Search Website

تدبرات المرجع المدرسي في سورة (ص) شهر رمضان المبارك / 1435 – (الدرس الرابع)

تدبرات المرجع المدرسي في سورة (ص) شهر رمضان المبارك / 1435 – (الدرس الرابع)

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)

البشر بين التوحيد والشرك:

ما هو الشرك؟ وماهو جذره؟

لماذا نجد القرآن الكريم يبدأ كل موضوع بالتوحيد النقي من الشرك؟

ولماذا يقع البشر في وحل الشرك؟

لكي نتعمق في الاجابة عن تلك التساؤلات علينا مراجعة عدّة آيات من القرآن الكريم ومن ثم المزيد من التدبر في الآيات من سورة [ص] التي تُبيّن ذات الحقائق ولابدّ لنا من بعض المقدمات للدخول في مباحث الآية الكريمة.

عالم الذر اقرار بالربوبية والتوحيد:

في ذلك اليوم الذي اخرجنا ربّنا واشهدنا على انفسنا وقال ألست بربكم؟

في ذلك اليوم كانت بداية انطلاق الانسان نحو الكمال وبداية عروجه من سجن الذات الى رحاب الحق, كان ذلك ميثاقاً هامّاً جداً حيث انه لم يقتصر على بُعد واحد من حياة الانسان بل كان شاملاً لكل ابعاد الحياة ورُبّما كان ذلك الميثاق هو الأمانة التي حملها الانسان بعد أن أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها و أشفقن منها يقول تعالى: [إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً] (72الأحزاب)

حقّاً إنّها كانت أمانة ثقيلة ألا وهي أمانة التوحيد ولأجل المزيد من التوضيح نتدبر في الآية 172 من سورة الأعراف ذلك لأن لهذه الشهادة أهمية فائقة لكل البشر وهي التي يسألنا الرب عنها يوم القيامة  يقول ربّنا في سورة الأعراف:

[وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ* أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ](172-173الأعراف)

في الآية الأولى يدور البحث عن الشهادة بالربوبية حين أشهدهم على انفسهم فقال الست بربكم؟ قالو: بلى.

ويعني ذلك  أنّ الله سبحانه وتعالى عرّف العباد نفسه في عالم الذر إذ كيف يطلب منهم الشهادة دون أن يعرّفهم نفسه بل كيف يشهدو ويقرّو بالربوبية دون ذلك, وتعني الشهادة هنا الاقرار.

أن تقولو [يوم القيامة] إنّا كنا عن هذا غافلين

بين عالم الذر الى يوم القيامة فاصلة زمنية طويلة جداً قد تصل الى ملايين السنوات لكننا هناك سنُطالب بما شهدنا عليه في عالم الذر, فلا يُقبل حينئذ أي عُذر من ادّعاء الجهل او الغفلة فلا يكون ذلك حُجّة لعدم الإيمان.

فإذا قال العبد لربّه يوم القيامة لم اكن اعلم يأتيه الخطاب من العزيز المقتدر [هلّا تعلّمت]

وهُنا أنصح كل الأخوة والأخوات أن يولو المزيد  من الاهتمام بالمسائل الدينية فيسألو عمّا جهلوه من أمر دينهم أو عن أي شبهة تطرأ على أذهانهم ففي يوم القيامة لا يُقبل عُذر القائلين إنّا كنا عن هذا غافلين.

اذن الآية الأولى تتحدث عن الايمان بالربوبية

بينما الآية الثانية لا تدلّ على مجرد الايمان بالربوبية فحسب بل تُبيّن أنّ ما جرى في عالم الذر كان اقراراً بالتوحيد بكل معانيه يقول تعالى:

[أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ]

لأنّ الميثاق قد أُخذ من كل فرد فرد من البشر ولذلك لا معنى للتحجج بشرك الآباء تبريراً لانحراف الأبناء فكل انسان مسؤول عن الميثاق الذي أُخذ منه في عالم الذر.

اذن: ما جرى في عالم الذر ما كان فقط اعترافاً بأصل الربوبية وإنّما ايماناً بالتوحيد بكلّ ابعاده.

ابعاد الشرك:

للشرك عدّة أبعاد نذكر منها ما يلي

1-   احدى أبعاد الشرك هو الشرك الجلي في أن يضع الانسان لنفسه صنماً يعبده كما كان في مكة 360 صنماً يُعبدون لكن يتضاءل اليوم عدد المشركين بالشرك الجلي.

2-   البُعد الثاني من الشرك هو الشرك في الولاية.

فحين يُنصّب الرب المتعال نبياً او اماماً للناس فعدم التسليم له وتنصيب غيره من دون الله يكون شركاً في الولاية وقد بيّن الرب المتعال بشكل واضح أن الكُفر بالطاغوت هو شرط للتوحيد حين قال

[فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ]

وهو معنى كلمة التوحيد حين نقول لا اله لكل شيء سوى الله ثم نأتي بالاستثناء الوحيد ونقول إلّا الله.

3-   البُعد الثالث من الشرك هو الشرك في التشريع حين يُشرّع الانسان بما يخالف حُكم الله او حتّى في عدم التسليم لحكم الله يقول تعالى:

[فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا](65النساء)

لأنّ الاسلام هو التسليم  وهو أوّل ما يريد الله من الانسان لا أن نجد البعض مع الأسف لا يعملون ببعض الأحكام الشرعية بحُجة عدم قبولهم لها..وذلك نوع من الشرك.

4-    البُعد الرابع من الشرك هو التوجه للوسائل والاسباب في مختلف الأمور دون التوجه الى الله وهذا البُعد من الشرك الخفي.

فتراه يُثني على الطبيب وعلى الدواء وعلى اسباب اخرى دون أن يذكر الله أنّه هو المشافي. صحيح أنّ من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق لكن على الانسان دائماً أن يوصل السلسلة الى الله فهو عزوجل المهيمن على كل شيء.

النبي (ص) وكلمة التوحيد

لقد قال النبي (ص) لقريش  قولو كلمة تكونو في الدنيا اشرافاً وفي الآخرة ملوكا قال لهم [يا معشر قريش، ويا معشر العرب، أدعوكم إلى عبادة الله، وخلع الأنداد والأصنام، وأدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فأجيبوني تملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، وتكونوا ملوكا في الجنة][1]

لكنّهم لم يستوعبو ذلك فقالو ندع ثلاثمائة وستين إلها ونعبد إلها واحدا فأنزل الله تعالى: [وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ* أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ]

لأنّ لا اله الّا الله ليس لقلقة لسان إنّما هو ثورة على كل القيم الفاسدة والانتقال من الشرك الى التوحيد النقي, الذي يعني توحيداً في العبادة وتوحيداً في الولاية وتوحيداً في التشريع فضلاً عن تأثير ذلك حتى على الثقافة وسلوكيات الانسان الأخرى.

اسباب الشرك:

لكن السؤال الذي يُطرح اساساً لماذ يُشرك البشر؟

اولاً وقبل كل شيء ينبغي أن نعلم ان الانحرافات لا تأتي للانسان دفعة واحدة وكما قال الرب المتعال [فلا تتبعو خطوات الشيطان] خطوة فخطوة ينحرف الانسان ليقع في اوحال الشرك.

واسباب الوقوع في الشرك ايضاً متعددة لعلّ منها

1-   لشعور الانسان  بطبعه انّه ضعيف وفي داخله خوف دائم ويستغلّ الشيطان وجود هذه الحالة من الخوف عند الانسان لكي يعتقد بصنم يُنجيه من هذه التخوفات

[وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ] (يس 74-75)

ومعالجة هذا النقص هو بالالتجاء الى الله سبحانه في الشدائد وخصوصاً بترديد ذكر

بسم الله الرحمن الرحيم

لا حول ولا قوّة الّا بالله العلي العظيم

لأنّه اقرب ذكر للاسم الأعظم كما في بعض الروايات

2-   ذكرها القرآن نقلاً عن اولئك المشركين حين قالو

[ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏]

فالرب عظيم نحن لا نستطيع أن نتكلم معه كما يدعون وإنما نحن نتكلم مع الاصنام لكي يتكلمو مع الله.

كلّا ان الرب ليس ببعيد عنّا يقول الرب المتعال

[وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادي عَنِّي فَإِنِّي قَريبٌ أُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجيبُوا لي‏ وَلْيُؤْمِنُوا بي‏ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون]

بل هو اقرب الينا من حبل الوريد فعلينا أن ندعوه ونتقرب اليه.

وفي الختام اقول

حين قلنا بأنّ عالم الذر ما كان فقط للايمان بالبروبية بل كان للايمان بالتوحيد فذلك يعني ايضاً الايمان بالنبي (ص) وأمير المؤمنين (ع) والائمة الاطهار بل ومعرفة الكثير من حقائق الدين من الصلاة والزكاة والاخلاق الحسنة وإنّما جاء الانبياء ليُذكرونا بها وليستأدونا ذلك الميثاق وتلك الشهادة التي شهدنا بها في عالم الذر فهي في الحقيقة معارف كامنة في الانسان. ومن هنا تجد أن الذي يعتنق الدين تراه كما العطشان الذي يصل الى الماء الزلال يرتوي ليعيش سعادة حقيقية في الدنيا وينتقل بعدها الى النعيم المقيم.

وصل اللهم علی محمد وآله الطیبین الطاهرین.

تدبرات سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي دام ظله

في سورة (ص) شهر رمضان المبارك / 1435

الدرس الرابع