Search Website

تدبرات المرجع المدرسي في سورة (ص) شهر رمضان المبارك / 1435 – (الدرس العشرون)

تدبرات المرجع المدرسي في سورة (ص) شهر رمضان المبارك / 1435 – (الدرس العشرون)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ. وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ. ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ. وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى ِلأَوْلِي الأَلْبَابِ. وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (ص،40-44).

صدق الله العلي العظيم

 

المؤمن بين الصبر والشكر

احد المحاور الرئيسية لسورة (ص) هو ذكر القدوات الذين وصلوا الى درجة الأوابين.

ويعني الأواب من تكون علاقته بالله سبحانه وتعالى بمنتهى الكمال وفي كلّ الظروف، وفي حال حصول أيّ ضُعف فيها فإنّه سرعان ما ينوب الى الله.

فرُبّما يقول أبالسة الجن والانس بأنّ اولئك الذين آمنوا مع سليمان كان ايمانهم بسبب ملكه الذي سُخّر له الريح، وعُلّم منطق الطير، وانقاد له الجن والانس، لذلك ذكر القرآن الكريم بعد قصّة سليمان (عليه السلام) النبي أيّوب (عليه السلام) الذي كان زوج حفيدة يوسف الصدّيق عليه السلام.

أصابت أيّوب عليه السلام ابتلاءات عظيمة في امواله واهله وحتّى جسده، بحيث أُخرج من المدينة. يقول تعالى:

(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ).

وها هنا بحوث عدّة:

اولاً: لماذا أيوب نادى ربّه؟ لماذا استخدمت الآية النداء؟

رُبّما اشارة لصعوبة المحنة التي تعرض لها والمصيبة التي المّت به حتّى نادى ربّه.

ثانياً: كيف يسلّط الله الشيطان على جسد النبي أيّوب؟

في الاجابة نقول اولاً إن الآية صريحة في ذلك اذ يقول (مَسَّنِي الشَّيْطَانُ) ومعنى المس هو المباشرة من دون حاجز او واسطة.

(بِنُصْبٍ) هو الداء الذي يُتعب الانسان (وَعَذَابٍ) ومعناه الألم.

وعلى طول التاريخ كان شياطين الانس والجن يُلحقون الاضرار بالانبياء والائمة (عليهم السلام) وهذا الأمر جائز في مجال الامتحان، لأنهم عليهم السلام بعثوا قدوات للبشرية، وليس صحيحا أن نبعد النظرة الواقعية عن حياتهم، فنأوِّل الآيات في ذلك الى غير مضامينها.

ثالثاً: لماذا وقعت تلك الابتلاءات العظيمة لأيّوب؟

قبل أن نجيب على التساؤل لابدّ من التقديم أنّ الانبياء والائمة (عليهم السلام) انتخبوا في عالم سابق عن الدنيا.

فأولّ ما خلق الله نور النبي (صلى الله عليه وآله) وآلاف السنوات كان في محضر الرب وفي حُجب النور حتّى وصل الى مقام القُرب الالهي، وهكذا الائمة والانبياء (عليهم السلام).

اذن الانبياء كانوا أنبياء منذ عالم الذر، وكان مُقرراً أن يهب الله احدهم مُلكاً لا ينبغي لاحد من بعده كسليمان (عليه السلام) وفي ذات الوقت لا يغفل عن ذكر الله رغم كلّ ما اوتي من المُلك.

ويكون الآخر بتلك الحالة الصعبة كأيّوب، وفي تلك المرتبة ايضاً لا يفتر عن ذكر الرب المتعال.

وعلينا أن نأخذ درساً من ذلك ونتساءل كيف يمكن لانسان أن لا يتأثر بالمصائب التي تنزل عليه فلا يغفل عن ذكر الله؟ بل ويشكر ربّه عزّوجل؟

حين يستقرّ الايمان في قلب الانسان فإنّه سوف لا يتأثّر بالمؤثرات الماديّة من حصوله على المال او المنصب والجاه او عدم حصوله على ذلك فلا يتغير لأنّه يرى نفسه اعلى من الماديات.

ومن هنا لم يختلف سليمان مع ايّوب (عليهما السلام) فسليمان كان ابتلاؤه النعم الكثيرة وامتحانه في شكرها، وايوب كان ابتلاؤه بالمحن التي تعرض لها والصبر عليها وكلاهما كانا أعلى ممّا امتحنو به.

علينا أن  نسعى للوصول الى ذلك المقام، اذ لا نبالي بالماديات، وذلك حين تكون رؤيتنا للحقائق رؤية صحيحة.

 

لماذا دعا أيّوب؟

مع كلّ ما كان فيه من المصيبة الّا أنّ أيوب حتّى لم يدع ربّه لمدّة طويلة، وكانت زوجته الوفيّة تعمل من اجل سدّ الحاجة، وقد جاء في الرواية أنّه (لم يبق له مال ولا ولد ولا صديق ولا أحد يقربه غير (رحمة) امرأته صبرت معه تخدمه وتأتيه بطعام وتحمد اللّه تعالى معه إذا حمد، وأيّوب على ذلك لا يفتر من ذكر اللّه والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه.

فصرخ عدوّ اللّه إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعا من صبر أيّوب، فلمّا اجتمعوا إليه قالوا: ما أحزنك؟ قال: أعياني هذا العبد الّذي سألت اللّه أن يسلّطني على ماله وولده، فلم أدع له مالا ولا ولدا، فلم يزد بذلك إلّا صبرا وثناء على اللّه تعالى، ثمّ سلطت على جسده وتركته قرحة ملقاة على كناسة بني إسرائيل لا يقربه إلّا امرأته فقد افتضحت بربّي فاستغثت بكم لتعينوني عليه، فقالوا له: أين مكرك؟ أين علمك الّذي أهلكت به من مضى؟ قال: بطل ذلك كلّه في أمر أيّوب فأشيروا عليّ، قالوا: نشير عليك، أرأيت آدم حين أخرجته من الجنّة من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته، قالوا: فأته من قبل امرأته …قال: أصبتم، فانطلق حتى أتى امرأته وهي تصّدّق، فتمثّل لها في صورة رجل فقال: أين بعلك يا أمة اللّه؟ قالت:

هو ذلك يحكّ قروحه ويتردّد الدوابّ في جسده، فلمّا سمعها طمع أن يكون كلمة جزع فوسوس إليها فذكّرها ما كانت فيه من النعيم والمال، وذكّرها جمال أيّوب وشبابه وما هو فيه من الضرّ وأنّ ذلك لا ينقطع عنهم أبدا.

قال الحسن: فصرخت، فلمّا صرخت علم أن قد جزعت فأتاه بسخلة فقال:

ليذبح هذا لي أيّوب ولا يذكر عليه اسم اللّه عزّ وجلّ فإنّه يبرأ، قال: فجاءت تصرخ: يا أيّوب حتّى متى يعذّبك ربّك؟ ألا يرحمك؟ أين المال؟ أين الماشية؟ أين الولد؟ أين الصديق؟ أين لونك الحسن قد تغيّر وصار مثل الرماد؟ أين جسمك الحسن الّذي قد بلى وتردّد فيه الدوابّ؟ اذبح هذه السخلة واسترح، قال أيّوب:

أتاك عدوّ اللّه فنفخ فيك وأجبته، ويلك أرأيت ما كنّا فيه من المال والولد والصحّة؟ من أعطانيه؟ قالت: اللّه، قال: فكم متّعنا به؟ قالت: ثمانين سنة، قال: فمذ كم ابتلاني اللّه تعالى بهذا البلاء؟ قالت: منذ سبع سنين وأشهر، قال: ويلك واللّه ما عدلت ولا أنصفت ربّك، الا صبرت في البلاء الّذي ابتلانا اللّه به ثمانين سنة كما كنّا في الرخاء ثمانين سنة؟ واللّه لئن شفاني اللّه عزّ وجل لأجلدنّك مائة جلدة حين أمرتني أن أذبح لغير اللّه (1).

وبعد ذلك دعا النبي أيّوب عليه السلام.

(أنّي مسنى الشيطان بنصب وعذاب)

فاستجاب له الرب وقال :

(ارْكُضْ بِرِجْلِكَ  هَاذَا مُغْتَسَلُ  بَارِدٌ وشَرَابٌ)

أي اضرب الأرض برجلك، وحين فعل ذلك انفجرت له عين فاغتسل فيها وشرب منها فأذهب الله تعالى عنه كل ما كان به من البلاء.

ليس فقط عادت صحّة أيّوب بل وعاد اليه اهله كما يقول تعالى:

(وَ وَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ ومِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا)

فردّ عليه أهله بل وضاعفهم له (و ذِكْرَى‏ لِأُوْلىِ الْأَلْبَابِ).

إنّ الذي يستفيد من هذه الآيات هم اولو الالباب والبصيرة.

وحينما حلف أن يضرب زوجته الوفيّة مائة جلدة، أمره اللّه أن يجمع في يده مائة شمراخ من عذوق النخل، ويضربها ضربة واحدة، ليرفع عنه حرج الحلف باللّه من جهة، وحتى لا تتأذى زوجته من جهة أخرى.

(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِه وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا  نِّعْمَ الْعَبْدُ  إِنَّهُ أَوَّابٌ)

فذات الصفة التي كانت في سليمان وداوود كانت في أيّوب ايضاً وذلك أنّه كان أواباً.

وصل اللهم علی محمد وآله الطیبین الطاهرین.

 

(1)            بحار الانوار، ج12، ص 368.

 

تدبرات سماحة المرجع الديني آية الله العظمى المدرسي في سورة (ص)

شهر رمضان المبارك / 1435

الدرس العشرون