Search Website

تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة فاطر الدرس الثالث عشر

تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة فاطر الدرس الثالث عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْميرٍ (13)}

 ذلكم الله..

كما هو الحال في جميع الايات القرآنية ، كذلك فان هذه الاية تكشف للمتدبر فيها حقائق عدة ، ولكن قبل بيان جانباً من تلك الحقائق لابد ان نقدم ببعض المقدمات ليسهل لنا ادراك تلك الحقائق.

المقدمة الاولى: تبيان الحقائق الواضحة

القرآن الكريم كتابٌ مبين ، ويعني ذلك ان الفاظه واضحة ، وتبين المعاني بشكل واضح ايضاً ، و رغم وضوحه وتيسير الفاظه ، فهو يبين للانسان الحقائق العظمى والكبيرة ، لا صغائر الأمور وبسيطها ، فعلى سبيل المثال ، حينما يريد ان يتحدث القرآن الكريم عن مصير انسان مذنب ، فانه لا يحدثنا – الا نادراً – عن الافراد المخطئين ، بل تراه يحدثنا عادة عن المذنبين في اطار الامة العاصية والمنحرفة ، وذلك لأن خبر الامم والحضارات التي سادت في فترة ما ، وبادت بعد حين ، واضح للجميع ، والقرآن الكريم يبين ان مصيرهم ذاك كان بسبب شركهم وكفرهم وبغيهم ، كالفراعنة الذين حكموا البلاد ووصلوا الى مراحل متقدمة في العلم والمدنية ، وبتلك العلوم بنوا الاهرام وحنطوا الاموات و فعلوا ما فعلوا ، ولكنهم بسبب انحرافهم عن الصراط دمّروا ، ومصيرهم واضح عند الجميع.

وهكذا قوم عاد و ثمود و قوم لوط و غيرها من الاقوام التي دمرّها الله سبحانه بسبب طغيانهم وعصيانهم للاوامر الالهية.

و في هذه الاية ايضاً يضرب الله مثلاً بالليل والنهار واختلافهما .. بالشمس والقمر وجريانهما ، ذلك لأنها آيات واضحات عند الجميع ، فلماذا لا يستفيد العبد من هذه الايات الباهرات طريقاً للايمان بالله سبحانه وتعالى؟

المقدمة الثانية: هدى للمتقين

ان اول خصوصية للقرآن الكريم انه هدى ، ولكنه ليس للجميع ، بل هداه للمؤمنين وللمتقين ، في حين انه لا يزيد الظالمين الا خساراً وبعداص عن الطريق.

فالقرآن ، كما يقول تعالى: (ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِلْمُتَّقين‏)[1] ، ويمكن قرائة هذه الاية بتوقفات ثلاث : ( لا ريب ) ، ( لا ريب فيه ) ( لا ريب ، فيه هدى للمتقين).

فلا ريب في القرآن الكريم ، الا ان مشكلة البشر هو انهم يحتجبون عن القرآن ، اذ ان البصيرة – كما البصر- قد تقل ضياؤها و نورها ، واذا ما ضعفت البصيرة فانها تحتجب عن نور القرآن الكريم وحقائقه ، وكما في الدعاء (ُ إِلَهِي قَلْبِي‏ مَحْجُوب‏)[2].

الا ترى كيف ان اعداء الامام الحسين عليه السلام لم يكونوا يستوعبوا خطب الامام وهو حجة الله على الارض ، بل لم يدعوا الامام يتحدث  ؟ حتى قال لهم الامام عليهم السلام : (ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إلى فتسمعوا قولي و إنّما أدعوكم إلى سبيل الرشاد فمن أطاعني كان من المرشدين و من عصاني كان من المهلكين و كلكم عاص لامرى غير مستمع قولي فقد ملئت‏ بطونكم من الحرام‏ و طبع على قلوبكم ويلكم أ لا تنصتون، أ لا تسمعون!)[3]

وكذلك فان من امتلأ وعاء قلبه بالافكار المنحرفة والباطلة ، والشهوات والعصبيات ، فإنه لا مجال لاستقبال ضياء الهدى في قلبه ، وانّى له بتبصر الحقائق؟ اوليست القلوب اوعية ؟ وخيرها اوعاها؟[4].

ويمتاز القرآن الكريم عن سائر المدارس المعرفية في التاريخ ، انه يوسع وعاء قلب الانسان ويزكيه ليكون قابلاً لاستقبال الهدى والمعرفة ، وهكذا دعا النبي موسى عليه السلام ربه بان يوسع صدره قائلاً: (   قالَ رَبِّ اشْرَحْ لي‏ صَدْري‏)[5] ، وقال تعالى مخاطباً نبيه الكريم ، صلى الله عليه واله ، : (أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك‏)[6] ، وهكذا فان الله يشرح صدر من يريد هدايته الى الايمان ، قال تعالى : (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ لا يُؤْمِنُون‏)[7].

فالقرآن الكريم يطهر قلب المرء من الشك اولاً ، ثم يهبه المعرفة والهداية ، قال تعالى : (هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي‏ ضَلالٍ مُبين‏)[8] ، فاساس العلم هو التزكية.

ولكن كيف للقرآن ان يزيل الريب من قلب الانسان ؟

ان القرآن الكريم يطهر قلب المؤمن من اسباب الشك والشبهة ، واسبابها :

اولاً: حب الدنيا ، فكم من محب للدنيا وعبد لها شكك في صدق الانبياء ورسالاتهم وامتنع عن الايمان بها؟

ثانياً: حب الاباء والسلف ، والتعصب لهم من اسباب التشكيك في الحقائق.

ثالثاً: وقد يكون التعصب لافكار مسبقة ، سسبباً في التشكيك.

والقرآن الكريم يزيل هذه الحجب عن قلب الانسان الواحدة تلو الاخرى ، ويجعل قلب المرء طاهراً نقية ، فاذا تخلّى من تلك الرذائل عاد قلبه مستعداً لاستقبال ضياء هدى القرآن الذي لا ريب فيه.

آيات الله

بعد بيان المقدمتين ، نقول ان القرآن الكريم مفتاحٌ للوصول الى المعارف ودليلاً عليها ، فكل اية منه مفتاح لخزانة من المعارف والعلوم ، وكلما فتح الانسان اية عليه ان ينظر ما فيها ، وهذه الاية تذكرنا بعظيم ايات الله في خلقة الليل والنهار والشمس والقمر.

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ }

الولج يعني ادخال الشيء في الشيء ، وفي الاية يعني ان الليل والنهار متداخلان ومتعاقبان بشكل مستمر ، فالليل والنهار مستمران ابداً، فان كان المشرق ليلاً فان المغرب يعيش النهار ، وهكذا العكس.

و ان في ذلك دليلٌ على قدرة الله سبحانه وتعالى ولطف صنعه ، ارأيت كيف لو انك اردت ان تسكب الماء في اناء صغير كنت محتاجاً الى الملاحظة والدقة ، فكيف بهذين الايتين ( الليل والنهار ) والتداخل فيما بينهما ، الا يدل ذلك على صنع صانع خبير، سبحانه.

وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ }

ان التأمل في هذين المخلوقين يكشف للمرء افاقاً في معرفة الله ، الا ترى الى هذين العظيمين ، كيف يعملان بأمر الله ، لا يعصونه قيد انملة ؟ ان ذلك دليل على ان الله قد سخرهما للبشرية.

كُلٌّ يَجْري }

وعمل الشمس والقمر مستمر وجارٍ ، واستعمال لفظ الجريان هنا للتشبيه بجريان الماء ، للدلالة على الحركة الانسيابية ومن دون وجود عوارض لتحرك الشمس والقمر.

{لِأَجَلٍ مُسَمًّى }

ولكن جريانهما ( رغم يسره ودقته ) ليس أبدياً ، بل يستمر الى ان ينتهي الاجل المسمى لهما ، ودليل ذلك وجود مبدأ لهما ، فلا يمكن لمخلوق قد بدأ في زمن ما ان يبقى خالداً ، بل لابد ان ينتهي في يوم ما ، ذلك لأنه يبقى مخلوقاً لله وضعيفاً امام عظيم قدرته.

ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ }

ان الليل والنهار والشمس والقمر  تكفي لمعرفة الله ، فهو الرب الذي خلق كل شيء ورباه ، وهو الخالق لكل شيء ومالكه.

وَ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْميرٍ }

اما الالهة المزيفة التي يشرك بها الانسان بسبب انحرافه وجهله ، فلا يملكون شيئاً ، حتى بقدر قطمير ، وهي الجلدة الرقيقة على ظهر النواة.

تنزيل: [نشرة البصائر الرمضانية العد: 13]



[1] البقرة: 2.

[2]  بحار الانوار: ج 84، ص 341.

[3]  تحف العقول: ص 240.

[4]  قال امير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد: “يَا كُمَيْلُ إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا”.

[5]  طه: 25.

[6]  الشرح: 1.

[7]  الانعام: 125.

[8]  الجمعة: 2.