Search Website

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثالث)

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثالث)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

{ قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَديداً مِنْ لَدُنْهُ وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنينَ الَّذينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2) ماكِثينَ فيهِ أَبَداً (3)}

صدق الله العلي العظيم

 

القرآن الكريم ميزان الحقائق

جميع المخلوقات ومن بينهم البشر يولي إهتماماً بالغاً لما يدخله في فيه ومنه إلى جوفه من مأكلٍ أو مشرب ، حيث يهتم بطعمه ونوعه وفوائده متجنباً الضارّ منه وما ليس له طعمٌ سائغ ، ويزداد الإهتمام عند المؤمنين حيث لا يولون إهتماماً بأبعاده المادية فحسب ، بل يهتمون بالجوانب المعنوية له ، فيتجنبون الطعام الحرام أو الطعام المحصّل من مالٍ سحت أو رشوة أو ما أشبه ، لعلمهم بأن الداخل إلى الجوف إن كان ملوثاً مادياً أو معنوياً فإن التلوث سيسري إلى كل أبعاد وجودهم.

إلا أن الإهتمام يقل كثيراً فيما يرتبط بما يدخله الإنسان في ظرف روحه ، فلا يهتم بكونه سامَاً وضاراً أم لا ، فترى المرء يجالس كل متحدث ويستمع إلى أي ناطق ويقرأ أي مكتوبٍ دون أن يلتفت إلى ما قد تحتويه هذه المصادر من سموم فتاكّة به، وبالتالي تضر روحه ، وأغلب البشر ينحرف عن الجادة بسبب ما يراه أو يسمعه أو يقرأه ، فيصير – مع الأسف- حطباً لجهنم.

لكيلا تفسد أرواحنا

وبالإلتفات إلى هذه المشكلة ومعالجتها يمكننا أن نتجاوز الكثير من المشاكل الروحية والجسمية ، المشاكل الآخروية والدنيوية ، فما الذي نصنعه لكيلا تتضرر أرواحنا؟ هل نغلق منافذ الفكر تماماً لكي لا ينفذ إليها شيء ؟ هل نعمي أبصارنا أو نصم أذاننا عن وسائل الإعلام والثقافة المنتشرة اليوم وبكثرة والمحيطة بنا ؟ وهب أن أحدنا أمتنع عن متابعة ما يبث في هذه الوسائل ، فهل يقدر على منع أسرته ومحيطه المستهدف بها ؟

عالج الأئمة الطاهرون عليهم السلام هذه المشكلة في تفسيرهم للآيات القرآنية المختلفة ، ومنحونا بصائر في هذا المسير ، فقالوا للإنسان لا تغلق المنافذ تماماً بل لك أن تسمع وترى وتقرأ ، ولكن لابد لك من معايير ، لابد لك من فلاتر تفلتر ما يدخل عقلك وروحك ، إسمع الكلام ولكن لا تقبله على عواهنه بل زنه بموازينه ، إقرأ ؛ ولكن لا تصدق كل ما تقرأه ، أعمِل بصرك ولكن ليكن من وراءها العقل الذي يميّز الحق من الباطل والواقع من الخيال.

في قوله تبارك وتعالى : { فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى‏ طَعامِه‏}[1] سأل زيد الشحام الإمام الباقر عليه السلام : مَا طَعَامُهُ ؟ قَالَ عليه السلام : ” عِلْمُهُ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِمَّنْ يَأْخُذُهُ”[2] ، فلست – أيها الإنسان – مجرد لحمٍ ودم وعظم فتهتم بما يدخل جوفك من طعامٍ وشراب ، بل لك فوق ذلك الروح التي تتأثر بما يردها من علوم ومعارف ، فلابد أن تهتم بروحك وعقلك ومعارفك.

وفي حديثٍ آخر قال الإمام الباقر عليه السلام أيضاً: ” مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَهُ فَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَدْ عَبَدَ اللَّهَ وَ إِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ الشَّيْطَانِ فَقَدْ عَبَدَ الشَّيْطَانَ”[3].

قيمومية الكتاب

والآية الثانية من سورة الكهف – كما يبدو لي – تدل على القرآن الكريم كتابٌ قيّم ، والقيّم يعني القائم بنفسه والمقيم لغيره ، فليس القرآن الكريم كتابٌ مستقيمٌ لا عوج فيه فحسب ، بل هو معيارٌ لتشخيص صواب أي فكرٍ آخر ، وذات الحقيقة تؤكدها الآية : { وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ}[4] ، وكذلك إسم الفرقان الذي سمي به القرآن الكريم ، لأنه يفرق بين الحق والباطل ويميّزهما عن بعضهما البعض.

الإهتمام بالعقائد الحقة

قد ترى الكثير منا يعيش في عمله وسلوكه بعيداً عن شعاراته الدينية ، وبعبارة أخرى : ترى العقيدة التي توجه حياته تختلف عما يدعيه ، والسبب في ذلك هو في عدم الإلتفات إلى هذه الموازين التي بينها أئمتنا عليهم السلام ، بل وفي عدم الإهتمام بالجانب العقائدي.

ترى من أصحاب الأئمة الطاهرين عليهم السلام من بلغ مراتب العلو والعلم والفقاهة كزرارة بن أعين أو السيد عبد العظيم الحسني ، تراهم يعرضون على إمام زمانهم دينهم وعقيدتهم ليصححوها إن كان فيها إنحراف أو يثبتوا عليها إن كانت مرضية ، بينما تجد الواحد منا يولد في أسرة موالية وبيئة مؤمنة ولكنه لا يلتفت إلى عقيدته ، فيصدق كل ما يقال ويقبل كلام كل متحدث دون تمحيص وتدقيق.

وبهذه المناسبة أرجو من العلماء والحوزات العلمية ومراكز البحوث الإسلامية أن يهيئوا للناس كتباً عقائدية بسيطة ولكنها في الوقت ذاته متينة علمياً تستند إلى الآيات والروايات والعقل ، ثم يفرضوا على كل مكلّف بدراستها في بداية بلوغه التكليف الشرعي.

أصل المعارف والعلوم هي العقيدة ، ولابد من الإهتمام بنقائها وصحتها ، ولابد من وجود مقاييس واضحة ودقيقة نقيس بها ما يرد على قلوبنا من علوم عبر حواسنا ، والقرآن الكريم وآياته الكريمة هو ذلك المقياس والمعيار ، فهو القيّم – كما ذكرنا – وهو المهيمن على الحقائق ومبيّن الصواب من الخطأ ، وكمثال على ذلك نذكر آيةً من سورة الزمر يبيّن فيها الرب سبحانه سبيل التعامل مع العلوم الواردة إلينا ، قال الله سبحانه : { وَ الَّذينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَ أَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى‏ فَبَشِّرْ عِباد*  الَّذينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْباب}[5]‏.

إجتناب عبادة الطاغوت أهم سمات المؤمن ، لأنه يقدر على التمييز بين الحق والباطل ، فلا يتبع عقيدة الطاغية لأنه حاكمٌ ومسيطر ، فليست الهيمنة معياره في الإتباع بل الحق هو المعيار عنده.

ومشكلة الكثير من الناس تكمن في إعتبار السلطان والحاكم حقاً مطلقاً ، وزعمهم بأن كلام الملوك هو ملك الكلام ، كلا ؛ المعيار هو الحق وحده المتبع لا الأفراد والأشخاص ، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ” لا تنظر إلى من قال وأنظر إلى ما قال”[6].

وقد حذّر النبي الأعظم ، صلى الله عليه وآله ، من إتباع أخطاء العلماء – فضلاً عن الحكّام- ، حين قال : “إنما أتخوف على أمتي من بعدي ثلاث خصال : أن يتأولوا القرآن على غير تأويله ، أو يتبعوا زلة العالم”[7]، ومع الأسف الشديد نجد اليوم بعض مدعي العلم صاروا أدوات بيد السلطات فتأتيهم الخطب والفتاوى جاهزةً من أروقة الحكومة فيذيعها هؤلاء ويتبعهم الناس.

ومن أهم أسباب عدم إنحراف أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام هو حالة الرقابة لدى المؤمنين لحركة العلماء ، مضافاً إلى حريجة العلماء أنفسهم في الدين وشؤونه.

وبالإبتعاد عن عبادة الطغاة ينيب الإنسان إلى الله سبحانه ، وحينذاك تكون البشارة لأولئك الذين يستمعون القول كله ، فالالف واللام في (القول) في الآية إما يفيد الإطلاق أو العموم ، وعلى أي تقدير فإنه يعني عدم تجزأة القول ، بل الإستماع إلى كله أولاً ، ومن ثم تحميصه والتدقيق في كل فكرةٍ وفقرةٍ منه ، فيقبل الأحسن ، وليس الحسن حتى.

ومن لطف الله سبحانه بنا أنه أظهر لنا الحقائق وجعل لها آيات ومعايير لتمييزها عن الباطل أكثر مما نحتاج ، ارأيت الغيث المنهمر على البلد بأكثر من حاجة الإنسان والأرض حتى ؟ هكذا هي الحقائق التي بينها الوحي ، بالآيات الشريفة والروايات المباركة ، وبمراجعةٍ سريعة إلى الكتب الحديثية تظهر هذه الحقيقة بوضوح ، كيف أن مئات الروايات حول موضوعٍ واحد ، والرواية الواحدة منها تكفينا للإنتفاع بها والإستفادة منها.

هكذا تكون آيات الكتاب وروايات العترة معياراً وميزاناً للحقائق ، والذين يديمون النظر فيهما ويكثرون التأمل والتدقيق في هذين المصدرين يؤتيهم الله سبحانه القدرة على كشف الحقائق حتى يحسبهم الناس ينبئون عن المغيبات ، ولكنهم ليسوا كذلك بل إن تجلّي حقائق القرآن والروايات في قلوبهم يعطيهم بصيرة نافذة ، وفي الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام : ” اعْرِفُوا مَنَازِلَ شِيعَتِنَا بِقَدْرِ مَا يُحْسِنُونَ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَنَّا فَإِنَّا لَا نَعُدُّ الْفَقِيهَ مِنْهُمْ فَقِيهاً حَتَّى يَكُونَ مُحَدَّثاً فَقِيلَ لَهُ أَ وَ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُحَدَّثاً قَالَ يَكُونُ مُفْهَماً وَ الْمُفْهَمُ الْمُحَدَّثُ”[8].

فليس المراد من المحدث في النص أن الملائكة تنزل عليهم – ويبدو أن هذا سبب تعجب الراوي- بل أنهم يفهمّون المطالب ويلقي الله الحقيقة في قلوبهم ، وحينذاك ترى العالم المأنوس بالآيات والروايات الشريفة يمكنه أن يغيّر مسار التاريخ عبر كلمةٍ واحدة ، وشواهد ذلك في تاريخنا القديم والحديث كثيرة ، إحداها فتوى تحريم التنباك التي أصدرها الميرزا حسن الشيرازي فكانت سبباً لإنهاء الإستعمار البريطاني ، ولكن لم يفتِ السيد بفتواه إلا بعد ليالي قضاها متضرعاً إلى الله سبحانه ومتوسلاً بالإمام الحجة عليه السلام في سرداب الغيبة بسامراء.

بين البشارة والإنذار

في القرآن الكريم كلمتان ترددان كثيراً هما الإنذار والتبشير ، وقد جاء القرآن ليهزّ الإنسان من أعماقه وينذره من العقاب لكيلا يقول يوم القيامة لم يكن لي علمٌ بهذا اليوم ، فممَ ينذر القرآن الكريم؟

ينذر من البأس الشديد ، والبأس هو الخطر الذي يصيب الإنسان من جهة الأشخاص ، بينما الضرّ إن أصابه الخطر من الأشياء ، فهنا البأس يكون من الله سبحانه وبأس الله شديد: { ليُنْذِرَ بَأْساً شَديداً مِنْ لَدُنْهُ }.

وفي مقابل الإنذار يبشر المؤمنين العاملين بالصالحات بوجود أجرٍ حسن لهم ، فكل عملٍ صالح يقابله أجره ، ولا ينتهي الأجر الإلهي للأعمال الصالحة عند حد ، بل هو دائم : { وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنينَ الَّذينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2) ماكِثينَ فيهِ أَبَداً (3)}.

بين الخوف والرجاء

ونستفيد من هذه الآية بصيرة هامة ، أن على الواحد منا أن يكون دوماً بين الخوف والرجاء ، خائفاً من غضب الله سبحانه وسخطه المؤدي إلى البأس الشديد ، وراجياً رحمته بأن يكون الله تجاهه أرحم الراحمين، وخوفه ورجاءه ككفتي ميزان ، ولكن مع شيءٍ من الرجحان لجانب الرجاء على الخوف ، إذ سبقت رحمته سبحانه غضبه ، وكما في الدعاء : ” أَدْعُوكَ يَا رَبِّ رَاهِباً رَاغِباً رَاجِياً خَائِفاً إِذَا رَأَيْتُ مَوْلَايَ ذُنُوبِي فَزِعْتُ وَ إِذَا رَأَيْتُ كَرَمَكَ طَمِعْتُ”[9].

نسأل الله سبحانه أن لا ينقضي عنا شهر رمضان إلا ونحن قد انتفعنا بساعاته وأيامه ولياليه خير إنتفاع ، وباتت قلوبنا خائفةً راجيةً ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة عبس : الآية 24

[2] الكافي : ج1 ،ص 123

[3] الكافي: ج6 ،ص 434

[4] سورة المائدة : الآية 48

[5] سورة الزمر : الآية 17-18

[6][6] عيون الحكم والمواعظ  : 517

[7] الخصال : ص 164

[8] وسائل الشيعة : ج27، ص 149

[9] دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام في أسحار شهر رمضان ، المشهور بدعاء أبي حمزة الثمالي.