Search Website

تدبرات المرجع المدرسي في سورة (ص) شهر رمضان المبارك / 1435 – (الدرس الرابع عشر)

تدبرات المرجع المدرسي في سورة (ص) شهر رمضان المبارك / 1435 – (الدرس الرابع عشر)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فىِ الْأَرْضِ فَاحْكُم بَينْ‏ النَّاسِ بِالْحَقّ‏ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى‏ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ  إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ  بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحْسَابِ. ومَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ والْأَرْضَ ومَا بَيْنهَمَا بَاطِلًا  ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ  فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّار) (26- 27).

صدق الله العلي العظيم

 

بين الهدى والهوى

حقائق هامّة يُبيّنها القرآن الكريم من خلال القصص وسرد الوقائع، والمتدبر في آيات الله يجعل تلك القصص جسراً للوصول الى الحقائق.

و من تلك الحقائق ما ذُكِر في قصّة النبي داوود (عليه السلام) من أنّ نظام الخليقة بُني على اساس الحق. يقول ربنا سبحانه: (ما خَلَقْنَا السَّماواتِ والْأَرْضَ وما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَق)(الاحقاف، 3).

فما هو الحق؟

و كيف ابتني نظام الخليقة عليه؟

اولاً: المعنى الأوّل للحق هو ثبوت الأشياء وأنّها حق، بخلاف قول السوفسطائيين الذين قالوا أنّ كلّما نراه في الوجود هو خيال وليس بحقيقة.

ومع الاسف فإنّ البعض يجعلون حياتهم كلّها مبنية على التكذيب والتشكيك، فهم بذلك يتشبهون بالسوفسطائيين.

اذن علينا أولاً الاعتراف والايمان بأنّ كل ما في الوجود حقيقة.

ثانياً: أنّ هذه الحقائق لها نظام معين ايضاً، فلا يستطيع الانسان ان يأكل بعينه او يرى بإذنه مثلاً، فكل شيء له نظام دقيق بالحق. يقول ربّنا تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والْأَرْضُ ومَنْ فيهِن) (المؤمنون، 71).

بني اسرائيل والمطر

وفي هذا المجال يُروى أنّ طائفة من بني اسرائيل جاؤوا لنبي لهم وطلبوا منه أن يجعل الله أمر الأمطار بيدهم، فاستجاب لهم نبيهم وطلب من الله ذلك وأذن الله لهم بذلك.

فطلبوا المطر وبشكل مستمر حتّى اخضرّت عندهم الصحاري القفار فضلاً عن أراضيهم التي كانوا يزرعونها، ولكنّهم بعد ذلك تفاجؤوا أن الزرع كان نباتاً دون ثمار.

فلكلّ شيء في الكون حكمة، فمن الآفاق الى الأنفس وحركة الشمس والقمر ومواقع النجوم كلّها تجليّات حكمة الله في وضع النظام الدقيق في الخليقة، فكلّ المخلوقات وُضعت على اساس الحق، والدين أيضاً يهدينا الى نفس الحق.

فإذا أراد الانسان أن يسير على الصراط المستقيم عليه أن يذهب الى طريق الحق وحين يُطبّق الانسان الحق فإنّه سيمتلك قيمة الهُدى.

فالهُدى هو فهم الحقائق والسُنن التي خُلق على اساسها نظام الخليقة، ويناقضه الهوى الذي يعني عدم التقيّد والالتزام بهذه الحقائق.

و اتباع الهوى يوصل الانسان الى الدمار، يقول تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (الكهف، 28).

نحن كمسلمين علينا ان نعمل بالدين كما هو، ونبتعد عن العمل وفق الاهواء، وذلك شرط الوصول الى الجنة، يقول تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الهْوَى‏. فَإِنَّ الجْنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى‏) (الانسان، 40-41).

هذا فيما يتعلق بعموم الناس، فكيف والكلام عن مقام الخلافة الالهية ومقام الحاكم الذي عليه أن يحكم بين الناس، فيزداد الامر خطورة، لأنّ العالِم اذا فسد يفسد العالَم أيضاً.

وكما يقول ابو عبد الله (عليه السلام): (يُغفر للجاهل‏ سبعون ذنباً، قبل أن يُغفر للعالِم ذنب واحد) (تفسير القمي، ج‏2، ص: 146).

ربّنا سبحانه وتعالى يقول لداوود: (يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فىِ الْأَرْضِ فَاحْكُم بَينْ‏ النَّاسِ بِالحْقّ)‏.

وقبل أن يجعل الله داوود خليفة فإنّه قد امتحنه بتلك الحادثة التي تمّ الحديث عنها، وبعد أن جعله خليفة طلب منه ان يحكم بين الناس بالحق.

 

القيادة الربّانية وسعة الصدر

وممّا يجدر الاشارة اليه أنّ القيادة الربّانية ينبغي ان تتحلّى بسعة الصدر، ومن هنا نجد أنّ أوّل ما طلبه النبي موسى (عليه السلام) حين حمل الرسالة هو شرح الصدر، حيث: (قالَ رَبِّ اشْرَحْ لي‏ صَدْري) (طه، 25).

 

لأن واجب هداية الناس والحُكم بينهم يقتضي احتواء الجميع مع اختلاف مصالحهم وقومياتهم وبلدانهم، لكن اجراء الحق الذي يعني ايضاً العدل وذلك النظام الذي يسع كل الناس هو من ميزات القيادة الرّبانية.

 

ولا تتبع الهوى

ينبغي أن يكون الانسان دقيقاً في القضاء، سواء في قضائه على الناس في تقييمهم، او في القضاء بين الناس، كما علينا الدقّة في نقل الكلام عن الآخرين.

والهوى ايضاً يكون نقيضاً للحق وعلينا اجتناب العمل به، ربّنا يقول: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى)

بمعنى أنّ الانسان بطبعه له اهواء، لكن عليه الاجتناب عن العمل بها.

ثم يقول ربّنا: (فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ).

قليل من الناس هُم الذين يسقطون الى درك الجحيم مرّة واحدة، إنّما اكثر الناس يتبعون خطوات الشيطان وهمزاته شيئاً فشيئاً فيقعون في جهّنم تدريجياً.

(إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحْسَابِ).

لماذا كان مصير هؤلاء الى العذاب الشديد؟ لأنّهم نسوا يوم الحساب.

وقال: (يَوْمَ الحْسَابِ) ولم يقل: القيامة، لان الذي ينسى أنه محاسَب أمام اللّه على كلّ حركاته وسكناته، وعلى أهوائه بالخصوص، يفقد اتزانه وضوابطه في الحياة، فيخالف الحقّ ويتبع الهوى من دون حساب.

ثُمّ يقول ربّنا عزّوجل: (ومَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ والْأَرْضَ ومَا بَيْنهَمَا بَاطِلًا  ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ  فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّار).

فلو رأيتم مكاناً في نظام الخليقة دون حساب دقيق وحكمة بالغة حينئذ يحق لكم أن تشككوا في حساب يوم القيامة، لكن تجليات حكمة الله في السماء والارض وما بينهما تدل على أن الخليقة إنّما وجدت لهدف سامٍ وحكمة بالغة.

و سنُبيّن في الدرس القادم العلاقة بين نظام الخليقة وبين نظام الدين، وكيف يمكن الوصول الى الحقائق الكونية من خلال ذلك.

وصل اللهم علی محمد وآله الطیبین الطاهرین.

 

 

تدبرات سماحة المرجع الديني آية الله العظمي المدرسي في سورة (ص)

شهر رمضان المبارك / 1435

الدرس الرابع عشر