Search Website

تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة فاطر الدرس 24

تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة فاطر الدرس 24

الايمان بالشركاء هروبٌ من المسؤولية

{إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (38) هُوَ الَّذي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَ لا يَزيدُ الْكافِرينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَ لا يَزيدُ الْكافِرينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (39) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُوني‏ ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (40)}

 لو تلونا السورة المباركة منذ بدايتها ، ولحد هذه المجموعة من الايات ، يتضح لنا ان الجامع لهذه الاية محورية تحميل الانسان مسؤولية اعماله في الدنيا ، فعليه ان يختار الطريق بنفسه للوصول الى الجنة ، فبدءاً من الحديث عن اقتلاع جذور الشرك المسببة لضلالة الانسان وانحرافه عن الجادة ، ومروراً بالحديث عن الرسالات الالهية وكون الرسالات كاملة ، وكافية لايصال الانسان الى مستوى المسؤولية ، وانتهاءاً بهذه المجموعة من الايات ، التي تقتلع اسباب التبرير والتهرب من المسؤولية في الانسان.

محاربة التبريرات الواهية

{ إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ}

حينما يعصي الانسان ربه ، ويقترف الجرائم ، فإنه سيقدم لضميره ومن حوله مجموعة من التبريرات على فعلته تلك ، التي يحاول فيها ان يخفي الحقيقة ، وعلى رأس قائمة التبريرات تلك ، يدّعي بأنه اخفى جريمته عن كل عين ، فلم يرتكب ما ارتكبه في الملأ ، بل ستر عمله عن الاخرين ، وما دام العمل خافياً فما الضير في ذلك ؟ وكما في دعاء ابي حمزة الثمالي : ( فَلَوِ اطَّلَعَ الْيَوْمَ عَلَى ذَنْبِي غَيْرُكَ مَا فَعَلْتُه‏)[1].

والاية هذه تنسف هذا التبرير الذي يتشبث به الكثير من الناس ، حيث ان الله سبحانه وتعالى عالم بكل شيء ، حتى الغيب الذي يخفى على الانسان ، فانه عند الرب شهود ، ذلك لأن الماضي والحال والمستقبل ، والحاضر والغائب ، والقريب والبعيد ، كلها لا تختلف عند الله سبحانه ابداً ، فهو العالم بكل شيء ، وهكذا نقرأ في دعاء الامام الحسين عليه السلام في يوم عرفة : (.. يا جَوادُ، يا مَنْ لا يُوارِي مِنْهُ لَيْلٌ داجٍ، وَ لا بَحْرٌ عَجّاجٌ، وَ لا سَماءٌ ذاتُ أَبْراجٍ، وَ لا ظُلَمٌ ذاتُ ارْنِتاجٍ، يا مَنِ الظُّلْمَةُ عِنْدَهُ‏ ضِياءٌ)[2]، فلا تخفى على الله خافية ابدا.

ووعي الانسان لهذه الحقيقة ، يجعله متحصناً من وسوسة ابليس في هذه الجهة ، حيث يحمله على فعل القبائح بحجة عدم وجود ناظر اليه.

صحيحٌ ان الله يستر العيوب  ، ولا يفضح عبده ، لكن ذلك لا يعني انه لن يعاقبه على جرائمه – ان لم يغفرها له – ، فالمذنب سيتحمل كافة التبعات على معصيته.

وليس علم الله سبحانه ، محصوراً على الغيب الخافي على الناس ، بل الله عليمٌ بما تخفيه صدر الانسان ، قبل ان يقوم بالفعل ، اذ ان الانسان لا يقوم بامر الا بعد ان يهمّ الى فعله في قلبه ، ويستحسنه ، وهذا ما يعلم به الله ايضاً.

وقد ذكر الله علمه بالسموات والارض ، والغيب فيهما لبيان ان رزق الانسان ومعاشهم يأتي من السماء ( كالماء والضياء والدفء و .. ) كما ان السماء هو مكان نزول العذاب والعقاب الالهي ايضاً.

والارض بدورها مكان عيش الانسان ، ولكن رغم ذلك فانه يعجز عن ادراك الكثير من مجاهليها وخوافيها ، التي يعلم بها الله سبحانه.

لا يظنن احدٌ على انه يخفي شيئاً عن ربه ، سبحانه ، بل هو ( عليم بذات الصدور ) ، فلم يقل الله انه ( عالم) بصيغة اسم الفاعل ، بل ورد بصيغة المبالغة للتأكيد على احادة الله سبحانه وتعالى بما يجري في قلب الانسان.

هُوَ الَّذي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ }

لينظر الانسان الى تاريخ من مضى من اسلافه ، ليعرف ان الله كان خالقاً لهم – كما خلقه – وكان محيطاً بما يصنعون – كما هو محيط بما يصنع هو اليوم – ولتكن في نظرته تلك عبرة له ، ليعرف ربه و يتقيه.

فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ }

الانسان ، هو من يتحمل مسؤولية افعاله ، سواء كان ذلك الانسان البدائي ، او من يعيش في العصر التقدم التقني ، لأنها سنة الله سبحانه وتعالى.

وهذا تأكيدٌ على التأكيدات السابقة ، لهدم بنيان التهرب من المسؤولية في قلب الانسان ، لكيلا يلقي باللائمة على الاهل والمجتمع والدهر و .. بسبب افعاله الخاطئة والمنحرفة.

ولا ينفع المرء تكذيبه بهذه الحقيقة في الدنيا ، لأنه سيعترف في يوم من الايام بها ، رغم عدم الفائدة من الاعتراف ، حين يشرف على نار جهنم ، فيسأله الملائكة : هل هذا بالحق؟ فيجيبوا بالايجاب ويعترفوا بها، قال تعالى : (وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ وُقِفُوا عَلى‏ رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى‏ وَ رَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُون‏ )[3].

وَ لا يَزيدُ الْكافِرينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَ لا يَزيدُ الْكافِرينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً}

قد يتوهم البعض ، ان المزيد من الكفر يمنحه شخصية قوية ، ومحترمة في المجتمع ، في حين ان الامر بالعكس تماماً ، فكلما كان المرء مسلماً للحقيقة وخاضعاً لها ، ومتخلياً عند العناد والانانية ، كلما كبرت شخصيته ، وزاده الناس احتراماً.

فلا يحصل الكافر على كفره الا مقتاً من الله وصغاراً ، ولا ينتفع بكفره ، بل لا يزيده كفره الا خساراً ، لا كما يزعمون من انهم يجلبون النفع لأنفسهم عبر تكذيبهم الايات ، وستكتشف امامهم الحقائق في يوم ما ، ويندمون حينها ولات حين مندم ، قال تعالى : (قَدْ خَسِرَ الَّذينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى‏ ما فَرَّطْنا فيها وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى‏ ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُون‏)[4].

الشفاعة بين الشرك والايمان

{ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ }

ان السبب الرئيس في اتخاذ الشركاء من دون الله ، سواء كان اتخاذ الاصنام ، او الملوك ، او الانبياء ، او حتى الافكار ، يعود السبب الى محاولة الكافر التخلص من تبعات اعماله ، فيزعم ان تشبثه بالشركاء من دون الله ، يشفع له في التخلص من جزاء ما اكتسبه من الجرائم.

الا ان مشكلة الكفار ، كانت في عدم اقامتهم دليلاً عقلانياً على هذه الفكرة ، اذ ان الشركاء المزعومين ، لا يقدرون على شيء ، اذ ليس لهم من الامر من شيء.

وهذه الفكرة ، تختلف عن فكرة الشفاعة في المفهوم القرآني ، اذ ان الشفاعة تعني دعاء الشفيع الى الله للمشفوع له ، وقبول الله دعاءه وتشفعه ، لا ان يكون الشفيع مستقلاً عن الله سبحانه.

فالشفيع عند مدرسة اهل البيت – وهي مدرسة القرآن- ليس في عرض الله سبحانه ، بل هو في الطول ، ويكون بأمر من الله عزوجل، ولذلك فأن الاية تكرر ما ذكرته الايات السابقة ( من دون الله ) ، اما اذا كان الشفيع بأمر من الله فلا بأس.

والاية تهاجم اولئك الذين اتخذوا شفعاء من دون الله ، بلا وجود سبب مقنع لما يفعلوه .

أَرُوني‏ ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْهُ }

ان كان الشريك الهاً ، فما هي آية ربوبيته ؟  هل خلق من الارض شيئاً ؟؟ ام له حكمٌ وهيمنةٌ في السماء ؟  ام هو مرسلٌ من قبل الله ، ويحمل بينةً على ما كونه شريكاً؟

وهكذا تثير الاية تساؤلات عميقة ، تهز المشرك ، مما لا يبقى له عذرٌ على ما يقوم به ، وهكذا يقول الامام امير المؤمنين عليه السلام لولده الحسن المجتبى سلام الله عليه : (وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ‏ رُسُلُهُ‏ وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ وَ لَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَ صِفَاتِه‏)[5].

وهكذا ؛ تنفي الاية ادعاء من يزعم الشفاعة من دون دليل ، وفي نفس الوقت تثبت قول من يقول بشفاعة من أمر الله باتخاذهم وسيلة اليه ، اذ انه يستدل على ما يعتقد به بقول الله تعالى.

بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً}

ان لم يكن لهم دليلٌ مقنع ، فلم يفعل الكافرون ما يفعلونه ؟

ذلك لأن الكافر يخدع نفسه اولاً ، ومن ثم يبدأ بخداع الاخر ، و الحال ان الاخر بدوره يقوم بخداعه ، اذ ان الكفر مما يرفضه ضمير كل انسان ، لأن الله بيّن الحق وميّزه عن الباطل ، والكفر باطلٌ بلا شك ، وحين يحاول الانسان ان يخدع نفسه ، يجدها لا تقبل ذلك ، فيسليها بخداع الاخرين.  وبعبارة اوضح  ان الكفار يقومون بتغرير بعضهم البعض بالكفر ، كما يقوم المؤمنون بالتواصي بالحق والصبر والمرحمة.

تنزيل: [نشرة البصائر الرمضانية العدد: 24]


[1]  مصباح المتهجد وسلاح المتعبد : ج2 ، ص 584

[2] الاقبال بالاعمال الحسنة : ج2 ، ص 50

[3]  الانعام : 30

[4]  الانعام : 31

[5]  نهج البلاغة : ص 329