Search Website

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس العاشر)

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس العاشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ تَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَّزوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمينِ وَ إِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَ هُمْ في‏ فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (17) وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ وَ نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ وَ كَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (18) وَ كَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْيَتَلَطَّفْ وَ لا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (19)}

صدق الله العلي العظيم

 

نستفيد من هذه الآيات المباركات بصائر عدة نذكر أهمها قبل أن نشرع في توضيح الآيات المباركات وتفسيرها:

لنكن من المهتدين

في ذيل الآية السابعة عشرة يقول الرب سبحانه: { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً } ويعني ذلك أن لا طريق إلى الهداية إلا عبر هداية الرب سبحانه، ومن لم يسلكه كان في الضلال دون أن يكون له هادٍ أو وليٍ يعينه ، ولكن كيف يصل البشر إلى مستوى الهدى وما هي طرق الهداية ، ونحن نبين ذلك لنسلك هذه السبل فنصل إلى مرتبة الهداية التي لو لم نصل إليها يعني أننا في ضلالة والضلالة في النار والعياذ بالله.

فليست القضية قضية ثانوية يمكن أن نؤخرها أو نتهاون فيها، بل هي قضية مصيرية، ولكن كيف نؤهل أنفسنا لمستوى الهداية؟

أول خطوة تكمن في إجتناب الطاغوت ووسائله ،قال الله سبحانه: { وَ الَّذينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَ أَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى‏ فَبَشِّرْ عِباد}[1]، وأصحاب الكهف كانت خطوتهم الأولى إجتناب الطاغوت ومجتمعه: { وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ }فما يعني إجتناب الطاغوت؟

قبل كل شيء لابد أن نعلم أن الدنيا دار إبتلاء شئنا ذلك أم أبينا ، وغالباً الطغاة هم المهيمنون على مقدرات الشعوب وبيدهم المال والثقافة والإعلام والجاه وكل جوانب الحياة ، والإبتعاد عنهم وإجتنابهم أمرٌ  صعب ولكنه الأساس في الحركة نحو الهداية ، إذ ثقافة الطاغوت مبنية على سلب عقول الناس ومنعهم من التفكير الحر وتحميلهم أفكاره وثقافتهم دون أن يسمح لهم بنقدها ، وبذلك يسحق شخصية الإنسان ليجعله مطيعاً لنظامه المنحرف، قال الله سبحانه عن فرعون: { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقين‏}[2]، فسلبهم ثقلهم المتمثل في عقولهم.

وبدل الثقافة الإلهية حمّلوا الناس ثقافة الشرك واللهف وراء المال وسلطان الشهوات ، وبالرغم من أن بعض هذه تسمى جبتاً ، إلا أن تعبير الطاغوت يشملهما جميعاً إذا ورد منفرداً، ومن هنا على المؤمن أن يلتفت إلى عدم تصديق كل ما تبثه الفضائيات الممولة من قبل الطغاة وأجهزة إعلامهم، لأنها تسبح بحمدهم دوماً وتمجدهم أبداً.

وبعد إجتناب هيمنة الطاغوت وثقافته يجب إجتناب الجبت الداخلي المتمثل بالحسد والحقد والأنانية وأشباهها من الأمراض الداخلية، ولما كان الإبتعاد التام متعسراً جداً فإن وعي الإنسان بعدم معياريتها للحق يعد خطوة صائبة.

فقد يحكم الإنسان على شخص لعدم إعجابه بمظهره وهندامه أو لحالةا الحسد تجاهه، وهذا من الجبت الداخلي، الذي ينبغي إجتنابه تماماً أو على الأقل أن يعرف أن حسده وحقده و.. من أسباب ضلالته وإنحرافه عن الحق، ويطلب المؤمن من ربه أن لا يكون في قلبه تجاه إخوانه غلّاً كي لا يؤدي ذلك إلى تكذيبهم، قال الله سبحانه: { وَ الَّذينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذينَ سَبَقُونا بِالْإيمانِ وَ لا تَجْعَلْ في‏ قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحيم‏}[3].

وبعد توفير الإنسان شروط الهداية في نفسه تأتي هداية الرب سبحانه والتي يكون قسمٌ منها عبر الهداة الذين يبعثهم الله سبحانه ويجعلهم مصابيح في سبيل البشرية، وفي سورة النور بيانٌ بأن نور الله ( هداه ) في بيوتٍ أذن الله أن ترفع، قال الله سبحانه: { في‏ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصال‏*  رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصار}[4].

فالبيوت ليست بيوت طينٍ وحجارة بل هي بيوت الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، فهناك يتجلى نور الله سبحانه، وقد روي عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، قال: «هي بيوت النبي (صلى الله عليه و آله)».[5]

ومع الأسف أننا وبالرغم من قرب الأئمة الأطهار منا وقضائهم لحوائجنا في ساعات العسرة، بعيدون عنهم عليهم السلام وعن كلماتهم النيّرة وسيرتهم العطرة.

وهناك سبيلٌ آخر لهدى الرب وذلك هو طريق الهداية المباشرة وهي الهداية من لدن الله سبحانه ، ولا يتيسر ذلك إلا لمن أعان عقله على هواه دوماً وفي كل المواقف ، كما أشارت إلى ذلك النصوص الشريفة.

ولابد من سلوك السبل هذه بدءاً من اجتناب الطاغوت ومقاومة الجبت والمسألة من الله ليهدي العبد ، وبالرغم من سهولة الخطوات في البيان إلا أنها من أصعب الأمور تطبيقاً على أرض الواقع، وإذا تحققت الهداية الإلهية يكون الأمر كما كان مع أصحاب الكهف حيث يبدل الله سبحانه سننه من أجلهم ويوفر له كل فرص النصر، ومن ذلك إنامتهم طيلة قرونٍ ثلاثة دون أن تبلى أجسادهم بل دون أن تبلى ثيابهم.

صفات الطعام الحسن

بعد أن ناموا طيلة تلك الفترة واستيقضوا تسائلوا فيما بينهم عن مدة نومهم وأبدى كلٌ منهم رأياً، حتى قال أعقلهم – وبسبب تغير الطبيعة من حولهم- لم تلبثوا فترة قليلة والله هو العالم بفترة نومنا، فلنترك شأن النوم ونهيء لأنفسنا طعاماً نسد به جوعتنا، فبعثوا أحدهم بثياب الراعي إلى المدينة ليهيء لهم طعاماً.

وفي الآية الشريفة إشارة إلى صفات الطعام الحسن عبر كلمتين تختزن مجموعة من الصفات والكلمتان هي :

أولا: أزكى، حيث قالوا فيما بينهم : { فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً }

وكلمة الزكاة تعني مضافاً إلى التطهير النمو والتوسعة ، والزكي هو الطاهر الذي يؤدي إلى النمو ، ولم يطلبوا الطعام الزكي ، بل طلبوا أزكى الطعام ، الذي يكون مفيداً لأجسامهم ويقويها ، ومضافاً إلى ذلك تدل كلمة الأزكى على مطالبتهم بالطعام الطاهر والحلال.

ومن الضروري الإلتفات إلى النظام الغذائي المتبع في العوائل والذي اتجه نحو الطعام الجاهز والمليء بالمواد الحافظة والضارة بالجسد.

ثانياً: المقدار الكافي منه ، حيث قالوا : { فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} ، والذي يدل على عدم شراء كل شيء في السوق مما يؤدي إلى الإسراف وعدم الإنتفاع بالطعام.

ويشهد العالم اليوم إتلاف ثلث المواد الغذائية المنتجة والذي يكفي أقل من هذا المقدار للقضاء على المجاعة في العالم.

في المدينة

لبس أحدهم ثياب الراعي ودخل المدينة متنكراً لتهيئة الطعام ، وعجب من تغير معالم المدينة كلياً ، وهو قد تركها بالأمس – كما ظن ذلك- ، ولما أراد شراء الطعام عجبوا من عملته وظنوا أنه قد عثر على كنز فرفعوا أمره إلى السلطة – التي كانت بيد المسلمين آنذاك- ولما حققوا معه وسألوه عن أمره أكتشف هو تغيّر الزمان وهم أكتشفوا أنهم عثروا على أصحاب الكهف والرقيم ، الذين بدأوا تاريخهم بيوم إختفاءهم – كما ذكرنا سابقاً-.

وحين دلّهم على الكهف جاءوا جميعاً ، وتقدم هو الجموع لكيلا يفزعوا من الجموع ويحكي لهم ما جرى ، وحين حدثهم بالأمر شكروا الله سبحانه على إهلاك الطاغية ونصر المؤمنين ، وبعد تشاورهم فيما بينهم سألوا الله سبحانه أن يعيدهم إلى نومتهم مجددا وهكذا كان.

النصر من الله

كان بإمكانهم أن يعودوا إلى المدينة ويكونوا حكّاماً فيها ، ولكنهم أكتفوا بإنتصار حركتهم وهلاك الطاغية ، وفي هذا الأمر درس لكل الأحرار والثوار ، بأن لا ينسبوا الثورة والقيام لانفسهم ويطالبوا بالإستحقاقات المادية متناسين نصرة الله سبحانه لهم ، ونيتهم التي كانت خالصة لله في بدو حركتهم، لكيلا يتحول عملهم الخالص لله إلى عمل لغير الله سبحانه ويكتب عليهم رياءاً بدل أن يكتب لهم ثواباً خالصاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الزمر : الآية 17

[2] سورة الزخرف: الآية 54

[3] سورة الحشر : الآية 10

[4] سورة النور: الآية 36-37

[5] البرهان في تفسير القرآن : ج4، ص 75