
تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثاني عشر)
05 Jun 2023فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
بسم الله الرحمن الرحيم
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ
تشرق الشمس على البحار لتكوّن الأبخرة، وعندما يصل الماء المتبخر إلى ارتفاع تكون فيه درجات الحرارة وضغط الهواء مناسبين، ووفق سُنن دقيقة تتشكّل السِحاب، و الرياح تحمل السِحاب آلاف الأميال، وهكذا ينزل من السماء ماءً فيخرج به من الثمرات المختلفة ويحيي الله الأرض بعد موتها، فأيّ قدرة عظيمة وتدبير دقيق حاكم في الكون.
الآيات المباركات من سورة الرعد ترشدنا الى التفكير في آيات الله والخروج من سجن الذات ويضرب لنا القرآن مثلاً لفهم الحق بقوله:
[أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها]
فالأودية تسيل بقدر قطر المطر، وهكذا الانسان ينزل عليه من الأنوار بقدر ما يحتمله قلبه، وكما قال الامام أمير المؤمنين عليه السلام لكميل: «إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا.» فلإستقبال الأنوار الإلهية يحتاج البشر الى وعاء كبير.
[فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً]
وبعد امتلاء الأودية يتحرك الماء ليحمل معه المخلّفات والأوساخ الذي يجرفه السيل معه.
[وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ]
كذلك المعادن التي تصهر بالنار لتصنع منها الحلي هي زبد أيضاً، للإشارة الى انشغال الانسان بالظاهر عن هدف الحياة.
[كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ]
الماء هو الجوهر وما حمله من الأوساخ زائل، وهكذا المعادن من الذهب والفضّة وما اشبه هو الثابت وما يُصهر بالنار زائل.
[َأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ]
فالزبد زائل لا محال أمّا ما ينفع الناس من الماء الزلال فهو باقي وثابت.
[كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ]
لأنّ الحقائق كبيرة وعظيمة يصعب ادراكها من البشر لذلك يضرب الله لنا الأمثال، مضافاً إلى أنّ هذه الحقائق علينا أن نستوعبها بوجداننا، فالحق والباطل كما الماء والزبد قد يختلطان للرائي وقد يطغى الزبد أحياناً بما يملك حزب الشيطان من تلبيس الحق وتزيين الباطل، ولكن الواقع فالباطل سريع الزوال، لأنه ضد الطبيعة، و ان الباطل لا يمتلك مؤهلات الوجود ليستمر.