Search Website

تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة فاطر الدرس الرابع عشر

تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة فاطر الدرس الرابع عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَ لَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبيرٍ (14) يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَميدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَديدٍ (16) وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزيزٍ (17) }

من الاهداف الرئيسة لسورة فاطر – كما ذكرنا في الدروس السابقة – ، هدم بنيان الشرك في القلب واقتلاع جذوره ، ذلك لأن للفضائل والرذائل ، للخير والشر ، جذور ضاربة في القلب ، فلو اردنا ان نتحلى بالفضيلة والخير ونتخلى عن الرذيلة والشر ، لابد ان يكون ذلك من الجذور ، فلو ارادها المرء بشكل سطحي وظاهري فقط ، فستكون الفضيلة امراً عابراً ينتهي بسرعة.

او اذا اراد العاصي ان يقلع عن معصيته و يتوب منها ، لكن دون اقتلاع جذور المعصية واسبابها الرئيسية ، فانه سيعود بعد حين الى نفس المعصية ، وهكذا كان سوء الخلق من المعاصي التي لا تغتفر توبة صاحبها ، لأن جذر المشكلة يبقى ضارباً في اعماق قلب الانسان فيحركه دوماً نحو المعاصي ، قال ابو عَبْدِ اللَّهِ الصادق عليه السلام : (‏ قَالَ أَبَى اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِ الْخُلُقِ السَّيِّئِ بِالتَّوْبَةِ قِيلَ وَ كَيْفَ ذَاكَ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ‏ مِنْ‏ ذَنْبٍ‏ حَتَّى يَقَعَ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْه‏)[1] .

وهذه الاية تعالج جذراً اساسياً من جذور الشرك بالله سبحانه وتعالى ، وهو مشكلة الانسان في لجوءه الى الشركاء من دون الله لقضاء حوائجه ودفع الضرر وجلب المنفعة لنفسه.

ان الله سبحانه هو الخالق الرازق ، القادر على قضاء حوائج الناس في الشدة والرخاء ، الا ان الكثير من الناس كانوا – ولا يزالون – يجأرون الى الالهة المزيفة ، من اصنام حجرية او وهمية ، بالاضافة الى الكثير ممن يعانون من انحرافات عقدية في قلوبهم تجاه هذه المسألة.

علاقتنا بالله

والسؤال هنا ، عن علاقتنا نحن ، بالله سبحانه وتعالى ، وطلبنا الحوائج منه ، كيف يجب ان تكون ؟

في الاجابة على هذا التساؤل اختلفت النظريات الى ثلاثة:

الاولى : ان نتقرب الى الله بأي طريقة ممكنة ، سواء كان ذلك عبر الاصنام ، او اتباع الاهواء ، او.. ، وقد ذكر لنا القرآن نظرية هؤلاء بقوله : (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَ الَّذينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ في‏ ما هُمْ فيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّار)[2].

الثانية: وفي مقابل هذه النظرية ، يرى فريقٌ من الناس ، ان الله هو الرازق والخالق ، وهو سميعٌ مجيب ، فلابد ان ندع كل الوسائل بيننا وبينه ، ونخاطبه مباشرةً ، اليس هو اقرب الينا من حبل الوريد ؟ اوليس هو الذي يقول : (وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادي عَنِّي فَإِنِّي قَريبٌ أُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجيبُوا لي‏ وَ لْيُؤْمِنُوا بي‏ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون‏)[3] ، وكل وسيلة بين الله وبين العبد تكون باطلة ، وتخرج الانسان من حدود التوحيد الى الشرك بالله سبحانه وتعالى.

الثالثة: الا ان فريقاً من الناس ، لم يميلوا الى اي الفريقين ، فقالوا ان الله سبحانه وتعالى هو الخالق والرازق ، وكل وسيلة بين العبد وبينه تعد شركاً به الا تلك الوسائل التي جعلها هو للوصول اليه ، وامر الناس بان يتخذوها بينهم وبينه سبحانه.

مناقشة النظريات الثلاث

اما القول الاول فواضح البطلان ، فقد حاربت ايات القرآن الكريم – بما فيها هذه الاية التي نحن بصدد التدبر فيها – هذه النظرية الخاطئة.

واما بالنسبة الى الرأي الثاني ، فإن اصحاب النظرية قد تمسكوا ببعض الكتاب وتركوا البعض الاخر ، فرموا كل من يتخذ الى الله وسيلة ويستشفع بها الى الله ، رموه بالشرك والكفر والخروج من دائرة الاسلام ، حتى لو كان الشفيع شخص رسول الله صلى الله عليه واله ، او عترته الاطهار الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

ولنا ان نتسائل عن السبب الرئيسي لنشوء هذه النظرية التي راحت تخالف صريح ايات الكتاب الكريم مثل قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ وَ جاهِدُوا في‏ سَبيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون‏)[4]، او ايات اخرى سنذكر بعضها في الحديث عن النظرية الثالثة.

في الاجابة على هذا التساؤل لابد من الرجوع الى السبب في اصل خلقة الانسان ومجيئه الى هذا العالم ، اذ كما هو واضح ان الله خلق الارواح قبل الابدان بألفي عام ، وبعدها جعلها على هيئة الذر ، ومن ثم الى عالم الاصلاب والارحام ، حتى وطأت قدما البشر الارض ، فلماذا حدد الله تلك الارواح التي كانت في تسكن في الهواء؟

يجيب الامام الصادق عليه السلام على هذا التساؤل قائلاً: (أن الارواح في شرفها وعلوها متى ما تركت على حالها نزع اكثرها الى دعوى الربوبية دونه عزوجل فجعلها بقدرته في الابدان التي قدر لها في ابتداء التقدير نظراً لها ورحمة بها.)[5]

فادعاء الربوبية والتكبر ، كان السبب الاساس في ان ان يجعلها الله في الابدان رحمة بها لكيلا يعذبهم ، الا ان هذه النزعة ( الربوبية والتكبر) بقيت في الانسان ولم يقدر على التخلص منها ، ولذلك ابتلاه الله بابتلاء صعب لكي يعلم منه انه قد انتزع هذه النزعة من قلبه ، وذلك بأمر اطاعة الانبياء الذين هم بشر مثله.

وهكذا كانت رسالة الانبياء تتلخص في كلمتين ، عبادة الله سبحانه وتعالى ، وطاعة النبي ، حتى تكررت عبائرهم عليهم السلام ، كما ينقل القرآن الكريم اقوالهم : (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطيعُون‏)[6].

الا ان الاكثرية – رغم قبولهم عبادة الله – ابوا طاعة الانبياء ، لأنهم كانوا – ظاهراً – يشبهونهم ويعيشون حياةً طبيعيةً ، يأكلون الطعام ويمشون في الاسواق و.. ، فقالوا : (فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفي‏ ضَلالٍ وَ سُعُر)[7] ، وقالوا ايضاً: (وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشي‏ فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذيرا)[8].

ولذلك دعاهم الكبر الى رفض طاعة الرسول ، و نفس الكبر ذلك دعا الكثير من المسلمين ان يخضعوا لوصي رسول الله صلى الله عليه واله ، حتى قال قائلهم لرسول الله صلى الله عليه واله ، بعد ان نصب علياً للخلافة يوم غدير خم : (يا رَسُولَ اللَّهِ دَعَوْتَنَا أَنْ نَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَشَهِدْنَا وَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَصَدَّقْنَا وَ أَمَرْتَنَا بِالصَّلَاةِ فَصَلَّيْنَا وَ بِالصِّيَامِ فَصُمْنَا وَ بِالْجِهَادِ فَجَاهَدْنَا وَ بِالزَّكَاةِ فَأَدَّيْنَا قَالَ وَ لَمْ يَقْنَعْكَ [تنفعك تقنعك‏] إِلَّا [إلى‏] أَنْ أَخَذْتَ بِيَدِ هَذَا الْغُلَامِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فَقُلْتَ اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ [فَعَلِيٌ‏] مَوْلَاهُ [اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ‏] فَهَذَا عَنِ اللَّهِ أَمْ عَنْكَ ؟

فقَالَ صلى الله عليه واله : هَذَا عَنِ اللَّهِ لَا عَنِّي .[ثُمَ‏] قَالَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهَذَا عَنِ اللَّهِ لَا عَنْكَ ؟

قَالَ صلى الله عليه واله : اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهَذَا عَنِ اللَّهِ لَا عَنِّي .

ثُمَّ قَالَ ثَالِثَةً اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهَذَا عَنْ رَبِّكَ لَا عَنْكَ .

قَالَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهَذَا عَنْ رَبِّي لَا عَنِّي .

فَقَامَ الْأَعْرَابِيُّ مُسْرِعاً إِلَى بَعِيرِهِ وَ هُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ قَالَ فَمَا اسْتَتَمَّ الْأَعْرَابِيُّ الْكَلِمَاتِ حَتَّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُ وَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي عَقِبِ ذَلِكَ ( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ. لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ‏)[9].

ومن هنا فان اصحاب النظرية الثانية راحوا يرفضون كل وسيلة بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى.

اما النظرية الثالثة ، فهم اتبعوا امر الله سبحانه وتعالى في اتباع الانبياء ، تاركين التكبر ، مسلمين لأوامر الانبياء واوصياءهم ، قال تعالى : (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحيما)[10].

فطاعة الرسول طاعة الله سبحانه ، واستغفاره للمذنبين سبيل مغفرة الرب سبحانه. وهكذا فلابد من جعل الرسول وسيلةً للمغفرة وقضاء الحاجة .

الشفعاء من دون الله

إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَ لَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ }

ان الوسائل الذين يتخذهم الناس من دون الله ، اي ( بغير امر من الله كما بالنسبة الى الانبياء واوصياءهم) ، لهم صفات ثلاث ، كما تبينها الاية الكريمة:

الاولى : ان الشركاء ( الاصنام او الاوهام ) لا يسمعون الانسان ان دعاهم.

الثانية: انهم لا يقدرون على استجابة دعاءه ، فهم لا يملكون لانفسهم ضراً ولا نفعاً ، فكيف يكون الامر تجاه غيرهم؟

الثالثة: ان الشركاء سيشهدون على المشرك يوم القيامة ، ويتبرئون منه لئلا يحملوا على ظهورهم المزيد من الاوزار.

{ وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبيرٍ }

حين يريد المرء ان يحصل على الخبر الصحيح ويكتشف الحقيقة كما هي ، فلابد له ان يأخذ الخبر من اهل الخبرة ، وهكذا كان الله خبيرٌ بما يصنع المجرمون ، وهو الذي ينبئنا عن زيف الشفعاء من دونه ، و تحولهم  الى وبال في القيامة على المشركين.

وما دام المنبئ صادقٌ وخبيرٌ فلماذا يتهرب الانسان من تحمل المسؤولية قبال الحقائق ؟

انتم الفقراء

{يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ }

يخاطب الله جميع الناس بأنهم فقراءٌ الى الله في كل شيء ، فهم يفتقرون الى رحمته في اصل وجودهم و حياتهم ، ويستمر افتقارهم حتى اخر لحظة من حياتهم.

وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَميدُ }

ويفتقر الناس الى الله الغني ، الذي بيده خزائن كل شيء ، ولا يزيده العطاء الا جوداً وكرماً ، وهو الحميد الذي يلطف على الناس بكل شيء .

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَديدٍ * وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزيزٍ }

فمن مظاهر قوته وغناه انه قادرٌ على ان يفني كل من في الارض ويستبدلهم بغيرهم ، من دون ان يكون في ذلك صعوبةً على الله او ضرر ، بل بكل سهولة ويسر، قال تعالى : (إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَليماً وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدير)[11].

 تنزيل: [نشرة البصائر الرمضانية العدد:14]



[1]  علل الشرائع: ج2، ص 492

[2]  الزمر: 3

[3] البقرة : 186

[4]  المائدة : 35

[5]  علل لشرايع : 15 ؛ بحار الانوار : ج58 ، ص 133

[6]  الشعراء : 108 و 110 و 126 و 131 و144 و 150 و 163 و 179

[7]  القمر : 24

[8] الفرقان : 7

[9]  تفسير فرات الكوفي، ص: 504

[10]  النساء: 64

[11]  التوبة : 39