Search Website

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الخامس عشر)

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الخامس عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَ إِنْ يَسْتَغيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً (29)إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئينَ فيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَ حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31)}

صدق الله العلي العظيم

 

العالم الذي نعيش فيه أوسع بكثير مما نتصوره نحن، ولكنه وعلى سعته وعظمته ترتبط أجزاءه ببعضها البعض، من أصغر ذرة فيه إلى أعظم مجرة، فهي ترتبط ببعضها ارتباط حلق السلسلة المتصلة، وكذلك أجسامنا فيها من الخلايا ما يفوق العد والحصر، وما يتجاوز المليارات من الخلايا، كلها مرتبطة ببعضها ومتناغمة مع بعضها البعض، ولو فقد هذا التواصل والتناغم مرض الجسد بما يسمى اليوم بمرض ( السرطان).

ترى؛ ماهي القوة التي ربطت خلايا جسمنا كما ربطت أجزاء الكون ببعضها البعض وفرضت عليها هذا الترابط، وأي قوةٍ هذه التي ربطت وجودي البسيط بوجود سائر الموجودات في الكون، وأي نظامٍ هذا الذي إذا سألت أي أخصائيٍ في أي تخصص لأذعن لك بوجوده وأقرّ بأنه حاكمٌ في ما يعلم وما لا يعلم، بدءاً من الفيزياء والكيمياء ومروراً بعلم الذرة والنانو وإنتهاءاً بعلم الأفلاك والنجوم.

الحق هو النظام

بلى؛ هو شيءٌ واحد يربط وينظّم أجزاء الوجود وهو ( الحق)، فالحق هو النظام الحاكم على جميع الموجودات، ومثال الحق هو النظام المسمى بالجاذبية، والذي لم يكتشف البشر بعدُ حقيقتها وجوهرها – حسب إطلاعنا- ولكنّها تحرك الأفلاك حول الشمس والشمس في مسارها بدقة متناهية، وكما قال الله سبحانه: { وَ الشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْديرُ الْعَزيزِ الْعَليم‏ * وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَديم‏ * لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغي‏ لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لاَ اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ في‏ فَلَكٍ يَسْبَحُون‏}[1]، ووحده الرب سبحانه يعلم سعة المجرات والكواكب، وكل ما فيها يسبح في بحر الجاذبية بحركة متناهية الدقة لو إختلت قيد أنملة لأندكت ببعضها وتهاوت، ولو شئنا لضربنا بمغناطيسين يجران حديدة صغيرة في الهواء بحيث لا تنجذب إلي إيٍ منهما ولا تسقط أرضاً، هكذا هي الجاذبية دقيقة.

فالحق هو النظام الذي يجب الإيمان به والخضوع له، شاء الإنسان ذلك أم أبى، ولو أراد أحدٌ التمرّد على الحق ( النظام) لسحق وهو مليم، كما لو أنكر أحدهم الجاذبيةو رمى بنفسه من شاهق، فما الذي سيجنيه سوى الدمار؟

وغفلتنا عن الحق لا تعني عدم وجوده، والسبب في غفلتنا إشتغالنا بالجزئيات وصغائر الأمور دون أن نهتم بالحقائق الكبرى، والذي يعيها هم الخبراء والعلماء في المجالات المختلفة، لما يلحظونه من نظام حاكمٍ فيما يعلمون.

الحقوق من الحق

ومن الحق تنشأ الحقوق، فحقوق الوالدين والإخوان والزوجة والأولاد كلها ضمن الإطار ذاته، فظلم الأبوين يغضب الرب، ويستتبع ظلم الأبناء وعقوقهم له، كما أن ظلم الزوجة والأبناء من أشد الظلم، فأسوء الظلم هو ظلم ولي الأمر ومن بيده الأمور، كالزوج الذي يلي شؤون زوجته وبيده أمر طلاقها، فإن ظالم أهله وإن كان في الظاهر عادلاً يكتب ظالماً عند الله سبحانه ولا يستجيب الرب دعاء الظالم.

وقد يكون العكس أيضاً، بأن تظلم الزوجة زوجها في شؤون مختلفة، كما قد يتقابلان في ظلم بعضهما البعض، كما قال الله سبحانه عن المجتمع الظالم أهله: { وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُون‏}[2].

ومن هنا يجب مراعاة كل الحقوق المتبادلة بين الناس، والتي بينها الإمام زين العابدين عليه السلام في رسالته للحقوق، وهي كلها تقع ضمن الإطار العام للحق.

وبالرغم من أن المؤمنين ملتزمون بأغلب الحقوق إلا أنها ينبغي أن تراعى جميعاً، فأول موقف في القيامة هو موقف مظالم الناس وهو الذنب الذي لا يترك، حيث يؤخذ لكل ذي حقٍ حقه ممن ظلمه، ومن هنا يسأل المؤمن في أدعيته، أن يحمل عنه التبعات كما قال الإمام زين العابدين عليه السلام في دعاءه: ” اللَّهُمَّ وَ عَلَيَّ تَبِعَاتٌ قَدْ حَفِظْتُهُنَّ، وَ تَبِعَاتٌ قَدْ نَسِيتُهُنَّ، وَ كُلُّهُنَّ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَ عِلْمِكَ الَّذِي لَا يَنْسَى، فَعَوِّضْ مِنْهَا أَهْلَهَا، وَ احْطُطْ عَنِّي وِزْرَهَا، وَ خَفِّفْ عَنِّي ثِقْلَهَا، وَ اعْصِمْنِي مِنْ أَنْ أُقَارِفَ مِثْلَهَا”[3].

{ وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ }

لماذا الأمر بالقول والنطق كما في غيرها من الآيات؟

لأننا يجب أن لا نكتفي بالعمل بالدين وواجباته، بل لابد فوق ذلك من دعوة الآخرين إليه وحثهم عليه.

الأمر بالأخذ بالحق والإلتزام به، والحق من عند الله سبحانه، فهو في آيات الكتاب وروايات أهل البيت عليهم السلام وفي العقل الخالص من شوائب الهوى.

{ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ }

في الدنيا أعطي الإنسان حرية الإختيار، فخلقه الله سبحانه مختاراً ليذهب إلى الجنة بإرادته وإختياره وسعيه، أو يهوي إلى النار كذلك بإرادته وعمله، وكما قال الرب سبحانه: { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَليهِ فَجَعَلْناهُ سَميعاً بَصيرا* إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُورا}[4].

ولكن هذه الحرية ليست إلى مالا نهاية، فالرب أرسل الإنبياء ليعلموا الإنسان كيفية إستغلال حريته في الإتجاه الصحيح ولكي يكون ممن يدخلون الجنة التي هي دار ضيافة الرب سبحانه قبل أن تفوتهم الفرص.

ولكي يكون المرء من أهل الجنة لابد أن يعقد عزمات قلبه ويشحذ إرادته ليستأهلها، وبالتأكيد لا يسمح الشيطان له أن يعقد العزم، بل يسوف له الإختيار النهائي دوماً.

ولكي يسرع المرء في إتخاذ القرار وتعيين مصيره، يبين الرب سبحانه مصير الإتجاهين:

{إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها }

لم يستعمل الرب لفظ الكافر أو الفاسق، بل أورد كلمة الظالم، لأن السياق عن الحق، وعدم العمل بالحق ظلمٌ، ومن هنا أعد الله سبحانه للظالمين ناراً محيطة بهم.

ويبدو أن أصل السرادق الخيم المتداخلة، فمن كان في النار فإن النار تحرقه من جهة ومن جهة أخرى تحيط به فهو مسجونٌ فيها لا يمكنه الفرار.

{وَ إِنْ يَسْتَغيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ }

لشدة حرارة الحريق والعطش يستغيث الظالم، فيغاث ( أي يستجاب لنداءه) ولكن لا بماءٍ يروي غليله، بل بماءٍ كالنحاس المذاب( المهل) تشوي حرارته وجهه قبل أن يشربه، فيذوب لحم وجهه فيه.

{بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً (29)}

ما أسوءه من شراب وما أسوءه من مستقر ومحل إقامة.

{ إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ}

في مقابل الظالم هو المؤمن الذي آمن بالحق وعمل به.

وما أعظمها من نعمة يعجز المؤمن عن أداء حق شكرها حيث منّ الله عليه بالإيمان به، ووفقه لعمل الصالحات ليجازيه بعدئذ بالجنة.

{إِنَّا لا نُضيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)}

وفي ضمن الحديث تبين الآية قانوناً كلياً وقاعدةً عامة مفادها: أن الله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، مؤمناً كان أم كافراً، بلى يجازى المؤمن بعمله الصالح دنياً وآخرة، بينما يقتصر جزاء عمل الكافر في الدنيا.

فما هو جزاء المؤمن العامل للصالحات في القيامة؟

{ أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ }

جزاءهم أن يؤتيهم الله سبحانه جناتٍ خالدة، لا تنتهي ولا تذبل ثمارها، ولا تتبدل بتبدل الفصول، وتجري الانهار من تحت هذه الجنات، وليست نهراً واحداً، بل هي أنهارٌ أربع : ماءٌ ولبن وعسلٌ مصفى وشرابٌ لا إثم فيه.

{يُحَلَّوْنَ فيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ }

مضافاً إلى نعمة المكان، نعمة الزينة والملبس التي تكون أساور ذهبية يحلّون بها وثياب من حرير يلبسونها، والسندس والإستبرق كلاهما من الحرير ، ولكن الأول حرير ناعم لطيف، والإستبرق حرير ضخم يتلألأ.

{مُتَّكِئينَ فيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَ حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31)}

وحيث لا شغل لأهل الجنة يتعبهم ويهمهم، تراهم متكئين على الأرائك حيث لا هم وشغل لهم، وعمل أهل الجنة إما أن يكونوا ضيوفاً للمؤمنين أو مضيفين لهم.

كما أن كل يومٍ يمضي على المؤمن في الجنة تأتيه رسالة من رب العزة مطلعها ( من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت) وهي تكفي تعظيماً له وبشارةً له بالخلود، وفي كل جمعة يجتمع أهل الجنة في ضيافة الرب تحت عرشه فيضاعف لهم الله سبحانه ما آتاهم، ولا حد للمضاعفة كما لا حد لرحمة الله سبحانه.

هذه هي الجنة وحسنت مرتفقاً ومقاماً للمؤمن.

أليس حرياً بالمؤمن أن يتمسك بالجنة ولا يتركها – وهي بهذه الصفات – إلى غيرها؟ فيصبر على مضض الحياة وعلى ضغط الشهوات كي يكون من أهلها الخالدين فيها، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصفه لدعائم الإيمان:”  فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ وَ مَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اتَّقَى الْمُحَرَّمَات‏”[5].

نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من أهل الجنة وأن يجعلنا من عتقائه من النار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

[1]سورة يس : الآيات 38-40

[2]سورة الأنعام : الآية 129

[3]الصحيفة السجادية: من دعائه عليه السلام في ذكر التوبة وطلبها.

[4]سورة الإنسان : الآيات 2-3

[5]كتاب سليم بن قيس: ج2 ،ص 614