Search Website

الدرس (الثامن) من دروس التدبر في القرآن الكريم من سورة العنكبوت الآيات (18-20) لسماحة المرجع المدرسي -دام ظله- صباح يوم الاثنين الموافق 5 ذو الحجة 1435هجرية

الدرس (الثامن) من دروس التدبر في القرآن الكريم من سورة العنكبوت الآيات (18-20) لسماحة المرجع المدرسي -دام ظله- صباح يوم الاثنين الموافق 5 ذو الحجة 1435هجرية

زيارة 4 لايوجد تعليق

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20).

ماهي آلية العقل في اكتشاف العلل والمؤثرات في الحياة، وكيف نعرف أن هذه الظاهرة وراءها تلك العلة وأن هذا الحدث وراءه ذلك السبب؟

ببساطة؛ عقل الإنسان زود بآلية تعتمد على البحث وعن العامل المشترك لظاهرة تتكرر، حينما تتكرر الظاهرة نجد أن ظاهرة أخرى تتكرر مع هذه الظاهرة؛ معنى ذلك أن هذه الظاهرة الثانية هي السبب والعلة للظاهرة الأولى.

فكل واحد منا يعرف -حتى الطفل الصغير- أنه إذا احترقت يده بالكبريت أو الماء الحار أو صخرة سطت عليها أشعة الشمس، إنه يكتشف أن الحرارة هي سبب احتراق اليد، وأن القاسم المشترك فيما بين الظواهر المذكور هي الحرارة.

وإذا مات شخص، ورأينا أن قلبه قد تضخم قبل الموت، ومات شخص بنفس السبب والطريقة فنفهم بعد فترة من الزمن أن التضخم في القلب يتسبب في الموت.

هذه الحقيقة نستطيع أن نستفيد منها أيضا في معرفة السنن الإلهية، فهناك أمم ظهرت وانتشرت وسادت ثم تلاشت وبادت، لماذا؟ هل لأنهم أكلوا وشربوا أو لأنهم عاشوا في كنف جبل أو في كف صحراء أو تحت ظلال السماء؟. فما هو العامل المشترك؟.

إذا بحثنا عن العامل المشترك نجد أن هذه الأمم تشترك في عامل واحد وهو التكذيب، حيث كذّبوا بالحقيقة، وكان بإمكانهم أن يستمروا إلا أنهم قد انحرفوا، وكلما انحرفت أمة فيها حكماء أو رسل أو علماء ونبهوها على انحرافها، فإن الأمة التي استجابت بقيت، والتي كذبت اندثرت، ولذا نفهم أن التكذيب السبب الرئيس لانهيار الأمم، لأنها لم تستجب لهذا النداء المحذر والمنذر فكان سبب لانهيارها.

ببساطة هذه مدرسة الحياة، وهي ليست خاصة بالأمم الكبرى كعاد وثمود ولوط وأصحاب الأيكة، وإنما أيضا شاملة للمجتمعات الصغيرة كالقرية أو المدينة وغيرها.

نحن في الحياة نعيش مع حوادث كثيرة ممكن أن نعتبر بها  لو استخدمنا هذه الألية؛ بمعنى إذا أمعنا النظر في هذه الحادثة لماذا هذه سادت ولماذا هذه سقطت، نكتشف أن وراءها التكذيب، فنحن تقريبا كل شهر نسمع أن دولة سقطت وأن مجموعة من البشر صعدت وأخرى سقطت، (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ).

إن الذي يسكر ويشرب الخمر وهو سائق للسيارة سوف يصطدم؛ لأنه ليس في وعيه، وكذلك من يتعارك مع أهله وهو يسوق السيارة فسوف يتعرض لحادث سير، وكذلك من يصاب بدوخة في رأسه، فما هو سبب هذه الحوادث؟؛ السبب أن هذه الحوادث التي تستقبله عينه، لا يستقبلها عقله؛ وبالتالي هو يصطدم.

كذلك الأمة إذا سكرت بسكر الغنى والبطر والغرور والكبر والأنانية، فهي أمة لا تتعظ بالحوادث والإنذار، فالجدار سقط يرسل اشارات بأنه آيل للسقوط، ولا يوجد شخص قد مات إلا وله علامات على وفاته إلا ما شذ ونذر، من مرض ألم من حادث، ولكن الأمة أو الشخص الذي يلتقط هذه العلامات يتفاعل معها ويستجيب لمفاهيمها فيستطيع أن يتعامل معها تعامل حسن بينما الآخر ينتهي.

بتعبير بسيط ودقيق يبن ربنا هذه الحقيقة على لسان إبراهيم الخليل في قوله: (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ)، حيث قال لقومه إن انتم كذبتم فلستم أول أمة كذبت برسولها، (فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ)، ماهي نهايتهم؟ النهاية واضحة وقد بينها الله في آيات أخر.

إن الناصح الذي ينصح أمته ويحدد لهم نقاط الانحراف والفساد وغيرها، فحتما هو لا يتحمل مسؤولية انهيار الأمة، فهو كان المحذر والناصح والموجه، كما الطبيب الذي يفصح لمرضاه بأمراضهم، فهو لا دخل له في ذلك المرض الذي ألم به، فهو لا يخرج من كونه علم قد قدمه ذلك الطبيب لمرضاه، ومن جهة أخرى هو لا يستطيع أن يغير أو يبدل تلك الحقيقة، (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، وهو ما فعله إبراهيم عليه السلام.

إن هذه الحقيقة تتكر في أكثر من مناسبة وفي أكثر من موقع، ولكل موقع دلالات معينة نستطيع أن نستفيدها من هذه الآية، ومن هذه الدلالات أن الرسول المبلغ لا يعنيه شيء أكثر من التبليغ، بمعنى أنه إذا قام المبلغ إلى شخص يدعوه للصلاة، لا يعني هذا أن المبلغ يجب عليه أن يحمله على محراب الصلاة، أو أن على المبلغ أن يبني لهم مسجدا، وإنما المفترض أنه هو الذي يبحث عن الصلاة.

ثم ربنا بين نقطة أخرى في كيفية الاستفادة من هذه الحقيقية لنصل إلى مستوى اكتشاف السنن الإلهية في صعود أو خمود الحضارات، حيث يقول ربنا (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، فالإنسان لابد أن يعرف كيف تحدث الصيرورة؛ وهي سنة إلهية دائمة في الحياة، في الأمس واليوم نحن عشنا حالات كثيرة طارئة ومتنوعة بين الأكل والشرب والمرض والصحة، والنوم اليقظة والحزن والفرح، وهذه الطبيعة التي نعيش في كنفها، كيف أنها أصبحت طبيعة في منتهى التحول من طلوع الشمس إلى غروبها، وكم وليد يولد في هذه الكون يوميا، وكم شخص يموت.

هذه الحركة الكونية المستمرة لو أننا تدبرنا فيها وفي هذه الحركة والمتغيرات لاستفدنا منها السنن الإلهية، عن العوامل والعلل المؤثرة، يقول الله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ)، فهي على شكل مراحل كما هي النبتة.

فهناك علل وهناك مراحل من عالم الغيب إلى عالم الشهود (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)، فالنبتة صارت جاهزة لأن تعطي الثمر، وبعد فترة تأتي لها الرياح فتمحوها (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ)، فهي دورة حياتية تحتاج إلى تأمل وتدبر سواء في النباتات أو الكائنات الحية.

إن هذا يحملنا إلى أن ما يحدث لها يحدث على مستوى البشرية، حيث هناك أمة تنهض بعوامل النهوض عن طريق أناس يحملون راية النهضة ولديهم مبادئ حيوية وإيمانية، ولذا نجد الناس يلتفون حولهم، وشيئا فشيئا تمتد وتصبح حالة واقعية، وبقدر ما تنهض هذه الأمة فإن هناك أمة تتهاوى وتسقط، حيث ذلك القائد النهضوي مات والمحيطين به خملوا، وشيئا فشيئا خمدت هذه النهضة وانكمشت وسقطت، وكما هو معروف في علم الحضارات تمر الأمة المتحضرة على ثلاث أجيال، جيل البناة، وجيل الرعاة، وجيل المضيعين،

وعندما ندرس سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جاء برسالة إلهية مشرقة ونجد كيف أن الناس قد التفوا حولها، ولكن حين ابتعدوا عن مصدر النور كيف بهم وقد أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، ولقوا الغي، (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ الشَّهَوَاتِ).

فإذن؛ إن هذه الدورة الحياتية كما توجد في النباتات أيضا توجد في الأمة.

ولو أننا استفدنا من الموهبة الإلهية موهبة العقل؛ لعرفنا أن الذي يدبر حياة بعوضة هو الذي يدبر حياة أمة مثل الأمة الفارسية أو اليونانية أو الرومانية القديمة، حيث يقول الله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ)، فهذه الصيرورة والتحول كما تدلنا على المعاد، فإنها أيضا تدلنا على حكمة الحياة، وأنها لم تنشأ عبثا، وإنما أنشأت بهدف وغاية حكيمة، فإن تحققت هنا وإلا تتحقق في الآخرة.

إن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كلما قام للصلاة في جوف الليل ألقى نظرة إلى النجوم وإلى مواقعها وحركتها، ثم قرأ هذه الآية (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، هنا يقدم لنا النبي عليه الصلاة والسلام درسا لابد أن نستوعبه، بأن هذه الحياة ليست خالية من الحكمة والهدف، وأن هذا الهدف سيتحقق بأننا سوف نبعث من جديد، وإذا بعثنا فلابد أن نكون يومئذ في الجنة، ولذا طلب الرسول الأكرم من ربه الجنة، فقال (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

وكل إنسان كفر بالآخرة، واستنكر لتلك العظام النخرة كيف ترجع كما كانت عليها ونشؤتها النشأة الآخرة، فلأنه لم يدرس قدرة الله التي تتجلى في كل شيء محيط بنا (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).