Search Website

تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة فاطر الدرس التاسع

تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة فاطر الدرس التاسع

بسم الله الرحمن الرحيم

وَ اللَّهُ الَّذي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى‏ بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (9)

كذلك النشور:

بإمكان المرء ان يحول الوجود من حوله الى مدرسة الارتقاء نحو وعي الحقائق وتبصرها ، شريطة ان تقوى وتكتمل قواه المدركة والكاشفة ، فقد يكون المرء أميّاً غير قادر على القراءة والكتابة الا انه ذو بصيرة نافذة ، يكشف عبرها الحقائق الكبرى ويؤمن بها ، ومن ثم يجعل سلوكه متطابقاً عليها، وقد يكون العكس ايضاً بأن يكون المرء ذو شهادة اكاديمية عالية ، ولكنه لا يمتلك البصيرة شيئاً ، فيعيش حياةً سطحية.

والفرق بين الاول والثاني ، في ان الأول وظّف حوله الى جسر للعبور الى معرفة الله سبحانه وتعالى ، بينما الثاني ركّز ناظريه اليها دون تأمل وتبصّر ، وان التفكر قد يحوّل كل حياة المرء ، فقد رُوِيَ‏ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه واله لِيُعَلِّمَهُ الْقُرْآنَ فَانْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ‏ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ فَقَالَ يَكْفِينِي هَذَا وَ انْصَرَفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله، انْصَرَفَ الرَّجُلُ وَ هُوَ فَقِيهٌ‏[1].

واذا نظر الواحد منا نظرة تأمل وتفكر فيما حوله من دورات حياتية كاملة ، تبدأ بالولادة و تنتهي بالموت مارّة على مراحل النمو والتكامل، فإن معرفته بالله سبحانه  وبقدرته وبحكمته تزداد عمقاً ، كما عزير عليه السلام الذي اماته الله سبحانه مائة عام ، ثم احياه ليدله كيف ان الله يحيي الموتى ، حيث يقول تعالى في بيان قصته : (أَوْ كَالَّذي مَرَّ عَلى‏ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيي‏ هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى‏ طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلى‏ حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدير)[2].

او كالنبي ابراهيم عليه السلام ، حين امره الرب بأن يأخذ بعضاً من الطير ويمزج لحهما ، ثم يجعل كل جزء منها على جبل فيناديها ، فقد قال الله سبحانه : (وَ إِذْ قالَ إِبْراهيمُ رَبِّ أَرِني‏ كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبي‏ قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزيزٌ حَكيم‏)[3][4].

بلى ، قد لا يحيي الله لك ميتاً امامك لتتيقن من قدرة الله ، ولكنه بثّ في خليقته ما يدل على تلك القدرة على البعث والنشور ، فلا تحتاج الا لوهلة تبصّر وتأمل لتكتمل عندك الصورة.

وَ اللَّهُ الَّذي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثيرُ سَحاباً }

فالرياح تتحرك لا بارادتها ، بل بارسال الله سبحانه لها ، و تتجه بالوجهة المعينة لها من قبل الله سبحانه وتعالى ، وتؤدي ما فرض عليها من مهام في هذه الخليقة.

وتختلف لفظة ( الرياح ) عن كلمة ( الريح ) في الاستعمال القرآني ، فالاولى ترد في مقام بيان نعم الله سبحانه وتعالى وفضله ، بينما الثانية فتستخدم اثناء الحديث عن العذاب والعقاب الالهيين.

وللرياح عدة مهام :

الاولى : انها تضغط متراكم السحاب ، اذ ان السحب تتشكل من البحار والانهار تارة ، ومن الرطوبة الموجودة في الغابات ، كما انها تتشكل من رطوبة الارض ، الا انها حين خروجها تبدأ متناثرة ، والهواء هو الذي يضغطها ويكثّفها.

الثانية: ان الرياح ترفع السحب الى المستوى المطلوب ، في مرتفعاتٍ ليست بالعالية جداً ، ولا بالمتدنية ، بل في المرتفعات الباردة القادرة على تحويل ذلك البخار الكثيف الى قطرات الماء.

الثالثة: ان الرياح تنقل اطنان المياه الكامنة في السحب من مكان الى اخر ، بإذن الله سبحانه.

وهكذا فان الرياح تثير وتحرك السحب ، وتنقلها من مكان الى اخر بعد ان تضغطه وترفعه.

{ فَسُقْناهُ إِلى‏ بَلَدٍ مَيِّتٍ}

يموت البلد بافتقاده للماء ، اذ ان الزراعة –وهي المصدر الاساس للطعام – تعتمد على الماء ، كذلك فان الصناعة تعتمد على جانب كبير منها على الماء ، اضف اليه فان الانسان غير قادر على العيش من دون المياه.

وهكذا يهاجر اهل البلدان الى غيرها ان اصيبت بلدتهم بشح الماء ، وبذلك يموت البلد كاملاً ، الم يقل الله سبحانه : (وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُون‏)[5].

وبهطول المطر ونزول الغيث ، تحيى البلدة ، بعد ان كانت ميتة:

فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها }

وفي الاية ذكر لميتين يحييهما الله سبحانه بالماء، اولهما البلدة ، والثاني الارض ، وفي هذا دلالة على ان هطول الامطار ونزول الغيث من السماء من الايات العظيمة لله سبحانه وتعالى.

كَذلِكَ النُّشُورُ}

كما ان الله يحيي البلدة والارض بنزول المطر ، بعد موتهما ، كذلك ينشر ميت العباد متى ما شاء.

ان التأمل في عملية احياء الارض ، كفيل بالايمان باحياء الله سبحانه للاموات بعد نشرهم .

النشور بين النص والعلم الحديث

ان التطور العلمي يؤكد يوماً بعد اخر على قدرة الله سبحانه وتعالى على النشور والبعث ، بل وقد يعي كيفية ذلك الامر، الم يبلغ العلم الحديث اليوم مبلغاً يقدر على استنساخ الحيوانات والانسان ، باستنساخ خلية واحدة ؟ وهو قادرٌ على اخذ الخلية وحفظها لعشرات السنين ، ثم انماءها – بعد موت صاحبها – وتحويلها الى الشخص مرة اخرى؟

ان الخلية التي تستنسخ هي جسمٌ كامل للحيوان او الانسان على هيئة متناهية في الصغر ، فالانسان الكامل موجود في تلك الخلية التي لا تكاد ترى بالمجهر الدقيق.

وهكذا فان النخلة بعظمتها ، قد اودعها الله سبحانه في نواة التمرة الصغيرة ، وزرع تلك النواة كفيل بظهور نخلة عظيمة مرة اخرى.

اليس الله القادر على تحويل هذه النواة الى نخلة ، بقادر على ان يبعث الانسان الذي انشأه اول مرة ؟ قال الله سبحانه : (وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَميم‏ * قُلْ يُحْييهَا الَّذي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَليم‏* الَّذي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُون‏)[6].

ولو وعينا الحقيقة السابقة ، مع الاخذ بعين الاعتبار حديث الامام الصادق عليه السلام حيث قال: (..ٍ وَ رُوحُ الْمُسِي‏ءِ فِي ضِيقٍ وَ ظُلْمَةٍ وَ الْبَدَنُ يَصِيرُ تُرَاباً مِنْهُ خُلِقَ‏ وَ مَا تَقْذِفُ بِهِ السِّبَاعُ وَ الْهَوَامُّ مِنْ أَجْوَافِهَا فَمَا أَكَلَتْهُ وَ مَزَّقَتْهُ كُلُّ ذَلِكَ فِي التُّرَابِ مَحْفُوظٌ عِنْدَ مَنْ‏ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ عَدَدَ الْأَشْيَاءِ وَ وَزْنَهَا وَ إِنَّ تُرَابَ الرُّوحَانِيِّينَ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ فِي التُّرَابِ فَإِذَا كَانَ حِينُ الْبَعْثِ مَطَرَتِ الْأَرْضُ‏ فَتَرْبُو الْأَرْضُ ثُمَّ تَمْخَضُ مَخْضَ السِّقَاءِ فَيَصِيرُ تُرَابُ الْبَشَرِ كَمَصِيرِ الذَّهَبِ مِنَ التُّرَابِ إِذَا غُسِلَ بِالْمَاءِ وَ الزُّبْدِ مِنَ اللَّبَنِ إِذَا مُخِضَ‏ فَيَجْتَمِعُ تُرَابُ كُلِّ قَالَبٍ‏ فَيَنْقُلُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى حَيْثُ الرُّوحُ فَتَعُودُ الصُّوَرُ بِإِذْنِ الْمُصَوِّرِ كَهَيْئَتِهَا وَ تَلِجُ الرُّوحُ فِيهَا فَإِذَا قَدِ اسْتَوَى لَا يُنْكِرُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً الْخَبَرَ)[7].

نعم ، ان الله قادرٌ على ان يبعث من في القبور وينشرهم ليوم الحساب ، كما ضرب لنا المثل تلو الاخر ، في كتابه و خليقته ، فما يضر الانسان لو آمن بذلك واعتقد به ، اما من دخل في قلبه شك وشبهة من ذلك الامر ، فما عليه الا ان يتذكر كيف ان الله يحيي الارض بعد موتها .

ان موت الانسان لا يعني تحوله الى عدم ، بل تبقى في اجزاءه الحياة – كما في الحديث السابق – وتلك الاجزاء لا تخفى عن الله ، يحييها متى شاء.

ان الايمان بالنشور يبعث الانسان على العمل الجاد في كسب الحسنات وامحاء الموبقات، وكلما ازداد ايمان المرء بالبعث زاد سعيه من اجلها ، ولا يزداد ايمان المرء بالمعاد الا اذا ما تصور نفسه محشوراً و تلى الكتاب الكريم وكأنه هو المخاطب وليس جاره.

تنزيل: [نشرة البصائر الرمضانية 009]


[1]  بحار الانوار: ج89 ، ص 107

[2] البقرة : 259

[3] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام نَظَرَ إِلَى جِيفَةٍ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ تَأْكُلُهَا سِبَاعُ الْبَرِّ وَ سِبَاعُ الْبَحْرِ ثُمَّ يَثِبُ السِّبَاعُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَيَأْكُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً فَتَعَجَّبَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ‏ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏فَقَالَ اللَّهُ لَهُ‏ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏ فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ الطَّاوُسَ وَ الدِّيكَ وَ الْحَمَامَ وَ الْغُرَابَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ‏ أَيْ قَطِّعْهُنَّ ثُمَّ اخْلِطْ لَحْمَاتِهِنَ‏[3] وَ فَرِّقْهَا عَلَى كُلِّ عَشَرَةِ جِبَالٍ ثُمَّ خُذْ مَنَاقِيرَهُنَّ وَ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً فَفَعَلَ إِبْرَاهِيمُ ذَلِكَ وَ فَرَّقَهُنَّ عَلَى عَشَرَةِ جِبَالٍ ثُمَّ دَعَاهُنَّ فَقَالَ أَجِيبِينِي بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَتْ يَجْتَمِعُ وَ يَتَأَلَّفُ لَحْمُ كُلِّ وَاحِدٍ وَ عَظْمُهُ إِلَى رَأْسِهِ وَ طَارَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ‏ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏…

[4]  البثرة : 260

[5]  الانبياء: 30

[6]  يس : 78-80

[7]  بحار الانوار: ج7 ، ص 38