستحق قومه شديد العذاب معه، لأنهم استسلموا له واتبعوه، وقد ساقهم فرعون إلى الإبتعاد عن نور العقل، قال سبحانه: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقين‏}[10].وحين يسلب الإنسان عقله يكون خفيفاً سهل الإنقياد، ولكن كيف إستخف فرعون قومه؟

ما  فعله فرعون مع قومه، مشابهٌ لما يقوم به البعض اليوم لسلب الناس عقولهم والتحكم بهم، وكان ذلك عبر أمرين أساسيين:

الأول: حجب الناس عن منابع الثقافة النقية، وكما تفعل ذلك اليوم الدول المهيمنة على وسائل الإعلام والثقافة، أرأيت كيف يوصلون إلى الناس ما يريدون أن يصل، ويمنعون عنهم الثقافة النقية ؟

ومن أهداف تأسيس الشبكات العنكبوتية أن تكون شباكاً لإصطياد عقول الناس والتحكم بها، بزخمٍ معلوماتي كبير لا يدع مجالاً للمستخدم بالتفكير في صحتها وسقمها.

الثاني: إثارة الشهوات لإطفاء نور العقل، فكلما زادت إثارة الشهوة في المجتمع عبر الأفلام الخليعة والأغاني الماجنة والصور والكتب و.. الهادفة للميوعة، أقول كلما زادت إثارة الشهوة في المجتمع قلّ في المقابل المستوى العلمي والمعرفي فيه.

والذي يقارن بين المستوى العلمي للمجتمع الإسلامي قبل ثلاثة عقود وبينه الآن يجد البون الواسع بين المستويين، حيث تدنّى المستوى العلمي والمعرفي لدى الشباب بشكل ملحوظ.

وقد قام فرعون بهذين الأمرين مع قومه، حتى بدّل القيم في أذهانهم، فصارت المكنة المالية والسيطرة على الأنهار و.. دليلاً على الحقانية، وفي المقابل لا يمكن أن يكون النبي موسى عليه السلام نبياً وداعياً الى الحق، لأنه كان فقيراً في ظاهره وعليه مدرعة صوف، وفي آيات سورة الزخرف بيانٌ لتبديل فرعون القيم الربانية الى قيم مادية، حيث يقول الله سبحانه: {وَنادى‏ فِرْعَوْنُ في‏ قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لي‏ مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْري مِنْ تَحْتي‏ أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذي هُوَ مَهينٌ وَلا يَكادُ يُبينُ * فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنينَ *}[11].

وليس فرعون وحده من قام بهذا الأمر، بل يقوم به كل الطغاة على مر التاريخ في مواجهة الدعاة والرساليين، حيث يقومون بإتهامهم بمجموعة من التهم، وجعل المعايير المادية موازين للحق والباطل.

لقد اتبع القوم سيدهم فرعون، ففسد روح المجتمع، ولكن قبل إنزال العذاب النهائي فتنهم الله بمجموعة من الفتن – كما ذكرنا سابقاً-.

{وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ}

الكريم هو صاحب الكرامة في شخصيته، والنبي موسى عليه السلام كان كريم النفس، قوي الشخصية، إذ وقف أمام جبروت فرعون وقومه وتحداهم بمفرده، بدعوته الربانية.

 

رسالة النبي الكريم

{ أَنْ أَدُّواْ إِلىَ‏ عِبَادَ اللَّهِ  إِنىّ‏ لَكمُ‏ رَسُولٌ أَمِينٌ}

{أَنْ أَدُّواْ إِلىَ‏ عِبَادَ اللَّهِ}

ادّوا: من الأداء، يقال أداء الأمانة، أي إرجاعها إلى أهلها.

دعا فرعون إلى ترك إستعباد عباد الله، إذ أن فرعون جعل أهل مصر شيَعاً يستضعف طائفةً منهم، حيث كان من المقرر أن يكون بنو إسرائيل عبيداً للأقباط، حتى كان القبطي يأخذ الإسرائيلي بالسخرة ويستعمله بالمجان.

بيّن لهم النبي موسى عليه السلام أن بني اسرائيل عبيدٌ لله، ولابد أن يتحرروا من الإستعباد لغير الله سبحانه، ولم يكن يبغي النبي عليه السلام إستعبادهم لنفسه، وإلّا لم يكن ثمة فرق بينه وبين فرعون، وقد بيّن الإمام الباقر عليه السلام،هذه الحقيقة، حيث قال: “و أوّل ذلك الدّعاء الى‏ طاعة اللَّه تعالى من طاعة العباد، والى عبادة اللَّه من عبادة العباد، والى ولاية اللَّه من ولاية العباد .. وليس الدّعاء من طاعة عبد الى طاعة عبد مثله “[12].

{إِنىّ‏ِ لَكمُ‏ رَسُولٌ أَمِينٌ}

دعوته في مواجهة الفساد لم تكن تنفي الخطأ فحسب، بل كانت تبين الجانب الصحيح أيضاً، فينفي هيمنة الطغاة، ويثبت حكم الله عبر أولي الأمر.

وهكذا هي رسالة السماء، تكمن بين نفي وإثبات، فرسالة عاشوراء كانت من جهة تدعو الى محاربة السلطات الطاغية، وفي المقابل تدعو إلى إقامة سلطة الإسلام، التي تكون بيد الفقهاء الأمناء على حلال الله وحرامه.

وفي الختام أوصي الأخوة، أن يكونوا ممن يتنبهون إلى الحقائق ويبحثون عن الحق أينما كان، ولا ينتظرون  أن يأتي اليهم من يدعوهم الى جادة الصواب.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يحملون رسالة الحق في كل مكان، ويطبقونه في حياتهم، إنه ولي التوفيق، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة السجدة : الآية 21

[2] إرشاد القلوب : 232

[3] المحاسن : ج1 ،ص 78

[4]  سورة الشعراء : الاية 130

[5] الآية العاشرة من السورة.

[6]  تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب : ج12 ، ص 125

[7]  مصباح المتهجد وسلاح المتعبد : ج2 ، ص 591 ؛ دعاء أبي حمزة الثمالي في أسحار شهر رمضان.

[8]  تحف العقول : ص 413

[9]  مجموعة ورام : ج1 ، ص 17

[10]  سورة الزخرف : الآية 54

[11]  سورة الزخرف : الآية 51-53

[12] الحیاة: ج1 ،ص 402