Search Website

تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة فاطر الدرس الثاني عشر

تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة فاطر الدرس الثاني عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الخليقة بين التمايز والتكامل

وَ ما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَ تَرَى الْفُلْكَ فيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)

من الطرق الموصلة الى المعرفة الحقيقية التي هي بمثابة مقدمة للتكامل الروحي عند الانسان المؤدي الى الوصول الى مرحلة اليقين ، هو طريق اجالة النظر والتأمل في الاختلافات والمفارقات الموجودة في الطبيعة.

ووجود هذه الاختلافات في الخليقة يكشف لنا حقائق عدة ، منها ان الطبيعة لم تخلق نفسها ، فلو كانت كذلك لكانت تخلق نفسها كاملةً وغنية ، وكون كل مخلوق مفتقر الى غيره يدل على ان الخالق ليس محتاجاً ومفتقراً الى غيره ، وان كان كذلك لما كان هو الخالق اصلاً.

والحقيقة التالية ، ان الاختلافات الموجودة بين الخليقة تدعوها الى تكامل بعضها مع البعض الاخر ، فالشيء يكتمل بشيء اخر ، كما ان الانسان يكتمل بالانسان ، الا ان درك هذه الحقيقة بحاجة الى مزيد دقة و تأمل ، كما ان الواحد قد ينظر الى الاجزاء المختلفة في الطائرة فينظنها وجدت عبثاً ، الا انها وجدت مختلفة ليؤدي كل جزء مهمته الخاصة به ، وهكذا جسم الانسان نفسه ، فلو كانت اعضاءه كلها على نسق واحد وبحجم متساوٍ لما كان بامكان المرء ان يعيش بهذه السلاسة والسهولة ، بل ربما استحالت المعيشة عليه.

ويمكن معرفة التكامل هذا في كل مخلوق في هذا الكون ، فمواقع النجوم مثلاً ، والكواكب ، والاحياء المختلفة ، و.. كلها تنبي عن الخلقة المتقنة.

انواع المياه

ومن جملة المخلوقات التي تختلف في خصوصياتها وتتكامل مع بعضها البعض ، هو الماء ، فقد يجهل المرء ما في هذا الماء الذي يشربه سائغاً ، من انواع مختلفة واوزان متفاوتة ، وتركيبات متميزة ، فالماء قد يكون خفيفاً وقد يكون ثقيلاً ، وقد يحتوي الماء على العناصر الحيوية المفيدة للجسم (كماء زمزم ) وقد يكون الماء ميتاً ( كالبحر الميت ).

والله سبحانه وتعالى قد خلق الماء على قسمين اساسيين ، فمنه العذب ، ومنه الاجاج ، ولكلٍ فائدته وخصوصياته ، فالعذب ينتفع به الانسان ، والاجاج يقوم بحفظ الاحياء في البحار ، اذ لو كانت مياه البحر حلوة لتعفن ماء البحر بسبب الركود .

و ما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ }

تطلق لفظة البحر في اصل اللغة ، على المجاميع الكبيرة للمياه ، فليس شرطاً ان يكون البحر بحراً حسب المتعارف ، بل من الممكن ان يستخدم السياق القرآني لفظة البحر للانهار ، كما بالنسبة الى نهر النيل.

وتبين الاية الكريمة الفرق بين انواع المياه ، فمنه العذب والفرات ، الذي يشربه الانسان هنيئاً مريئاً لا يصاب بالشرقة ، ومنه الاخر مالحٌ اجاج ، سيء المذاق.

ولكن كلا القسمين مفيدٌ وفيه المنافع.

وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَ تَرَى الْفُلْكَ فيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ }

تبين الاية ، بعضاً من الفوائد التي يشترك فيها المياه العذبة والمالحة ، رغم الاختلاف في الاصل:

الاولى : تأمين الغذاء البشري ، فالبحار والانهار تعد من المصادر الرئيسة لطعام الانسان ، حيث يصطاد البشر ملايين الاطنان من الاسماك المختلفة لحاجتهم اليومية ، ويمتاز لحم السمك بكونه طرياً ومفيداً للمرء في علاج الكثير من الامراض والوقاية من الكثير منها.

الثانية: استخراج الزينة التي يلبسها الناس ، فالصدف واللئالئ والمرجان والعنبر ، كلها تستخرج من الماء ، فالزينة – كما الطعام – ضرورة يحتاجها الناس في حياتهم ، ولذلك فان الاية المباركة تشير الى هذه الحقيقة ، بل وفي بعض النصوص تأكيد على مشروعية الزينة وكونها من الامور المرغوبة ، مثل قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ اللَّهِ الَّتي‏ أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون‏)[1]، بل وهناك دعوة من قبل الشرع الحكيم للتزين بصراحة ، مثل قوله تعالى : (يا بَني‏ آدَمَ خُذُوا زينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفين‏)[2].

كان المفسرون فيما سبق يرون ان الزينة تستخرج من البحر فقط دون المياه العذبة ، الا ان البحوث الحديثة تدل على وجود هذه الامور في مياه الانهار ايضاً.

الثالثة: وجود السفن في البحار ، التي تمخر عبابها و تنتقل من مكان الى اخر بسلاسة ويسر ، وتنفع الانسان في التنقل مضافاً الى انتفاعه بها في نقل البضائع التجارية بين البلدان ، ولا تزال البشرية تعتمد على النقل البحري كجزء رئيسي لا يستغنى عنه في نقل البضائع والمواد المختلفة.

 والمخر يعني كسر الامواج واحداث الشق في الماء ، دلالة على سير السفن بسرعة كبيرة وسلاسة فائقة.

ابتغاء فضل الله

لنعم الله سبحانه جهتين ، الاولى سعي الانسان و عمله لكسب الرزق والنعمة ، والجهة الثانية تفضّل الله على البشر بالعطاء ، ولا يستغنى عن جهة على حساب اخرى ، كأن يعتمد الانسان على عمله وتفكيره مستغنياً عن الله عزوجل ، ففي ذلك هلاكه السريع ، لأن الله هو القادر والقاهر لكل شيء ، فالفلك التي تجري بالريح ، اليس الله بقادر على ان يجعل الريح ساكناً لا تحرك الفلك ؟ والتي تعمل بالمواد الاخرى ؟ اليس الله بقادر على ان يبعث بطوفان شديد تجعلها تنكفئ باهلها؟

كما ان من يكتفي بالدعاء دون العمل ، هو الاخر لا يحصل على شيء ، بل هو الاخر ملعونٌ وخاسر.

التكامل نعمة

وتتجلى حقيقة الحاجة الى الاخر والتكامل معه في  هذه الاية ، فلولا التجارة والتنقل بين البلدان والتواصل مع الاخرين ، يبقى الانسان مفتقداً الى الكثير من نعم الله سبحانه وتعالى ، فالامة التي تعيش بعيدة عن سائر الدول فانها تبقى بعيدة عن التطور والتقدم.

وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}

الغاية من كل ما سبق هو الوصول الى هذه المرحلة العالية ، وهي مرحلة شكر الله المنعم المفضل .

فلو شرب العطشان ماءاً عذباً فراتاً ، فان بدنه يرتوي ، الا ان روحه لم ترتو بعد ، فهو بحاجة الى الشكر ليكون ذلك الماء هنيئاً على جسمه وروحه على السواء ، فكما ان الطعام هو زاد البدن ، كذلك فان الشكر زاد لروح الانسان.

فالشكر اصل النعم وهو جوهر الخلقيات الفاضلة ، فمن يمتلك نعمة الشكر ، يكون متصفاً بالصبر والصدق وحسن الخلق ، بل وان شكر النعم من الميزات الرئيسة للانبياء ، فقد قال تعالى : (وَ كَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرين‏)[3].

ولكن ما هي حقيقة الشكر؟

ان حقيقة الشكر ادراك الانسان بأن النعم كلها من عند الله سبحانه وتعالى ، وان استمرارها او انقطاعها امرٌ بيده عزوجل ، فحينها سيسعى دائماً لابقاء اسباب النعم باداء الشكر باللسان والعمل.

 تنزيل: [نشرة البصائر الرسالية العدد:12]



[1]  الاعراف : 32

[2]  الاعراف : 31

[3]  الانعام : 53